Catégorie : حوارات

  • إدريس الكراوي يدعو إلى إعادة التفكير في السياسات العمومية الموجهة للشباب

    في وقت يتعاظم فيه حضور الشباب في المشهد المجتمعي، وتتصاعد معه التحديات التي تواجههم في مختلف أنحاء العالم، يفتح الأستاذ إدريس الكراوي، رئيس الجامعة المفتوحة للداخلة ومنتدى الجمعيات الإفريقية للذكاء الاقتصادي، عدسة التحليل على التحولات العميقة التي تطبع واقع هذه الفئة، وعلى الرهانات المطروحة أمام المؤسسات لصون مكانتها وتأهيل أدوارها في المستقبل.

    في هذا الحوار، يقدم الكراوي قراءة شمولية للسمات البارزة التي تميز شباب اليوم، مبرزا كيف أنهم يختلفون جذرياً عن الأجيال السابقة من حيث أنماط التفكير والعيش والانخراط في الشأن العام. كما يتوقف صاحب كتاب “أن تكون شابا في عالم اليوم”، عند المفارقة الصارخة التي يعيشها شباب اليوم بين وفرة الإمكانات وشحّ الأحلام، بين الطموح المشروع وانسداد الأفق، ليفضح في المقابل عدداً من الأفكار المسبقة التي تلاحق هذه الفئة، من قبيل عزوفها عن العمل السياسي أو ميلها للتمرد والعنف.

    ويؤكد الكراوي في حديثه لـ”الأخبار” أن الحديث عن “الشباب” بصيغة المفرد هو اختزال مخلّ، داعياً إلى الاعتراف بتعدد فئاتهم وتنوع مساراتهم ومجالات انخراطهم، سواء في ريادة الأعمال، أو الفعل الجمعوي، أو الحقل السياسي، أو حتى في مجالات الإبداع والروحانيات، دون إغفال الفئة الواسعة من الشباب المقصيين والهشّين، الذين يعيشون على هامش المجتمع في ظل البطالة والفقر وغياب الأفق.

    في هذا الحوار، دعوة صريحة لإعادة التفكير في السياسات العمومية الموجهة للشباب، بعين تراعي واقعهم المركب وتؤمن بإمكاناتهم كمحرك للتغيير، لا كمصدر للمخاطر.

    أجرى الحوار: النعمان اليعلاوي

     

    ماهي السمات البارزة لشباب العالم اليوم؟

    إن شباب العالم اليوم هُم أبناءُ عصرِهم بامتياز، إذ يختلفون عن الأجيال السابقة في كل مناحي حياتهم، سواء في طريقة التفكير، أو العمل، أو الترفيه، أو الزواج والطلاق، أو نمط الاحتجاج أو ممارسة السياسة، بل إنهم مختلفون حتى فيما يرسمونه من الأحلام. كما أن لهم حاجيات وانشغالات ومشاكل وانتظارات وتطلعات وأولويات تعكس خصوصيات السياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمجالية التي يعيشون ويشقون طريق حياتهم في ظلها.

    من جهة أخرى، تعاني فئات عريضة من هؤلاء الشباب من خصاص في الأحلام والطموح والأمل في المستقبل. وهو خصاص يعكس ما يساورهم من مخاوف وقلق وما يعتريهم من إحباط وحرمان، ناشئ عن عدم رضاهم عن ظروف عيشهم وشعورهم بالاستياء وبأنه لا يتم الإنصات إليهم بما يكفي، ولا يتم إشراكهم في اتخاذ القرار ولا مراعاة حاجياتهم بالقدر الكافي في وضع السياسات العمومية.

    ولهذا الواقع انعكاس مباشر على أبرز القيم الاجتماعية والثقافية التي يقوم عليها بناء لحمة الرابط الاجتماعي وآصرة العيش المشترك، وتحسين الأداء العام للبلدان، وضمان متانة المؤسسات التي تنظم حياة الشباب داخل المجتمع، لا سيما المدرسة والأسرة.

