د.عبد القادر الحافظ بريهما
تعد قضية “الساعة الإضافية” في المغرب واحدة من أكثر القرارات الحكومية إثارة للجدل الشعبي في العقد الأخير، حيث تم الانتقال من نظام التوقيت الصيفي المؤقت إلى اعتماده بشكل مستدام طيلة السنة (GMT+1) بموجب المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في أكتوبر 2018. وقد لعب حزب العدالة والتنمية، الذي كان يقود الحكومة آنذاك برئاسة سعد الدين العثماني، الدور المحوري في تمرير هذا القرار المباغت الذي تم اتخاذه في مجلس حكومي استثنائي قبيل يومين فقط من تاريخ العودة المقررة للساعة القانونية، مما اعتبره الشارع المغربي استهتارا بالاستقرار النفسي والاجتماعي للمواطنين وتكريسا لسياسة “الأمر الواقع” دون فتح نقاش عمومي حقيقي.
تتحجج حكومتنا الموقرة دائما بضرورة ملاءمة التوقيت مع الشركاء الاقتصاديين الدوليين، وخاصة الاتحاد الأوروبي، لتسهيل المعاملات التجارية والمالية، لكن هذا المبرر يسقط أمام حقيقة أن الإنسان هو محور أي تنمية، فالاقتصاد الذي ينهك المواطن جسديا ونفسيا هو اقتصاد غير مستدام، إذ لا يمكن اختزال الدولة في مجرد “منصة خدمات” للشركات الأجنبية على حساب الإيقاع البيولوجي للشعب، خاصة وأن الفوارق الزمنية البسيطة لم تكن يوما عائقا أمام القوى الاقتصادية الكبرى في تعاملاتها مع أسواق ذات توقيتات متباينة تماما.
أما التبرير المتعلق بـ “اقتصاد الطاقة” الذي تروج له الجهات الرسمية، فهو طرح يفتقر للدقة العلمية الملموسة في السياق المغربي، حيث إن توفير بعض الكيلوواط في الإنارة المسائية يقابله استهلاك مفرط في الصباح الباكر، فضلا عن التكاليف غير المباشرة المتمثلة في تراجع الإنتاجية المهنية بسبب اضطرابات النوم والإرهاق المزمن الذي يعاني منه الموظفون والعمال، مما يجعل “الربح” الطاقي المزعوم يتحول إلى خسارة بشرية واقتصادية فادحة في ميزان الصحة العامة.
وفيما يخص الترويج لفكرة أن هذه الساعة تمنح وقتا أطول للرياضة أو الأنشطة الترفيهية بعد العمل، فهي مغالطة تنفصل عن واقع الأسر المغربية، إذ أن طول ساعات العمل والتنقل في المدن الكبرى يجعل المواطن يصل إلى منزله منهكا خائرا ومجهدا، بينما تسرق منه هذه الساعة لحظات النوم الصباحية الثمينة، مما يحول “وقت الفراغ” المفترض إلى مجرد ساعات إضافية من التعب والإعياء والمشقة تحت سماء مظلمة دامسة، ويجعل ممارسة الرياضة الصباحية ضربا من الخيال في ظل برودة الطقس وغياب ضوء النهار.
إن المشهد الأكثر إيلاما في هذا الملف هو خروج الأطفال والناشئة إلى مدارسهم في جنح الظلام، حيث يضطر تلاميذ القرى والمدن على حد سواء لقطع مسافات طويلة في الفجر، مما يعرضهم لمخاطر أمنية جمة من اعتداءات أو حوادث سير، ويحرمهم من حقهم الطبيعي في الاستيقاظ مع شروق الشمس، وهو ما يؤثر سلبا على تركيزهم الذهني وتحصيلهم الدراسي، ويحول اليوم الدراسي إلى عبء ثقيل يبدأ بالخوف وينتهي بالإرهاق.
ويبرز في هذا السياق خطاب “مشبوه” لبعض المأجورين يهاجمون المطالب الشعبية بتهم واهية، زاعمة أن عرائض الرفض يحركها “ذباب خارجي جزائري”، وهو خلط متعمد وسيء النية بين موضوعية الساعة القانونية (المرتبطة بالهوية الجغرافية) وبين عشوائية الساعة الإضافية المجحفة، فهذا التجني يحاول شيطنة غضب الأسر المغربية الحقيقي وهروبا من مواجهة فشل القرار الذي جعل المغاربة يرفضون توقيتا لا يراعي أمن أطفالهم ولا فطرتهم السليمة.
أخيرا، يرى الرافضون وانا على رأسهم أن استمرار الحكومة في التشبث بهذا المرسوم رغم سهولة إلغائه قانونيا، يعكس فجوة عميقة في الثقة بين الحكومة ومواطنيها، فالدواعي التي يستند إليها الشارع هي دواعي إنسانية، اجتماعية، وصحية بامتياز، تضع كرامة المواطن وسلامة الأطفال فوق أي اعتبارات تقنية أو طاقية مشكوك في نتائجها، مما يجعل العودة إلى الساعة القانونية (GMT) مطلبا شعبياً لاستعادة التوازن المفقود في حياة المغاربة اليومية.