الأحداثالدكتورة نهاد أفقير. أستاذة القانون الجنائي بكلية العلوم القانونية والسياسية جامعة الحسن الأول-سطات
أضحى موضوع البيئة محورا أساسيا في كل النظم القانونية، وذلك راجع إلى الأضرار البيئية من قبيل تلوث الهواء، المياه، وتراجع الغطاء الغابوي وتفاقم مشكلة النفايات وانتشار الأمراض، مما ألزم الدولة على اعتماد برامج استراتيجية وتشريعية، تأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي كمعيار حقيقي للتنمية المستدامة قصد حماية حق الإنسان في العيش ضمن بيئة سليمة ومتوازنة، لذلك استشعر المنتظم الدولي بالمخاطر والأضرار الناشئة عن الإخلال بالتوازن البيئي والاستنزاف المتزايد لموارد الثروة الطبيعية، الأمر الذي جعل الدول تبذل قصارى جهدها من خلال مؤسساتها وأنظمتها المعنية بحماية البيئة، للحد من تلك المخاطر والأضرار التي أصبحت تهدد وجود الإنسان والمحافظة على الكائنات الحية بمختلف أنواعها، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بإرساء مستجدات تشريعية حديثة من شأنها مواجهة المخاطر التي قد تطرحها هذه التطورات خاصة فيما يرتبط بالأمن البيئي، ولما كان ضمان العيش في بيئة سليمة حق من الحقوق الكونية المشتركة للإنسانية جمعاء، فإن الحرص على ضمانه، هاجس ظل يؤرق جل تشريعات دول المعمور، من خلال سن دعائم تحقيق الأمن البيئي الدولي، كمدخل لتكريس حق آخر هو الحق في الحياة والسلامة. وعليه وارتباطا بكل هذا عمل المشرع المغربي على الانخراط في ركب المنتظم الدولي من خلال سن ترسانة قانونية حديثة ذات الصلة بالأمن البيئي ، من خلال جعل الحق في البيئة مبدأ دستوريا في الوثيقة الدستورية لسنة (2011)، وسن مقتضيات قانونية حديثة ذات الصلة البيئة، ناهيك أن هذا الموضوع يطرح العديد من الإشكالات والمخاطر المرتبطة أساسًا بمقاربة حدود فعالية الآليات والضمانات القانونية المرصودة في القانون المغربي لضمان الأمن البيئي ومقاربة مدى ملائمة هذه المقتضيات مع المعايير الدولية ذات الصلة بها أيضا أن الإجرام البيئي أضحى من الموضوعات التي تفــــرض نفسها على الساحة الوطنية ولذلك أفــــرد لها المشرع المغربي عدة قوانين جزائية تروم تأطيرها وتوفير البنية التشريعية لحمايتها، وذلك من خـــلال قانون: 03-11 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، وقانون رقم: 03-12 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة، وقانون رقم: 03-13 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء، وقانـــون رقم: 00-28 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، بالإضافة إلى القانون الجنائي الذي جمع مجموعة من الفصول (من 608 الى 612) التي تعاقب على الجرائم الخاصة بالبيئة. هذه القوانين، وأخرى ستأتي في التحليل والمناقشة، تتضمن عقوبات زجرية تختلف من حيث صنفها وسقفها حسب طبيعة الجريمة البيئية المقترفة، والقطاع البيئي المشمول بالحماية، والتي تتمحور على عقوبات حبسية؛ الغرامات المالية؛ مصادرة وسائل النقل والأدوات المحجوزة التي لها علاقة بالجريمة البيئية، والأشياء الضارة أو الخطيرة أو المحظور امتلاكها؛ وجوب الأمر القضائي، وعلى نفقة المخالف، بتنفيذ الأشغال اللازمة لتفادي أي إضرار بالبيئة أو بالصحة العامة؛- وجوب الحكم بهدم البناء والتجهيزات المنجزة من أجل إحداث تجزئة أو مجموعة سكنية، المشيدة بدون رخصة، أو بتنفيذ الأشغال ليصير العقار مطابقا للأنظمة المقررة، وذلك على نفقة مرتكب المخالفة؛ إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة، عند الاقتضاء وحسب موضوع المخالفة البيئية؛ تطبيق العقوبة الأشد في حالة تعدد المخالفات البيئية، وضم العقوبات المالية سواء كانت أصلية أو إضافية إلى العقوبات السالبة للحرية إلا إذا