    كما أن لهذا الوضع انعكاسات على هيئات حكامة وتقنين الأنظمة الاجتماعية والسياسية ببلدانهم والنماذج التنموية المعتمدة بها. ويتعلق الأمر بشكل خاص بقيم المواطنة والمسؤولية وبذل الجهد والتضحية والتضامن والتسامح وقبول الاختلاف والتنوع الثقافي والحضاري والديني.

    فهو وضع يرهن ثقة الشباب في مؤسسات بلدانهم ومؤسسات العالم، كما يرهن انخراطهم في التغيير وتَمَلُّكَهُم للنماذج التنموية الجديدة المنشودة ومشاركتهم في بلورتها، ومن ثمة يرهن نظرتهم للمستقبل.

    هل هذا ما يفسر بعض الأفكار المسبقة حول الشباب؟

    إن دراسة الإشكاليات والقضايا التي يثيرها موضوع الشباب، مع الاستعانة بتقييم مقارن للسياسات العمومية المعتمدة على الصعيد العالمي في مجال الشباب، تكشف عن وجود العديد من الأحكام المسبقة حول هذه الفئة، كما تُفْصِحُ عن تنامي نوع من الخَلْطٍ في ما يتعلق بالسياسات العمومية الخاصة بالشباب. وغالبا ما تنصب هذه الأحكام المسبقة على عزوف الشباب عن العمل السياسي، وضعف ثقتهم في المؤسسات، لا سيما الدولة والأحزاب السياسية، ووضعهم البنيات المجتمعية التي تضطلع بتنظيم الحياة في المجتمع مثل الأسرة والمدرسة موضع التساؤل، وكذا رفضهم المشاركة في تدبير الشأن العام، وميلهم إلى الاحتجاج والتمرد والعنف.

    وإذا كانت هذه التوصيفات تعكس إلى حد بعيد جانبا من الواقع المعاش، إلا أنه لا يمكن البتة تعميمها وجعلها ملازمة لكل الشباب على وجه الإطلاق. ذلك أن مجال الشباب هو مجال يتسم بطابعه المعقد والمركب، حيث إن الملاحظة التجريبية لهذا الحقل، تبرز أننا لسنا حيال “فئة شابة” واحدة منسجمة الخصائص، وإنما نحن أمام “فئات شابة”، أي شباب متعددون يتطورون في سياقات اجتماعية وأسرية ومجالية شديدة الاختلاف. وهي سياقات تحدد الخصائص المميزة للشباب وتملي عليهم خيارات وسلوكيات معينة وتفرض عليهم واقعا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ومؤسساتيا. هكذا نجد أن المجتمع الواحد يَضُمُّ فئاتٍ متعددة ومتنوعة من الشباب:

    شباب اختاروا المبادرة الحرة وريادة الأعمال كسبيل للاندماج الذاتي في الحياة العملية، وبالتالي كوسيلة للمساهمة في المجهود الوطني الرامي إلى خلق الثروة؛

    شباب اختاروا العمل المدني في إطار منظمات غير حكومية منبثقة عن المجتمع المدني، بغية إعطاء معنى لانخراطهم المواطن وتثمينه، وذلك من خلال المشاركة في مبادرات للتضامن الاجتماعي، والدفاع عن حقوق الإنسان، وحماية البيئة و/أو مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة (الأشخاص في وضعية إعاقة، الأطفال الصغار المُهمَلين، النساء ربَّات الأسر في وضعية هشة، الأشخاص المسنون، المهاجرون في أوضاع غير نظامية)؛

    شباب اختاروا الانضمام إلى حزب سياسي أو منظمة نقابية أو مهنية كطريقة لتجسيد انخراطهم في حياة المجتمع وممارسة سلطة التأثير في مستقبل المؤسسات التي ينتمون إليها وإسماع صوتهم في مسلسل تشكيل المشروع المجتمعي الذي يطمحون إليه؛

