تمغربيت… مشروع وطني يجدد السردية لتحصين السيادة

Écrit par

dans

عمر إسرى

بنى الإنسان المغربي، على مدى عشرات الآلاف من السنين، منذ إنسان “إيغود” إلى اليوم، ثقافة وحضارة وقيما وهوية ميزته عن سائر الشعوب، مستفيدا من التثاقف مع حضارات متعددة، مما أكسبه مسارا تاريخيا منفردا بين الأمم.

تعرض هذا الإنسان عبر تاريخه لعدد من المعضلات التي شُفي منها، لكن معضلة رئيسية بقيت حجر عثرة في طريقه منذ الاستقلال إلى اليوم؛ تعرقل مسيره، تكرس استلابه واغترابه، تقف في وجه ترسيخ مركزية وطنه، وتكبح حريته وانخراطه في تطور العالم. إنها معضلة ما زالت مناعتنا الجماعية عاجزة عن التخلص منها، فهل من سبيل إلى العلاج؟

ظننا، ولا نزال، أن جوهر اللقاح الرهين بشفاء روحنا الجماعية من هذه المعضلة هو “تمغربيت”؛ لقاح يحتاج إلى جرعات متواصلة وطويلة داخل الأسرة والمدرسة والإعلام والمسجد والحياة الثقافية والفنية، ولا شك أن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، وكل تأخير في العلاج لن يؤدي إلا إلى تفاقم الداء.

إلى جانب الاستلاب واحتقار الذات والتطرف كنتيجة لانتشار الأفكار الهدامة المستوردة، تعيش أجيال اليوم تحديات جمة، منها تراجع قيم الجدية والنزاهة والانفتاح والتعايش لدى شريحة غير يسيرة، ناهيك عن إشكاليات تتعلق بالعولمة الجديدة وتداعياتها على هويتنا الجماعية، وفي مقدمتها التحدي الرقمي؛ عندما تفرض الخوارزميات أنماطا استهلاكية وفكرية قد تؤدي إلى ذوبان صامت في ثقافات لا تراعي خصوصياتنا، دون نسيان أجندات تحبك في الظلام ضد قضايانا ومصالحنا، تتسرب “قطرة قطرة” إلى عقول غير محصنة بما يكفي.

إن الحضارة المغربية ليست وليدة لحظة، بل نتاج سيرورة تفاعلات ممتدة للإنسان المغربي مع ثقافات متنوعة، وقد كان الانفتاح وما يزال جزء أصيلا من قيمنا، لكنه ظل دائما مقرونا بالحفاظ على خصوصيات تتطور دون أن تفقد جوهرها. إن هذه الحضارة في المحصلة ثمرة تطور تاريخي وفق سردية وطنية بنيناها عبر القرون، غير أن هذه السردية صارت اليوم أوهن من أي وقت مضى، وتحتاج إلى إعادة بناء مع استيعاب السياق الدولي بتوازناته وتحدياته، بإكراهات وطموحات أجياله.

إننا اليوم في مفترق طرق، إما أن ننساق وراء الانسلاخ الجماعي التدريجي عن انتمائنا الحضاري لصالح التبعية والذوبان، وما يتبع ذلك من تداعيات على سيادتنا ومصالحنا ومكانتنا بين الأمم ومستقبل أبنائنا، وإما أن نوحد الطاقات بشكل عاجل ومنهجي لإعادة بناء بوصلة “تمغربيت”، من خلال تحويلها إلى سياسات عمومية تبني أجيالا متشبعة بتاريخها، معتزة بحضارتها، متمسكة بقيم التعايش والانفتاح والجدية والتضامن، تنتصر لتوابث وقضايا الوطن، وتتفانى في خدمة علاه وازدهاره في كل وقت وحين.

إن “تمغربيت” التي تشرفنا بتأصيلها الأول قبل أزيد من سبع سنوات، في مشروعنا السياسي الذي أطلقناه في 2019، وبعد ذلك عبر منظمة جيل تمغربيت التي أسسناها في 2022، لا تسعى إلى التقوقع، لكنها تأبى التفتيت والذوبان، إنها تؤمن بانفتاح نحافظ معه على جوهر قيمنا ومركزيتنا الحضارية، مع الانخراط الإيجابي والمسؤول في العالم وتطوراته. إنها ليست أسطورة تبريرية، بل منظومة إصلاحية تعترف بالأخطاء، تقترح بدائل واقعية لتجاوزها، وتحول الانكسارات إلى فرص، آخذة دوما بعين الاعتبار أن تجاوز الإشكاليات المتعلقة بضعف العدالتين الاجتماعية والمجالية، وتفشي الفساد والمحسوبية، جزء لا يتجزأ من إصلاح شامل من شأنه تقوية جبهتنا الداخلية ومنح الأجيال الصاعدة فرصا أفضل للعيش في مجتمع أكثر ديمقراطية واستقرارا وأمانا.

إن “تمغربيت” التي أتحدث عنها، ليست كما يظن البعض، نوستالجيا طفولية، ولا شعارا شعبويا، ولا أغنية رومانسية، بل مشروع وطني للتعافي، يرسخ مركزية الحضارة المغربية، ويمثل بوصلة نحو الازدهار، إنها ورش لتحصين المناعة الوطنية، وتأكيد السيادة ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، وهي قبل كل شيء وبعده، منظومة تقوي لحمة الأمة من داخل تنوعها، وتحكم تموقعها بين الأمم. وإذ نؤمن بحاجتنا إلى تعميق التفكير في تفاصيل السياسات العمومية القادرة على ترجمة روحها، فإننا ندرك أن كل وقت يهدر اليوم سيجعل إنقاذ ما يمكن إنقاذه أكثر تعقيدا.

إن بناء أي نهضة وطنية صلبة ومستدامة لا يمكن أن يتم خارج الاستثمار في الإنسان؛ عبر تعزيز حريته وكرامته، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ومحاربة الفساد بالربط الصارم للمسؤولية بالمحاسبة، لكن قبل ذلك كله، عبر بناء مواطن يفتخر بانتمائه وهويته الجماعية من داخل التنوع، متشبع بقيم أجداده، منغمس في قضايا وطنه، منفتح على كل الثقافات دون مركب نقص.

إقرأ الخبر من مصدره