محمد شقير
يتجدد الجدل في المغرب سنوياً، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، بشأن الساعة الإضافية (GMT+1) المعتمدة طوال العام باستثناء رمضان. إذ شهدت بداية سنة 2026 تجدد الاحتجاجات والمطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسؤالاً كتابياً في مجلس المستشارين موجهاً لرئيس الحكومة، بهدف العودة للتوقيت القانوني (GMT). وقد أشار تقرير لمركز أبحاث إلى أن التوقيت الصيفي الدائم يسبب فقداناً للنوم (بمعدل 19 دقيقة يومياً)، ويزيد مخاطر السمنة والسكري، ويؤثر سلباً على تحصيل التلاميذ الدراسي نتيجة استيقاظهم في الظلام. كما يشتكي المواطنون من خروج النساء العاملات والطلاب في ساعات مبكرة وظلمة، مما يثير مخاوف أمنية وصحية، خاصة في فصل الشتاء. بينما تبرر الحكومة مواصلة العمل بهذه الساعة الإضافية بمكاسب اقتصادية ومواءمة التوقيت مع الشركاء الأوروبيين. تدافع الحكومة عن قرارها المبني على مرسوم 2018، مستندة إلى دراسات تظهر فوائد في استهلاك الطاقة وتعزيز التزامن الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، رغم شكوك معارضين في جدواها الاقتصادية الحقيقية.
ولعل هذا الجدل يخفي في عمقه إشكالية “تقطيع زمني” عانت منها الدولة بالمغرب بعد التدخل الأوروبي. فقبل الحماية كان المغرب يعرف تطابقاً بين “الزمن السياسي” و”الزمن الاجتماعي” مادام أن كليهما كان يستمد جوهره من التقطيع الزمني الإسلامي. غير أن التدخل الاستعماري في المغرب وإعادة هيكلة دواليبه الإدارية والسياسية والاقتصادية أحدث شرخاً بين هذين الزمنين من خلال فرضه تقطيعاً زمنياً ذا “وتيرة تأريخية” مسيحية وتنظيم تايلوري وتقنيناً ذا أصول رومانية، وتقطيعاً مرتبطاً بالحركية الاقتصادية والإدارية الدولية.
1- التوقيت الرسمي والتوفيق بين الزمن الشرعي والزمن الوضعي
دأب المجتمع المغربي عبر تطوره التاريخي على اتباع منظومة زمنية محكومة بمراقبة الهلال، في حين نهجت الدولة في فترة الحماية وبعد الاستقلال تقطيعاً زمنياً يتقلب أساساً وفق نظام شمسي ويعتمد تأريخاً ميلادياً؛ مما أدى إلى إحداث فجوة كبيرة بين التأريخ الرسمي والتأريخ الاجتماعي. وهكذا نجد أن مختلف المراسلات الرسمية والمكاتبات الإدارية والاتفاقيات والمعاهدات الدولية كلها تحمل “انفصاماً زمنياً” يتأرجح بين “التقطيع القمري ذي الخلفية التأريخية النبوية” وبين “التقطيع الشمسي ذي الخلفية التاريخية المسيحية”.
كما أن الاحتفالات الرسمية أصبحت بدورها تحدد ضمن خلفيات متعددة تتأرجح بين منطق الزمن السياسي من خلال تحديد مجموعة من الأعياد الوطنية كعيد الاستقلال وعيد العرش، ومنطق الزمن الديني من خلال الحفاظ على مجموعة من الأعياد الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى وعيد المولد النبوي، ومنطق الزمن الدولي من خلال الاحتفال سواء بأعياد عالمية (كفاتح ماي) أو بالأيام العالمية مثل اليوم العالمي للمرأة، واليوم العالمي للطفل إلى غير ذلك. وقد أدى هذا “التعدد الزمني” إلى كثرة الأعياد والعطل، الشيء الذي كثيراً ما أثار انتقاد الدوائر الإنتاجية المحلية والدولية ومطالبتها بضرورة تقليص عدد العطل الوطنية. كما أحدث هذا التعدد أيضاً اضطراباً وخلطاً في “الرؤية الزمنية” للمواطن المغربي وتمثله لذاكرته الوطنية واستيعابه لتاريخه المحلي.
