علاء الدين بنهادي
يمر النسيج السياسي، المؤسساتي، والجيوسياسي ببلادنا، على مشارف الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بمنعطف تاريخي استثنائي يتسم بإعادة تشكيل شامل وعميق لمراكز القوى الحزبية، وتنزيل أوراش هيكلية كبرى لا تقبل التأجيل، حيث تتزامن هذه التحولات الداخلية مع استعدادات استراتيجية كبرى لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030، وهو ما بات يفرض، بحسب الفاعلين والمراقبين، تشكيل ما يُصطلح عليه في النقاش العام بـ “حكومة المونديال”؛ وهي حكومة سيادية وقوية تتطلب بروفايلات قيادية جديدة وموثوقة، قادرة على استيعاب تحديات “الدولة الاجتماعية”، وإكراهات الانتقال الديمقراطي، ومتطلبات التعاقد الاجتماعي والدستوري الجديد.
لا تقتصر هذه الدينامية على الترتيبات الانتخابية الصرفة، بل تمتد لتشمل بنية الدولة التي تشهد ترتيبات سيادية تعكس رؤية استشرافية لانتقال هادئ، آمن، ومؤسساتي للسلطة. وتتجلى معالم هذا الانتقال في القرارات الملكية الأخيرة المتعلقة بولي العهد الأمير الحسن وانخراطه المباشر في دواليب القيادة العليا للمؤسسة العسكرية، تمهيدا لمرحلة “الملك الحسن الثالث” في ظل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ومحيط إقليمي مضطرب. وسنقدم في هذه المقالة البحثية تحليلا شاملا ومفصلا، يستقرئ التحولات الراهنة، ويُفكك السيناريوهات المحتملة لقيادة المرحلة السياسية القادمة، ويُحلل التداعيات الدستورية، الاجتماعية، والجيوسياسية لهذه اللحظة المفصلية التي تعيشها بلادنا.
I. إعادة هيكلة المشهد الحزبي: زلزال القيادات التقليدية وتحديات التجديد الهيكلي
يعيش المشهد الحزبي، عشية تشريعيات 2026، حالة من المخاض العسير الذي يفرز تناقضات حادة بين الرغبة الملحة في التجديد وإعادة الهيكلة، وبين تشبث بعض القيادات التاريخية بمواقعها رغم استنفادها لأرصدتها السياسية. ويعكس هذا المخاض أزمة الوساطة السياسية الكلاسيكية، وتصاعد مطالب الشارع بضرورة تخليق الحياة العامة، والتوجه نحو إفراز نخب جديدة “تكنوسياسية” قادرة على مواكبة إيقاع المشاريع الملكية الاستراتيجية بمنهجية برجماتية ورؤية سياسية واقعية.
1. انسحاب أخنوش وصعود محمد شوكي: نهاية نموذج “رجل الأعمال السياسي”
شكل إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار المنعقد بمدينة الجديدة في 7 فبراير 2026، عن قراره النهائي بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، وبالتالي رئاسة الحكومة القادمة، محطة وداعية طبعت المشهد السياسي الوطني وأعادت خلط الأوراق الانتخابية. هذا الانسحاب، الذي أرجعه أخنوش في خطابه التبريري إلى احترام القوانين الداخلية للحزب ومبادئ التداول الديمقراطي والابتعاد عن “الزعامات الخالدة”، يمثل في جوهره السوسيولوجي والسياسي استجابة هيكلية للضغوط المتزايدة التي واجهتها حكومته طيلة ولايتها وقناعة القصر بأن قوس. فقد اتسمت المرحلة باحتجاجات شبابية، وانتقادات حادة حول تضارب المصالح، وغلاء المعيشة، وتأثير التضخم على القدرة الشرائية للمواطنين.
إن انتقال المشعل القيادي إلى محمد شوكي، الذي انتخب بأغلبية ساحقة ومطلقة (1910 أصوات صحيحة من أصل 1933 صوتا معبرا عنها)، يؤسس لمرحلة تنظيمية وسياسية جديدة كليا في مسار الحزب. تسعى القيادة الجديدة من خلال هذا التغيير إلى تقديم وجه شاب لا يحمل الأعباء السياسية الثقيلة للمرحلة السابقة، بهدف تصدر الاستحقاقات القادمة والدفاع بشراسة عن حصيلة الحكومة الحالية المتعلقة بإرساء دعائم الدولة الاجتماعية، والتغطية الصحية الشاملة، والدعم الاجتماعي المباشر، وجذب استثمارات مغاربة العالم ودول الخليج.
