رفقا بالجهات المسنة للقانون التنظيمي للإضراب ورفقا بقرار القاضي الدستوري

Écrit par

dans

سعيد رحو

صحيح أن المشرع الدستوري كما يعلم الجميع، -متخصصا وعواما- اعترف منذ أول دستور سنة 1962 بالحق في الإضراب ضمن الحقوق والحريات الأساسية المعترف بها للمواطنات والمواطنين، فنص في الفصل 14 على أن ” حق الإضراب مضمون ويبين القانون التنظيمي الشروط والإجراءات اللازمة لممارسة هذا الحق”. وهو نفس التأكيد الذي قررته الدساتير اللاحقة وهي دساتير 1970 و1972 و1992 و1996 و 2011.

ورغم ذلك، فالمشرع ذاته لم يستطع طيلة هذه المدة أن يسن قانونا تنظيميا، يفصل ويشرح ضوابط وطرق وكيفيات ممارسة حق الإضراب، وهي مسألة تطرح أكثر من سؤال حول المسببات والعوامل التي حالت وتأخر هذا القانون التنظيمي، خاصة وأن هذا الحق على أساسه تبنى باقي الحقوق فهو الأساس والركيزة.

واستبشر أخيرا المخاطبين بهذا القانون التنظيمي خيرا، حينما أقدمت الجهة الحكومية على إعداد مشروع القانون التنظيمي لحق الإضراب وإحالته على الجهات المعنية؛ النقابية منها والمؤسساتية والتشريعية من أجل الإدلاء برأيها في الموضوع، إلى أن أحيل تلقائيا على القاضي الدستوري وصدر بالجريدة الرسمية بعد إقرار دستوريته من قبل المحكمة الدستورية بتاريخ 24 مارس 2025، وبالتالي أصبح للمغرب قانون تنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب.

لحدود كتابة هذه الجمل القانونية، يمكن القول أن الجميع قال كلمته في المشروع وبعدها أصبح قانونا ملزما؛ فمن جهة المراحل التي قطعها حينما كان مشروعا سنة 2010، وبعدها حينما انتقل إلى مرحلة متقدمة من النقاش والمبادرة سنة 2016، غير أن غياب الموافقة من قبل الجهات المعنية ستؤثر على السرعة التي انطلق بها وتشمله المراجعة الدقيقة، لننتظر أزيد من ستة عقود كي نُنظم مجالا من مجالات المجتمع الحيوية. إذن الحكومة قالت كلمتها،  والمشرع قال كلمته، والنقابات قالت كلمتها، ومجلسي البرلمان قالا كلمتهما، والمحكمة الدستورية قالت كلمتها، والفقه قال كلمته.

أحيانا يكون الدافع من وراء الإدلاء ببعض الملاحظات الأولية بخصوص القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب، ليس دائما الوقوف على بعض المواد القانونية من زاوية القراءة القانونية أو حتى الحقوقية، لكن أيضا بهدف التساؤل حول التفاعل الفقهي المرعب الذي واكب إصدار هذا القانون التنظيمي، لاسيما بعد نشره بالجريدة الرسمية بالتاريخ السالف الذكر.

التعليق الفقهي على أي نص قانوني بصرف النظر عن قيمته التراتبية، مسألة محمودة وصحية لا أحد يمكنه أن يجادل فيها، بل هي السبيل لتطوير التشريع عموما، فالقراءات والتحاليل تساعد كثيرا في تجويد النصوص القانونية وتكشف عيوب المشرع، وتمنح الفرصة له من جديد لتصويب ما اختل واعوج، وتقدم له في النهاية طبقا فكريا وعلميا ينهل منه متى شاء وكيف شاء، إن كليا أو جزئيا، إنه الفقه القانوني باعتباره مصدرا تفسيريا للقاعدة القانونية كما يلقن للطالب في المداخل الأساسية في كليات الحقوق، أو باعتباره خطاب وسلطة كما يذهب إلى ذلك الأستاذ Eric Millard، أحد الباحثين المرموقين بفرنسا، الذي كتب في أهمية الفقه القانوني ودوره المحوري في صناعة القاعدة القانونية.