وقد حاولت الدولة بالمغرب أن تتدارك هذا “الانفصام الكبير” في زمنيتها من خلال اللجوء إلى مجموعة من الإجراءات تتمثل خاصة في:
المراقبة الرسمية للهلال:
إن المنطق المركزي الذي ورثته الدولة المغربية عن الدولة “اليعقوبية الفرنسية” فرض عليها أن توحد ليس فقط مجالها السياسي بل أيضاً “مجالها الزمني”. لكن الصعوبة التي واجهتها هي “ازدواجية زمنية”؛ بحيث وجدت نفسها أمام “زمنية” تتحرك وفق إيقاع شمسي يتميز بضبط ودقة في توالي الشهور وتعاقبها، وإيقاع قمري يدور وفق نظام زمني خاص. ولتجاوز هذه الصعوبة، كلفت الدولة أجهزة إدارية خاصة لمراقبة ظهور الهلال والإعلان عن رؤيته. وهكذا أصبحت تواريخ الشهور القمرية تحدد بعدما يعلن نظار المملكة عن “ثبوت أو عدم ثبوت رؤية الهلال”.
لكن رغم هذا الإجراء، فغالباً ما تبرز مشاكل تنظيمية خاصة في بعض الأعياد الدينية كعيد الفطر أو عيد الأضحى؛ إذ يواجه الموظفون والمستخدمون وغيرهم من القطاعات الشغيلة صعوبات جمة في ضبط توقيت عطلهم وأسفارهم، مما يؤدي في آخر المطاف إلى بلبلة واضطراب في السير العادي سواء في الإدارات أو القطاع الخاص. كما أن حرص الدولة المغربية على التفرد بتحديد تواريخ الإعلان عن أعيادها واحتفالاتها عادة ما يدفع إلى شعور المواطنين بنوع من الاضطراب؛ إذ لم يستوعبوا بعد كيف أن بلداناً إسلامية تنتمي إلى نفس المنظومة الدينية والحضارية ينتهي بها المطاف إلى أن تعلن بصفة فردية وانفرادية رؤية الهلال أو عدم رؤيته. وبالتالي فقد درج المغرب على الاحتفال في غالب الأعياد الدينية بمفرده متأخراً عن باقي الدول العربية والإسلامية. كما أن جالياته المنتشرة في مختلف الدول الغربية، وخاصة الأوروبية منها، عادة ما تمارس طقوسها ومراسمها الدينية من خلال التوقيت المحدد من طرف بعض الدول العربية خاصة المملكة السعودية بوصفها مكان الحرمين.
المزاوجة التأريخية:
تبنت الدولة المغربية طريقة التأريخ الميلادي في مكاتباتها الرسمية أو في تعاملاتها الداخلية أو الخارجية؛ في حين أن المجتمع المغربي مازالت بعض شرائحه، خاصة القروية منها والبدوية، تعتمد التأريخ الهجري. ولتدارك هذا “الإشكال الزمني”، لجأت الدولة إلى المزاوجة التأريخية عن طريق التأريخ الرسمي للأحداث العامة أو عن طريق الاحتفال المزدوج بالمناسبات. فقد تم تبني طريقة التأريخ بالميلادي والتأريخ بالهجري وذلك من خلال استخدام مصطلح “موافق”. وهكذا نجد أن مختلف الكتابات الرسمية تحدد تواريخها من خلال الجمع بين التأريخ الهجري والتأريخ الميلادي مع إضافة كلمة “موافق” التي تتوسط عادة هذا التقطيع الزمني المتناقض.
لكن هذا “التوفيق الزمني” رغم استخدامه للتخفيف من هذا الانفصام الزمني الحاد، فهو لا يستطيع أن يخفي الفجوة الحضارية التي توجد بين التأريخين والمتمثلة خاصة في: اختلاف الإيقاع الزمني (شمسي وقمري) واختلاف الخلفية الدينية (منظومة مسيحية ومنظومة إسلامية). لكن بالإضافة إلى هذا “الاختلاف الزمني”، فهناك فجوة زمنية تقدر بستة قرون، والتي لا يمكن احتسابها تقنياً، بل سياسياً وحضارياً. فستة قرون هذه هي قرون تخلف المغرب عن الركب الحضاري العالمي، حيث تختزل هذه الفترة الزمنية كل العوامل السياسية والاقتصادية والفكرية والعسكرية التي كانت وراء هذا التخلف الحضاري المغربي بصفة خاصة والعربي بصفة عامة.