2. المفارقة في حزب العدالة والتنمية: العزلة السياسية وتقاعد بنكيران المكره
في قراءة دقيقة لمآلات حزب العدالة والتنمية، يبرز تناقض صارخ بين الوضع التنظيمي الداخلي للحزب وبين واقعه وتأثيره في المشهد السياسي العام. فرغم أن المؤتمر الوطني للحزب في أبريل 2025 قد أعاد انتخاب عبد الإله بنكيران أمينا عاما لولاية رابعة، إلا أن التحليل المعمق يؤكد أن الدينامية السياسية العامة وعزلة الحزب تجعل من بنكيران في حكم “المتقاعد سياسيا” والمغادر الفعلي لمراكز التأثير التنفيذي وصناعة القرار.
هذا “التقاعد المكره” فرضته بالأساس صناديق الاقتراع في انتخابات 8 شتنبر 2021، التي كبدت الحزب أكبر انتكاسة في تاريخه متراجعا إلى المركز الثامن بـ (13) مقعدا فقط. ويعي بنكيران هذه العزلة، وهو ما دفعه إلى تصعيد خطابه السياسي الاستباقي، مبديا قلقه مما أسماه “حدوث وقائع غير سليمة” واصطدام التقديرات السياسية بأمور تقنية كاستعمال المال وتدخلات السلطة، في إشارة إلى تخوفه من تكرار مسيرات التنديد بحزبه (مثل مسيرة “ولد زروال” في 2016) وتأثير الإعلام. يعكس هذا الخطاب، الذي يطالب فيه بنكيران الأحزاب بالاستقلالية والابتعاد عن المال الانتخابي، محاولة يائسة لاستعادة البريق الانتخابي المفقود، غير أن التحولات المجتمعية والسياسية والتنظيمية تشير إلى طي صفحة هذه التجربة من الإسلام السياسي في المغرب، عل الأقل هذا النموذج من القيادة المنتهية، لصالح بروفايلات تكنوقراطية و”تكنوسياسية” من داخل الحزب شاركت نظريا وعمليا في بناء هذه التجربة، وأبعدت عن الفترة الحكومية، ويبرز هنا اسمان قياديان في الحزب، عبد العلي حامي الدين وأمينة ماء العينين، وهما الأنسب لقيادة الحزب في مرحلته الجديدة بعد أفول جيل “المدرسة البنكيرانية” الفاقدة للواقعية والبرجماتية السياسية، رغم أنهما يحتاجان لجهد كبير لإصلاح ذات البين بينهما وبين الجهة المسؤولة عن الهندسة السياسية والجيوسياسية لدولة ومجتمع الغد.
3. اليسار والمعارضة التقليدية: أزمة التجديد وتصدع القيادات التاريخية
على صعيد المعارضة اليسارية، يُطرح التساؤل بجدية حول مدى قدرة القيادات التاريخية على الصمود أمام رياح التغيير التي عصفت بأخنوش وبنكيران. فهل سيتبعهما نبيل بنعبد الله وإدريس لشكر؟ تشير المعطيات إلى أن إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ عام 2012، قد نجح تكتيكيا في تأمين ولاية ثالثة تمتد لأربع سنوات خلال المؤتمر الثاني عشر للحزب المنعقد ببوزنيقة. ورغم براغماتيته وما يسميه بـ “الواقعية السياسية” التي قادته للتقلب بين المعارضة والمشاركة الحكومية، إلا أن استمراره يطرح علامات استفهام كبرى حول انسداد قنوات التشبيب والتجديد داخل أكبر أحزاب اليسار، ويضع الحزب في مسار غير مسار الآباء المؤسسين، مسار بلا بوصلة ولا هدف قيمي وسياسي ومجتمعي، فقط هدف المناصب والمكاسب والعائلة والشلة، مما يطرح بقوة ضرورة تسليم قيادة الحزب لوجه جديد، يتمتع بالفهم السياسي للواقع الراهن والمقبل ببلادنا، وبالواقعية السياسية، ويحضرني هنا حسناء أبو زيد وعلي بوعبيد ومحمد الكحص.