لكن أن يتم التعامل مع هذا النص القانوني بنوع من السلبية على إطلاقها، ونفس الأمر ينطبق على قرار المحكمة الدستورية، الذي لم يسلم بدوره من الانتقاد والملاحظة، وهو الأمر الذي قد لا يستقيم. وبناءا عليه، قبل طرح بعض الأسئلة التي كان حريا على الفقه المُعلق أن يستحضرها، من الأجدر التذكير بشكلية هذا القانون التنظيمي.

يقع القانون التنظيمي في  33 مادة  موزعّة على شكل أبواب رئيسية؛ يتعلق الباب الأول بالأحكام العامّة لهذا القانون، في حين حدّد الباب الثاني، شروط ومسطرة ممارسة حق الإضراب، أما الباب الثالث، فقد تضمّن الجزاءات و الباب الرابع تضمن الأحكام الختامية التي منحت مدّة زمنيّة لدخول القانون حيّز التنفيذ؛ حيث نقرأ في مَتْن هذا الباب خاصة المادة 33 منه ما يلي “يدخل هذا القانون التنظيمي حيز التنفيذ بعد انصرام أجل ستة أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وينسخ ابتداء من التاريخ نفسه جميع الأحكام المخالفة”.

إن رجوع الدَّارسِ إلى المكونات الهيكلية للقانون سيلحظ أنّ القانون لمْ يخرْج عن العناصر المتبعة في النصوص القانونية من ناحية الصياغة، فالقانون المتعلق بممارسة حق الإضراب، كما يتبين، هو من صنف القوانين التنظيمية التي من أهم مميزاتها أنها تحال إجباريا على المحكمة الدستورية، وتم إصدار الأمر بتنفيذه بواسطة ظهير ملكي يحمل الرقم (34.25.01)، ومؤرخا تاريخا هجريا وميلاديا (17 رمضان 1446) / (18 مارس 2025) تمهيد (الحمد لله وحده)، فَضْلاً عن إحْتوائهِ على أسَانيد
(بِنَاءات دستورية، خاصة الفصلين 42 و 50 و 85 و 132 من الدستور) وصِيغة تقريرية (أصْدَرنَا أمْرنَا الشَّريف بما   يلي)، كما جاء مختومًا بإمضاءٍ موقعٍ بالعطفِ من طرف السَّيد رئيس الحكومة.

وفي نفس السياق ، لا ينبغي للمختص الدفع بسؤال، لماذا اختار المشرع تنظيم هذا المجال بشكل ” القانون التنظيمي” وليس “القانون العادي”؟ الجواب طبعا لأن الوثيقة الدستورية كانت صريحة في ذلك، حينما نصت في الفصل 29 على أنه ” حق الإضراب مضمون. ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته”. هذا فضلا عن  مجال موضوعي حساس يرتبط بالحقوق والحريات وله أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وتشريعية، كما أنه حق وُجد للدفاع عن باقي الحقوق الأخرى، وبالتالي من الأجدر أن ينظم بهكذا نصوص قانونية.

والآن نعود لمسألة التعليقات التي لحقت القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب. يبدو أن الفقه القانوني بالغ كثيرا في انتقاد المبادرة التشريعية وامتدت المبالغة إلى انتقاد قرار القاضي الدستوري -من حيث منهجيته ولغته وشكليات ترتيب فقراته-، الذي لم يقم إلا بدوره الدستوري المتجلي في الرقابة الدستورية. فهل فكر الفقه إذن في طرح أسئلة على مستويات مختلفة من قبيل:

