Auteur/autrice : العمق

  • ندوة علمية حول التثمين المستدام للمنتجات في مواجهة التحديات البيئية

    موسى حمنكاري

    في إطار فعاليات المعرض الجهوي للمنتجات المجالية المنظم بمدينة ورزازات ما بين 15 و18 ماي الجاري، احتضن قصر المؤتمرات، اليوم السبت، ندوة علمية رفيعة المستوى حول موضوع “التثمين المستدام للمنتجات المجالية في مواجهة التحديات البيئية”، بمشاركة مسؤولين وباحثين وخبراء وفاعلين في مجالات الفلاحة والتنمية المحلية.

    وتأتي هذه الندوة في سياق الجهود الرامية إلى تنزيل أهداف استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”، من خلال تعزيز آليات تثمين المنتجات المجالية بجهة درعة تافيلالت، باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووسيلة لدعم صمود الواحات والمناطق الجبلية في مواجهة آثار التغيرات المناخية.

    واستهلت أشغال الندوة بكلمات افتتاحية لكل من رئيس الغرفة الفلاحية لجهة درعة تافيلالت عبد الكريم ايت الحاج، ومدير الغرفة الفلاحية للجهة أهرو أبو الشريف، حيث أكدا على الدور المحوري الذي تضطلع به المنتجات المجالية في تنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص الشغل، وتحسين ظروف عيش الساكنة بالعالم القروي.

    وعرفت الجلسة الأولى، التي أدارها أحمد رمضان عن المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات، تقديم مجموعة من العروض العلمية تحت عنوان “تثمين منتجات المجال الترابي: نحو بناء سلاسل قيمة مستدامة”، تم خلالها التطرق إلى عدد من المواضيع المرتبطة بتطوير المنتجات الواحية والجبلية.

    وشملت المداخلات عرضا حول الشروط الأساسية للتثمين التكنولوجي لتمور “داود فنيسي”، إلى جانب استعراض حصيلة وآفاق تدخلات المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات في مجال تثمين المنتجات المحلية كما ناقش المتدخلون تقنيات استخلاص المواد الطبيعية من النباتات الطبية والعطرية، فيما قدمت جامعة ابن زهر مقاربات علمية مرتبطة بسبل تطوير هذا المجال.

    كما تم خلال الجلسة ذاتها تسليط الضوء على آفاق تحسين جودة إنتاج دبس التمر “تحلاوت”، باعتباره منتوجا تراثيا يحمل إمكانيات اقتصادية وابتكارية واعدة، وذلك من خلال عرض قدمه المركز الجهوي للمعهد الوطني للبحث الزراعي بالرشيدية.

    أما الجلسة الثانية، التي ترأس أشغالها إدريس لطيف، المندوب الجهوي لمكتب تنمية التعاون، فقد خُصصت لموضوع “تمكين التعاونيات الفلاحية: آليات التمويل، التكوين والإدماج الاقتصادي”، حيث ناقش المشاركون سبل تقوية قدرات التعاونيات وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

    وفي هذا السياق، تم التأكيد على أهمية التكوين المستمر في تطوير مهارات الفاعلين، خاصة في مجالات السياحة المستدامة، من خلال مساهمة المعهد المتخصص في التكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية بورزازات.

    كما تناولت المداخلات قضايا مأسسة المعاملات التجارية داخل التعاونيات، وتعزيز الحكامة القانونية للمنظمات المهنية، إضافة إلى إشكاليات حماية علامات الجودة المتميزة، وذلك بمشاركة أساتذة وباحثين من جامعة القاضي عياض بمراكش.

    واختتمت أشغال الندوة بفتح باب النقاش أمام الفاعلين المحليين والمهنيين والباحثين، قصد بلورة توصيات عملية من شأنها دعم السياسات العمومية المرتبطة بالفلاحة التضامنية، وتعزيز تنافسية التعاونيات الإنتاجية على الصعيدين الوطني والدولي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يعزز قدراته الجوية العسكرية بطائرتين عسكريتين جديدتين

    العمق المغربي

    يتجه المغرب إلى تعزيز أسطوله الجوي العسكري باقتناء طائرتي نقل عسكري تكتيكي من طراز “C-295W”، في خطوة جديدة تعكس مواصلة القوات المسلحة الملكية تنفيذ برنامج واسع لتحديث قدراتها الجوية واللوجستية، وسط رهانات إقليمية متزايدة مرتبطة بالأمن والدعم العملياتي وسرعة التدخل.

    ووفق معطيات جرى تداولها من طرف منتدى “Far-Maroc” المتخصص في الشؤون العسكرية عبر منصتي “إكس” و”فيسبوك”، فإن الصفقة الجديدة تندرج ضمن التوجه الاستراتيجي للقيادة العسكرية المغربية الرامي إلى تطوير وسائل النقل الجوي العسكري ورفع جاهزية القوات المسلحة الملكية في مختلف المهام التكتيكية والإنسانية.

    وأشار المصدر ذاته إلى أن إحدى الطائرتين المرتقب انضمامهما إلى الأسطول الجوي المغربي ستحمل تسجيل “Cn-Amt”، دون الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بالقيمة المالية للصفقة أو الجدول الزمني المرتبط بالتسليم.

    ويأتي هذا التوجه في سياق متواصل من تحديث الترسانة العسكرية المغربية، خاصة على مستوى القوات الجوية الملكية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة اقتناء معدات متطورة وأنظمة تسليح حديثة، إلى جانب تطوير البنية اللوجستية ووسائل النقل والدعم العملياتي.

    وتعد طائرة “C-295W” من أبرز طائرات النقل العسكري التكتيكي المتوسطة التي تطورها شركة إيرباص، إذ جرى تصميمها لتنفيذ مهام متعددة تشمل نقل الجنود والمعدات العسكرية، والإخلاء الطبي، والدعم اللوجستي، والمراقبة الجوية، فضلا عن قدرتها على العمل في ظروف تشغيلية معقدة وعلى مدارج قصيرة أو غير مجهزة.

    ويعتبر هذا الطراز نسخة أكثر تطورا مقارنة بطائرة “Casa CN-235”، التي اعتمدتها عدة جيوش وقوات جوية حول العالم خلال العقود الماضية، حيث توفر “C-295W” قدرات أكبر من حيث الحمولة والمدى والمرونة العملياتية.

    وبحسب المعطيات المتداولة، تستطيع الطائرة الجديدة نقل حوالي 70 جنديا، مقابل ما بين 35 و40 جنديا فقط بالنسبة لطراز “CN-235”، وهو ما يمنح القوات الجوية قدرة أكبر على نقل الأفراد والمعدات في وقت أسرع وفعالية أعلى.

    كما تتميز الطائرة بمحركات أكثر قوة وأنظمة إلكترونية وملاحية حديثة، إضافة إلى مدى طيران أطول، ما يسمح بتنفيذ مهام النقل العسكري والتدخل التكتيكي في مسافات أبعد وضمن ظروف تشغيل متنوعة.

    وينحدر طرازا “CN-235” و”C-295” من المشروع الأصلي الذي طورته شركة “CASA” الإسبانية قبل اندماجها لاحقا ضمن مجموعة “إيرباص”، التي أصبحت من أبرز الشركات العالمية في مجال الصناعات الجوية والعسكرية.

    ويرى متابعون للشأن العسكري أن توجه المغرب نحو تعزيز قدرات النقل الجوي العسكري يعكس اهتماما متزايدا برفع الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة الملكية، سواء في ما يتعلق بالتحركات العسكرية أو التدخلات الإنسانية وعمليات الدعم والإغاثة، خاصة في ظل التحديات الأمنية والإقليمية المتسارعة.