من جانبه، يستمر محمد نبيل بنعبد الله في قيادة حزب التقدم والاشتراكية منذ ماي 2010 (أعيد انتخابه في 2014، 2018، و2022). وقد أثمر التقارب التكتيكي الأخير بين لشكَر وبنعبد الله عن إحداث لجنة مشتركة في دجنبر 2023 لتشكيل جبهة وطنية سياسية، هدفها مواجهة ما وصفوه بـ “الأساليب والممارسات الفاسدة” و”التغول المفرط” للحكومة وأغلبيتها العددية. غير أن هذا التحالف يبدو محاولة دفاعية لضمان البقاء في المشهد، خاصة وأن بنعبد الله لم ينس بعد تداعيات الإعفاء الملكي (الزلزال السياسي) الذي طاله في أكتوبر 2017 من وزارة إعداد التراب الوطني، وهو الإعفاء الذي ارتبط حينها بتقارير المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة وتأخر مشاريع “الحسيمة منارة المتوسط”. إن استمرارية هذه الوجوه التقليدية تتناقض مع متطلبات المرحلة المفصلية، مما يرجح فرضية انسحابهم أو إبعادهم تدريجيا من مراكز التأثير لصالح نخب يسارية وطنية جديدة من الجيل الثاني قادرة على بناء تعاقد اجتماعي حقيقي عبر الفعل المؤسسي والتدافعي، وهنا يبرز اسم القيادي في الحزب ورئيس الفريق النيابي رشيد الحموني لقيادة الحزب بعد الانتخابات المقبلة، أو ربما قبلها.
4. حزب الأصالة والمعاصرة: طموحات “حكومة المونديال” والعوائق البنيوية
داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أفرز المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في فبراير 2024 ببوزنيقة، هيكلة تنظيمية غير مسبوقة تجلت في قيادة جماعية ثلاثية للأمانة العامة تضم فاطمة الزهراء المنصوري، محمد المهدي بنسعيد، وصلاح الدين أبوالغالي، قبل إزاحته في سياق صراع “الإخوة الأعداء” والزعامة. في هذا السياق التنظيمي، برزت فاطمة الزهراء المنصوري كوجه قوي ومؤثر، حيث عبرت عن طموحات انتخابية واضحة للحزب استعدادا لعام 2026، مشددة على كفاءة وزراء الحزب وحضور الشباب والنساء في مواقع المسؤولية.
ورغم الانتشاء الحزبي والتسريبات الإعلامية حول إمكانية تولي المنصوري رئاسة “حكومة المونديال” في 2026، تواجه هذه الفرضية عوائق ذاتية وموضوعية وتوازنات دقيقة داخل بنية النظام السياسي المغربي، خاصة اتهامات الفساد وتضارب المصالح التي طالتها ونشرت في كثير من المواقع الرقمية. إن انتقال الحزب من مرحلة التحالف الحكومي الحالي إلى موقع القيادة يتطلب تفكيكا لشبكات نفوذ معقدة وإعادة صياغة علاقات الحزب مع محيطه المؤسساتي وتصالحه مع مشروع النشأة الذي انطلق منه. ورغم محاولات المنصوري تقديم حزبها كحزب “الواقع والمستقبل”، إلا أن فرضية التحاقها بركب القيادات المنسحبة واردة بقوة إذا ما اقتضت المصلحة العليا للدولة الدفع ببروفايلات غير مستهلكة سياسيا لإدارة المرحلة، وهنا قد يكون محمد المهدي بنسعيد هو حصان طروادة رغم بعض التعقيدات والأحداث التي تقف أمام صعوده وتحوم حوله.
II. الفراغ القيادي وسيناريوهات رئاسة الحكومة: البحث عن “البروفايل السيادي”
أمام تراجع أسهم القيادات الحزبية التقليدية وانسحاب بعضها، بيدها لا بيد سعد، وتزايد الوعي بخطورة وحساسية المرحلة القادمة، وفشلها في التكيف مع المتغيرات المحلية والدولية فكرا وأداء، يطفو على السطح نقاش حيوي حول طبيعة القيادة التي تليق بلحظة تاريخية مفصلية معقدة ومؤسسة لمغرب جديد، تتزامن مع تنزيل مشاريع المونديال والانتقال الجيوسياسي.