    وفئة أخرى من الشباب اختاروا الإبداع بشتى مجالاته المتنوعة، سواء في ميادين الثقافة، الفن، العلوم، الموسيقى، فنون الطبخ، الأزياء أو الرياضة، كشكل من أشكال التعبير عن مواهبهم وعن انتمائهم للمجتمع، إذ وجدوا في الإبداع الإطار الملائم للتطور والتفتح والارتقاء الذاتي، ومن ثم الإطار الأمثل للمساهمة في تعزيز الرأسمال الوطني غير المادي.

    وعلى مستوى آخر، هناك شباب اختاروا الممارسة الدينية والروحانية، بحثا عن إجابات لتساؤلاتهم الوجودية، وقلقهم ومخاوفهم، وآمالهم.

    وأخيراً، هناك الشباب المَقصيُّون الذين يعيشون على هامش المجتمع بسبب الفقر المدقع، والبطالة المزمنة، ومختلف أشكال الهشاشة. وتشكل هذه الفئة أكبر نسبة من الشباب، إذ يوجدون في جميع المناطق سواء الحضرية أو شبه الحضرية أو القروية، وينتمون إلى الكثير من العائلات في جميع أنحاء العالم. وتتولد عن الوضعية التي يعيشها هؤلاء الشباب جملة من المواقف والسلوكيات، على رأسها استهلاك المخدرات ، والاتجار في الممنوعات بكل أنواعها وأشكال العنف والتطرف.

    ماهي أهم التحولات التي يعرفها الحقل الشبابي اليوم؟

    ثمة تحولات جديدة وبالغة الأهمية باتت تؤثر على جميع هذه الفئات من الشباب. ذلك أنهم أضحوا يتطورون في عالم منفتح ومعولم بشكل متزايد، ويعيشون في ظل سياقات وطنية تتسم بتنامي وَقْعِ الثورة الرقمية. ويوفر هذا الواقع الجديد لشباب اليوم إمكانيات هائلة للتعبير الحر عن مشاكلهم وبواعث قلقهم، ولكن أيضاً عن احتياجاتهم وانتظاراتهم وتطلعاتهم. وبفضل الثورة الرقمية، أصبحت لديهم إمكانيات أكبر للانتظام في إطار شبكات والعمل التعاوني مع نظرائهم، كما عززت هذه التكنولوجيا من استقلاليتهم إزاء جميع المؤسسات التي تنظم الحياة في المجتمع، وعلى رأسها المدرسة والأسرة ومؤسسات الدولة والشبكات الاجتماعية التقليدية. وهو الأمر الذي يجعل منهم فاعلين قائمي الذات في المجتمع، يتمتعون بقوة فردية وجماعية حقيقية ومُؤثرة، لكنها قد تكون إما قوة بناءة ومعززة للإبداع أو مُدَمِّرَة.

    لكن، وعلى الرغم من الطابع المركب لإشكاليات وقضايا الشباب، وبغض النظر عن الوزن الديمغرافي لكل فئة من فئات الشباب السالفة الذكر، فمن المؤكد أنه عندما يتم إرساء سياسات عمومية في مجال الشباب تتسم بالجدية والمصداقية ويقوم على إعمالها مسؤولون جِدِّيُّون ومؤَهَّلون ويَتَحَلَّونَ بالنزاهة والالتزام بتحقيق الصالح العام، فإن الشباب ينخرطون في تلك السياسات ويتملكونها بل ويصبحون فاعلين رئيسيين في تنفيذها. لذلك، ينبغي على الدول والمجتمعات التي تعيش فيها هذه الفئات من الشباب الانكباب بشكل جدي على وضع أنسب السبل وأكثرها ملاءمة لتحقيق إدماجهم في مجتمعاتهم.