    ويواصل المغرب خلال السنوات الأخيرة تنفيذ سياسة تحديث شاملة لترسانته الدفاعية، شملت اقتناء طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي ومعدات مراقبة واستطلاع متطورة، في إطار استراتيجية تهدف إلى تطوير القدرات الدفاعية وتعزيز الاستقلالية العملياتية للقوات المسلحة الملكية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فاطمة وشاي تدعو الشباب إلى كسر العزوف الانتخابي وتحذر من “مؤثرين يضربون قيم المغاربة”

    زينب شكري

    دعت الممثلة المغربية فاطمة وشاي الشباب المغربي إلى الانخراط في المشاركة السياسية والتسجيل في اللوائح الانتخابية، مؤكدة أن العزوف عن الانتخابات لا يمكن أن يساهم في تغيير الأوضاع أو معالجة الإكراهات التي يعيشها المجتمع، وذلك خلال مشاركتها، اليوم السبت، في “المهرجان الخطابي” الذي نظمته شبيبة حزب العدالة والتنمية بالدار البيضاء تحت شعار “جيل مشارك.. جيل مؤثر”.

    وأكدت وشاي، في كلمتها أمام شباب الحزب، أن المشاركة لا تعني فقط الحضور أو الوجود الشكلي، بل تقتضي الانخراط الحقيقي في قضايا المجتمع وفهم المشاكل التي يعيشها المواطن المغربي، من بطالة وغلاء المعيشة وتراجع في قطاعي التعليم والصحة، معتبرة أن الشباب مطالب اليوم بأن يكون جزءا من النقاش العمومي ومن عملية التغيير.

    وشددت الممثلة المغربية على أن المواطن أصبح يواجه ضغوطا اجتماعية واقتصادية متزايدة، إلى درجة أن عددا من الأسر لم تعد قادرة على الشعور بأنها تعيش حياة كريمة، مضيفة أن فئة واسعة من الشباب الحاصلين على الشواهد والدبلومات تعيش حالة من الإحباط بسبب صعوبة إيجاد فرص الشغل.

    واعتبرت المتحدثة أن الابتعاد عن المشاركة السياسية لا يخدم مصلحة البلاد، مبرزة أن التغيير يحتاج إلى مساهمة الجميع، قبل أن تستعين بمثال “الطاجين” لتقريب فكرتها، حين قالت إن أي نتيجة لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة الجميع في المسؤولية والمساهمة.

    كما دعت وشاي الشباب إلى استثمار مواقع التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي، مشيرة إلى أن الجيل الحالي يمتلك أدوات تأثير قوية بفضل التكنولوجيا الحديثة والانفتاح الرقمي، غير أنها حذرت، في المقابل، من بعض المؤثرين الذين اعتبرت أنهم يساهمون في ضرب الهوية والقيم والأخلاق المغربية، عبر محتويات تقدم صورة مشوهة عن المجتمع المغربي.

    وأضافت أن مواقع التواصل الاجتماعي يفترض أن تتحول إلى فضاءات لنشر المعرفة والتوعية والترافع عن القضايا المجتمعية، بدل توظيفها في الصراعات والسب والتشهير، لافتة إلى أن الشباب قادر على لعب دور مؤثر داخل المجتمع، سواء من خلال تخصصاته المهنية أو عبر حضوره الرقمي.

    وخلال اللقاء، عبرت فاطمة وشاي عن إعجابها بشعار “جيل مشارك.. جيل مؤثر” الذي اختارته شبيبة حزب العدالة والتنمية لحملتها الخاصة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، معتبرة أن التأثير الحقيقي يبدأ من المشاركة وعدم الانسحاب من القضايا الوطنية.

    ويأتي هذا اللقاء كأول ظهور إعلامي للممثلة المغربية إلى جانب حزب العدالة والتنمية، بعد الإعلان مؤخرا عن تزكيتها من طرف الحزب لتكون وكيلة لائحته الجهوية في جهة الدار البيضاء-سطات، في خطوة أثارت تفاعلا واسعا داخل الأوساط الفنية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

    وختمت وشاي كلمتها بدعوة الشباب إلى الدفاع عن مصالح الوطن والتصدي لكل مظاهر الفساد من داخل مجالاتهم المختلفة، مشددة على أن الفن أيضا مطالب بتقديم رسائل إيجابية تساهم في الحفاظ على القيم والهوية المغربية وتعزيز الوعي داخل المجتمع.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد 23 سنة على أحداث 16 ماي.. خبير يبرز كيف صنعت حوكمة “إمارة المؤمنين” واليقظة الأمنية تفوق النموذج المغربي

    جمال أمدوري

    أكد الباحث في القضايا الرقمية والأمنية، المحجوب داسع، أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي الإرهابية الأليمة، نقلت النموذج المغربي من منطق التدبير الظرفي للخطر إلى بلورة استراتيجية وطنية مندمجة وشمولية.

    وأوضح داسع، في حوار خاص مع موقع “العمق المغربي”، أن هذه التجربة الفريدة تميزت بمزاوجة ناجحة بين المقاربة الأمنية الاستباقية بقيادة الأجهزة الاستخباراتية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) لوأد المخططات في مهدها، وبين إعادة هيكلة الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين عبر هندسة مؤسساتية متكاملة، إلى جانب أنسنة العقوبة وتأهيل المدانين فكرياً من خلال برنامج “مصالحة”، وهو ما توج بتصنيف المملكة عام 2026 ضمن البلدان الأقل تأثراً بالإرهاب عالمياً برصيد “صفر نقطة” في مؤشر الإرهاب العالمي.

    وأضاف عضو منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، أن الفكر المتطرف الذي اعتمد سابقا على الخلايا التقليدية والوسائل المباشرة قد انحسر فعلياً، لكنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب تكنولوجية جديدة تحت ما يسمى “التطرف الرقمي”، محذرا من خطورة “الخلايا النائمة افتراضياً” ونموذج “الذئاب المنفردة الرقمية” التي تستغل منصات التواصل والألعاب الإلكترونية المشفرة لتجنيد الشباب واليافعين عن بُعد، مستفيدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتويات مفبركة وعالية الجاذبية للتحايل على أنظمة الرصد، مشيداً في هذا السياق بالوعي المغربي المبكر الذي تجسد في إطلاق المديرية العامة للأمن الوطني لمنصة “إبلاغ” الرقمية لإشراك المواطنين في تحقيق الأمن السيبراني.

    بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي، كيف تقيمون تطور “النموذج المغربي” في مكافحة التطرف، وكيف استطاع المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية وإعادة هيكلة الحقل الديني؟
    أعتقد أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على الأحداث الارهابية الأليمة التي هزت مدينة الدار البيضاء 16 ماي 2003، لا تخطئها العين، وينبغي تثمينها والتأسيس عليها قصد معالجة الأنماط الجديدة للتطرف، خاصة التطرف في بعده الرقمي، غير أنه يمكن التأكيد بصفة عامة على أن النموذج المغربي في مكافحة التطرف انتقل من منطق التدبير الظرفي للخطر الارهابي، إلى بلورة الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب، لم تهتم بجانب واحد في تشخيص ومعالجة الظاهرة الارهابية بل أخذت بعين الاعتبار أولا جميع العوامل المؤدية إلى التطرف والإرهاب، و استندت في معالجة هذا الخطر على مقاربات قانونية وحقوقية وأمنية ودينية، و اعلامية، وسوسيو اقتصادية واجتماعية.

    من بين أهم ما يميز هذه الاستراتيجية الوطنية هو كونها نتاج تربة مغربية خالصة، انتقلت من الواقع المغربي، بغية تشخيص الأسباب والعوامل المؤدية للتطرف والارهاب، لتبلور بعد ذلك الحلول الناجعة للتعاطي مع الخطر الارهابي بالاستناد الى مقاربات مختلفة ومتكاملة، لعل أبرزها هذه المزاوجة كما جاء في سؤالكم، بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، في تناغم قلما نجده في تجارب اقليمية أو دولية أخرى.