  • على مستوى الحكومة: ماذا لو لم يصدر القانون التنظيمي للإضراب داخل ما تبقى من الولاية التشريعية الحالية؟ ماذا لو بقي الحال على ما هو عليه، وهو غياب القانون التنظيمي للإضراب في المغرب منذ سنة 1962؟ أليس من الأجدر أن نثمن هذا التطور التشريعي خاصة وأنه يتعلق بمجال ظل لعقود محل خلافات سياسية ضيقة لا تستحضر بالضرورة المصلحة العامة؟
  • على مستوى مجلسي البرلمان: ماذا لو لم يتم الموافقة على القانون التنظيمي للإضراب من قبل مجلسي البرلمان؟
  • على مستوى المحكمة الدستورية: ماذا لو لم تحكم المحكمة الدستورية بجوازه دستوريا؟ هل كان سيكون التفاعل مع قرارها تفاعلا إيجابيا أم تفاعلا سلبيا؟ لماذا هذا الجدل بخصوص جواز القانون التنظيمي للإضراب من قبل المحكمة الدستورية؟
  • كثيرة هي تلك الأسئلة التي ينبغي استحضارها قبل توجيه أسهم الإتهام والنقد للجهات المعنية بشكل حاد ومبالغ فيه، ليس من قبيل الدفاع عنها، فهي مؤهلة لذلك، ولكن من باب تثمين التشريع ببلادنا لاسيما وأن المشرع في هذا المجال -حق الإضراب-يسن لستين سنة مضت، ومن باب أن القاضي الدستوري من جهة ثانية لم يفعل إلا دوره في الرقابة الدستورية، فلماذا يحملونه ما لا طاقة له به. وإن أخطأ المشرع أحيانا، والخطأ وارد لأنه عمل إنساني، فإن التصويب والتجويد مسائل مشروعة ومعمول بهما في مختلف الأنظمة التشريعية. ومن جملة الملاحظات التي قدمت في مناسبات علمية صاحبت النقاش حول القرار الدستوري يمكن أن نقف على:

    • -القاضي الدستوري لم يستحضر التوجيه والإرشاد أثناء نظره في القانون التنظيمي للإضراب؛
    • -اتهام القاضي الدستوري بتغليب الطابع الإجرائي والمسطري أكثر من تغليب الطابع الحقوقي للإضراب؛
    • -القاضي الدستوري أنقد القانون التنظيمي من عيب عدم الدستورية، حينما حكم بدستورية هذا النص القانوني؛
    • -قرار المحكمة الدستورية طويل من الناحية الشكلية؛
    • -القاضي الدستوري لم يفتح النقاش على الجانب الدولي، وبالتالي لم يناقش مدى ملاءمة النص للاتفاقيات الدولية؛
    • -جنائية القانون الإضراب، المتمثل بالخصوص في تنصيص القانون التنظيمي على العقوبات؛
    • -القرار لم يعد تكرار الملاحظات التي لاحظها في منطوق القرار وبالتالي هو عيب شكلي؛
    • -القاضي الدستوري تأثر أحيانا بالفضاء الزمني والسياسي؛

    نعود ونؤكد أن القراءة الفقهية لا تصح إذا كانت أحادية، تركز على الجوانب السلبية لمضمون القانون التنظيمي من جهة، ومن جهة ثانية على قرار القاضي الدستوري، منهجيته وشكلياته، بل ينبغي أن يشمل هذا التركيز كذلك الجوانب الإيجابية للتشريع في هذا المجال وكذلك الجوانب المضيئة للقرار الدستوري الفريد.

    فأول ميزة يمكن الحديث عنها في هذا الصدد، أن القانون المؤطر لحق الإضراب يكتسي أهمية خاصة وتتحكم فيه عوامل كثيرة ومعقدة، أن تتم الموافقة عليه ومناقشته والتصويت عليه فهو في حد ذاته نجاح كبير للمنظومة التشريعية والسياسية ببلادنا. وقد جاء في سياق التحوّلات السيّاسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة، الداخليّة منها والخارجية.

    وثاني ميزة ترتبط بما هو مجتمعي، يتمثل أساسا في استقرار المجتمع وتدبير الاحتجاجات والإضرابات ببلادنا، بعدما ظلت الساحة المطلبية لعقود دون قانون يبين ويؤطر حقوقها، ويوضح شروط الإضراب وكيفياته إلا ما كان من اجتهادات هنا وهناك، وهو إجابة صريحة على الإضرابات التي شابت مختلف المجالات بالمغرب: إضرابات قطاع تقني الجو، إضرابات قطاع الصحة، إضرابات قطاع التربية والتعليم، إضرابات طلبة الطب…إلخ.