1. الخيار الحزبي المؤسساتي: محمد أوزين ونزار بركة كبدائل حزبية
إذا استمر العمل بالمنهجية الديمقراطية الكلاسيكية، تبرز أسماء قيادات حزبية ذات وزن وتجربة ومقبولية مؤسساتية. في مقدمة هؤلاء، يتموقع محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، كصوت معارض مهيمن يحاول تقديم بديل متكامل عبر “مشروع تعاقدي حركي مجتمعي” تحت شعار “جا الوقت” (حان الوقت). يرتكز هذا المشروع على محاور تمس العمق المجتمعي، من بينها السيادة الاستهلاكية والقدرة الشرائية، الصحة والرعاية الاجتماعية، التعليم والارتقاء المعرفي (عبر ترسيخ حرية الاختيار بين العربية والإنجليزية لإنهاء التبعية اللغوية)، والعدالة الترابية والمجالية والقروية والجبلية، وتعزيز مكانة اللغة الأمازيغية في المنظومة العامة. ورغم أن حظوظ أوزين لرئاسة الحكومة قد تبدو مرتبطة بمعادلات انتخابية معقدة وبحسابات عليا دقيقة، إلا أنه يمثل مكونا أساسيا ومطلبا مناطقيا (قرويا وأمازيغيا وجبليا) في أي هندسة سياسية قادمة، كما أنه يحتاج للعمل على أمرين أساسيين لتحسين شروط صعوده نحو قيادة حكومة الوقت، الأمر الأول، العمل على الانخراط في الهندسة السياسية والجيوسياسية والمشاريع الاستراتيجية الملكية لمغرب الغد، مغرب الاستحقاقات الكبرى وطنيا ودوليا. أما الأمر الثاني، فإنه عليه تشكيل فريق عمل سياسي بمواصفات هذه المشاريع الملكية الكبرى يرتبط ولائيا بالمؤسسة الملكية، بالدولة، وأيضا بالحزب ومشروعه التعاقدي وليس بالانتخابات، كما عليه أن يتحرر من إكراهات ترضية شخصيات في مختلف مواقع الحزب، شخصيات قد تناسب العمل داخل المؤسسة التشريعية وباقي المؤسسات المنتخبة الأخرى والموازية، لا اقتراحها للحكومة المقبلة. هناك أمر ثالث لا يقل أهمية عن الأمرين السابقين، هو أن على أوزين جمع العائلة الحركية تحت مشروع واحد وقيادة موحدة، خاصة الحركة الديمقراطية والاجتماعية بقيادة الشخصية البارزة محليا، عبد الصمد عرشان، لتعزيز شروط قيادتها للحكومة المقبلة أو المشاركة فيها من موقع قوي ومؤثر.
من جهة أخرى، نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، حيث بروفايلا يجمع بين التكنوقراطية الأرثدوكسية وشرعية حزب تاريخية ووطني يحتاج للتجديد. ويستند بركة في مشروعه إلى حصيلته الوزارية في محاولة تدبير أزمات معقدة تمس الأمن القومي كالجفاف، ومشاريع السدود، ومحطات تحلية مياه البحر، كما يحمل خطابا مؤسساتيا يجاري ويتماهى مع الخطب الرسمية، ويركز على ربط المسؤولية بالمحاسبة، محاربة الريع والبيروقراطية، وتحقيق التنمية المجالية والعدالة الاجتماعية بين المدن الكبرى والمناطق الجبلية والقروية. هذا البروفايل قد يجعله مرشحا سهلا لقيادة حكومة الغد، إلا أن ملفات تضارب مصالح واتهامات في الذمة المالية تلاحقه مؤخرا هو الآخر، مما قد يجعله خارج الهندسة الملكية وتصورها لمغرب ونخب الغد، ويفتح الباب لشخصية بديلة عنه من داخل الحزب كما وقع من قبل مع حزب العدالة والتنمية عام 2016، ولما لا شخصيات برزت في مسار الحزب خلال السنوات الماضية أمثال رياض مزور وعادل بن حمزة ومولاي احمد أفيلال.