    على الصعيد الأمني، نجح المغرب بفضل يقظة أجهزته الأمنية الاستخباراتية في وأد الخطر الارهابي في المهد، وذلك بفضل تبني عمل وقائي استباقي قائم على الرصد المبكر وتفكيك الخلايا قبل تنفيذ مخططاتها، مع التطوير المستدام للقدرات الاستخباراتية والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، وهو ما مكن من إحباط عشرات المشاريع الإرهابية وتفكيك مئات الخلايا المرتبطة بتنظيمات متطرفة، خاصة مع صعود تنظيم داعش، وتهديد “الذئاب المنفردة”، كما عزز المغرب ترسانته القانونية والمؤسساتية، من خلال إنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وتوسيع التعاون الأمني الدولي.

    بالموازة مع هذه المقاربة الأمنية، بلورت المملكة المغربية تحت قيادة أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، مقاربة دينية هي أيضا نتاج سياق مغربي خالص، شكل ورش اعادة هيكلة الحقل الديني عمادها الأساسي، حيث تم ضبط آليات عمل المؤسسات الدينية الرسمية، و اعادة النظر في اختصاصتها، وهيكلتها من اجل تحقيق المزيد من النجاعة في عملها، و تقريب المعرفة الدينبة الآمنة الخالية من ألغام التطرف من عموم المواطنين، بالاستناد طبعا الى الاختيارات الكبرى للمملكة عقيدة ومذهبا وسلوكا، وكل ذلك من اجل انتاج خطاب ديني متسم بالوسطية والاعتدال يمتح من ثوابت المملكة المغربية، لكن منفتح أيضا على مقتضيات السياق المعولم وما يفرضه من اجتهاد المؤسسات الدينية للاستجابة لانشغالات المواطنين الراهنة التواقين الى معرفة دينية تشبهم وتشبه واقعهم المعاش وخصوصياتهم الدينية والهوياتية والقيمية.

    لذلك نجد اليوم أن تدبير الشأن الديني في المغرب ينتظم على شكل هندسة سباعية تعتبر فيها مؤسسة امارة المؤمنين بمثابة سارية العماد، التي تشتغل تحتها باقي المؤسسات في تكامل وظيفي، كل بحسب اختصاصاتها ووظائفها، من الحكامة والتدبير ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، الى الفتيا ممثلة في مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، الى البحث العلمي في العلوم الاسلامية و تفكيك خطاب التطرف ممثلة في الرابطة المحمدية للعلماء، الى المجالس العلمية الجهوية والمحلية التي يتمثل دورها في الارشاد الديني من خلال تحقيق مبدأ القرب من احتياجات المواطنين الدينية و الدنيوية، الى باقي المؤسسات التي تعنى بتخريج العلماء مثل دار الحديث الحسنية، ومعهد تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وصولا الى البعد الافريقي للاستراتيجية المغربية من خلال عمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. كل هذه المؤسسات الدينية أدوارها و اختصاصتها لا تتعارض بل تتكامل فيما بينها لتفرز لنا اليوم ما يسمى بهندسة تدبير الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة امارة المؤمنين، التي لها أدوار وظيفية تدبيرية، وهو ما يمنح المغرب، هذا التميز اقليما و دوليا، قلما نجده في تجارب أخرى.

    لذلك فان المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، هو الذي يمنح التجربة المغربية في مكافحة التطرف والارهاب هذا الزخم والثراء، والتفرد مقارنة بتجارب اقليمة افريقية أو عربية أخرى، ويجعلها تجربة فضلى تزداد الرغبة من اجل الاستفادة منها، خاصة و أود التأكيد على هذه النقطة أن المغرب انتقل من مرحلة انتظار وقوع الحدث الارهابي و التدخل بعد وقوعه إلى اعتماد استراتيجية استباقية للوقاية لا تكتفي بمحاصرة نتائج الإرهاب والتطرف، بل يوجه الجهود لمعالجة العوامل والأسباب العميقة التي تنتج الفكر المتطرف على جميع المستويات.

    أود أيضا الاشارة الى مكسب مهم في تجربة المغرب في التعاطي مع التطرف والارهاب، ويتمثل في كون المملكة انتقلت من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة إدماجية شمولية تراهن على الإنسان، وعلى إمكانية المراجعة الفكرية وإعادة الاندماج داخل المجتمع مجددا. بعد أن كان التركيز في مرحلة أولى منصبا على توقيف المتورطين وتفكيك الخلايا وإدانتهم، تطورت الرؤية المغربية نحو العمل على تأهيل هؤلاء المدانين ومواكبتهم فكريا ونفسيا واجتماعيا داخل المؤسسات السجنية، في إطار برنامج نوعي يسمى “مصالحة” الذي تم اضفاء طابع مؤسساتي عليه من خلال انشاء مركز “مصالحة”.

    هذه المقاربة الادماجية حققت نتائج مهمة، من خلال تمكين عدد من المستفيدين من مراجعة قناعاتهم المتشددة، والانخراط مجدداً في المجتمع بروح جديدة قائمة على التعايش و الانضباط للمجتمع وقوانينه ومؤسساته ونظمه، وهو ما مكن العديد من المدانين في قضايا التطرف والارهاب من الاستفادة من العفو الملكي السامي في مناسبات عديدة، مما يؤكد أن قوة النموذج المغربي تكمن في كونه لم يختزل مكافحة التطرف في العقوبة فقط، بل جعل من التأهيل الفكري والمصالحة مع المجتمع مدخلاً أساسياً لتحصين الأفراد من العودة إلى الفكر المتشدد، وهو ما يمنح هذه التجربة المغربية بعدا إنسانيا واستراتيجيا بالغ الأهمية يتجاوز أسوار السجون الى مواكبة المدانين خارجها.

    هل تعتقدون أن الفكر المتطرف الذي أنتج “انتحاريي 16 ماي” قد انحسر فعليا، أم أنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب رقمية جديدة يصعب رصدها؟
    انحسار الفكر المتطرف من عدمه، يمكن النظر اليه من زاوية الوسائل التي تعتمد من أجل التجنيد والاستقطاب والترويج للفكر المتطرف. ما هو مؤكد أن الفكر المتطرف الذي كان يعتمد على الجماعات الصغرى والضيقة باعتماد وسائل تقليدية مباشرة من كتب وأشرطة و منشورات في التعبئة والحشد والتجنيد والاستقطاب، انحسر فعليا بفضل يقظة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، و أيضا بفضل يقظة المواطنين المغاربة، و الجهود التي بذلتها الدولة طيلة السنوات الماضية في مجالات التربية والتعليم والاعلام، غير أن الطفرة الرقمية الراهنة أعادت كما جاء في سؤالكم تشكيل التطرف في صيغة جديدة يصطلح عليه اليوم ب”التطرف الرقمي” أو “الالكتروني” لايمكن التكهن بتشكلاته المستقبلية لكون العالم الرقمي اليوم مفتوح على جميع الاحتمالات التي تتيحها التكنولوجيا في مجال التطور.

    لذلك تعمل الحركات المتطرفة على تطويع التكنولوجيا الرقمية لخدمة أجنداتها و أهدافها التخريبية، حيث تحولت منصات التواصل الرقمي، إلى فضاءات لنفث سم التطرف والكراهية والعنف، و استقطاب مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين، الذين يعتبرون الفئة الأكثر اقبالا على شبكات التواصل الاجتماعي. مثلما تستخدم التكنولوجيا الرقمية بشكل ايجابي خدمة لأهداف التواصل الانساني بصفة عامة، وجدت الحركات المتطرفة في هذه الامكانيات الرقمية الجديدة فرصة لتحقيق أهدافها الايديولوجية، خاصة أن هذه المنصات تمتاز بخاصيات الجذب و التواصل التفاعلي، والابهار البصري، مما يحقق لها قابلية لدى فئات عريضة من مرتادي المنصات الرقمية، خاصة فئتي الشباب والأطفال عبر استعمال مثلا الألعاب الإلكترونية في نشر الدعاية المتطرفة والتجنيد و الاستقطاب.

