بقلم: الدكتور حسن الشطيبي، باحث وخبير الصحة النفسية في بيئة العمل
لم تعد الصحة النفسية في بيئة العمل موضوعًا ثانويًا أو ترفًا فكريًا، بل أصبحت إشكالية حقيقية في ظل التحولات العميقة والجذرية التي يعرفها عالم الشغل اليوم. فالتغيرات المتسارعة، وضغوط الأداء، وتزايد متطلبات الجود و الإنتاجية، كلها عوامل ساهمت في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بعمله، وجعلت التوازن النفسي تحديًا يوميًا.
وتُظهر الأبحاث العلمية أن مهنيي قطاع الصحة يُعدّون من الفئات الأكثر عرضة للأمراض المرتبطة بالعمل، سواء الجسدية أو النفسية، نظرًا لطبيعة مهامهم وضغط المسؤولية الملقاة على عاتقهم (;Chtibi, 2018; 2023; 2024). هذا الواقع يطرح بإلحاح ضرورة تبني مقاربات جديدة تعيد الاعتبار للإنسان داخل المنظومة المهنية.
في هذا السياق، تم يوم الخميس 9 أبريل 2026 بمدينة الدار البيضاء إطلاق منصة “الصحة النفسية أولاً” (MH First). https://share.google/M1Wu8MN4zhHGPeJy3. ، خلال ندوة علمية حملت شعار: “الاستباق بدل التفاعل: تحويل الصحة النفسية إلى رافعة للأداء المستدام”. وتندرج هذه المبادرة ضمن دينامية متنامية تسعى إلى جعل الصحة النفسية عنصرًا استراتيجيًا في تدبير المؤسسات.
وقد نُظمت هذه الندوة بشراكة مع ESCA École de Management، وشكلت محطة أساسية في المرحلة الثانية من إطلاق المنصة بالمغرب، حيث جمعت نخبة من المسؤولين، ومديري الموارد البشرية، ومهنيي الصحة، إلى جانب فاعلين رياضيين وأكاديميين، لمناقشة سبل اعتماد مقاربة استباقية قائمة على البيانات لمواكبة تحولات بيئة العمل.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المبادرة أُطلقت في الأصل ببلجيكا من طرف Seen-Apps وHuman Orga وWingedProw Advisory، قبل أن يتم تكييفها مع السياق المغربي بمواكبة SNM Consulting، في أفق بناء منظومة وطنية هيكلية للوقاية في مجال الصحة النفسية، تعتمد على مقاربة تشاركية مدعومة بالمعطيات.
في هذا الإطار، يمكن القول أن الصحة النفسية أصبحت رهانًا استراتيجيًا حقيقيًا للمؤسسات خاصة المستشفيات والمؤسسات الأكثر هشاشة، التي يجب إدماجها ضمن السياسات التدبيرية وإخضاعها لممارسات الحكامة الجيدة. كما يجب تكوين مسؤولين وقادة قادرين على التوفيق بين البعد الإنساني ومتطلبات الأداء، مع ضرورة إعادة التفكير في نماذج التدبير لتحقيق توازن مستدام.
إن الصحة النفسية تمثل آلية حاسمة في جودة الأداء والمردودية الجماعية. إن الهدف من إنشاء هذه المنصة هو ربط الخبراء بالمهنيين عبر أدوات عملية تساعد على فهم وتوقع تحديات الصحة النفسية في بيئة العمل. كما أن المنصة تسعى إلى رصد مؤشرات الهشاشة النفسية بشكل مبكر، وتوفير لغة مشتركة تجمع بين البعدين الإنساني والاقتصادي. ومن جهة أخرى توفير أدوات تتيح قياس عوامل التوتر والمشاركة والمخاطر النفسية والاجتماعية ، وتحويل هذه المعطيات إلى حلول عملية قابلة للتطبيق، مما يمكن المؤسسات من التدخل المبكر قبل تفاقم الأزمات.
وقد تضمن برنامج الندوة جلسة عامة حول أثر البيانات في تدبير الصحة النفسية، إلى جانب ثلاث ورشات تطبيقية همّت مجالات: النظام الصحي، والرياضة والأداء المستدام، والمقاولة وجودة الحياة في العمل.
ويُذكر أن منصة “الصحة النفسية أولاً” تم إطلاقها يوم الأربعاء بالرباط، خلال ندوة احتضنتها جامعة محمد الخامس، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بهذا الورش الوطني.
ختاما، إن الانتقال من منطق التفاعل مع الأزمات إلى منطق الاستباق في تدبير الصحة النفسية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات العصر. فالمؤسسات التي تراهن على الإنسان، هي وحدها القادرة على تحقيق أداء مستدام ومتوازن.
المراجع:
1 Chtibi, H., Mammad, K., Alaoui, A. M., Mohammed, O. U. H. S. S. I. N. E., Jamila, R., & Touhami Ahami, A. O. (2024). Factors associated to burn-out among Ibn Sina Hospital public health professionals. Acta Neuropsychologica, 22, 95-106. 2) Chtibi, H., Ahami, A., Azzaoui, F. Z., Khadmaoui, A., Mammad, K., & Elmassioui, F. (2018). Study of psychological resilience among health care professionals, in Ibn Sina Hospital/Rabat/Morocco. Open J Med Psychol, 7(3), 47-57.