2. الخيار التكنوقراطي السيادي: فؤاد عالي الهمة وإشكالية الفصل (47)
يتفق الخبراء والمحللون السياسيون على أن استحقاقات 2026 والمشاريع المهيكلة المرتبطة بها (المونديال، الانتقال الطاقي، التموقع القاري، الحكم الذاتي، التعديل الدستوري، والدولة الاجتماعية)، قد تبرر اللجوء إلى “حكومة إنقاذ أو كفاءات وطنية” عليا، تعلو فوق التجاذبات الحزبية الضيقة التي أفرزت ظاهرة “البلوكاج” الحكومي الشهيرة عام 2016. وينص الفصل (47) من دستور 2011 على أن يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. غير أن الممارسة الدستورية والسياسية، وتجربة إعفاء بنكيران واستخدام الملك للفصل (47) لتعيين العثماني، تفتح الباب واسعا أمام اجتهادات وتأويلات دستورية. ففي حال أفرزت صناديق الاقتراع خريطة بلقانية أو عجز الحزب المتصدر عن تشكيل ائتلاف منسجم وقوي، قد يتم استدعاء مقتضيات الفصل (42) من الدستور، الذي يجعل الملك ضامنا لدوام الدولة واستمرارها والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات. في هذا السيناريو الاستثنائي، يبرز بقوة اسم فؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي وأحد أهم رجالات الدولة والصانع الخفي للعديد من التوازنات السياسية منذ 2007. إن ترؤس شخصية سيادية بحجم الهمة للحكومة، أو إشرافه المباشر على هندستها من موقع قوة، سيعني خروجا تكتيكيا عن المنهجية الديمقراطية الانتخابية الشكلية الصرفة (كما حدث في 2002 مع إدريس جطو)، لصالح حكومة تنفيذية دستورية سيادية صارمة، تضمن تنزيل الرؤية الملكية والمشاريع الكبرى المهيكلة بسرعة وفعالية تليق باللحظة التاريخية.
III. الأوراش الهيكلية الكبرى: الدولة الاجتماعية والجهوية كأعمدة للتعاقد الجديد
لا يمكن فصل السياق الانتخابي لعام 2026 عن حجم الأوراش الاستراتيجية التي فتحتها الدولة المغربية برؤية ملكية، والتي تتطلب حكومة قوية ذات حكامة تدبيرية ومالية صارمة وفهم للسياق الدولي والقاري المعقد.
1. تنزيل أسس “الدولة الاجتماعية” وتحديات الحكامة
شكل ورش الحماية الاجتماعية ركيزة أساسية في التحول الاستراتيجي للمملكة. وقد جاء مشروع قانون المالية لسنة 2026 ليترجم إرادة ترسيخ “مسيرة المغرب الصاعد” عبر توطيد أسس هذه الدولة. وقد تمثلت أبرز الإنجازات في التنزيل المتدرج لتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO)، ونظام الدعم الاجتماعي المباشر الذي استفادت منه حوالي (4) ملايين أسرة، وهو ما اعتبره المجلس الأعلى للحسابات قفزة ونتائج “غير مسبوقة”، ورغم هذه المنجزات، يواجه المشروع تحديات جسيمة تهدد استدامته:
• التكلفة المالية واستدامة التمويل: يتطلب المشروع إيجاد آليات ومصادر تمويل مبتكرة للمحافظة على التوازن الماكرو-اقتصادي بين النفقات والموارد وسط إكراهات الميزانية العامة.
• الحكامة المؤسساتية: سجلت التقارير ضعف التنسيق المؤسساتي ونقص الكفاءات الإدارية، ما يستوجب إصلاحات عميقة للمؤسسات والمقاولات العمومية لتلعب دورها في التنمية وخلق فرص الشغل.
• إشكالية منظومة الاستهداف (السجل الاجتماعي): أثار المؤشر الاجتماعي والاقتصادي المعتمد من قبل الوكالة الوطنية للسجلات جدلا واسعا، حيث تسبب في إقصاء فئات واسعة ومستحقة من الدعم المباشر، مما خلق حالة من التوتر الاجتماعي استغلتها المعارضة لانتقاد السياسة الحكومية التي اعتمدت على إلغاء تدريجي لصندوق المقاصة.