قرر الحكم خلاف ذلك بعبارة صريحة، وذلك تبعا للجريمة البيئية المرتكبة. لكن هذه المقتضــــيات الردعية لا تكون فعالة إلا إذا تم تطبيقــــها بشكل سليم وجــــريء، أما إذا ارتبطت الجرائم البيئية بمشاريع ومخططات تستهدف تدمير الثروة البيئية أو تلويث المجال البيئي، قصد خلق فوضى عارمة يتم على إثرها المس بالنظام العام والأمن العمومي وإشاعة الذعر والترهيب بين عموم المواطنين، فإن المشرع المغربي صنفها ضمن الجرائم الإرهابية، ونص عليها في القانون رقم: 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب بالمغرب. وانطلاقا من القوانين السالفة الذكر حول الموضوع، يمكن طرح الإشكالية التالية:
إلى أي حد استطاع المشرع المغربي تنزيل هذه المقتضيات القانونية للحد من التجاوزات المضرة بالبيئة؟ وما مدى كفاية وفعالية التشريعات الجنائية الحالية في حماية البيئة والإحاطة بكل مكوناتها؟
بالرجوع لمقتضيات القانون رقم 13.03 ، نجد أن المشرع المغربي حدد مجموعة من السلوكيات التي تضر بالهواء كمكون من مكونات البيئة، وكعامل أساسي في بقاء وعيش الانسان في بيئة سليمة ، حيث يقوم السلوك الاجرامي في جريمة تلوث الهواء في كل عمل أو مجموعة من الأعمال التي يقوم بها الجاني ليتوصل بها إلى ارتكاب جريمة التلوث، وعليه فإن جريمة الاضرار بالهواء كمكون من البيئة تتحقق بكل نشاط مادي يأتيه الجاني سواء اتخذ هذا النشاط صورة الفعل الايجابي عن طريق اتيان أحد الأفعال المضرة بالهواء والتي نهى عنها المشرع في المادة الرابعة من القانون 13.03، كلفظ أو إطلاق مواد ملوثة في الهواء كالغازات السامة أو الأكالة أو البخار أو الحرارة أو الغبار أو الروائح بنسبة تفوق القدر أو التركيز المسموح به، أو عن طريق الامتناع عن القيام بفعل أمر به القانون كما هو الشأن فيما جاء في الفقرة الثانية من المادة 15 من القانون رقم 13.03 حيث جاء في هذه المادة ” …عند عدم قيام مرتكب المخالفات بالإصلاحات الضرورية يعرض للعقوبات المنصوص عليها في المادة 18″ .وبالرجوع إلى المادة 18 من القانون 13.03 نجد أنها تنص على أنه: يعاقب بغرامة من 200 إلى 20 الف درهم كل من :
- لم يحترم شرطا أو تقييدا أو منعا مفروضا من لدن الادارة
- رفض الامتثال للتعليمات الصادرة من لدن الادارة
- عرقلة أو منع بأي شكل من الأشكال تنفيذ الاجراءات الاستعجالية التي تأمر بها الادارة…”
أما في ما يخص النتيجة الاجرامية فهي من الأمور الصعبة تحديدها و إثباتها في جرائم تلوث الهواء بصفة خاصة، وجرائم تلوث البيئة بصفة عامة وهذا راجع اساسا إلى طبيعة هذا النوع من الجرائم وما يترتب عنها من نتائج، فهي بعكس الجرائم التقليدية التي يترتب عنها نتائج مادية ملموسة مباشرة كمصادرة حق الملكية في جرائم السرقة، وازهاق روح الانسان أو اصابته بعاهة مستديمة، فالأمر يختلف في جريمة تلوث الهواء لأنها تتحقق بعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، وهذه النتيجة قد تتحقق في مكان حدوث الفعل وقد تتحقق في مكان آخر داخل نفس الدولة، وقد تتعدى النتيجة الاجرامية في جرائم تلوث الهواء حدود الدولة في حالة تفاقم الفعل.لهذا يمكن أن نقسم النتيجة الاجرامية في هذا النوع من الجرائم إلى نتيجة زمانية ونتيجة مكانية. فالنتيجة من الناحية الزمانية تأتي متأخرة من ناحية الزمن عن فعل ارتكاب جريمة التلويث ، لكن القانون في هذا الصدد يعتد بالفعل والسلوك الاجرامي بقدر ما يعتد بالنتيجة الاجرامية لأن النتيجة هنا يصعب اتباثها زمانيا لهذا يمكن القول أن الاعتداء على الهواء بفعل من الأفعال يتحقق بمجرد اتيان السلوك الاجرامي حتى ولو تحققت النتيجة في وقت لاحق من الفعل المجرم.