    هذا الوعي المبكر بأن الفكر المتطرف يبرز على شكل قوالب رقمية جديدة، دفع المديرية العامة للأمن الوطني الى اطلاق المنصة الرقمية “إبلاغ” المخصصة للتبليغ عن المحتويات غير المشروعة على شبكة الأنترنيت، والتي تسمح لمستخدمي شبكة الأنترنيت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتبليغ الفوري والآمن عن كل المحتويات الرقمية الإجرامية والعنيفة، أو تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات، أو تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه، أو تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم.

    هناك اذن وعي مبكر و استحضار للبعد الرقمي في اعادة تشكل الفكر المتطرف، و وتعزيز التفاعل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، وكذا تطوير آليات عملية وناجعة لمكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة عبر إشراك المواطنين في تحقيق الأمن الرقمي وصيانة الانترنت كفضاء آمن وخال من التهديدات والسلوكيات الإجرامية.

    بصفتكم عضواً في منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، كيف تغيرت استراتيجيات الجماعات الإرهابية في استقطاب الشباب المغربي من “الخلايا التقليدية” إلى “الذئاب المنفردة الرقمية”؟
    شهدت استراتيجيات الجماعات الإرهابية خلال العقدين الأخيرين تحولا جذريا؛ فبعدما كانت تعتمد على “الخلايا التقليدية” القائمة على اللقاء المباشر، والتجنيد داخل الفضاءات المغلقة، والارتباط التنظيمي الصارم، أصبحت اليوم تميل أكثر إلى نموذج “الذئاب المنفردة الرقمية”، الذي يقوم على الاستقطاب الفردي عن بعد، دون حاجة إلى بنية تنظيمية واضحة أو اتصال مباشر بالقيادات.

    في مرحلة ما بعد 16 ماي، كان التجنيد يتم غالبا عبر شبكات محلية محددة: أحياء هامشية، حلقات مغلقة، علاقات شخصية، أو خطاب تعبوي مباشر، لكن تغيرات المعادلة حيث انتقلت الجماعات المتطرفة إلى استثمار البيئة الرقمية بشكل مكثف، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى، ومن الخوارزميات التي تعيد إنتاج ما يصطلح عليه بـ”فقاعات فكرية” مغلقة تسهل عملية التأثير النفسي والفكري على الشباب.

    التحول الأخطر في سيرورة استقطاب وتجنيد الشباب نحو الجماعات المتطرفة والارهابية، هو أن التنظيمات لم تعد تبحث دائما عن عضو منضبط تنظيميا، بل عن فرد قابل للتأثر، يمكن دفعه إلى التطرف الذاتي أو تنفيذ فعل عنيف بشكل منفرد دون الحاجة الى العودة الى القواعد كما كان عليه الأمر سابقا، ومن هنا ظهر نموذج “الذئب المنفرد”، الذي قد لا تكون له علاقة تنظيمية مباشرة، لكنه يتشبع بخطاب التطرف عبر الإنترنت، ويتحول إلى مشروع تهديد قائم بذاته.

    كما تغيرت أدوات الاستقطاب نفسها، فبدل الخطاب الدعوي التقليدي المتعارف عليها، أصبحت الجماعات المتطرفة توظف تقنيات رقمية حديثة، مثل فيديوهات قصيرة عالية التأثير العاطفي، ألعاب ورموز بصرية، غرف دردشة مشفرة، استغلال قضايا الهوية والتمييز والغضب الاجتماعي، توظيف الذكاء الاصطناعي والتعديل البصري لإنتاج محتويات أكثر جاذبية واحترافية. واللافت أن هذه التنظيمات أصبحت تخاطب الشباب بلغتهم النفسية والثقافية، لا فقط بلغتهم الدينية. فهي تستثمر مشاعر العزلة، وفقدان المعنى، والرغبة في البطولة أو الانتقام الرمزي، وهو ما يجعل المقاربة الأمنية وحدها غير كافية.

    المثال على هذا التحول من الخلايا التقليدية الى الذئاب المنفردة الرقمية، هو حالة الشاب الذي تم توقيفه يوم الأحد 10 غشت 2025، بمدينة سطات، من قبل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بناء على معلومات استخباراتية وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حيث أظهرت الأبحاث أنه قام بالترويج عبر منصات إعلامية لمحتويات تتضمن عمليات إرهابية لمقاتلي ‘داعش’ وأخرى تحرض على تنفيذ مشاريع تخريبية، بعد أن كان على اتصال مع أحد القياديين الميدانيين المغاربيين لتنظيم داعش والذي قام بتحريضه على تنفيذ مشروع إرهابي بالمملكة ومده بمراجع وإصدارات تتطرق لكيفية صناعة المتفجرات.

    أحداث 16 ماي تم التخطيط لها في فضاءات مادية؛ اليوم، ما مدى خطورة “الخلايا النائمة افتراضيا”، وكيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تعقيد مأمورية رصد خطاب الكراهية؟
    خطورة الخلايا النائمة افتراضيا تكمن في كونها تجاوزت الحيز المادي الجغرافي في مجالات الحشد والتعبئة والتجنيد والاستقطاب، لتنتقل في عملها نحو فضاءات رقمية افتراضية، فهذه الخلايا تواكب الطفرة الرقمية المعاصرة، و آخرها بروز الذكاء الاصطناعي، مما يضع الدول و منها المغرب أمام تحديات جديدة ينبغي الاشتغال على مواكبتها بتكوين جيل جديد من الموارد البشرية مؤهلة لمجارة هذه الدينامية المدمرة.

    على المستوى الرقمي نحن اليوم أمام أفراد أو مجموعات قد لا تجمعهم علاقة تنظيمية مباشرة مبنية على التسلسل الاداري الهرمي، كما كان عليه الأمر في الفضاءات التقليدية المباشرة، حين كانت اللقاءات تتم بشكل مباشر في أماكن مغلقة، لكن اليوم نحن أمام بروفايلات قد لا تستطيع الوصول الى هويتها و تتلبس على شكل هويات مجهولة داخل فضاءات رقمية مشفرة وعابرة للحدود، ما يجعل عملية الرصد و التتبع أصعب بكثير مما كان عليه الأمر سابقا.

    الخطر المحدق يتمثل في كون هذه الخلايا الافتراضية تعتمد على مايسمى بالتخفي ، أي أن مستخدما لموقع أو منصة معينة في الفضاء الرقمي، قد يبدأ بمتابعة محتويات تبدو عادية توفر كل خصائص الابهار البصري والجاذبية التي تبنى عليها المضامين الرقمية، ثم يجد نفسه تدريجيا دون أن يعي ذلك داخل دوائر أو فضاءات أكثر تشددا بفعل الخوارزميات والتوصيات الآلية للذكاء الاصطناعي، إلى أن يصل إلى مرحلة التطبيع مع خطاب الكراهية أو العنف الذي قد يأتي على شكل ألعاب الكترونية مثلا، وهنا مكمن الخطر الحقيقي لأن الشباب والأطفال والمراهقين واليافعين أكثر اقبالا على هذه الألعاب والمضامين التي تقدم على انها ترفيهية أو سياسية أو دينية عادية في الأساس، لكنها في الواقع تنفث خطابات تحرض على التطرف والارهاب والعنف والكراهية.

