حسناء بوعيسى
يصل حجم الاستثمار العمومي في المغرب إلى حوالي 380 مليار درهم سنة 2026، وهو رقم يعكس مجهودا كبيرا تبذله الدولة في تمويل البنيات التحتية والقطاعات الاجتماعية، غير أن هذا الحجم لم يواكبه نفس الأثر على مستوى التشغيل، إذ يبلغ معدل البطالة حوالي 13%، ويرتفع بشكل لافت في صفوف الشباب ليصل إلى أكثر من 35%، وهو ما يؤكد أن الإشكال ليس في حجم الاستثمار بقدر ما هو في توجيهه ونجاعته، كما أن هذا الوضع يعكس وجود فجوة بين السياسات الاستثمارية والنتائج المحققة على مستوى خلق فرص الشغل، إذ يظل جزء مهم من هذه الاستثمارات موجها إلى قطاعات كثيفة الرأسمال وضعيفة التشغيل، مثل البنيات التحتية الكبرى، دون تحقيق أثر مباشر على الإدماج المهني، إضافة إلى ذلك، فإن ضعف الالتقائية بين السياسات الاستثمارية وسياسات التشغيل والتكوين يحد من تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية، وهو ما يطرح ضرورة إعادة توجيه الاستثمار نحو قطاعات أكثر قدرة على خلق القيمة المضافة والتشغيل، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة والاقتصاد المحلي.
كما أن معضلة ملاءمة التكوين مع سوق الشغل ما تزال قائمة، حيث أن حوالي 28% من الشباب يوجدون خارج منظومة التعليم والتشغيل والتكوين (NEET)، وهو مؤشر مقلق يعكس محدودية أثر الاستثمار في التعليم والتكوين المهني، رغم أهميته، ويطرح سؤال جودة هذا الاستثمار وليس فقط كميته، كما أن هذا الوضع يعكس وجود اختلال هيكلي بين مخرجات المنظومة التعليمية وحاجيات الاقتصاد الوطني، حيث يعاني عدد من الخريجين من صعوبة الاندماج المهني، في مقابل وجود طلب على مهارات غير متوفرة، إضافة إلى ذلك، فإن ضعف التوجيه المهني، ومحدودية الربط بين التكوين وسوق الشغل، يساهمان في تفاقم هذه الوضعية، وهو ما يجعل الاستثمار في الرأسمال البشري غير مكتمل الأثر، كما أن ارتفاع نسبة الشباب خارج منظومة الإنتاج يعمق مخاطر الهشاشة الاجتماعية، ويؤثر على الدينامية الاقتصادية، مما يستدعي إصلاحا عميقا يربط بشكل وثيق بين التعليم، والتكوين، والتشغيل، ويعزز قابلية تشغيل الشباب، بما يضمن تحقيق عائد اجتماعي واقتصادي حقيقي للاستثمار العمومي.
أما في مجال ريادة الأعمال، فقد أطلقت الدولة برامج دعم متعددة، سواء عبر التمويل أو المواكبة أو التحفيزات الجبائية، وهو ما مكن من تمويل آلاف المشاريع لفائدة الشباب، غير أن نسبة مهمة من هذه المشاريع تواجه صعوبات في الاستمرارية خلال السنوات الأولى، كما تشير عدة تقييمات إلى أن معدل بقاء المقاولات الناشئة يظل محدودا، خاصة في ظل ضعف المواكبة بعد مرحلة التمويل، وتعقيد المساطر الإدارية، وصعوبة الولوج إلى الأسواق والتمويل الإضافي، إضافة إلى ذلك، فإن غياب منظومة متكاملة لدعم المقاولة، تجمع بين التكوين والتأطير والتمويل والمتابعة، يحد من قدرة هذه المشاريع على التطور والاستقرار، وهو ما يعكس أن الاستثمار العمومي في هذا المجال، رغم أهميته، لم يصل بعد إلى تحقيق الأثر المنشود في خلق نسيج مقاولاتي قوي ومستدام لدى الشباب، كما يبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق تمويل المشاريع إلى منطق مرافقتها وضمان ديمومتها.
وعلى المستوى المجالي، تستمر الفوارق بين المدن والقرى، حيث يفوق معدل البطالة في الوسط الحضري 16% مقابل نسب أقل في الوسط القروي، غير أن هذه الأرقام تخفي تفاوتا في طبيعة التشغيل، إذ يتميز الوسط القروي بانتشار أنشطة غير مهيكلة وضعيفة الإنتاجية، خاصة في القطاع الفلاحي، وهو ما يجعل جزءا مهما من التشغيل في هذه المناطق غير مستقر ولا يوفر دخلا كافيا، كما أن ضعف التنوع الاقتصادي في العالم القروي، ومحدودية الاستثمارات المنتجة، يحدان من فرص الإدماج المهني الحقيقي للشباب، في مقابل تمركز الأنشطة الاقتصادية والخدماتية في المدن، وهو ما يعمق الفوارق المجالية، ويدفع إلى الهجرة الداخلية، إضافة إلى ذلك، فإن توزيع الاستثمار العمومي، رغم تحسنه، لا يزال يحتاج إلى مزيد من العدالة والنجاعة، عبر توجيه أكبر نحو تنمية الاقتصاد المحلي، ودعم المبادرات الشبابية في المناطق القروية، بما يضمن تكافؤ الفرص، ويعزز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب بشكل متوازن.