    غير أنه، لكي تكون سبل إدماج الشباب ناجعة، فإنه يتعين عليها الانطلاق بشكل قبلي من فكرة أساسية مفادها : أننا اليوم إزاء جيل جديد من الشباب، واعٍ ومُتَطَلَّب، وهو نتاج ديناميات مجتمعية وطنية تندرج في سياق عالمي يتميز بالتوسع المتسارع لفضاءات الحرية، والاستقلالية في التعبير عن هذه الحرية، وتطور الأنترنت، والولوج إلى عدد كبير من القنوات الفضائية، وكذا بروز وتطور نوع جديد من المطالب، مثل الحق في العدالة والكرامة والحماية الاجتماعية الشاملة والعمل اللائق والثقافة والترفيه والعيش في بيئة سليمة والمشاركة السياسية.

    ولذلك، ينبغي أن تعمل المجتمعات المعاصرة على التكيف مع هذا الوضع الجديد، كما أن الدول مدعوة إلى وضع سياسات عمومية مُوَجَّهَةٍ للشباب تكون مواكبة ومستجيبة للجيل الجديد من المطالب المعبر عنها من لدن هذه الفئات الجديدة من الشباب. وبعبارة أخرى، يجب على الدول والمجتمعات أن تغير جذريا من الطرق والآليات التي تعتمدها في مجال إدماج الشباب، وذلك من خلال وضع استراتيجيات خاصة بالشباب ينفذها فاعلون ذوو مصداقية ويمتلكون الكفاءة اللازمة، على أن ينكبوا على تنفيذ مبادرات وتدابير واضحة ومحددة بشكل أفضل، وبرامج تستهدف المستفيدين بشكل أدق، مع توفير تمويلات مهمة وكافية. وينبغي أن تكون الأهداف المسطرة موضوع تشاور وتقاسم بين الأطراف المعنية، وأن تجعل الشباب في صلب اهتماماتها، حتى يجدوا ضالتهم فيها وينخرطون في إنجاحها.

    لذلك، يجب أن يكون العرض الذي تقدمه السياسات العمومية في هذا المضمار متنوعا ومختلفا ومتناسبا حسب فئات الشباب وكذا خصوصيات مختلف المجالات الترابية. ومن ثم، يجب أن يتم توظيف جميع أشكال الإدماج الممكنة، كالإدماج من خلال الجانب الاقتصادي، والإدماج عن طريق التكوين والثقافة والفنون والعمل الاجتماعي والرياضة ومهن التنمية المستدامة. كما يتعين أن يتسم هذا العرض بالبعد المندمج بدل القطاعي، والطابع الترابي بدل المركزي.

    ونظرا لكون مسألة الشباب تتسم بطابعها العرضاني، فإنه من المستحسن بل من الضروري، الحرص على تجنب إلقاء عبء تدبيرها على عاتق فاعل واحد، أي الدولة أو الأسرة أو المدرسة. ذلك أن مجال الطفولة المبكرة والشباب هو مجال المسؤولية الجماعية والمشتركة بامتياز، حيث تتفاعل فيه، أدوار الدولة والأسرة والمدرسة والمقاولة والحزب السياسي والمنظمة النقابية والفاعلين في المجتمع المدني والمثقفين ووسائل الإعلام والجماعات الترابية. لذلك، فإن هذه المقاربة الجماعية والتعددية هي الكفيلة لوحدها بتقديم إجابات مستدامة للأسباب العميقة لمشاكل الشباب.

    ماهي الأسباب الكامنة وراء شعور الاستياء لدى الشباب وعدم رضاهم عن أوضاعهم؟

    يكشف تقييم ظروف عيش الشباب وواقع إدماجهم في مسلسل التنمية في العديد من بلدان العالم عن ملاحظة يتقاسمها جميع الفاعلين المعنيين العاملين في قضايا الشباب: ألا وهي وجود شعور بالاستياء وعدم الرضى في صفوف هؤلاء الشباب. ويعد هذا الاستياء في الواقع نتاج العديد من أشكال المعاناة والحرمان والإحباط والعجز والهشاشة والضعف، بسبب البطالة والفقر والوضعية المزرية لخدمات الصحة وأنظمة الحماية الاجتماعية والسكن غير اللائق والفجوة الرقمية والتفاوتات في التعليم والتكوين والولوج إلى الموارد وفرص الارتقاء الاجتماعي، وكلها عوامل تؤدي بالشباب إلى فقدان الثقة في مستقبلهم.