    ما هو مؤكد أن الذكاء الاصطناعي، وامكانياته الهائلة يسهم في اعادة تشكيل المضامين الرقمية، بشكل يصعب معه معرفة هل هي حقيقية أم معدلة، وهو ما أضاف بعدا جديدا للتهديدات الارهابية. اليوم الحركات المتطرفة والارهابية لم تعد تكتفي بإعادة نشر الدعاية التقليدية، بل تشتغل على تطويع أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى أكثر احترافية وإقناعا، بتوظيف أكثر تقنيات الابهار البصري، من خلال إنشاء فيديوهات وصور مفبركة عالية الجودة، تقليد الأصوات والخطب، وتوليد محتوى بلغات متعددة بشكل فوري، و التحايل على أنظمة الرصد عبر تعديل الكلمات والصور والرموز، وهذا ما يعقد مأمورية المنصات الرقمية وأجهزة الرصد المتخصصة في التتبع والتعقب. وضع يفرض على المغرب ضرورة أولا الرصد التكنولوجي عبر تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مضادة قادرة على اكتشاف الأنماط الجديدة للخطر الارهابي، و تعزيز تعاونه الدولي المتعدد الأطراف خاصة مع الشركات العالمية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة وأن العالم اليوم يعمل على تعزيز التعاون الدولي والمنصاتي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني، الى جانب ورش يتعين العكوف عليه وهو ضرورة ادماج الثقافة الاعلامية والرقمية في مناهجنا التعليمية على مختلف المستويات من أجل تمنيع الأجيال الناشئة ضد كل أضرب الاختراقات القيمية والسلوكية، وعلى رأسها التطرف والارهاب، في عصر رقمي لا يؤمن بالحدود الجغرافية.

    في ذكرى 16 ماي، دائماً ما نستحضر الضحايا؛ كيف يمكن توظيف “شهادات الناجين” وضحايا الإرهاب في المنصات الرقمية لإنتاج خطاب مضاد يؤثر في الأجيال الناشئة؟
    سؤال وجيه يفرض نفسه اليوم في عز الثورة الرقمية الحالية التي ينبغي حسن استثمارها بعقلانية قصد بلورة مضامين رقمية بديلة ومضادة لخطابات العنف والتطرف والكراهية، من منطلق أن المعركة مع الحركات المتطرفة هي في واقع الأمر معركة سرديات وخطابات ومضامين تجري أطوارها اليوم على المستوى الرقمي الافتراضي، لذا أعتقد أن توظيف شهادات الناجين وضحايا الإرهاب في الفضاء الرقمي يمكن أن يشكل أحد أكثر الطرق تأثيرا في بناء خطاب مضاد للتطرف على المستوى الرقمي، لأن هذه الشهادات تنقل النقاش من مستوى الترف الفكري حول أسباب وعوامل التطرف والارهاب، على أهمية هذا النقاش، إلى مستوى آخر يغوض في التجربة الإنسانية الحية المؤثرة التي تمتزج فيها الأحاسيس والمشاعر خاصة الحزينة منها، ومعلوم أن الانسان بطبعه يتأثر بمشاعر خاصة اذا كانت صادقة ونابعة من شهادات حية حقيقية معاشة، كما هو الحال بالنسبة للناجين من أحداث الدار البيضاء الأليمة، التي لازالت جرحا لم يندمل في وجدان كل المغاربة.

    الطرق التقليدية للتواصل مع الأجيال الحالية التي أسميها ب” الأجيال الرقمية”، خاصة جيلي “ز” و ألفا”، وهي أجيال بالمناسبة لها مميزات خاصة، وانتظارات معينة، وطرق تواصل خاصة، ( الطرق التقليدية ) للتواصل معهم، لم تعد نجدي نفعا في عز انتشار الذكاء الاصطناعي، بتطبيقاته المختلفة، وشبكات التواصل الاجتماعي، لذلك أعتقد أن الأجيال الناشئة تميل أكثر الى شهادات انسانية حية حقيقية نابعة من الواقع، يمكن بلورتها على شكل كبسولات رقمية هادفة حاملة لقيم الحب والسلام والتسامح، تمزج بين مضامين مختزلة ومكثفة المعاني و الدلالة، و مبهرة شكلا تتوفر فيها كل أشكال الجاذبية والابهار البصري، لأن العملة الأثمن في الفضاء الرقمي اليوم هي “شد وجذب الانتباه” ومن يحسن تملك ناصية هذه العملة المؤثرة سيكون له قصب السبق في الفضاء الرقمي بغض النظر عن ما ينشره من مضامين.

    لذلك أعتقد أن الورش المضموني على المستوى الافتراضي، ينبغي العكوف عليه قصد بلورة مضامين رقمية هادفة بانية متزنة وسطية معتدلة تبرز من جهة مخاطر التطرف والارهاب، وتعلي من قيم الحب والسلام والتعايش بين الأديان و الثقافات، من جهة ثانية، و الدور منوط هنا بالفاعلين الدينين، و الاعلاميين، و الشباب، والفاعلين في جمعيات المجتمع المدني، وكذا المؤثرين و المؤثرات، و صناع ألعاب الفيديو، وكتاب القصص القصيرة، الذين ينبغي أولا تكوينهم معرفيا وقانونيا في المجالات المتصلة بمكافحة التطرف والارهاب، وبالاستراتيجية المغربية بهذا الخصوص، و بالخصوصيات الدينية للمغرب، و أيضا بناء كفاياتهم التقنية حتى يكونوا مؤهلين معرفيا و تقنيا، لبلورة مضامين رقمية متزنة بانية توظف شهادات الناجين من أحداث 16 ماي الارهابية، وضحايا الارهاب بصفة عامة، توظيفا يراعي خصوصيات وانتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة الشباب واليافعين و المراهقين، ويراعي كذلك ما يفرضه الفضاء الرقمي من ابداع في مجالات بناء الخطابات المضادة والبديلة على مستوى الشكل والمضمون، لأن الخطابات المضادة تسهم بشكل كبير في تفكيك المقولات والمفاهيم التي تستند اليها الحركات المتطرفة والارهابية، خاصة كما قلت اذا كانت هذه الخطابات المضادة فعالة وناجعة شكلا ومضمونا تراعي انتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين.

    ان المطلوب اليوم هو العمل على تفكيك الخطاب المتطرف، عبر تقديم خطاب بديل ومضادة، أصيل ومتزن ووسطي، يزاحم المضامين المتطرفة و الارهابية، داخل الفضاء الرقمي ويعيد الاعتبار لقيم الرحمة والتعايش والاختلاف والتنوع.

    هل يمكن القول إن المغرب اليوم، بفضل ترسانته القانونية ومؤسساته (مثل BCIJ)، قد طوى صفحة 16 ماي للأبد، أم أن “السيولة الإرهابية” في منطقة الساحل تفرض تحديات لا يمكن التكهن بها؟
    أحداث 16 ماي الارهابية نبهت المغرب الى أن الخطر الارهابي قائم، و أنه من الضروري العكوف قصد استجلاء جميع العوامل والأسباب المؤدية الى التطرف والتطرف العنيف والارهاب، وهو ما نجحت فيه المملكة كما أسلفت الذكر سابقا من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب.

    لاشك أن جراح أحداث 16 ماي لم تندمل بعد و لازالت حاضرة في المخيال الشعبي لكل المغاربة، غير أن المغرب نجح في تجاوز هذه الذكرى بفضل اللحمة الوطنية بين الشعب وجميع المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الملكية، وهو ما يتضح من خلال نجاح السلطات المغربية في القضاء على أصل التطرف ومظاهر الغلو، من خلال تفكيك عدة خلايا متطرفة وتوقيف عدد من العناصر في مراحل مبكرة دون أي كلفة اجتماعية أو أمنية، لكن الارهاب بطبيعته ظاهرة متحولة وعابرة للحدود الجغرافية لتصل اليوم الى ماهو رقمي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح تحديات جمة ينبغي على المؤسسات الوصية مواكبتها والقيام بالمتعين ازاءها خاصة على مستوى تكوين الموارد البشرية والتأطير والتأهيل لمواجهة هذه التحديات الرقمية المتزايدة.

    لقد نجح المغرب منذ أحداث 16 ماي بالدار البيضاء، في بناء منظومة أمنية وقانونية جعلته من أكثر الدول يقظة وفعالية في مكافحة الخطر الإرهابي، سواء عبر العمل الاستباقي أو تطوير التعاون الاستخباراتي الدولي أو إحداث مؤسسات متخصصة مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكن التحولات الجيوسياسية والإقليمية تجعل التهديد الارهابي، قائما وإن بأشكال مختلفة، كما يؤكد على ذلك المسؤلون الأمنيون المغاربة في مختلف المناسبات التواصلية و الاعلامية.