وفي ما يخص الاقتصاد الرقمي، ورغم أن نسبة الولوج إلى الإنترنت تتجاوز 90%، وأن قطاع الخدمات الرقمية يوفر أكثر من 120 ألف منصب شغل، فإن الإمكانيات المتاحة تظل أكبر بكثير، خاصة في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد المعرفي، كما أن هذا القطاع يتميز بقدرته على خلق فرص شغل ذات قيمة مضافة عالية، وقابليته لامتصاص كفاءات شابة مؤهلة، إضافة إلى كونه أقل ارتباطا بالإكراهات التقليدية المرتبطة بالمجال أو الرأسمال الكبير، وهو ما يجعله مجالا واعدا لتعزيز الإدماج المهني، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانيات تظل رهينة بتوجيه استثمارات أكبر نحو تنمية المهارات الرقمية، وتعزيز التكوين في مجالات البرمجة، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال الرقمية، إلى جانب دعم الابتكار والمقاولات الناشئة، بما يسمح بخلق منظومة رقمية متكاملة قادرة على استيعاب الشباب وتحفيزهم على الإبداع والإنتاج.
غير أن التحدي الأكبر يظل مرتبطا بالحكامة، حيث تشير تقارير وطنية، خاصة الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، إلى وجود اختلالات في تنفيذ المشاريع العمومية، من قبيل تأخر الإنجاز، وضعف تتبع المشاريع، وغياب تقييم دقيق للأثر، وهو ما يحد من فعاليتها، ويجعل جزءا من الاستثمار لا يحقق النتائج المنتظرة، كما أن هذه الاختلالات تعكس محدودية الربط بين التخطيط والتنفيذ، وضعف التنسيق بين المتدخلين، إضافة إلى غياب آليات صارمة للمساءلة، وهو ما يعزز الحاجة إلى إصلاح عميق لمنظومة الحكامة، يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين آليات التتبع والتقييم، واعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأداء، بما يسمح بضمان نجاعة الاستثمار العمومي وتحقيق أثره الاقتصادي والاجتماعي بشكل فعلي.
كما أن ضعف إشراك الشباب في بلورة السياسات العمومية يظل عائقا حقيقيا أمام تحسين نجاعتها، إذ يتم التعامل معهم في كثير من الأحيان كفئة مستفيدة فقط، دون إشراكهم الفعلي في مراحل التشخيص وصياغة الحلول واتخاذ القرار، وهو ما يقلل من ملاءمة البرامج الموجهة إليهم لانتظاراتهم الحقيقية، كما أن غياب قنوات مؤسساتية منتظمة للحوار مع الشباب يحد من إدماج أفكارهم ومبادراتهم في السياسات العمومية، إضافة إلى ذلك، فإن ضعف تمثيلية الشباب في هيئات الحكامة والتشاور يكرس هذا البعد الإقصائي، رغم أن هذه الفئة تمثل رصيدا ديمغرافيا مهما، كما أن إشراك الشباب لا يقتصر فقط على البعد التمثيلي، بل يجب أن يمتد إلى تمكينهم من أدوات المشاركة، مثل الولوج إلى المعلومة، والتكوين في المواطنة، ودعم المبادرات المحلية، وهو ما من شأنه تحسين جودة السياسات العمومية وتعزيز فعاليتها.
وبناء على ذلك، يتأكد أن الاستثمار العمومي في المغرب يوفر قاعدة مهمة لتحقيق التنمية وتمكين الشباب، غير أن الرهان الحقيقي لم يعد في حجم الموارد المرصودة، بل في كيفية توجيهها وضمان نجاعتها، عبر التركيز على القطاعات المنتجة والمولدة لفرص الشغل، وتحسين الحكامة من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز التقائية السياسات بين التعليم والتكوين والتشغيل والاستثمار، إضافة إلى تقليص الفوارق المجالية، وإدماج الاقتصاد غير المهيكل، بما يسمح بتحقيق أثر تنموي شامل، كما أن تحويل الشباب من فئة تعاني من الهشاشة إلى قوة اقتصادية واجتماعية فاعلة يقتضي اعتماد مقاربة مندمجة تقوم على التمكين الاقتصادي، وتطوير الكفاءات، ودعم المبادرة، بما يعزز دورهم كفاعل أساسي في التنمية، وليس فقط كمستفيد من السياسات العمومية.