2- التوقيت الرسمي بين التوقيت الإداري والتوقيت الاجتماعي
ورثت الدولة المغربية عن الدولة الاستعمارية التقطيع “التايلوري” للزمن؛ حيث حدد توقيت العمل الإداري في ثماني ساعات مقسمة ما بين ثلاث ساعات ونصف في الصباح وأربع ساعات ونصف في المساء مع توقف عن العمل في الفترة الزوالية محدد بساعتين ونصف. في حين بقي التوقيت الاجتماعي محدداً وفق توقيت الصلوات الخمس. “إذ أن الحياة العادية للمسلم تنظم من خلال أذان المؤذن خمس مرات في اليوم”. كما أن النشاط الإنتاجي في بعض المدن المغربية العتيقة مازال يحدد وفق توقيت الأذان، فأذان الفجر يكون موعداً للذهاب إلى سوق المواشي والحبوب والخضر، والظهر يكون موعد الغداء والقيلولة، والعصر يستأنف فيه النشاط التجاري وهكذا. بل إنه حتى في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس وغيرها، هناك عدة شرائح اجتماعية مرتبطة خاصة بالقطاع الحرفي والتجاري وبعض القطاعات غير المنظمة تشتغل وفق توقيت مغاير لتوقيت العمل الإداري الرسمي؛ فنشاطها اليومي ينضبط بتوقيت الأذان. وبالتالي فإن الأذان يكون مناسبة لإقفال المحل والذهاب للصلاة. أما بالنسبة لأيام الأسبوع، فقد درج المجتمع المغربي على اعتبار يوم الجمعة يوماً يتميز “بطابعه القدسي”، ومناسبة لتجمع المؤمنين لأداء الصلاة والاستماع لخطبة الجمعة. غير أن الإشكال الزمني الكبير عادة ما يثار في شهر رمضان الذي لا يتوافق إيقاع الحياة فيه وطبيعة التوقيت الإداري الرسمي.
ولتجاوز مختلف هذه “المفارقات الزمنية”، عملت الدولة بالمغرب على التحكم الإداري في التوقيت اليومي للصلوات وذلك من خلال عدة أساليب، من أهمها الإعلان الرسمي عن توقيت صلوات اليوم؛ بحيث استخدمت وسائل الإعلام الرسمية (من راديو وتلفزة) للإعلان عن وقت الصلاة، فيتم توقيف أي برنامج مذاع أو متلفز ليعلن عن موعد الصلاة ليستأنف بعد ذلك البرنامج. ولعل استخدام هذه الطريقة الإعلامية يخفي هدف الدولة المبطن في التحكم “في المجال الزمني الديني”؛ إذ أن ربط أوقات الصلاة بتوقيت العاصمة الإدارية يجعل “الزمن الديني” خاضعاً للسلطة المركزية. كما حاولت الدولة أيضاً، وتحت تأثير المد الأصولي، بناء مساجد بمختلف الإدارات حتى يسهل على موظفي الدولة أداء الصلوات في أوقاتها. وهكذا سمح بالأذان داخل الإدارات مع ما يرافق ذلك من تكبير وتهليل في بنيات قائمة على الانضباط والعقلنة. أما بالنسبة ليوم الجمعة، فقد تفردت الدولة بين أغلب الدول العربية والإسلامية بعدم اعتباره يوم عطلة بخلاف جل الدول المغاربية والعربية. في حين تم العمل على التقليص من ساعة العمل الإداري في هذا اليوم بنصف ساعة في الصباح ونصف ساعة في بداية المساء حتى يسمح لشرائح الموظفين والمستخدمين بأداء التزاماتهم الدينية والروحية.
