الأحداث بقلممحمد اعويفية
يبدو أن عقدة “البلوكاج” عشعشت في اللاشعور، بحيث جعلت بن كيران يختزل، وحزبه العدالة والتنمية، معركته الانتخابية كاملة في مواجهة شخص واحد. مختصرا بذلك طريقه نحو الفوز والعودة من جديد إلى “الحكم” بقدر ما يختزل السياسة نفسها في صورة فارغة ، ضيقة ومربكة.
هذا ما يظهر عليه الآن توجه حزب المصباح، حين يحصر كل خطابه الانتخابي في مواجهة عزيز أخنوش كشخص، وليس كأمين عام حزب الأحرار؛ وهو الشيء الذي تأكد بشكل كبير في الزيارة الأخيرة الأمين العام لحزب المصباح إلى مدينة آسفي، وكأن المشهد السياسي المغربي عموما لا يتسع إلا لثنائية هذا الصراع الشخصي، بدل أن يكون فضاء واسعا لتعدد الرؤى وتجديد البرامج والاعتراف بالأخطاء والمحاسبة عليها.
بقصد أو بدونه ،وفي مثل هذا الصراع ، يمنح حزب العدالة والتنمية خصمه حجما سياسيا أكبر مما قد يستحقه؛ فكلما تم تكرار اسمه وربطه بكل القضايا، ترسخ حضوره أكثر في ذهن الناخب باعتباره الشخص الوحيد الذي تدور حوله السياسة في البلاد كلها. وهذا الأمر لا يعفي اطلاقا الحزب نفسه من عناء تقديم بدائل واضحة ومقنعة، إذ يصبح عندها النقد بديلا عن بناء ثقة جديدة، والهجوم بديلا عن الإقناع ببرامج تصلح ما أفسدته عشر سنوات من التسيير والهفوات الكثيرة التي ارتكبت. ولحد الساعة، يتبرأ منها ولا يريد الإقرار والاعتراف بها، بل يعتبرها بن كيران بعنين جاحضتين إنقاذا للبلاد، بل لا يزال يعض أصابع الندم على قرارات أخرى أكثر جرأة لم ينفذها عندما كان رئيسا للحكومة.
طريق الحزب ونهجه هذا يطرح سؤالا حول طبيعة الخطاب السياسي، الذي لم يعد قائما على المقارعة بالبرامج والأفكار، بل انزلق نحو شخصنة مفرطة تبسط القضايا الكبرى والمعقدة في صورة خصم واحد يجب هزمه بأي شكل من الأشكال. والواقع أن الإنسان المغربي، حتى الأمي منه، راكم تجربة سياسية وانتخابية مهمة، ولم يعد يكتفي بخطاب المواجهة كما يفعل بن كيران ومن تبقى معه من أتباع، بعد أن فارقه أتباع الصف الأول كالرميد والرباح والداودي وغيرهم، بل يبحث هذا المواطن عن أجوبة ملموسة لأسئلة كثيرة ومؤرقة ، كغلاء الأسعار، والتشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة الإجتماعية.
حصر المنافسة السياسية في شخص عزيز أخنوش ربما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، وقد يفهم الأمر وكأنه اعتراف ضمني بقوة الرجل، رغم تنحيه أو تنحيته، لا يهم، أو بضعف باقي المنافسين، أو حتى غياب رؤية شاملة لمشهد سياسي متعدد الفاعلين. فالانتخابات القادمة تفهم منذ الآن على أنها مباراة ثنائية بين بن كيران وظل أخنوش المتبقي، وليست عملية ديمقراطية معقدة تتداخل فيها توازنات وأصوات واتجاهات مختلفة .
السياسة التي تبنى على الأشخاص، كما يحدث اليوم، تحقق صخبا وضجيجا مؤقتا لا يمكن إنكاره بتاتا، لكنها لا تصمد أمام اختبار الزمن وذاكرة المواطن الحر الذي لاينساق أبدا. أما السياسة التي تبنى على الأفكار والبرامج والمصارحة والاعتراف بالخطأ، فهي وحدها القادرة على كسب ثقة الشعب بأكملها واستعادتها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام بن كيران وحزب العدالة والتنمية ليس في منازلة شخص أخنوش بعينه أو شبحه، بل في إقناع المغاربة بأنه يحمل مشروعا بديلا عما فعله بهم في الولايتين السابقتين، مشروعا قادرا على التصحيح والإجابة عن انتظارات جديدة، بعيدة عن منطق الاختزال والتبسيط واستغلال مآسي الناس كما حدث في سبت گزولة وجمعة السحيم.
Tags :اخنوشالتنميةالعدالةبنكيرانهيئة التحرير27 أبريل، 2026
إقرأ الخبر من مصدره