2. الجهوية الموسعة وبناء “الدولة الاجتماعية الترابية”
يعتبر ورش الجهوية المتقدمة والموسعة واللاتمركز الإداري خيارا استراتيجيا لبناء نموذج تنموي مستدام وإرساء حكامة ترابية حديثة. أظهرت تقارير الرقابة أن برامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية حققت تقدما ملموسا في البنيات التحتية، الطرق، قطاعي التعليم والصحة، والتزود بالماء والكهرباء، غير أن هناك تباينا حادا في حصيلة تنفيذ المشاريع بين الجهات وتفاوتا غير مبرر في توزيع الاعتمادات المالية. يقتضي بناء “التعاقد الاجتماعي الجديد” إعطاء نفس إصلاحي قوي للمجالات الترابية، عبر تمكين النخب والمجالس المنتخبة من استقلال مالي وقراري حقيقي، للحد من النزوح القروي، وتجنب الاحتقان في الهوامش، وتحقيق التنمية العادلة التي تضمن الكرامة لجميع المغاربة دون تمييز جغرافي.
3. بلورة التعاقد الاجتماعي والسياسي المواطن
يدرك الفاعلون الاقتصاديون والسياسيون أن إنجاح هذه الأوراش يمر حتما عبر صياغة “تعاقد اجتماعي جديد”، كما نادى بذلك الملك محمد السادس. وقد عبر الاتحاد العام لمقاولات المغرب عن تعبئته القوية لإنجاح هذا الورش الذي يشكل “ثورة اجتماعية ومجتمعية”، وبالموازاة مع ذلك، تطلق مبادرات سياسية، كدينامية الحزب الديمقراطي الوطني، نداءات لتعزيز “التعاقد الاجتماعي المواطن” القائم على القرب، الإصغاء، وإشراك الشباب والنساء في بلورة السياسات العمومية. هذا التعاقد المنشود يجب أن يتجاوز البعد الاقتصادي ليؤسس لأسس قيمية تقوم على التعايش، الحقوق، وضمان السلم الاجتماعي، استعدادا لمرحلة انتقال الحكم.
4. التعديل الدستوري والتموقع الجيوسياسي: استيعاب الاستحقاقات الكبرى
يتزامن الحراك الداخلي مع نقاش استراتيجي متصاعد بين النخب السياسية، الأكاديمية، والدوائر العليا حول مدى قدرة الوثيقة الدستورية الحالية (دستور 2011) على استيعاب الديناميات الراهنة والاستحقاقات الكبرى، وحول تموقع بلادنا في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب.
5. حتمية الإصلاح والتعديل الدستوري
لم يعد النقاش حول التعديل الدستوري مجرد ترف فكري، بل ضرورة يفرضها السير الحسن للمؤسسات والهيئات المنتخبة والإدارية. يتمحور النقاش حول إدخال “تعديلات تقنية” وسياسية عميقة على الدستور لتجاوز بعض الثغرات المعرقلة. وتبقى إشكالية “الفصل 47” المرتبطة بتعيين رئيس الحكومة الهاجس الأكبر الذي يهدد ديمقراطية التوافقات، مما يتطلب استيعاب المشاريع المهيكلة والانتقال الجيوسياسي إطارا دستوريا أكثر مرونة؛ إطار يوسع من الصلاحيات السيادية للمؤسسة الملكية (تأويلا وتطويرا للفصل 42) ليتيح للملك هامشا أوسع في تعيين كفاءات وطنية عليا، مدنية أو عسكرية، قادرة على إدارة المرحلة وتنزيل برامج المونديال والانتقال الطاقي والحكم الذاتي والدولة الاجتماعية، دون الارتهان المطلق لنتائج انتخابات قد تفرز خرائط مشتتة أو أحزابا عاجزة. هذا التعديل سيؤسس لدولة قوية تنفيذيا ودستوريا، قادرة على استباق الأزمات.
6. تنزيل مبادرة الحكم الذاتي والتموقع في عالم متعدد الأقطاب
تأتي تشريعيات 2026 في سياق جيوسياسي حققت فيه بلادنا اختراقات استثنائية، حيث فقد انتقلت، بفضل الرؤية الملكية والدينامية الدبلوماسية النشطة (التي توجت باتفاقيات 2020)، من مرحلة السعي الدفاعي وراء الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى ممارسة السيادة الكاملة بحكم الأمر الواقع وتكريس شرعية مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي ومخاطبة العواصم الأوروبية بهذا الشأن، وملفات أخرى، من موقع جيوسياسي جديد، وعلى أساس الإنجازات المحلية والقارية بنيت على مزى ربع قرن في هدوء وانضباط وقوة.