    إن هذا الوضع، الذي يفاقم ما يعيشه الشباب من إقصاء ومن صعوبات على المستوى الاجتماعي والثقافي، يدفع بهم عموماً إلى البحث عن بدائل في الأنشطة غير المشروعة وغير النظامية والهجرة واقتصاد الجريمة، مع ما تحبل به هذه العوالم من عنف وتكريس لليأس. وهو ما يغذي ويقوي في أنفسهم أفكارا طوباوية غير عقلانية غالبا ما تمتح من فكر ديني متطرف، كما يغذي لديهم الأيديولوجيات المدمرة، وثقافة الاستسلام والراديكالية وثقافة العنف والرعب، بل وثقافة الموت.

    وبالإضافة إلى تأثيرها على ظروف عيشهم اليومية، تدفع حالة الاستياء وعدم الرضى هاته الشباب إلى البحث عن ملاذ أو مرجعية يتشبثون بها، فيجدون أنفسهم أمام وفرة من الخيارات والتوجهات تجعلهم في حالة تجاذب نفسي حقيقية. ويتبين في ضوء تحليل شعور الاستياء وعدم الرضى الذي يعاني منه الشباب أن هذه الملاذات أو المرجعيات تنقسم إلى أربعة اتجاهات رئيسية:

    السعي نحو العودة إلى الأصول الثقافية والحضارية والدينية التي يقوم عليها بنيان مجتمعاتهم ومجموعاتهم العرقية، وهو سعي يذكيه نزوع نحو الانطواء الهوياتي ناتج عن أزمة المدرسة وتفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية وأشكال عدم المساواة المبنية على النوع، وكذا سوء تدبير تلك التفاوتات، وكلها عوامل تؤدي إلى تعاظم إحساس لدى هؤلاء الشباب بالتعرض للحيف وامتهان كرامتهم، وكذا تعرضهم للتهميش والإقصاء من المشاركة في حياة مجتمعاتهم؛ اتجاه قائم على الاستسلام الذي يؤدي إلى اليأس، ومن ثم يجعل الشباب عرضة للاستغلال من لدن أفكار طوباوية مدمرة، ترعاها قوى تبحث عن الشرعية الشعبية والسياسية في المجتمع.

    والانخراط في توجه كوني متشبع بثقافة حقوق الإنسان، القائمة على قيم الحرية والعدالة والكرامة والحكامة المسؤولة والإنصاف والتضامن؛ وهو خيار أصبح ممكناً بفضل عولمة شبكات التواصل الاجتماعية والانتشار الكبير للإمكانيات التي باتت توفرها الثورة الرقمية الجديدة لشباب العالم؛ وأخيرًا ، اتجاه رابع قائم على سعي الشباب إلى التوفيق بين الديمقراطية والحداثة والدين.

    لذلك، فإن الدولة والمؤسسات التي تشرف على تأطير الشباب مطالبة اليوم برصد واستباق هذه الاتجاهات والمسارات والتيارات التي تخترق الأنظمة الاجتماعية، حتى تتمكن من تقديم الأجوبة المناسبة لها. وفي هذا السياق، وبغض النظر عن الانتقادات التي يمكن نوجهها للأحزاب السياسية في مجموع بلدان العالم، فإنها تظل آليات أساسية وبنيات مؤسساتية لا غنى عنها من أجل ضمان تدبير الشأن العام وتوفير فضاء ملائم للنهوض بالمشاركة المواطنة للشباب.

