السفير هلال من جيتكس إفريقيا: حكامة الذكاء الاصطناعي لم تعد خيارا بل ضرورة استراتيجية (صورة)

Écrit par

dans

الخط : A- A+

أكد السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكنولوجية، بل تحول إلى رافعة قوة تؤثر بشكل مباشر في التنافسية الاقتصادية والأمن الوطني والتحكم في المعرفة والتوازنات الجيوسياسية، مشددا على أن التعاون الدولي في هذا المجال لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة استراتيجية.

وجاء ذلك خلال مداخلة ألقاها عمر هلال، ضمن أشغال الدورة الرابعة لمعرض GITEX Africa Morocco 2026، في إطار جلسة رفيعة المستوى حول “حكامة الذكاء الاصطناعي في عالم مجزأ: حان وقت التعاون الدولي”.

وفي مستهل كلمته، عبر هلال عن اعتزازه بالمشاركة في هذا الموعد التكنولوجي القاري، موجها الشكر إلى الوزيرة أمل الفلاح السغروشني على الدعوة، ومعتبرا أن هذا الحدث يندرج في إطار الرؤية المتبصرة للملك محمد السادس، من أجل تنمية متكاملة للمغرب، مقرونة بطموح إفريقي يرتكز على تثمين الإمكانات الذاتية للقارة.

وأوضح أن السوق العالمي للذكاء الاصطناعي يشهد نموا متسارعا، غير أن هذا التطور يظل غير متوازن، في ظل استمرار تهميش عدد كبير من الدول من المبادرات الدولية الكبرى، وضعف الأطر التنظيمية والاستراتيجيات الوطنية لدى عدد واسع من البلدان، وهو ما يكرس فجوات جديدة في الولوج إلى هذه التكنولوجيا وفي الاستفادة من آثارها الاقتصادية والتنموية.

وسجل السفير المغربي أن الإشكال لم يعد مطروحا في ضرورة حكامة الذكاء الاصطناعي من عدمها، بل في من يضع القواعد، وبأي إمكانات، ولصالح من، محذرا من أن تسارع تطور هذه التكنولوجيا بوتيرة تفوق قدرة الحكومات على تنظيمها، سيؤدي إلى تكريس هيمنة الأطراف التي تمتلك البنية التحتية والبيانات ورؤوس الأموال والكفاءات العلمية والقدرات الحاسوبية.

وفي هذا السياق، أبرز عمر هلال أن الأمم المتحدة خطت خطوات مهمة في هذا الاتجاه، من خلال اعتماد الميثاق الرقمي العالمي سنة 2024، ثم إحداث الفريق العلمي الدولي وإطلاق الحوار العالمي حول الذكاء الاصطناعي سنة 2025، معتبرا أن هذه الدينامية تعكس تقدما ملحوظا في مسار الحكامة متعددة الأطراف، رغم أنها لا تزال تتقدم بوتيرة بطيئة بفعل تباين مصالح الدول ورؤاها.

كما أشار إلى أن السنوات الأخيرة عرفت بروز مبادرات موازية خارج الإطار الأممي، من لندن إلى سيول وباريس ونيودلهي، ساهمت في إغناء النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، لكنها في الآن ذاته عمقت نوعا من التعدد غير المنسق، بما يغذي تجزؤ المقاربات الدولية بدل توحيدها.

وفي قراءته لمداخل بناء تعاون دولي أكثر تماسكا، دعا هلال إلى إعادة التفكير في التعددية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بما يضمن تكاملا وظيفيا بين المسارات الأممية والمبادرات الأخرى، مع العمل على الحد من التجزؤ التنظيمي والتقني، وتحويل الإدماج من شعار إلى واقع، من خلال تقليص فجوات الولوج والاستعمال والامتلاك، مشددا على ضرورة الانتقال من مستوى المبادئ العامة إلى منطق الأدوات العملية، عبر آليات ملموسة تشمل التكوين، وتقاسم المعرفة، والتمويل، وتطوير البنيات التحتية المشتركة، مبرزا أن الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يقتصر على كونه موضوعا للتقنين، بل يجب أن يصبح أيضا أداة في خدمة التنمية، خاصة في القطاعات الحيوية والخدمات العمومية.

وعلى المستوى الوطني والقاري، أكد السفير المغربي أن المملكة تتوفر على موقع مؤهل للعب دور الجسر والمحفز في هذا المجال، بالنظر إلى قدرتها على الربط بين الأجندة الإفريقية، والحكامة العالمية، والتحول الرقمي، والاستثمار التكنولوجي. واعتبر أن هذه المكانة تمنح المغرب فرصة حقيقية لتعزيز حضوره في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، وعدم ترك المجال لفاعلين آخرين لاحتلال هذا الموقع، خاصة داخل القارة الإفريقية.

وفي هذا الإطار، توقف هلال عند مبادرة “AI Made in Morocco”، التي قال إنها تعكس طموح المغرب لتحويل قدراته الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى قوة تأثير ناعمة على المستوى الإفريقي، مستحضرا عددا من المحطات التي كرست هذا التوجه، من بينها احتضان بنجرير سنة 2018 لأول منتدى لليونسكو حول الذكاء الاصطناعي في إفريقيا، وإحداث مركز AI Movement سنة 2023، ثم تنظيم المنتدى رفيع المستوى حول الذكاء الاصطناعي في إفريقيا بالرباط سنة 2024، الذي أفضى إلى إطلاق التوافق الإفريقي للرباط.

واعتبر أن مدينة مراكش، من خلال احتضانها لمعرض جيتكس إفريقيا 2026، تتيح منصة مناسبة لترجمة هذا الطموح إلى مبادرات عملية ذات بعد وطني وقاري، داعيا إلى تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الإدارة والصحة والتعليم والفلاحة، وإطلاق برامج تكوين إفريقية موجهة للمنظمين وصناع القرار والمهندسين، إلى جانب تموقع المغرب كمركز إفريقي للثقة والاعتماد ووضع المعايير في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما دعا إلى إرساء آلية دائمة للتنسيق الإفريقي حول حكامة الذكاء الاصطناعي، ترتبط بموعد جيتكس إفريقيا ولكن لا تظل رهينة الطابع السنوي للحدث، بل تعمل على إنتاج مواقف مشتركة، وتشكيل تحالفات، ودعم مبادرات قارية ملموسة. ودعا أيضا إلى تشجيع نقاش داخل الأمم المتحدة حول التعاون الدولي وحكامة الذكاء الاصطناعي في إفريقيا، بما يساعد القارة على تدارك التأخر المسجل في بلوغ أهداف التنمية المستدامة.

وشدد عمر هلال على أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في قدرة الدول على الاستثمار المبكر في التعاون، وفي بناء القدرات، وصياغة مواقف جماعية تمكنها من التأثير في القرارات الكبرى المرتبطة بمستقبل الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن المغرب يملك كل المقومات التي تؤهله للانتقال من منطق المشاركة إلى منطق الإسهام الفعلي، استنادا إلى نموذج التعاون جنوب-جنوب والتعاون الثلاثي، وبرؤية قائمة على الابتكار وتقاسم المعرفة ونقل التكنولوجيا.

إقرأ الخبر من مصدره