هذا الزخم الدبلوماسي، المدعوم بالتحولات الجذرية في مواقف قوى دولية كبرى (الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، بريطانيا، الصين، وروسيا، إلى جانب دول عربية وإفريقية)، أجهض أطروحات الخصوم الانفصالية. وقد مكن هذا الاستقرار الجيوسياسي بلادنا من التحول إلى شريك موثوق به دوليا ومؤثر قاريا، قريب من الغرب، ولكنه متعدّد الأوجه ومستقل في قراراته السيادية ضمن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تحكمه التحالفات الاقتصادية والمصالح الاستراتيجية المتبادلة. ويستدعي هذا التموقع القاري (كمنصة نحو إفريقيا) والدولي، نحو الخليج والقرن الإفريقي، وجود قوى سياسية داخلية وحكومة ببروفايلات “تكنوسياسية” استثنائية قادرة على تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية واستثمارية حقيقية في مجالات كالهيدروجين الأخضر، الصناعة، اللوجستيك، الطاقة، وسلاسل الغذاء.
IV. التأسيس الهادئ لانتقال السلطة: ولي العهد الأمير الحسن في قلب المؤسسة العسكرية
تكتمل صورة المشهد المغربي المعقد، على مشارف 2026 وما بعدها، بأهم ملمح سيادي يرافق هذه الاستحقاقات؛ والمتمثل في الاستعدادات الهادئة، الدقيقة، والمدروسة لانتقال الحكم في ظل الملكية الدستورية التنفيذية والسيادية القوية. وفي هذا السياق المحوري، شكّل إعلان الديوان الملكي في ماي 2026 عن تعيين العاهل المغربي، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، لولي عهده الأمير الحسن، في منصب عسكري استراتيجي كمنسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، خطوة ذات أبعاد دلالية، سياسية، وعسكرية عميقة، حيث يرسخ هذا التعيين من منظور الجيوبوليتيك وصناعة القرار الاستراتيجي، وحدة القيادة والارتباط المباشر بين القائد الأعلى (الملك) والمفاصل التنفيذية للجيش، مما يعزز الاستمرارية المؤسساتية ويضمن انتقال الخبرة التراكمية بسلاسة. وفي خضم التحولات التي تواجهها بلادنا إقليميا، يشكل هذا الإدماج العسكري خطوة استباقية لتأمين استقرار الرؤية الدفاعية لبلادنا على المدى البعيد، وجعل عملية صناعة القرار العسكري مرنة ومستدامة.
كما يؤكد المحللون ومراكز الدراسات، فإن هذا التحضير التدريجي لانتقال السلطة نحو “الحسن الثالث” يبعث برسائل طمأنة قوية للداخل والخارج. فالأمير سيتسلم مقاليد المسؤوليات وهو محصن بإنجازات والده الاستراتيجية، لا سيما الزخم الإيجابي والاعترافات المتوالية بملف الصحراء، والتحالفات الاستراتيجية الموثوقة مع القوى العالمية الكبرى. هذا التحصين يحرر ولي العهد من ثقل النزاعات الحدودية التاريخية، ويتيح له استلام الحكم واثقا، مدعوما بأصوات أعضاء دائمين في مجلس الأمن، خاصة واشنطن وباريس، لضمان استمرارية السلالة العلوية المجددة، والمؤسسة الملكية المؤثرة مباشرة كضامن أساسي وأوحد لاستقرار ونهضة المغرب المستدامة.
V. استنتاجات وخلاصات استراتيجية
بناء على المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية والدستورية السابقة، يمكن استخلاص جملة من المحددات التي سترسم حتما معالم المرحلة المفصلية المقبلة في بلادنا، وتستجيب للتساؤلات العميقة المطروحة:
1. نهاية دورة قيادية سياسية وحتمية التجديد الشامل: إن انسحاب التكنوقراط ذوي الخلفية الاقتصادية البحتة (نموذج أخنوش) من قيادة الأحزاب، وصعود قيادات مالية/إدارية جديدة (محمد شوكي)، بالموازاة مع التقاعد المكره تنظيميا أو شعبيا للزعامات التاريخية (بنكيران، مع توقعات بانسحاب لشكَر وبنعبد الله وفاطمة الزهراء المنصوري لاحقا)، يفرضه الفشل النسبي في تدبير التوازنات الاجتماعية وضبط إيقاع الشارع رغم النجاحات الماكرو-اقتصادية. وتتطلب محطة 2026 بروفايلات غير مستهلكة، تمتلك “الحس الاجتماعي” والقدرة على استعادة الثقة وتنفيذ المهام بنجاعة ومهنية عالية.