بينما فرضت نظام التوقيت الإداري المستمر طيلة شهر رمضان؛ بحيث عادة ما يتم تقليص ساعات العمل الإدارية حتى توفر الظروف الملائمة للتكيف مع إكراهات هذا الشهر ومتطلباته مما يؤثر بالطبع على وتيرة العمل الإداري خاصة في فصل الصيف. كما كان يعدل هذا التوقيت الإداري الرسمي في الفترة الصيفية وفق أهواء الحكومات التي تعاقبت في المغرب منذ ستينيات القرن الماضي: فهناك حكومة طبقت توقيتاً إدارياً يمتد من الساعة الثامنة إلى الساعة الثالثة بعد الزوال، وهناك أخرى طبقت توقيتاً صباحياً يمتد من الساعة 8 إلى الساعة 12، ومن الساعة الرابعة إلى الساعة السادسة والنصف كحكومة كريم العمراني. وبالتالي، فقد بقي اعتماد التوقيت المستمر من طرف الإدارة المغربية إشكالية سياسية وأمنية لم تستطع كل الحكومات المتعاقبة الحسم فيها، بما في ذلك حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي رغم وعودها، و”دراساتها التوقعية” بشأن هذا التوقيت، فقد فشلت في إقرار هذا التوقيت بسبب تضارب تياراتها وعدم الاتفاق بين مكوناتها الحزبية.
لكن يبدو أن الارتفاع الصاروخي لأسعار البترول الدولية سنة 2006، وانعكاس ذلك على الفاتورة النفطية للمغرب، بخر كل هذه الهواجس الأمنية والخلافات السياسية، ودفع بحكومة السيد إدريس جطو إلى الإسراع في تطبيق توقيت مستمر حددت مدته بين الساعة الثامنة والنصف صباحاً والساعة الرابعة والنصف بعد الزوال. في حين أسندت للوزير المكلف بتحديث القطاعات العامة مهمة توضيح مزايا العمل بهذا التوقيت مقارنة بالتوقيت السابق الذي اعتبره في إحدى حواراته التلفزية توقيتاً متخلفاً لا يتلاءم مع المستجدات والتطورات الحالية التي يعرفها المغرب. واعتبر أن مزايا هذا التوقيت المستمر تكمن في أنه يجنب الموظفين والموظفات عناء التنقل المتكرر بين عملهم ومقر سكناهم بما يتطلب ذلك من مصاريف وجهد بدني ونفسي، كما أنه سيوفر لميزانية الدولة الاقتصاد في مصاريف الطاقة.
3- التوقيت الرسمي بين الحقوق الفردية والمصلحة الاقتصادية
في إطار تنفيذ سياستها الليبرالية المتغولة، التي همت بالأساس رفع الدعم عن الوقود، وتجميد الأجور، واقتطاعات إصلاح صندوق التقاعد والحفاظ على التوازنات المالية الماكرو اقتصادية، كرست حكومة بن كيران التوقيت الصيفي بمقتضى مرسوم 18 أبريل 2012، الذي يقضي “باعتماد تغيير الساعة القانونية بإضافة 60 دقيقة على التوقيت القانوني عند حلول الساعة الثانية بعد منتصف الليل من يوم الأحد الأخير من شهر مارس من كل سنة، والعودة إلى الساعة القانونية من جديد مع حلول الساعة الثالثة بعد منتصف الليل من يوم الأحد الأخير من شهر أكتوبر من نفس السنة، مع استثناء شهر رمضان”. وقد تم تبرير اعتماد الحكومة لهذا الإجراء بتيسير الإجراءات التجارية في التعامل مع شركاء المغرب، خاصة بلدان الاتحاد الأوروبي، وبالأخص فرنسا نظراً للارتهان الوثيق بالمصالح الاقتصادية للمحتل السابق سواء فيما يتعلق بحجم استثماراته داخل المغرب، أو بعدد العمال المغاربة المتواجدين بهذا البلد، أو باستعمال لغته في التعاملات التجارية أو كلغة للتدريس.
