استكملت هيئة دفاع الوزير السابق ورئيس جماعة الفقيه بن صالح الأسبق، محمد مبديع، مرافعاتها أمام المحكمة المكلفة بجرائم الأموال، على خلفية متابعته في ملف يتعلق بشبهات فساد مالي وتسييري ارتبطت بصفقات وأشغال أنجزت خلال فترة تدبيره للجماعة.
وخلال الجلسة، ركز المحامي إبراهيم أموسي على تفكيك ما اعتبره “الأسس الهشة” التي بُنيت عليها المتابعة، خاصة ما يتعلق بصفقات التهيئة الحضرية والأشغال المرتبطة بشارع علال بن عبد الله بمدينة الفقيه بن صالح، معتبرا أن عددا من الوقائع “تم تأويلها بشكل خاطئ” وأدت إلى متابعة أشخاص أبرياء، وفق تعبيره.
وأوضح الدفاع أن شارع علال بن عبد الله يمتد على مسافة تناهز ستة كيلومترات، مؤكدا أن الأشغال المرتبطة بالصفقة رقم 03/2010 كانت تشمل فقط إزالة المطبات وتسوية بعض المقاطع المتضررة، وليس إعادة تهيئة الشارع بالكامل كما تم الترويج له خلال البحث والتحقيق.
وأضاف المحامي أن أحد المتدخلين في الملف صرح بأنه وجد الشارع “مخربا”، غير أنه – بحسب الدفاع – لم يقدم الحقيقة كاملة، لأن الأشغال المطلوبة كانت محدودة ودقيقة، وتتعلق بإصلاح اختلالات معينة فقط، معتبرًا أن تصريحات هذا الشخص جرى التعامل معها وكأنها تثبت وجود “تسوية شاملة” للشارع، وهو ما نفاه الدفاع بشكل قاطع.
وأكد أموسي أن هذه النقطة تحديدا كانت سببا في متابعة مبديع بتهمة تزوير محضر التسليم النهائي، موضحا أن “الخوف جعل البعض يقول أي شيء”، وهو ما أدى، حسب قوله، إلى “إيداع أبرياء السجن”.
وفي ما يتعلق بتهمة استغلال النفوذ، شدد الدفاع على أن الأركان التكوينية لهذه الجريمة غير قائمة، موضحا أن هذه التهمة تقتضي حصول موظف أو مسؤول على منفعة باستعمال سلطته أو نفوذه، وهو ما لم يثبت في الملف مشيرًا إلى أن المحكمة استمعت إلى مختلف الأطراف، سواء مسؤولين إداريين أو منتخبين أو موظفين، دون أن يؤكد أي منهم تعرضه لضغط أو توجيه مباشر من طرف مبديع، رغم كونه “زعيمًا سياسيا” وذا علاقات واسعة مع جهات إدارية وحكومية، بحسب تعبير الدفاع.
وتساءل المحامي عن الأساس الذي اعتمد عليه قاضي التحقيق للقول بوجود “دفاتر شروط تمييزية” تم إعدادها لإقصاء شركات معينة، مؤكدا أن مبديع لم يكن يمنح الصفقات بشكل فردي، بل كانت تتم وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل في إطار قانون الصفقات العمومية، وبالاعتماد على لجان مختصة ومكاتب دراسات.
وأضاف الدفاع عينه أن موكله “لم يبرم يوما صفقة مغلقة أو تعاقدا مباشرا درءا للشبهة”، موضحا أنه لم يكن يترأس لجان فتح الأظرفة أو تقييم العروض، بل كان يتوصل فقط بنتائج اللجان المختصة، قبل توجيه مراسلات للشركات من أجل استكمال بعض النواقص الإدارية أو المالية عند الاقتضاء، معتبرًا أن غياب أي شكاية من الشركات المتنافسة، رغم أن الجماعة أبرمت ما يقارب 300 صفقة، يعد دليلا على شفافية المساطر واحترام قواعد المنافسة، مؤكدا أن جميع الصفقات مرت “بطريقة قانونية وشفافة ودون أي طعن”.
وعاد الدفاع للحديث عن الصفقة رقم 04/2011 المرتبطة بالأشغال المنجزة بشارع علال بن عبد الله، والتي أنجزتها شركة “أفيرس”، موضحا أن قاضي التحقيق بنى قناعته بوجود تبديد للصفقات العمومية استنادا إلى تقرير الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، غير أن الدفاع أكد، بعد مقارنة وثائق الصفقتين موضوع الجدل، أن الأمر يتعلق بأشغال مختلفة تماما من حيث الطبيعة والمجال والكلفة.
