قراءة في منهجية تقرير مندوبية التخطيط حول ظاهرة البطالة بالمغرب

Écrit par

dans

عبد الإله الخضري

أثار تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل خلال الفصل الأول من سنة 2026 نقاشاً واسعا بشأن حقيقة البطالة بالمغرب، خصوصا بعد اعتماد ما يعرف بالمفهوم الضيق للبطالة.

علميا، التعريف الذي اعتمدته المندوبية ليس غريبا ولا جديدا، بل هو تعريف معتمد لدى منظمة العمل الدولية، والذي يشترط ثلاثة عناصر متزامنة: عدم الاشتغال خلال فترة الإحالة، والاستعداد الفوري للعمل، والبحث النشط عن شغل.

هذا التعريف يعرف في الأدبيات الاقتصادية بالمعنى الضيق لظاهرة البطالة. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في شرعية التعريف من الناحية التقنية، بل في السياق السياسي والاجتماعي الذي يستعمل فيه، وفي الاقتصار على إبرازه دون تقديم المؤشرات المكملة التي تعكس الهشاشة الحقيقية لسوق الشغل ببلادنا. مما يجعله أبعد من مجرد خطوة تقنية محضة، وأقرب إلى سؤال شفافية المؤشرات العمومية التي تبنى عليها السياسات العمومية وتقاس بها نجاعة الأداء الحكومي.

فإذا كانت المندوبية نفسها أقرت بأن معدل البطالة بالمفهوم الضيق بلغ 10.8% خلال الفصل الأول من 2026، أي حوالي مليون و253 ألف عاطل، فإنها بالمقابل أشارت إلى أن المعدل يرتفع إلى 16.6% عند احتساب الشغل الناقص، وإلى 17.1% عند إدماج “القوى العاملة المحتملة”. وهنا بيت القصيد من الناحية العلمية، لأن الاقتصادات الحديثة لم تعد تقيس أزمة الشغل فقط عبر “البطالة الرسمية”، بل عبر مؤشرات أوسع تشمل الشغل الناقص، والعمال المحبطين الذين توقفوا عن البحث، وضعف استغلال القوة العاملة، وأخيرا الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل.

من هذا المنطلق، يبدو أن جزءا كبيرا من الشباب، خصوصا في العالم القروي وأحزمة الفقر بالمدن، توقف أصلا عن البحث النشط عن العمل بسبب فقدان الأمل، أو كلفة البحث، أو غياب فرص حقيقية لشغل يحفظ الكرامة. هؤلاء يستبعدون تلقائيا من معيار البطالة بالمفهوم الضيق، رغم أنهم يعيشون آثار البطالة بكل أبعادها الاجتماعية والنفسية. وهذا ما يسمى في الأدبيات الاقتصادية “خروج العمال المحبطين من القوة العاملة”. أي أن البطالة الرسمية تكون أقل من البطالة الحقيقية، عندما ينسحب الأفراد من سوق الشغل بسبب الإحباط.

لذلك فإن انخفاض الرقم الإحصائي لا يعني بالضرورة تحسنا في سوق العمل، بل قد يعكس توسع الاقتصاد غير المهيكل، أو ارتفاع العمل الهش، أو هجرة الباحثين عن العمل إلى فئة “غير نشيطة”، أو فقدان الثقة في إمكانية إيجاد شغل، وقد تكون هذه العوامل مجتمعة وراء الظاهرة.

إحصائيا، هناك تناقض ظاهر بين خطاب خلق حوالي 850 ألف منصب شغل الذي تحدث عنه رئيس الحكومة، وبين تصريح وزير آخر (نزار بركة) الذي أشار إلى فقدان المغرب لحوالي 200 ألف منصب شغل سنويا. هذا التناقض يكشف اختلافا في طرق الحساب والتفسير، سواء تعلق الأمر باختلاف الفترات الزمنية، أو احتساب المناصب المؤقتة والموسمية، أو التمييز بين الإحداث الإجمالي وصافي خلق الوظائف، أو التركيز على الكم دون جودة الشغل.

فالاقتصاد لا يقيس فقط عدد الوظائف، بل يقيس أيضا الإنتاجية، والاستقرار المهني، والحماية الاجتماعية، والأجر الحقيقي. وقد تخلق وظائف كثيرة منخفضة الجودة وقصيرة الأمد وغير مهيكلة، بينما تستمر معاناة ضعف القدرة الشرائية والهشاشة الاجتماعية قائمة وتتفاقم بسبب التضخم. من هنا يصبح السؤال الجوهري المرتبط بالحق في الوصول إلى المعلومة مشروعا، لأنه لا يعني نشر الأرقام فقط، بل نشر أرقام مفهومة وكاملة وغير انتقائية تعكس الواقع الاجتماعي المركب.

وعندما يتم التركيز سياسيا وإعلاميا على البطالة بالمفهوم الضيق دون إبراز المؤشرات الأوسع بالتوازي، فإننا نكون أمام خطر الحكم عبر الأرقام، حيث تتحول الإحصائيات من أداة للفهم إلى أداة لصناعة انطباع سياسي مزيف.

الأكثر خطورة أن هذه المنهجية تمس الفئات الأكثر هشاشة، فالنساء في العالم القروي مثلا غالبا ما يستبعدن من خانة “العاطلات” لأنهن لا يقمن ببحث نشط، رغم أن السبب الرئيسي هو انعدام فرص التشغيل، وضعف النقل، والعمل المنزلي غير المؤدى عنه، والقيود الاجتماعية. وكذلك الشباب القروي الذي قد يتوقف عن البحث بعد سنوات من الفشل، فيتحول إحصائيا من “عاطل” إلى “خارج سوق الشغل” رغم استمرار معاناته. وهذا ينعكس مباشرة على السياسات العمومية، إذ قد يتراجع الاهتمام بالملف رغم استمرار المعاناة الحقيقية.

لذلك، الإشكال ليس في اعتماد تعريف تقني معترف به دوليا، بل في غياب الشفافية البيداغوجية والنقاش العمومي المواكب، وعدم تقديم المؤشرات البديلة بالتوازي مع الرقم الرئيسي. فالدول الديمقراطية لا تكتفي بنشر معدل بطالة واحد، بل تنشر سلة مؤشرات تشمل البطالة الواسعة، ومعدل المشاركة الاقتصادية، والشغل الناقص، والبطالة طويلة الأمد، ومؤشر هشاشة الشغل، ونسب الانسحاب من سوق العمل، لأن كرامة الإنسان لا تقاس فقط بكونه “يبحث بنشاط” عن العمل، بل بقدرته الفعلية على الولوج إلى شغل لائق ومستقر يضمن العيش الكريم.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المنهجية الإحصائية بحد ذاتها، بل في أن تتحول التقنية من مرآة تعكس الواقع الاجتماعي إلى أداة لتلميعه، وحينها، تصبح الأرقام نفسها جزءا من الأزمة بدل أن تكون مدخلا لحلها.

إقرأ الخبر من مصدره