وفي هذا السياق سبق لفعاليات مدنية ونقابية أن “وجهت مذكرة إلى رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، تطالبه فيها برفع معاناة المواطنين مع الساعة الإضافية في الأقاليم الشرقية التي تعرف عزلة، خصوصاً مع ارتفاع موجات البرد في شهر مارس الذي تتم فيه زيادة الساعة”. كما طالب عمر أحمين، نائب برلماني عن حزب العدالة والتنمية، في سؤال كتابي، بتأخير التوقيت المدرسي في الفترة الصباحية بساعة “حتى يتمكن الأطفال من أخذ قسطهم من الراحة والخروج إلى المدرسة التي قد تكون بعيدة عن السكن بكيلومترات، وذلك لرفع المعاناة عن سكان إقليم ميدلت والأقاليم المشابهة”. من جهته، وجه برلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، سؤالاً إلى رئيس الحكومة، قال فيه إن “السواد الأعظم من المغاربة يعانون من جراء زيادة ستين دقيقة إلى التوقيت العادي، إذ يعتبرون الأمر لا يخدم مصالحهم ولا مصالح أبنائهم؛ ويتسبب في آثار وخيمة على نمط عيشهم ويخل بعاداتهم اليومية وسلوكاتهم المعتادة؛ ناهيك عن المشاكل الصحية والاضطرابات النفسية”، مشيراً إلى أنه “إذا كان اعتماد الإجراء يرمي إلى تيسير الإجراءات التجارية في التعامل مع شركاء المغرب، خاصة بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر نفسه يجب أن ينطبق على باقي الشركاء الذين لا يطبقون تلك الزيادة؛ وفي مقدمتهم الدول الأفريقية، خاصة في ظل سياسة جنوب-جنوب الجديدة وانفتاح الاقتصاد المغربي على بلدان جنوب الصحراء”.
لكن رغم هذه الردود المنتقدة، فقد استفردت الدولة من خلال حكومة العثماني بقرار إضافة 60 دقيقة للتوقيت الرسمي دون أدنى اعتبار لهذه الردود الشعبية، ودون إقناع الرأي العام بالحصيلة الإيجابية لتطبيق هذا التوقيت في اقتصاد الطاقة وانعكاس ذلك على فاتورة أداء المواطن لفاتورة الماء والكهرباء الشهرية. بل أكثر من ذلك، ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه أن يتم العودة إلى التوقيت العادي كما تم الإعلان عن ذلك من طرف وسائل الإعلام الرسمية، فوجئ الرأي العام بمرسوم الحكومة الذي تمت المصادقة فيه على الإبقاء على هذه الساعة الإضافية طوال السنة وذلك في اجتماع استثنائي ترأسه رئيس الحكومة، لم يحضره سوى 18 وزيراً فقط بينما سجل تغيب باقي أعضاء المجلس، ليتم نشره في الجريدة الرسمية قبيل انتهاء أجل العمل بالتوقيت السابق.
وقد ربط بعض المتتبعين قرار الإبقاء على هذه الساعة الإضافية بدوافع اقتصادية خارجية تتمثل في أن المدير العام لشركة “رونو” هو الذي طالب المغرب بتطبيق الساعة الإضافية طيلة السنة بعدما فقدت شركته الكثير من الأرباح بسبب الفرق في التوقيت بين أوروبا والمغرب. كما ربط متتبعون آخرون ذلك بأن مضمون الاتفاقية التي وقعت بين الرباط وشركة “رونو” لتوسيع مصانع هذه الأخيرة بالمغرب، كان من بين بنودها الاستمرار في العمل بهذا التوقيت طيلة السنة، لأن فرق ساعتين بين المغرب وفرنسا يخلق ارتباكاً في أنشطة الشركة الفرنسية. ولتأكيد هذا المعطى تم الاستناد إلى مؤشرين رئيسيين يتمثل الأول في تزامن استقبال الملك للرئيس المدير العام لشركة “رونو” كارلوس غصن، مع ليلة اتخاذ الحكومة لقرارها المفاجئ بالإبقاء على الساعة الإضافية، والثاني بأن هذا القرار لم يدرج في الاجتماع الأسبوعي الذي عقدته الحكومة، وإنما خصص له اجتماع استثنائي صبيحة اليوم الموالي.