وأوضح أموسي أن الصفقة رقم 03/2010 كانت مرتبطة بأشغال التهيئة الحضرية، وشملت التزفيت وإعداد الساحات والجنبات والصرف الصحي والطريق المدارية، إضافة إلى تزفيت أجزاء محدودة من شارع علال بن عبد الله وشارع الحسن الثاني، بينما تتعلق الصفقة رقم 04/2011 بأشغال أخرى مختلفة من حيث المواصفات التقنية والمجال الترابي.
وأكد المحامي أن الدفاع أدلى للمحكمة بمحاضر التسليم النهائي ومحاضر نهاية الأشغال وكشوفات الأداء والوثائق التقنية المتعلقة بالصفقتين، والتي تفيد – بحسبه – بأن الأشغال أنجزت فعليا وخضعت للمراقبة القانونية والإدارية اللازمة.
وقدم الدفاع وثائق تتعلق بإطلاق الصفقة بتاريخ 23 يوليوز 2010، مع ذكر أسماء أعضاء اللجنة التي أشرفت على فتح الأظرفة ودراسة العروض، موضحا أن شركة “لاسنطرال” تقدمت للصفقة وفازت بها بشكل قانوني بعد احترام جميع الإجراءات المعمول بها، موضحًا أن الأشغال المنجزة كانت تتم معاينتها من طرف اللجان المختصة، قبل إعداد تقارير ترفع إلى الآمر بالصرف قصد تسوية الأداءات، مؤكدا أن الأداءات تمت بناء على محاضر الإنجاز المنجزة فعليا.
ولإثبات اختلاف الصفقتين، قدم الدفاع للمحكمة مقارنة مفصلة بين طبيعة الأشغال والأثمان الأحادية والمبالغ المؤداة في كل صفقة، معتبرا أن الوثائق التقنية والمالية تثبت عدم وجود أي تطابق بينهما، وهو ما دفعه إلى المطالبة بإجراء خبرة تقنية مستقلة لـ”رفع اللبس الحاصل في الملف”.
وفي محور آخر، تطرق الدفاع إلى ما اعتبره “اتهاما غير مؤسس” يتعلق بالمحاباة واستعمال شهادة طبية، موضحا أن الوثيقة الطبية التي أدلى بها مبديع صدرت عن طبيبه المعالج وطبيب كاشف سبق له تتبع حالته الصحية مرارا، مشددا على أن الشهادة لم تستعمل لغرض إداري للتحايل أو التهرب، بل جاءت بسبب الوضع الصحي المتعب لموكله، مضيفا أن الكشف عن بعد فرضته الظروف، وأن الطبيب المعالج هو الأعلم بالحالة الصحية لمبديع.
وأشار الدفاع إلى أن مبديع، رغم حالته الصحية، كان مرتبطا في اليوم الموالي بموعد عمل مع وزير العدل عبد اللطيف وهبي، معتبرا أن المسؤولية الطبية يتحملها الطبيب بصفته المهنية وليس المريض، مستشهدًا بالتطور الحاصل في العمليات الطبية والتقنيات الحديثة المستعملة عن بعد، مبرزا أن أطباء مغاربة باتوا يجرون عمليات دقيقة باستعمال وسائل تكنولوجية متطورة حتى خارج المغرب.
وفي ختام مرافعته، طالب الدفاع باستدعاء الولاة الذين أشرفوا على مراقبة تدبير الجماعة خلال فترة إنجاز الصفقات موضوع المتابعة، معتبرا أن هذه المشاريع كانت تخضع لـ”رقابة مشددة” بالنظر إلى المكانة السياسية لمبديع، وأن السلطات الوصية كانت تتابع مختلف مراحل إنجازها متسائلًا: “إذا كانت هناك اختلالات حقيقية، فلماذا مرت هذه الصفقات تحت أعين سلطات المراقبة؟”.
وقارن المحامي بين وضعية شوارع مدينة الدار البيضاء التي شهدت اختناقات وغرقا خلال التساقطات المطرية الأخيرة، وبين شوارع وأزقة الفقيه بن صالح، مؤكدا أن هذه الأخيرة “لم تغرق”، في إشارة إلى جودة الأشغال المنجزة، متحديا وجود أي فيديو يوثق لاختلالات أو فيضانات بالشوارع التي شملتها الأشغال.
وفي نهاية الجلسة، قررت المحكمة تأجيل النظر في القضية إلى الأسبوع المقبل، من أجل مواصلة الاستماع إلى مرافعات هيئة دفاع محمد مبديع واستكمال مناقشة باقي الصفقات والتهم المدرجة في الملف.