أما النتيجة من الناحية المكانية هي الأخرى تقوم على اساس وقوع الفعل الذي يضر بالهواء مثلا في مدينة الدار البيضاء ، لكن النتيجة الاجرامية تحققت في مكان آخر كمدينة الرباط مثلا، لكن بالرغم من هذا التفاوت بين الفعل والنتيجة في هذه الانواع من الجرائم فإن القانون يأخذ بالفعل وقت ارتكابه . كما يشترط في تحقق العنصر المادي في جريمة تلوث الهواء وجود علاقة سببية بين السلوك الاجرامي والنتيجة الاجرامية، بمعنى أن يكون الفعل هو سبب مباشر في وقوع الجريمة، وفي حالة كانت النتيجة مستقلة عن الفعل فإن الركن المادي لجريمة تلوث الهواء لا تتحقق وبالتالي لا يمكن اسناد النتيجة هذه النتيجة إلى مرتكب الفعل. وهنا لا بد من الإشارة أن قيام جريمة تلوث الهواء في القانون لا يتوقف على ارتكاب الواقعة المادية من طرف الجاني فقط، إنما يستلزم الركن المعنوي الذي من الصعب استخلاصه حتى أن القانون رقم 13.03 لم يشر فيه المشرع إلى مظاهر استخلاص القصد الجنائي في جريمة تلوث الهواء مما يعني أن هذا النوع من الجرائم هي جرائم مادية تقوم على الركن المادي، أيضا المحاكم تستخلص الركن المعنوي من السلوك المادي نفسه وتكتفي النيابة العامة بإثبات الركن المادي والقانوني لجريمة تلوث الهواء أثناء وقوعها ليترتب عليها قيام المسؤولية الجنائية.
فبما أن لكل جريمة عقوبة ولا جريمة ولا عقوبة الا بالنص، تلك هي القاعدة المعمول بها في التشريعات الجنائية، فبالرجوع إلى المادة 16 نجدها تنص على انه : يعاقب بغرامة من ألف (1000) إلى عشرين ألف (20.000) درهم كل شخص مسؤول عن حدوث تلوث وأهمل متعمدا إبلاغ السلطات المعنية بانبعاث طارئ وخطير لمواد ملوثة.وفي حالة العود يتعرض المخالف إلى ضعف العقوبة القصوى، كما يمكن الحكم عليه بعقوبة حبسية من يوم إلى شهر. أيضا في المادة 17 من القانون نفسه اشار المشرع الى العقوبة الحبسية تتراوح ما بين يوم إلى شهر، حيث جاء في هذه المادة أنه: يعاقب بغرامة من مائة (100) إلى عشرة آلاف (10.000) درهم كل من عرقل القيام بالمراقبة أو ممارسة مهام الأشخاص المشار إليهم في المادة التاسعة من هذا القانون. وفي حالة العود تضاعف العقوبة القصوى، كما يمكن الحكم بعقوبة حبسية من يوم إلى شهر،. أيضا المادة 18 أشار فيها المشرع إلى عقوبة حبسية تتراوح بين شهر وسنة حيث جاء في هذه المادة : يعاقب بغرامة من مائتي (200) إلى عشرين ألف (20.000) درهم كل من:
– لم يحترم شرطا أو تقييدا أو منعا مفروضا من لدن الإدارة ؛
– رفض الامتثال للتعليمات الصادرة عن الإدارة ؛
– عرقل أو منع بأي شكل من الأشكال تنفيذ الإجراءات الاستعجالية التي تأمر بها الإدارة؛
– أدلى بمعلومات خاطئة أو تصريحات مزيفة. وفي حالة العود تضاعف العقوبة القصوى، كما يمكن الحكم بالحبس من شهر إلى ستة أشهر.
و في هذا الإطار حدد المشرع من خلال منطوق المادة 9 من القانون رقم 13.03 الاشخاص المكلفون بمعاينة جريمة تلوث الهواء في كل من ضباط الشرطة القضائية والاعوان المأمورون والمنتدبون من لدن الادارة يتم تعيينهم حسب المادة 10 نفسها إما بمبادرة من السلطة الحكومية المكلفة بالبيئة، أو بمبادرة من السلطة الحكومية المعنية بالمنشأة موضوع المراقبة، أو بمبادرة من عامل العمالة أو الإقليم المعني. والغرض من اسناد مهام مراقبة ومعاينة ارتكاب جريمة تلوث الهواء هو أن تكون عمليات المراقبة متعددة التخصصات وفق برنامج يتم إعداده بتشاور بين أعضاء الفريق. تحدد في هذا البرنامج على الخصوص المصادر الثابتة للتلوث المتعين مراقبتها وكذا وثيرة الزيارات الواجب القيام بها. المحلفون ، على غرار الأعوان المأمورون يتعين عليهم حسب المادة 10 من المرسوم القيام بعمليات مراقبة دورية، أو مفاجئة أو هما معا للفظ أو إطلاق أو رمي ملوثات في الهواء والمتأتية من مصادر تلوث ثابتة وذلك لأجل التأكد من مدى احترامها للمعايير المنصوص عليها في هذا المرسوم.