    ما هو تقييمكم للمشاركة السياسية للشباب؟

    لقد أوضحنا في مؤلفين أنجزا أخيرا، أن مشاركة الشباب في الحقل السياسي هي قضية ذات طابع شمولي، ولا يمكن أن تقتصر على الشباب فقط. ذلك أن الانتماء إلى هذه الفئة الاجتماعية لا يحيل على وجود حساسية “سياسية” بعينها. بل إن الأمر يتعلق بفئة اجتماعية غير متجانسة، تعتمل فيها اتجاهات وتوجهات وخيارات متنوعة ومتناقضة. إلا أن ما يضفي الشرعية على الخطابات الموجه للشباب هو الدينامية الخاصة التي تميز هذه الفئة داخل المجتمع.

    لذا، ينبغي على الأحزاب السياسية أن تعي بمدى أهمية هذا المعطى وأن توليه الأهمية المستحقة، من خلال القيام بإصلاح هياكلها وطريقة اشتغالها وتعزيز ديمقراطيتها الداخلية، والانفتاح على جميع شرائح المجتمع، والاجتهاد في تقديم عرض سياسي جديد، يتسم بالمصداقية ويواكب انتظارات الشباب وتطلعاتهم وواقعهم الجديد. ومن شأن عرض بهذه الصفات أن ينجح في مصالحة الشباب وباقي فئات المجتمع مع السياسة.

    إن هذه الإشكالية تكتسي أهمية بالغة بالنسبة لمستقبل الأحزاب السياسية وكذا بالنسبة لحكامة مجتمعاتنا مستقبلا، وذلك بالنظر لكون هذه المجتمعات تتغير بسرعة هائلة على جميع المستويات الديموغرافية والسوسيولوجية والاقتصادية والسياسية والثقافية والسلوكية. وهي تحولات تؤدي إلى زعزعة المنظومات والبنيات الاجتماعية والفضاءات المؤسساتية التقليدية القائمة وتُغَيِّرُها تغييراً جذرياً، علما أنها منظومات تكون محط انتقادٍ وأحيانا مَحَطَّ رفضٍ من لدن الشباب.

    وفي ما يخص النقطة الأخيرة، فيبدو بالنظر للتغيرات المشار إليها، أن الشباب باتوا في طريقهم إلى إنتاج فضاءات جديدة خاصة بهم، متفردة وغير اعتيادية. كما أضحوا يخلقون أماكن عيش جديدة يرون أن بمقدورها تلبية انتظاراتهم وتطلعاتهم واحتياجاتهم. وكما يقول ريمي لوفو، فقد “أصبحت مجتمعاتنا مجتمعات للاستهلاك الجماعي، في حين أن البنيات والمنظومات الاجتماعية والمؤسسات السائدة، التي يفترض أن تؤطر الناس، لا تزال خاضعة لممارسات قديمة قائمة على توافقات تديرها نخب لم تعد مواكبة للواقع الجديد الذي يعيش على إيقاعه العالم، ولا للواقع الجديد للشباب”.

    ولعل هذا التفاوت بل الفجوة بين التحولات التي يشهدها المجتمع وبين الأنماط المعتمدة في حكامته، يفسران بجلاء الجذور العميقة للأشكال الجديدة لاحتجاج الشباب وثورتهم على العديد من المؤسسات سواء كانت الأسرة أو المدرسة أو الأحزاب السياسية أو مؤسسات الدولة. كما أنهما يسلطان الضوء على التحولات التي تشهدها القيم والمرجعيات، والتي من المفترض أن تكون تلك المؤسسات الساهرة على إنتاجها وإعادة إنتاجها وترسيخها في صفوف الشباب.