2. “حكومة المونديال” والانتقال إلى القيادة السيادية البديلة: التحديات المرتبطة بعام 2030، وتنظيم كأس العالم، وتنزيل أوراش الدولة الاجتماعية، مقترح الحكم الذاتي والجهوية الموسعة، والانتقال الطاقي، تتجاوز بأبعادها السقوف التنظيمية والكفاءات المتوفرة لدى الأحزاب التقليدية. سيفرض هذا الواقع إما صياغة حكومة حزبية قوية جدا بقيادة شخصية مقبولة مؤسساتيا وقوية تنظيميا (محمد أوزين ونزار بركة)، أو حكومة بتحالفات حزبية منسجمة وقوية تنفذ الرؤية الملكية لمغرب الغد، أو، في حالة صعوبة ذلك لسبب ما، اللجوء إلى تأويلات دستورية (تجاوزا لمعضلة الفصل (47) لتعيين شخصية سيادية عليا تنفرد بوضعية القرب الملكي والخبرة في دائرة الحكم على مزى عقود (فؤاد عالي الهمة) لقيادة حكومة كفاءات إنقاذ وطني، إذا ما أفرزت الانتخابات عزوفا كبيرا وخريطة مبلقنة تهدد سيرورة المشاريع الكبرى والسبر العادي للمؤسسات الدستورية.
3. التعاقد الاجتماعي والسياسي كشرط للنجاح الداخلي: لن يكتب النجاح الاستراتيجي لأوراش التغطية الصحية، الدعم المباشر، الدولة الاجتماعية، والجهوية الموسعة ما لم تترافق مع حكامة مؤسساتية شفافة وتعديل دستوري يستوعب التطورات. إن تفادي الاحتقان الاجتماعي يتطلب استيعابا ذكيا لاحتياجات “جيل Z” الذي قاطع المؤسسات الوسيطة الكلاسيكية ولكنه يحتل الفضاء العام الافتراضي والميداني بقوة؛ وهذا يتطلب إعادة بناء المجتمع على أسس الكرامة والعدالة الترابية (مشروع 2026-2034، كما جاء في البلاغ الملكي الأخير بموازنة تقدر بـ 210 مليار درهما).
4. الملكية التنفيذية الدستورية والمواطنة كصمام أمان جيوسياسي واستراتيجي لانتقال الحكم: في ظل أزمة وتصدع المؤسسات الوسيطة، تظل المؤسسة الملكية المحرك الفعلي والضامن الأوحد للتوازن الجيوسياسي والدبلوماسي الناجح (حسم ملف الصحراء). إن إشراك ولي العهد الأمير الحسن بشكل عضوي ومباشر في أعلى هرم القيادة العسكرية يؤكد الرؤية الاستباقية لتكريس انتقال مؤسساتي سلس وآمن للسلطة؛ خطوة تهيئ المغرب لدخول مرحلة “الملك الحسن الثالث” ضمن بيئة محصنة عسكريا، مستقرة اجتماعيا، ومتموقعة بقوة كشريك محوري في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب والنظام القاري.
إن المغرب مقبل ما بين 2026 و2034، فترة الزمن الملكي الاستراتيجي وليس الزمن الحزبي والحكومي التكتيكي، على حقبة تأسيسية لا مكان فيها للارتجال السياسي ومناكفات جل الأحزاب؛ حقبة تتشابك فيها ضرورة إرساء هندسة دستورية متطورة، وتشكيل حكومة تنفيذية ذات كفاءة استثنائية، وبروز قوى وطنية جديدة تعيد الدفء للحياة السياسية والثقة قي المؤسسات وفي المستقبل. كل ذلك يتبلور تحت مظلة ملكية سيادية قوية، متجددة ومواطنة، تعمل على تثبيت بلادنا كقوة إقليمية، قارية، ودولية صاعدة تضمن لمواطنيها الازدهار والحقوق وللدولة المكانة والتأثير والثقة في بيئة عالمية شديدة التعقيد والاضطراب.