    بالعودة الى التقارير الدولية، نجد أن المغرب مصنف ضمن البلدان الأقل تأثرا بالارهاب على الصعيد العالمي، وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، بعدما حل في المركز الـ100 من أصل 163 دولة، برصيد صفر نقطة، مصنفا ضمن خانة الدول التي تكاد تنعدم فيها التهديدات الإرهابية. لكن ما يعتمل داخل منطقة الساحل من نزاعات و أجندات ورهانات يتقاطع فيها ماهو ايديولوجي بما هو سياسي، بسبب تداخل الإرهاب مع شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والانقلابات السياسية، يفرض على المغرب بحكم موقعه الجغرافي وانخراطه الإقليمي والدولي في مواجهة الخطر الارهابي، ضرورة اليقظة الدائمة والتفكير في الانتقال من منطق مكافحة الإرهاب فقط إلى منطق إدارة المخاطر الأمنية المتغيرة خاصة المخاطر السيبيرانية، لأن الجماعات المتطرفة في الساحل لم تعد تتحرك وفق النموذج التقليدي، بل أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الحاصلة أمنيا واستخباراتيا ورقميا، وعلى استثمار الفراغات الأمنية والاجتماعية، بل وحتى التحولات التكنولوجية والرقمية خدمة لأجنداتها ورهاناتها.

    اجمالا، يمكن القول أن المغرب نجح في الحد من تكرار سيناريو أحداث 16 ماي الارهابية، لكن يواجه اليوم تهديدات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ، خاصة مع التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، وتنامي التطرف في بعده الرقمي، وبالتالي فالتحدي الارهابي لازال قائما و يكتسي طبيعة جديدة و بأدوات جديدة، و اليقظة واجبة لمواجهته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بايتاس: وصول المعلم إلى منصب وزير هو الأصل الطبيعي.. وعلى الأساتذة اقتحام السياسة

    جمال أمدوري

    أكد مصطفى بايتاس، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار وعضو الحكومة، أن وصول رجال ونساء التعليم إلى مناصب المسؤولية “ليس استثناءً بل هو الأصل الطبيعي”، معتبرا أن المسار المهني للأستاذ يمكن أن يمتد بشكل طبيعي نحو الفعل السياسي والتدبيري.

    وخلال لقاء حزبي ضمن محطة “مسار المسقبل” احتضنتها مدينة فاس، اليوم السيت، شدد بايتاس على أن تجربة الأساتذة داخل الحقل التربوي تمنحهم “رأسمالا رمزيا ومعرفيا” يؤهلهم للانتقال إلى الفعل السياسي والتدبيري، داعيا إياهم بشكل صريح إلى عدم الانكفاء داخل الأقسام، بل الانخراط في العمل السياسي باعتباره امتداداً لرسالتهم التربوية.

    وقال بايتاس، وهو يستحضر مساره الشخصي كأستاذ سابق في التعليم الابتدائي، إن “المعلم الذي يصبح وزيرا ليس حالة شاذة، بل هو النموذج الطبيعي الذي يجب أن يُحتذى”، مضيفاً أن تقليص صورة الأستاذ في وظيفة تعليمية فقط يُعدّ تبسيطاً غير منصف لدوره المجتمعي.

    وفي سياق حديثه عن الإصلاحات المرتبطة بقطاع التعليم، استحضر المسؤول الحكومي محطة “قانون الإطار” الذي اعتبره “معركة وجودية” خاضها حزب التجمع الوطني للأحرار دفاعا عن التعدد اللغوي وإصلاح المنظومة التربوية، مؤكدا أن هذا المسار تُوّج بإدماج التعليم كأولوية مركزية في السياسات العمومية.

    كما توقف بايتاس عند الحوار الاجتماعي الأخير، الذي رصدت له الحكومة إمكانيات مالية وُصفت بالاستثنائية، متحدثاً عن إصلاحات ضريبية ساهمت في رفع موارد الدولة، وهو ما مكّن – حسب تعبيره – من تمويل سياسات اجتماعية واسعة، في مقدمتها تحسين وضعية رجال ونساء التعليم.

    ‎وفي رسالة مباشرة لهيئة التدريس، شدد القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار على أن “المستقبل لن يكون صراع موارد فقط، بل صراع قيم”، معتبراً أن الأساتذة هم الفئة الأكثر تأهيلاً لحمل مشروع مجتمعي متكامل، نظراً لدورهم التربوي اليومي داخل المدرسة وخارجها.

    وذهب بايتاس أبعد من ذلك حين دعا الأساتذة إلى عدم ترك المجال السياسي فارغا، قائلا إن “الانسحاب من السياسة يترك الفراغ لفاعلين آخرين”، مضيفا أن المشاركة السياسية للأساتذة ليست ترفا بل مسؤولية مرتبطة بطبيعة رسالتهم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مباحثات صناعية بين المغرب وكوريا.. سيول تطالب بحوافز لتوطين صناعة البطاريات والدفاع والسفن

    ياسر الرقاص-صحافي متدرب

    كشفت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة التجارة والصناعة والطاقة الكورية الجنوبية عن تفاصيل دقيقة جرت في الغرف المغلقة خلال المحادثات الثنائية الرفيعة التي جمعت بين المسؤولين المغاربة والكوريين.

    وتظهر الوثيقة، التي اطلعت عليها جريدة “العمق”، أن كوريا لا تسعى فقط لتسريع إبرام اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، بل تضغط بقوة لتأمين موطئ قدم استراتيجي لعمقها الصناعي والتكنولوجي في المملكة عبر مشاريع ضخمة تشمل لأول مرة قطاعي الدفاع وبناء السفن.

    ووفقاً لمعطيات الوثيقة، فإن قطاع صناعة السيارات الكهربائية استأثر بحيز هام من المباحثات؛ وذلك بقيادة مشروع ضخم لإنشاء مصفاة لتكرير الليثيوم في المغرب، كما أوضحت الوثيقة أن الجانب الكوري طالب الحكومة المغربية بشكل صريح تقديم “حوافز استثمارية ملموسة” إلى جانب تسهيل المساطر المتعلقة بـ”تأمين الوعاء العقاري” اللازم للمشروع.

    كما يراهن الطرف الكوري على أن هذا المشروع سيشكل دعامة أساسية لبناء سلسلة خاصة لصناعة بطاريات المركبات الكهربائية داخل المملكة، مما يتيح للمغرب التحول إلى قطب تصديري نحو الأسواق الغربية.

    وفي قطاع النقل السككي، دعت سيول المغرب إلى تقديم خطة دعم مستمر وضمان السير السلس لبناء وتدشين المصنع المحلي الخاص بشركة “هيونداي روتيم”، ويأتي هذا الطلب في أعقاب فوز الشركة الكورية في فبراير من العام الماضي بأكبر صفقة في تاريخها بقيمة 2.2 تريليون وون كوري (مليار و600 مليون دولار) لتوريد عربات القطارات الكهربائية للمكتب الوطني للسكك الحديدية، حيث تسعى كوريا الجنوبية إلى تحويل هذا المصنع إلى منصة إنتاج إقليمية لتصدير العربات نحو دول إفريقية أخرى.

    ومن أبرز ما حملته الوثيقة الرسمية هو تجاوز التعاون الثنائي للقطاعات التقليدية السيارات والطاقة؛ إذ ناقش المسؤولان بشكل رسمي آفاقاً جديدة لتوسيع الشراكة الاستراتيجية لتشمل قطاع بناء السفن والصناعات الدفاعية العسكرية.

    ويرى مراقبون أن إدراج شق الدفاع وبناء السفن يعكس رغبة كوريا الجنوبية في الاستفادة من التوجه المغربي الحديث الرامي إلى توطين الصناعات العسكرية والدفاعية وتحديث أسطوله البحري، مستغلة في ذلك التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي تمتلكها سيول.

    كما أشاد المسؤول الكوري، “يو هان-كو”، بالعمق الجيو استراتيجي للمملكة، واصفاً المغرب بأنه “الجسر الرابط بين أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا”.