    ومن هنا يطرح سؤال جوهري نفسه: من يقوم اليوم بإنتاج القيم؟ وما هي المؤسسات التي تساهم في بناء الهوية المشتركة في مجتمعاتنا وبالتالي هوية الشباب؟ وينبثق عن هذا السؤال سؤال آخر: من يضطلع بمهمة تربية الشباب، بما في ذلك في الشق السياسي؟ هل هي المدرسة، الأسرة، المسجد، الكنيس، الكاتدرائية، المعبد، الشارع، الحزب السياسي، النقابة، ومؤسسات المجتمع المدني؟ أم هي الإنترنت، التلفزة، الفيديو، شبكات التواصل الاجتماعية، أماكن العيش الجديدة المنبثقة عن الثورة الرقمية الجديدة، من قبيل مقاهي الإنترنت والمواقع الإلكترونية والويب بشكل عام؟

    في غياب دراسات تجريبية موثوقة علميّاً، سيكون من الصعب جداً تقديم إجابة شافية عن هذه الأسئلة. غير أن ما نلاحظه في هذه المرحلة من التفكير، هو أننا نشهد خلال العشر سنوات الأخيرة ظهور فاعلين جدد يضمون حركات الشباب والنساء والعاطلين، وتنسيقات عالمية ووطنية ومحلية مناهضة لغلاء المعيشة، وتجمعات مهنية جديدة. وقد أرسى هؤلاء الفاعلون الجدد هيكلتهم التنظيمية بناء على أشكال جديدة للتضامن عمادها العلاقات والتفاعلات الشخصية، وعلى أشكال غير اعتيادية في تنظيم وتمثل آليات المشاركة والانخراط في التغيير.

    كما أصبحنا نشهد اليوم في جميع أنحاء العالم ظهور دينامية للتنظيم الذاتي للثورات والهَبَّاتْ الشعبية وأحداث الشغب والحركات المطلبية والاحتجاجات. وقد برزت هذه الدينامية بشكل جلي مع “الثورات العربية”، وحركة السترات الصفراء والتحالفات العالمية من أجل حماية المناخ وحركات المطالبة بتعميم الحد الأدنى للحماية الاجتماعية والدخل الأساسي الشامل. ويكشف تطور هؤلاء الفاعلين الجدد وهذه الحركات أننا إزاء ظهور قوى جديدة في مجتمعاتنا، يقودها أساسا الشباب وتواكبها وسائل إعلام مستقلة وعددٌ من الجمعيات والحركات السياسية العاملة في مجال حقوق الإنسان وفي ديناميات مدنية متنوعة، تنحو بشكل متزايد نحو تبني أشكال غير نمطية للفعل والتأثير وتتطور خارج الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الأخرى المنبثقة عن المجتمع المدني وتعمل بشكل موازٍ لها.

    وتشير جميع أشكال التعبير المشار إليها، إلى ميلاد آليات حقيقة للرقابة وإقامة التوازن مع السلطات القائمة في مجتمعات تخترقها مطالب من نوع جديد، قوامها التوق إلى المزيد من الحقوق والعدالة والمساواة والإنصاف، وصون الكرامة، والتطلع إلى المزيد من الإنصات والاعتراف، وقبل كل شيء، الحق في المشاركة. كما أنها تبرز بجلاء الأهمية التي يجب أن توليها الدول والمجتمعات لبناء صرح مؤسساتي ينهض بتعزيز المشاركة السياسية للمواطنين بشكل عام والشباب على وجه الخصوص، وذلك من خلال دسترة هيئات الديمقراطية التشاركية، وهيئات التقنين والتضبيط، وحكامة الاقتصاد والمجتمع. وإن من شأن اعتماد هذه المقاربة المؤسساتية المساهمة في إيجاد حلول مستدامة للتصدي للأشكال الجديدة للعنف في صفوف الشباب.

