مع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية، تبدأ “معركة” تأمين امتحانات البكالوريا قبل مواعيد الامتحانات بأيام، وأحيانا لما يزيد عن الشهر، حيث يعتكف المكلفون داخل فضاءات مغلقة تتحول خلالها البكالوريا إلى ما يشبه عملية أمنية دقيقة.
فقبل نحو أسبوعين، وأحيانا أكثر، من موعد الامتحانات، يدخل مسؤولون وأطر مكلفون بإعداد المواضيع في “اعتكاف” داخل المركز الوطني للتقويم والامتحانات ومراكز أخرى تابعة للأكاديميات، حيث تنقطع صلتهم بالعالم الخارجي إلى حين انتهاء الاختبارات. تسحب الهواتف المحمولة، ويمنع أي تواصل خارجي، بينما يتم توفير شروط الإقامة والتغذية والتطبيب داخل فضاءات تخضع لإجراءات سرية مشددة.
ووفق المعطيات المتوفرة، تعد مواضيع امتحانات البكالوريا من طرف لجان تشتغل لعدة أشهر داخل فضاءات مؤمنة، دون السماح لها بالعمل خارجها، قبل أن تسلم المواضيع، يدا بيد، إلى مديري الأكاديميات الجهوية الذين يحضرون شخصيا لتسلمها. بعدها تبدأ مرحلة الاستنساخ داخل مقرات مغلقة تابعة للأكاديميات، حيث تطبع الاختبارات بحسب عدد المترشحين، ثم تعد الأظرفة الخاصة بكل مركز وقاعة امتحان، وسط إجراءات تهدف إلى تقليص خطر التسريب إلى أدنى حد ممكن.
وحتى في صباح الامتحان نفسه، تستمر هذه السلسلة الدقيقة من الإجراءات، إذ تسلم الأظرفة بشكل تدريجي إلى رؤساء المراكز، قبل فتحها أمام المترشحين داخل القاعات بحضور ممثلين عن الإدارة والمراقبة، للتأكد من سلامتها وعدم فتحها مسبقا.
مع التطور الهائل في وسائل الغش وتحول جزء منها إلى نشاط رقمي منظم، دخلت الأجهزة الأمنية بدورها على الخط، ليس فقط لتأمين محيط المؤسسات ومرافقة نقل مواضيع الامتحانات، بل أيضا لرصد الحسابات المشبوهة وتتبع عمليات التسريب وتفكيك شبكات بيع معدات الاتصال المستعملة في الغش.
ولخطورة هذا الوضع الجديد، صار مألوفا أن تقدم المديرية العامة للأمن الوطني، مع كل موسم بكالوريا تقريبا، على عمليات توقيف وحجز مرتبطة بالغش الإلكتروني، في مؤشر على أن الدولة باتت تتعامل مع الظاهرة باعتبارها أكثر من مجرد مخالفة مدرسية عادية. كما لم يعد الأمر يقتصر على تحرير محاضر داخل القاعات، بل امتد إلى تتبع الصفحات الرقمية، ومراقبة المجموعات المغلقة، ورصد الحسابات التي تنشر إعلانات بيع السماعات الدقيقة وأجهزة الاتصال المصغرة.
وخلال امتحانات البكالوريا للموسم الدراسي 2024-2025، اعتقل رجال الأمن 118 شخصا على الصعيد الوطني، من بينهم قاصرون ونساء، للاشتباه في تورطهم في قضايا مرتبطة بالغش وتسريب الامتحانات. بعض هذه العمليات تم تنفيذها بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. لكن أكثر ما يكشف طبيعة التحول الذي عرفته الظاهرة ليس عدد الموقوفين فقط، بل نوعية المعدات المحجوزة. فقد أوردت المصالح الأمنية أنها حجزت 87 سماعة دقيقة، و98 هاتفا محمولا، و28 جهازا للربط بالإنترنت، إضافة إلى سبعة حواسيب و641 بطارية. أرقام تعكس كيف تحولت بعض عمليات الغش إلى ما يشبه “عدة تقنية” متكاملة، تقوم على الاتصال الدائم، وضمان جودة الإشارة، وتوفير الشحن الكافي لاستمرار التواصل طوال ساعات الامتحان.
