أظهرت دراسة حديثة صادرة عن مكتب “اوليفر وايمان” أن المغرب عزز موقعه كواحد من أبرز الوجهات الصناعية منخفضة التكلفة في قطاع صناعة السيارات، مستفيدًا من فارق كبير في تكاليف اليد العاملة مقارنة بألمانيا ودول أوروبا الغربية، وهو ما يعزز جاذبية المملكة لدى كبار المصنعين العالميين الباحثين عن تقليص نفقات الإنتاج وتحسين تنافسيتهم. وكشفت الدراسة أن تكلفة اليد العاملة اللازمة لتصنيع سيارة واحدة في ألمانيا تصل إلى نحو 3300 دولار، في حين لا تتجاوز هذه التكلفة 106 دولارات فقط في المغرب، ما يعكس فجوة واسعة في تكاليف الإنتاج بين البلدين، ويبرز التحولات العميقة التي يشهدها قطاع السيارات العالمي خلال السنوات الأخيرة في ظل إعادة توزيع مراكز التصنيع على المستوى الدولي. واعتمدت الدراسة على تحليل شمل أكثر من 250 مصنعًا لتجميع السيارات عبر مختلف أنحاء العالم، في سياق يتسم بتسارع توجه الشركات الأوروبية نحو خفض التكاليف الصناعية ومواجهة المنافسة المتزايدة، خاصة من قبل المصنعين الآسيويين الذين يواصلون توسيع حضورهم داخل الأسواق الدولية. وأوضح التقرير أن الفارق في تكلفة اليد العاملة بين ألمانيا والمغرب يتجاوز 3100 دولار عن كل سيارة يتم إنتاجها، وهو ما يعكس حجم التفاوت القائم بين اقتصادات أوروبا الغربية ودول شمال إفريقيا، كما يفسر تنامي اهتمام المستثمرين الصناعيين بالأسواق التي توفر شروط إنتاج أكثر تنافسية. وأشار التقرير إلى أن ارتفاع تكاليف اليد العاملة في ألمانيا يعود إلى عدة عوامل، من بينها مستويات الأجور المرتفعة، وقوة الاتفاقيات الاجتماعية، والتشريعات الصارمة المنظمة لسوق الشغل، فضلًا عن طبيعة العمليات الصناعية داخل المصانع الألمانية، التي تتطلب وقتًا أطول ومهارات تقنية عالية ومستويات متقدمة من التخصص. وأضافت الدراسة أن متوسط تكلفة اليد العاملة لدى الشركات الألمانية المصنعة للسيارات الفاخرة، مثل Mercedes-Benz وBMW وAudi، يبلغ حوالي 2232 دولارًا لكل سيارة، فيما ترتفع هذه الكلفة في بعض المصانع إلى نحو 3300 دولار للسيارة الواحدة. وفي المقابل، أكدت الدراسة أن المغرب أصبح من بين أكثر الدول تنافسية على الصعيد العالمي في مجال تصنيع السيارات، إذ لا تتجاوز تكلفة اليد العاملة فيه 106 دولارات لكل سيارة، وهو مستوى يقل بشكل واضح حتى عن الصين، التي تصل فيها التكلفة إلى نحو 585 دولارًا للسيارة الواحدة. كما أبرز التقرير أن دولًا أخرى مثل المكسيك ورومانيا تندرج أيضًا ضمن قائمة الوجهات الصناعية منخفضة التكلفة، حيث تبلغ تكلفة اليد العاملة فيهما 305 دولارات و273 دولارًا على التوالي، بينما جاءت إسبانيا ضمن الفئة المتوسطة بتكلفة تصل إلى 955 دولارًا لكل سيارة، أي ما يعادل نحو تسعة أضعاف التكلفة المسجلة في المغرب. وترى الدراسة أن جاذبية المغرب تعززت بفضل الاستثمارات الصناعية الكبرى التي استقطبتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا من طرف مجموعتي “رونو” و”ستيلانتيس”، إلى جانب الاهتمام المتزايد من قبل الشركات الصينية بالسوق المغربية، في ظل إعادة رسم الخريطة الصناعية الأوروبية تحت ضغط ارتفاع التكاليف. وأضاف التقرير أن أكثر من 40 في المائة من مشاريع مصانع تجميع السيارات الجديدة التي أعلنت عنها الشركات الأوروبية خلال سنتي 2025 و2026 تتجه نحو شمال إفريقيا وأوروبا الشرقية، وهو ما يعكس التحول السريع الذي تعرفه مراكز الإنتاج العالمية والبحث المتواصل عن مواقع توفر مزايا تنافسية أكبر. وفي المقابل، حذرت الدراسة من أن اتساع الفجوة في تكاليف الإنتاج بين إسبانيا والمغرب، إلى جانب دول أوروبا الشرقية، قد يشكل تحديًا متزايدًا للصناعة الإسبانية خلال السنوات المقبلة، ما لم تتجه الشركات إلى تعزيز الأتمتة الصناعية أو التركيز على إنتاج سيارات ذات قيمة مضافة أعلى قادرة على تعويض ارتفاع التكاليف.