    ثالث ميزة، تتمثل فيما يرتبط باقتصادنا، إذ من المؤكد أن صدور القانون التنظيمي لحق الإضراب سيساهم لا محالة في تشجيع الاستثمار لاسيما الأجنبي، لما يوفره من ضمانات قانونية تحمي بالخصوص حقوقهم الاقتصادية والاستثمارية. فأوّل ما يفكر فيه المستثمر قبل قدومه للبلد المستقبِل للمشروع، الحماية القانونية والقضائية التي من شأن هذا البلد أن يوفرها لضمان حقوقه الشخصية والمهنية والاقتصادية المرتبطة بمقاولاته وشركاته.

    ورابع ميزة، فهي تلك المتصلة بتوفر الحل القضائي للعديد من المنازعات التي كانت تعرض على القضاء الإداري، فكما هو معلوم أن القضاء الإداري استقر في الدعاوى التي عرضت عليه بخصوص مسألة الإضراب على حماية مبدأ الحق في الإضراب مع عدم استطاعته تبيان الشروط وكيفياته، ويمكن أن نستحضر النماذج القضائية التي يؤكد فيها القاضي الإداري على ممارسة هذا الحق، ومن ذلك ما أصدرته المحكمة الإدارية بمكناس بتاريخ 12 يوليوز 2001 في حكمها عدد 63 أن ” حق الإضراب مضمون، لكن لابد من ممارسته في إطار ضوابط تمنع إساءة استعماله وتضمن انسجامه مع مبدأ استمرارية سير المرافق العامة بنظام وانتظام، مؤكدة أن الإضراب في المرافق العامة لم يعد محرما بصفة عامة، ويجوز تحريمه في بعض المرافق بالقدر اللازم لضمان استمراريتها قصد تلبية احتياجات المصلحة العامة، كما يجوز تقييد ممارسة الإضراب ببعض القيود والإجراءات القانونية” وهو تجسد كذلك على التوجه الذي صارت عليه المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 7 فبراير 2006 في حكمها عدد 192 الذي جاء فيه أن ” غياب النص التنظيمي ووجود فراغ تشريعي بخصوص تنظيم هذا الحق، يعطي للقضاء الإداري استنادا إلى دوره الانشائي إمكانية خلق ضوابط كفيلة بتأمين ممارسته بشكل يضمن الحفاظ على سير المرافق العمومية بانتظام”.

    وختاما، فإن الفكرة التي يمكن الانتصار إليها، لا ينبغي أن تفهم على أنها اتهام للفقه القانوني ودوره الذي لا يمكن رده بأي شكل من الأشكال، بالنظر للغايات الغايات  التي يحققها والتي وردت آنفا، بل المطلوب هو النظر لهذا المنتوج التشريعي غير المسبوق -القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب- في تاريخ نظامنا القانوني على أنه رأسمال لا مادي، علينا أن نعتز ونفتخر أن صدوره سيساهم في تذليل العديد من الصعوبات والإكراهات التي ظلت لعقود من الزمن محل جدال ونقاش بين مختلف الفاعليين، وهو بمثابة ثمرة من ثمرات تاريخ مؤسساتنا الدستورية، ومن المؤكد أن التاريخ سيبقى شاهدا على أن أول قانون للإضراب في المغرب صدر سنة 2025، كما ستحفظ الذاكرة التاريخية للقضاء الدستوري ببلادنا أن قضاة أكفاء كانت لهم الشجاعة العلمية والدستورية بالخصوص في أن يكون للمغرب قانون يؤطر حق الإضراب. فرفقا بالجهات المبادرة بالتشريع في هذا المجال ورفقا بالقاضي الدستوري.

    إقرأ الخبر من مصدره