    كما أكدت الوثيقة أن ما يغري كبريات الشركات الكورية هو “الشبكة الواسعة من اتفاقيات التبادل الحر” التي يمتلكها المغرب مع أزيد من 50 دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ حيث تطمح سيول إلى دمج القدرات الصناعية المتقدمة لكوريا مع المؤهلات اللوجستيكية للمغرب بهدف تنويع أسواقها استراتيجياً، معتبرة أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية المرتقبة ستكون نقطة التحول الحاسمة لهذا التوسع في شمال إفريقيا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • محكمة تركية تسجن مغنيا 3 سنوات بسبب منشورات تدين هجمات إسرائيل على غزة

    العمق المغربي

    أفادت صحيفة “Yeni Akit” التركية بأن المحكمة الجنائية الابتدائية الحادية والعشرين في إسطنبول، قضت بسجن المغني التركي يشار إيبك لمدة ثلاث سنوات، في قضية رفعت ضده بسبب منشورات تدين أعمال إسرائيل في قطاع غزة.

    وأوضحت الصحيفة أن القضية الجنائية تم فتحها بناء على شكوى تقدمت بها مؤسسة الحاخام الأكبر لتركيا، وذلك على خلفية بعض التعبيرات التي استخدمها المغني في منشوراته التي تناولت الأحداث في القطاع الفلسطيني.

    وأشارت إلى أن منشورات إيبك تطرقت إلى ما وصفته بـ “الاغتيالات والهجمات الإسرائيلية” في القطاع.

    وذكرت المصادر أن هذا الحكم يأتي في سياق قطع تركيا لعلاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد بدء عمليتها العسكرية في غزة، حيث تقتصر العلاقات بين البلدين حاليا على التواصل عبر أجهزة الاستخبارات عند الضرورة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين يشترى الطريق إلى البرلمان بـ700 مليون.. أي مستقبل للسياسة في المغرب؟

    عبد اللطيف أبو البراء قسطاني

    في كل مرة يطفو على السطح حديث عن المال في السياسة بالمغرب، يعود السؤال ذاته بإلحاح أكبر.. هل ما زالت السياسة فعلا نبيلا لخدمة الصالح العام، أم تحولت عند بعض الفاعلين إلى سوق مفتوحة تباع فيها التزكيات والمواقع والنفوذ؟ التصريح الذي نسب لعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، حول طلب أحد الأمناء العامين لأحد الأحزاب مبلغا يصل إلى 700 مليون سنتيم مقابل تزكية انتخابية، لم يكن مجرد كلام عابر في سجال سياسي. بل كان بمثابة مرآة عاكسة لواحد من أخطر الأعطاب التي تنخر الحياة الحزبية المغربية منذ سنوات، أعطاب المال الانتخابي، والفساد السياسي، وتحويل العمل الحزبي إلى تجارة مربحة بدل أن يكون رسالة وطنية وأخلاقية.

    الأخطر في الأمر ليس فقط الرقم الصادم، بل ما حمله التصريح من إيحاء بأن مثل هذه الممارسات أصبحت “معروفة” و”شائعة”، وكأن المجتمع السياسي المغربي بدأ يتعايش مع الانحراف باعتباره أمرا طبيعيا. هنا تكمن المأساة الحقيقية. فحين يصبح الفساد أمرا معتادا، تفقد السياسة روحها، ويفقد المواطن ثقته، وتتحول الديمقراطية إلى مجرد واجهة شكلية تدار خلفها شبكات المال والنفوذ والمصالح.

    لقد آن الأوان فعلا لأن يطرح السؤال بجرأة ووضوح.. ألم يئن الأوان للسياسة بالمغرب أن تنظف نفسها وتتخلص من الشوائب والظواهر السلبية التي أفقدتها هيبتها ومصداقيتها؟ ألم يحن الوقت لكي تعود الأحزاب إلى دورها الطبيعي كمدارس للتأطير والتكوين وصناعة النخب، بدل أن تتحول عند البعض إلى شركات انتخابية موسمية؟

    الحديث عن “بيع التزكيات” ليس جديدا في المغرب، وإن كان نادرا ما يقال بهذه الصراحة. فمنذ سنوات طويلة، تتردد في الكواليس السياسية قصص عن مرشحين يدفعون أموالا طائلة للحصول على تزكية حزب معين، خصوصا في الدوائر الانتخابية التي تعتبر “مضمونة” أو ذات حظوظ قوية. وفي كثير من الأحيان، لا يكون المعيار هو الكفاءة أو التاريخ النضالي أو المشروع السياسي، بل حجم “القدرة المالية” للمرشح. وهكذا يجد المناضل الحقيقي نفسه مهمشا، بينما يتصدر المشهد أصحاب المال والنفوذ.

    هذه الظاهرة لا تضرب فقط مصداقية الأحزاب، بل تضرب جوهر الديمقراطية نفسها. لأن الانتخابات، في أصلها، هي آلية لاختيار الأفضل لخدمة المواطنين. ومع تحول التزكية إلى سلعة، يصبح المقعد البرلماني استثمارا ماليا يسعى صاحبه لاسترجاع ما دفعه، وربما مضاعفته. ومن هنا تبدأ سلسلة خطيرة من الفساد.. شراء الأصوات، استغلال النفوذ، نهب المال العام، وتوظيف السلطة لخدمة المصالح الشخصية.

    وأخطر ما أنتجه المال السياسي بالمغرب هو تشويه صورة المنتخب في المخيال الشعبي. فالمفروض في النائب البرلماني أو المستشار الجماعي أن ينظر إليه باعتباره ممثلا للأمة أو خادما للشأن العام. في حين أن هذه الممارسات رسخت لدى فئات واسعة من المواطنين صورة سلبية تختزل السياسي في شخص يبحث عن الامتيازات والصفقات والريع. وهذه الصورة، حتى وإن كانت ظالمة في حق بعض الشرفاء، فإن من صنعها في النهاية هو سلوك جزء من الطبقة السياسية نفسها.

    لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية في ظل هيمنة المال الفاسد. لأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي أيضا أخلاق وقيم وتكافؤ فرص. وحين يدخل المال بقوة إلى العملية السياسية، يصبح المواطن البسيط عاجزا عن المنافسة، مهما كانت كفاءته أو نزاهته. وهكذا يتم إقصاء الطاقات الحقيقية لصالح “أعيان الانتخابات” وأصحاب الثروات.

    لقد عانى المغرب طويلا من ظاهرة “الترحال السياسي”، حيث ينتقل بعض المنتخبين من حزب إلى آخر بحسب المصلحة والفرصة. لكن الأخطر من الترحال هو غياب القناعة السياسية أصلا. فبعض المرشحين لا يهمهم البرنامج ولا المرجعية الفكرية، بل فقط الحزب القادر على منحهم التزكية التي تضمن لهم الوصول إلى البرلمان أو الجماعة. وهذا دليل على أن السياسة عند البعض فقدت بعدها القيمي وتحولت إلى وسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.

    والمسؤولية هنا لا تقع فقط على الأحزاب، بل أيضا على المجتمع والدولة والإعلام. فحين ينجح أصحاب المال في الانتخابات رغم الشبهات التي تحيط بهم، فهذا يعني أن هناك خللا جماعيا. فالمواطن الذي يبيع صوته مقابل مبلغ مالي أو خدمة مؤقتة، يساهم بدوره في إعادة إنتاج الفساد. والإعلام الذي يصمت أو يطبع مع الانحرافات السياسية يتحمل جزءا من المسؤولية كذلك.

    لكن رغم هذا السواد، لا ينبغي السقوط في التعميم أو اليأس. فما زالت في المغرب كفاءات سياسية محترمة، ومناضلون شرفاء، وأحزاب تضم طاقات وطنية نظيفة. غير أن المشكلة أن هذه الأصوات غالبا ما تحاصر داخل منطق المال والنفوذ. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار للسياسة النبيلة، وتشجيع الكفاءات النظيفة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم.