ثانيا: الجرمية البيئية املاسة باملجال الغابو ي
يتبين من خلال استقراء الفصول المتضمنة للمقتضيات الزجرية المتعلقة بحفظ الغابة واستغلالها أن المشرع أفرد عقوبات قاسية لكل من أوقد نارا عمدا أو حاول إيقادها في الغابة أو خارجها. ويعاقب أيضا على قطع الأشجار أو قلعها بغرامات مالية تتراوح ما بين:
– من 12 إلى 1200 درهم عن كل شجرة.
– من 600 إلى 2400 درهم عن كل حمولة سيارة.
– من 72 إلى 240 درهم عن كل حمولة دابة.
– من 48 إلى 120 درهم عن كل حمولة عربة مجرورة بدابة.
– من 12 إلى 48 درهم عن حمولة رجل.
– إفساد شيء من شجر الغابة بصورة فادحة، أو قطع أغصان غليظة منه، أو أخذ أغصان أسقطها الريح، يُعاقب الفاعل على ارتكابه لهذه الأفعال بنفس عقوبة من يقطع شجرة
كما جرم المشرع المغربي صيد الحيوانات البرية وسمك المياه الداخلية إذا أدى ذلك إلى تدهور الأنظمة البيئية، ومن أهم الجنح المرتبطة بالقنص: جنحة القنص بدون رخصة، وقنص الطرائد أثناء أوقات منع قنصها، وحيازة ونقل الوحيش بدون رخصة، والقنص في المناطق المحمية، وغريها من الجنح المنصوص عليها، ويعاقب عليها بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر وبغرامة مالية من 4000 درهم إلى 14000 درهم
في الختام ، اتضح مما تم عرضه أنه بالرغم من الجهود المبذولة على المستوى التشريعي للمحافظة على البيئة وحاميتها من أجل تحسين إطار عيش المواطنين وظروفهم الصحية والاقتصادية والاجتماعية ، فإن هذه الحماية لا زالت قاصرة وغير فعالة في بلوغ أهدافها، فالواقع أثبت عمق المشاكل البيئية وتفشي ظاهرة التلوث واستمرار استنزاف الموارد الطبيعية، بفعل التزايد الديمغرافي الهائل والتطور العمراني والتقدم الاقتصادي، فلتدعيم الحماية الجنائية المتعلقة بحماية البيئة يستلزم بذل مجهود تشريعي يصبو إلى تجاوز الثغرات والنقائص التي تكتنف التشريع البيئي، والتي تجعله متسما بالطابع التقني، مما يحد من فعالية الوسائل القانونية في مجال المحافظة على البيئة، إذ يقتضي تحيين المقتضيات القانونية المرتبطة بالبيئة، فضلا عن إعمال المقترب الشمولي عند التأطير القانوني لمجالات البيئة، والابتعاد بالتالي عن المقاربة التجزيئية والقطاعية التي تهيمن على مضمون التشريع البيئي لصالح مقاربة شمولية مندمجة، تجعل من البيئة مجموعة من المجالات المنسجمة والمتماسكة والموحدة، من أجل ضمان التوازن بين أمرين يظهران أحيانا متكاملين: المحافظة على البيئة بالنسبة للأجيال الحالية والمستقبلية ومتابعة التنمية الاقتصادية قصد تعزيز الأمن البيئي، مع الانتقال بالمجالات البيئة من مرحلة الرغبة في التقنين إلى النية في التطبيق والتفعيل، لذا أقترح أن يتم توحيد القوانين لأنه ترجع أسباب ضعف الحماية الجنائية للبيئة في المغرب إلى تعدد على مستوى مصادر التجريم مع مراجعة النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بحماية البيئة وتدبير الموارد الطبيعية وتحيينها؛ تقوية جهاز لشرطة البيئية و اعتماد معايير ومقاييس بيئية معقولة تساير الوضع البيئي والاقتصادي والاجتماعي ببلادنا؛ مع الالتزام بمقتضيات الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالبيئة.
دة. نهاد أفقير
هيئة التحرير7 أبريل، 2026
إقرأ الخبر من مصدره