لا يمكن مقاربة أزمة القطيع الوطني بمعزل عن ديناميات التغير الديمغرافي والاجتماعي في القرى المغربية، فالعلاقة هنا تبادلية ومركبة. فقد أدى تدهور الظروف البيئية والخيارات السياسية الفاشلة إلى إضعاف دخل المجتمعات الرعوية، مما دفع السكان نحو الهجرة، وفي المقابل، ساهمت هذه الهجرة نفسها في تفكيك البنيات التقليدية المتوارثة للرعي، مما أفرغ البادية من قواها الحية وزاد من هشاشة قطاع تربية الماشية على المديين المتوسط والبعيد.
وتكشف الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن أبعاد هذا التحول السكاني المقلق:
• سجل المغرب معدل هجرة قروية سنوي يقارب 1.5% ما بين سنتي 2014 و2024.
• تركزت هذه الموجات بشكل حاد في المناطق ذات الطابع الرعوي التاريخي، وعلى رأسها أقاليم الجنوب الشرقي وجهة سوس ماسة، التي عانت من تهميش مضاعف.
• واكب هذا النزيف تباطؤ لافت في معدل النمو السكاني العام للمملكة، مقابل قفزة كبيرة في نسبة التمدن (نسبة سكان المدن) التي انتقلت من 51.4% سنة 2014 إلى 63% سنة 2024.
هذا الزحف نحو المدن لم يكن خيارا طوعيا، بل كان طردا اقتصاديا ناتجا عن انهيار المداخيل، إذ تشير المعطيات الميدانية لوزارة الفلاحة إلى أن الأراضي الرعوية (التي تمتد على 53 مليون هكتار وتعد مصدر العيش الأساسي للساكنة المحلية) كانت تساهم سنويا بحوالي 36% من حاجيات القطيع، أي ما يعادل قيمة مضافة لا تقل عن 9 ملايير درهم سنويا في دورتها الطبيعية.
لكن مع الجفاف والتهاب الأسعار، انخفضت مداخيل الأسر الرعوية بنسب تتراوح بين 10% و15%، مما أدى إلى شرخ اجتماعي جيلي مروع. فقد غادر حوالي 34% من شباب الأسر الرعوية العالم القروي بشكل دائم أو موسمي نحو الحواضر بحثا عن لقمة العيش وفق المعطيات المنشورة في كتاب “أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد” لمؤلفه عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية.
هذا النزيف الشبابي حرم القطاع من اليد العاملة الفتية والضرورية لإدارة القطعان وتأمين اللوجستيك المعقد لعمليات التنقل الموسمي بين المراعي الصيفية والشتوية، وهو ما يثبت علميا أن الفلاحة وتربية الماشية في القرى المغربية تحولت إلى الملاذ الأخير للشباب يفرون منها فور توفر أدنى وسيلة عيش أخرى في هوامش المدن.