    إن تخليق الحياة السياسية لم يعد ترفا فكريا أو شعارا انتخابيا، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة. لأن استمرار الوضع الحالي يهدد الثقة في المؤسسات، ويعمق العزوف السياسي، ويفتح الباب أمام الشعبوية والتطرف. فالشباب المغربي اليوم ينظر إلى السياسة بكثير من الشك والسخرية، ويرى في الأحزاب مجرد أدوات للصراع على المناصب. وهذه أخطر نتيجة يمكن أن تصل إليها أي ديمقراطية ناشئة.

    وقد أثبتت التجارب العالمية أن الإصلاح السياسي الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها. فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخله، لا يمكن أن يبني ديمقراطية في المجتمع. والحزب الذي تباع فيه التزكيات أو تمنح على أساس الولاءات الشخصية والمالية، لا يمكن أن يفرز نخبا قادرة على خدمة الوطن. لذلك فإن أول خطوة نحو الإصلاح هي فرض الشفافية داخل الأحزاب، واعتماد معايير واضحة ونزيهة في اختيار المرشحين.

    كما أن القوانين الانتخابية بحاجة إلى مراجعة عميقة. فمحاربة المال الانتخابي لا تتم فقط بالشعارات، بل بآليات رقابية صارمة، وعقوبات حقيقية، وتفعيل دور مؤسسات الحكامة. ولا يعقل أن تظل الشبهات تتكرر في كل استحقاق انتخابي دون أن نرى محاسبة واضحة ورادعة. فالإفلات من العقاب هو ما يشجع على استمرار الفساد.

    ثم إن المجتمع المدني مطالب بدور أكبر في مراقبة الانتخابات وفضح الممارسات المشبوهة. فالديمقراطية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية جماعية. كما أن الإعلام الحر والنزيه يبقى خط الدفاع الأول ضد الفساد السياسي، لأنه يسلط الضوء على التجاوزات ويمنح المواطنين حق المعرفة.

    أما المواطن المغربي، فهو بدوره أمام امتحان حقيقي. فالتغيير لا يأتي فقط من فوق، بل يبدأ أيضا من صندوق الاقتراع. فحين يرفض المواطن بيع صوته، وحين يعاقب الفاسدين انتخابيا، وحين يختار الكفاءة والنزاهة بدل المال والقبلية، عندها فقط يمكن أن تبدأ السياسة في التطهر.

    والمغرب اليوم بحاجة إلى ثورة أخلاقية في السياسة، لا ثورة على السياسة. لأن هدم الثقة في المؤسسات خطر كبير، لكن الأخطر منه هو استمرار الفساد داخلها. والمطلوب ليس شيطنة العمل السياسي، بل إنقاذه ممن أساؤوا إليه.

    لقد تعب المغاربة من الشعارات الفضفاضة والوعود الموسمية. ويبحثون عن سياسة نظيفة، ونخب صادقة، وأحزاب تحترم ذكاءهم. يريدون أن يشعروا بأن البرلمان يمثلهم فعلا، وأن المنتخب يخدمهم لا يخدم مصالحه الخاصة. ويتطلعون لأن يعود للسياسة معناها النبيل.

    وتصريح بنكيران، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حول خلفياته السياسية، أعاد فتح جرح قديم في الحياة السياسية المغربية. لكنه في الوقت نفسه يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. فإما أن يتحول هذا النقاش إلى فرصة حقيقية للإصلاح، وإما أن يظل مجرد ضجيج سياسي عابر ينتهي بانتهاء الجدل الإعلامي.

    فإلى متى ستظل السياسة رهينة المال والنفوذ؟ وإلى متى سيظل المواطن يؤدي ثمن فساد لا يشارك فيه؟ ثم ألم يئن الأوان فعلا لكي تنظف السياسة المغربية بيتها الداخلي، وتستعيد شرفها وهيبتها ورسالتها الوطنية؟

    لقد آن الأوان، بل تأخر الأوان كثيرا. لأن الأمم لا تبنى بالمال الفاسد، ولا تنهض بالأحزاب الضعيفة أخلاقيا، ولا تتقدم بسياسيين يعتبرون المناصب غنائم. الأمم تبنى بالثقة، والنزاهة، والكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    والمغرب، الذي راكم تجربة سياسية مهمة، ويملك مؤسسات دستورية متقدمة مقارنة بعدد من الدول، يستحق حياة سياسية أكثر نظافة وشفافية. ويستحق أحزابا تفرز الكفاءات لا الأثرياء فقط. ويستحق برلمانا يعكس إرادة الشعب لا قوة المال. ويستحق سياسة تعيد للمواطن الأمل بدل أن تدفعه إلى النفور والعزوف.

    إن معركة تخليق السياسة ليست سهلة، لأنها مواجهة مع مصالح قوية وشبكات نفوذ متجذرة. لكنها معركة ضرورية إذا أراد المغرب أن يربح رهانه الديمقراطي والتنموي. فلا تنمية بدون ثقة، ولا ثقة بدون نزاهة، ولا نزاهة بدون إرادة حقيقية للتطهير والإصلاح.

    وتبقى السياسة، رغم كل شيء، أداة نبيلة حين تكون في يد الشرفاء. ويبقى الأمل قائما في أن تستعيد الحياة الحزبية المغربية عافيتها، وأن يظهر جيل جديد من السياسيين المؤمنين بخدمة الوطن لا بخدمة الحسابات الشخصية. يومها فقط، يمكن أن نقول إن السياسة بالمغرب بدأت فعلا تتخلص من شوائبها، وتسير في الطريق الصحيح نحو المستقبل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إسرائيل تعلن اغتيال القائد العسكري لكتائب القسام عز الدين الحداد

    العمق المغربي

    أعلن الجيش الإسرائيلي رسميا، اليوم السبت، عن اغتيال عز الدين الحداد، الذي وصفه بالقائد العسكري لكتائب القسام، الجناح المسلح لحركة حماس، في غارة على مدينة غزة.

    وقال الجيش الإسرائيلي في بيان مشترك مع جهاز الشاباك، إنه “قضى على المدعو عز الدين الحداد”، معتبرا إياه “قائد الجناح العسكري لحماس ومن آخر قادة حماس الكبار الذين كانوا يقفوا خلف مجزرة السابع من أكتوبر الدموية”.

    وأضاف البيان أن الحداد كان ضالعا، على مدار الحرب، في احتجاز عدد من المختطفين الإسرائيليين لدى حماس، كما أنه “أدار منظومة احتجاز المختطفين في قبضة حماس وأحاط نفسه بمختطفين إسرائيليين بهدف منع تصفيته”.

    وتابع أن الحداد يعد من أقدم قادة الحركة، حيث انضم إلى صفوفها في فترة تأسيسها، وتولى سلسلة من المناصب البارزة، من بينها قائد لواء مدينة غزة، كما أشرف على التخطيط والتنفيذ لهجوم السابع من أكتوبر وإدارة القتال ضد القوات الإسرائيلية.

    ونقل البيان عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله خلال تقييم للوضع إن العملية تمثل “نجاحا عملياتيا مهما” و”إغلاق دائرة مهم”، مشيرا إلى أن اسم الحداد طُرح مرارا من قبل المختطفين العائدين باعتباره “أحد المسؤولين الرئيسيين عن مجزرة السابع من أكتوبر”.

    وأكد زامير أن الجيش سيواصل ملاحقة ومحاسبة كل من كان جزءا مما وصفه بـ”مجزرة السابع من أكتوبر”، موجها بالحفاظ على جاهزية عملياتية عالية والرد بشكل فوري على أي محاولة للمساس بالقوات الإسرائيلية.

    ومن جهته، أكد مصدر في حركة حماس لقناة “الجزيرة” القطرية، “استشهاد قائد كتائب القسام عز الدين الحداد في غارة إسرائيلية على مدينة غزة مساء أمس الجمعة”.

    إقرأ الخبر من مصدره