لكن كل هذه المبررات لا تخفي منطق الدولة السياسي في تكريس تحكمها في توقيت “رعاياها” والتدخل في أدق خصوصيات حياتهم، بما في ذلك تقنين أوقات استيقاظهم وتحديد أوقات نومهم، مما حول الدولة إلى آلة كبرى للزمن تحدد وتيرة المعيش اليومي للسكان، وترسم التوقيت الزمني الذي ينبغي اتباعه والانضباط له. وقد كان لهذا الوضع عدة انعكاسات سلبية على وتيرة المعيش اليومي للمغاربة، نظراً للتشويش الزمني الذي يلحق بالساكنة من خلال قياسات زمنية انفصامية (ساعة جديدة وساعة قديمة) والتأثير على مزاجية شرائح مهمة من المجتمع من فئات الطلبة والتلاميذ بسبب التغيير المفاجئ والمتقطع في وتيرة برنامجهم المدرسي والجامعي، مما كانت له عدة ردود تمثلت في بعض العرائض التي طالبت بإلغاء العمل بهذا التوقيت الصيفي أو على الأقل تأجيل تطبيقه إلى ما بعد شهر رمضان.
كما أن هذا الوضع يعكس في العمق تخبط الدولة في تدبير توقيتها الاجتماعي وعدم حسمها في وضع آليات ناجعة وذلك على غرار الدول العصرية المتحكمة في تدبير توقيت اشتغال بنياتها الاقتصادية والإنتاجية. فالتبعية الاقتصادية للسوق الأوروبية وعلى رأسها السوق الفرنسية تؤثر على عملية تحكم الدولة في تدبير توقيتها الاجتماعي والإنتاجي. ولعل تبرير رئيس الحكومة السابق بأن الإبقاء على هذا التوقيت سيمكن من اقتصاد الطاقة هو اعتراف ضمني بأن الدولة لا تتوفر ليس فقط على مصادر طاقتها البترولية بل بالأساس لا تتحكم في بنياتها الإنتاجية. فبالإضافة إلى ارتهانها للتقلبات المناخية في تدبير قطاعها الفلاحي مما دفع الملك الراحل الحسن الثاني بعد توالي سنوات الجفاف في ثمانينيات القرن الماضي إلى تغيير توقيت مناقشة مشروع قانون المالية من نهاية دجنبر إلى منتصف السنة، فهي مرتهنة إلى الطلبيات الأجنبية في تدبير نسيجها الصناعي الذي تحول من الاعتماد على الطلبيات النسيجية إلى الارتهان لطلبيات صنع السيارات الأجنبية بالمنطقة الصناعية الحرة بطنجة بما يفرضه ذلك من تطبيق لوتيرة إنتاج يحدد توقيتها طبقاً لأجندة إنتاجية خارجية لا تأخذ بعين الاعتبار الآثار المترتبة عن ذلك على المنظومة الاجتماعية. كما أن ما تضمنه مرسوم حكومة سعد الدين العثماني السابقة أنه “سيتم العمل بهذا التوقيت على سبيل التجريب” وتواصل العمل بالساعة الإضافية في حكومة أخنوش، يعكس إلى حد بعيد عجز الدولة عن امتلاك أي تصور مستقل للتحكم في تدبير توقيتها الاجتماعي والإنتاجي سواء في الأمد القصير أو البعيد.
وبالتالي، فعلى غرار نجاح الدولة في تدبير توقيتها الديني، من امتلاكها لآليات تحدد مواعيد الصلوات الخمس، والإعلان عن الشهور القمرية، وتحديد المناسبات الدينية، وتدبير شهر رمضان… يجب على الدولة أن تتحكم في تدبير توقيتها الوضعي من خلال امتلاك تصور مكتمل ومرن حول تحديد وتيرة اشتغال بنياتها الإدارية والإنتاجية يأخذ بعين الاعتبار مقومات الساعة البيولوجية للأفراد، واختلاف بيئاتهم الجغرافية والمناخية ويراعي حقوقهم بالعيش وفق تقطيع زمني طبيعي يتلاءم مع خصوصيتهم البيولوجية ويراعي حقوق أطفالهم في أخذ كفايتهم من النوم الطبيعي وعدم التعسف في فرض ساعة إضافية تضطرهم إلى الخروج في أوقات غير ملائمة للالتحاق بمدارسهم خاصة في فصل الشتاء!!!