وفي المقابل، تحاول الدولة ملاحقة هذا التحول عبر تشديد المراقبة الرقمية والأمنية، في سباق يبدو مفتوحا مع التكنولوجيا. فكلما تطورت وسائل الغش، توسعت أدوات الرصد والتتبع، إلى درجة لم تعد فيها البكالوريا مجرد امتحان تربوي تنظمه وزارة التعليم، بل عملية أمنية ولوجستيكية معقدة تتداخل فيها المدرسة بالأمن السيبراني والمراقبة الرقمية والضغط الاجتماعي.
داخل بعض مراكز الامتحان، لم يعد المراقبون يكتفون بملاحظة حركة الأعين أو تبادل الأوراق بين التلاميذ، بل أصبحوا يفحصون الآذان والياقات والساعات اليدوية بعناية متزايدة. فالسماعات الدقيقة، التي يصعب أحيانا رؤيتها بالعين المجردة، غيرت جزءا من قواعد المراقبة داخل القاعات، ودفعت عددا من الأساتذة إلى التعامل مع الامتحان بحذر أقرب إلى التفتيش الأمني منه إلى الحراسة التربوية التقليدية.
ومع أن إجراءات كثيرة باتت أمرا واقعا، من بينها منع إدخال الهواتف بشكل صارم، وتشديد المراقبة عند الأبواب، إلا أن ذلك لم يمنع تسريب الامتحانات، وارتفاع محاولات الغش، مما دفع وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، إلى الكشف عن اعتماد نظام إلكتروني متطور للمساعدة على رصد حالات الغش خلال إجراء امتحانات البكالوريا في دورة 2026، في خطوة تروم تعزيز مصداقية الامتحانات وضمان مبادئ الإنصاف والاستحقاق بين المترشحين.
ومع تزايد القلق المرتبط بتطور وسائل الغش الإلكتروني، لم يعد النقاش محصورا داخل الأوساط التربوية فقط، بل وصل أيضا إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجد وزير التربية الوطنية نفسه مطالبا بتقديم توضيحات حول الإجراءات الجديدة المعتمدة لمواجهة هذا النوع من التحايل داخل امتحانات البكالوريا.
وفي هذا السياق، كشف محمد سعد برادة أنه يتم تزويد كل مؤسسة تعليمية بجهاز إلكتروني طورته شركة مغربية ناشئة مرتبطة بمنظومة جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية. وأوضح: “يكفي الوقوف عند باب القسم لرصد أي هاتف في وضعية تشغيل وتحديد التلميذ المعني”. وأضاف “إذا نجحنا في هذا الجانب، ستكون البكالوريا هذه السنة دون غش”.
غير أن عددا من المتابعين يعتبرون أن فعالية هذه الأجهزة ستظل مرتبطة بطبيعة الوسائل المستعملة في الغش نفسها. فالأجهزة القادرة على رصد الهواتف أو الإشارات اللاسلكية قد تنجح في كشف عدد من محاولات التواصل الإلكتروني داخل القاعات، لكنها لا تعني بالضرورة القدرة على ضبط جميع السماعات الدقيقة أو وسائل الاتصال المصغرة، خاصة مع تطور تقنيات البلوتوث والأجهزة منخفضة الإشارة. كما تشير إلى أن بعض هذه الوسائل لا تعتمد على بث متواصل، بل على اتصالات متقطعة أو أجهزة وسيطة صغيرة تخفى أحيانا تحت الملابس أو حول الرقبة، ما يجعل عملية الرصد أكثر تعقيدا داخل قاعات تضم عشرات المترشحين وإشارات إلكترونية متعددة.
ويرى مختصون أن الدور الأساسي لهذه الأجهزة قد يكون ردعيا بالدرجة الأولى، عبر خلق ضغط نفسي إضافي على المرشحين الراغبين في استعمال وسائل الغش الإلكترونية، وإرباك محاولات التواصل السري داخل القاعات.
في نهاية كل موسم امتحانات، تبدو البكالوريا وكأنها تدخل سباقا جديدا مع التكنولوجيا. فكلما طورت الدولة وسائل المراقبة والرصد، ظهرت بالمقابل أدوات أكثر تعقيدا للتحايل والغش، مما يعيد طرح السؤال حول حدود نموذج الامتحان التقليدي في عصر الاتصال الفوري والتكنولوجيا الرقمية.