    كيف تفسرون ظاهرة العنف لدى الشباب؟

    تشهد أوساط الشباب في جميع أنحاء العالم ظهور وتطور أجيال جديدة من العنف، تتخذ أشكالا متعددة، إذ تتأرجح بين تبني موقف الاحتجاج وعدم الثقة بل وحتى المقاطعة إزاء المؤسسات التقليدية التي تشكل وتؤطر الأفراد والجماعات في المجتمع (الأحزاب السياسية والنقابات والأسرة والمقاولات والأجهزة الإيديولوجية للدولة)، وبين الأنشطة الإجرامية وغير المشروعة، والهجرة القسرية، وثقافة الموت بشكليها الأكثر تطرفا : الانتحار والإرهاب .

    غير أنه لا يوجد نموذج واحد للشباب العنيف. إذ نجد ضمن الشباب المعنيين بهذه الظاهرة العديد من الفئات:

    – شباب متمدرس وغير متمدرس؛

    – ذكور وإناث (وإن كانت نسبة الشابات أقل قليلاً)، حيث تتشكل أغلبية الشباب المعنين بهذه الظاهرة من الذكور؛

    – شباب منحدرون من أوساط اجتماعية فقيرة، ومن طبقات وسطى وكذا من أسر ميسورة، وإن كان الأمر بنسب مختلفة أيضا؛

    -شباب من الوسط القروي والحضري.

    وبغض النظر عن هذه المعطيات، فإن عنف هؤلاء الشباب، على اختلافهم، يعزى لجملة من الأسباب المشتركة، نذكر منها على الخصوص:

    – وجود علاقة صراع مع المجتمع والمدرسة والأسرة والمؤسسات؛

    – صعوبات متزايدة في ما يتعلق بالاندماج الاجتماعي والمهني، والاستفادة من خدمات الإسكان والصحة والتعليم والثقافة والرياضة والترفيه، مما يؤدي إلى تعميق الإقصاء والتهميش والهشاشة والفقر في صفوف الشباب، خاصة الفتيات والشباب بالوسط القروي وشبه الحضري، وكذا شباب كبريات المدن؛

    – عدم كفاية، إن لم نقل انعدام، أماكن العيش المناسبة للشباب، مما يذكي لديهم الشعور بالضياع وبأن المجتمع أدار ظهره لهم، فيهيمون في دروب الحياة بدون تأطير ويصيرون عرضة لكل الإغراءات الممكنة، ولشتى أشكال الاستغلال من لدن قوى مختلفة تبحث عن شرعية شعبية وسياسية؛

    – عزل الشباب وإقصائهم، الأمر الذي يقوض لديهم أي شعور بالانتماء إلى المجتمع، ويولد في أنفسهم الإحساس بالتعرض للحيف وإهدار كرامتهم؛

    – غياب آفاق الارتقاء الاجتماعي وتحسين الوضع الشخصي، لا سيما عبر إيجاد فرصة عمل لائق وتكوين أسرة، والحصول على سكن مناسب، أي بكل بساطة : العيش بكرامة.

    ويؤدي هذا الوضع إلى تنامي شعور دائم لدى الشباب باليأس وانعدام الثقة في المجتمع والدولة بجميع مكوناتها ورموزها. كما أنه يجعل من الشباب مرشحين محتملين للانخراط في الثورات، والاحتجاجات، والانتفاضات، وبالتالي مستعدين لأن يلقوا بأنفسهم في مختلف أشكال العنف وأكثرها تطرفًا، والتي تكون نتيجتها في نهاية المطاف ترسخ ثقافة الرعب والكراهية، بل والموت في أنفسهم.

    ويزداد هذا الواقع تعقدا في جميع مناطق العالم التي أنزل فيها الدين منزلة النظام السياسي، كما يتفاقم في تلك التي توالت عليها أشكال التدخل الأجنبي والحروب فكانت نتيجتها المنطقية إذكاء الشعور لدى شباب هذه المناطق بالظلم والتمييز في حق مجتمعاتهم وحضاراتهم وثقافاتهم ودياناتهم.

    وتأتي كل هذه التطورات في وقت من مسار تطور المجتمعات البشرية صارت فيه الثورة الرقمية تتيح للشباب في جميع أنحاء العالم فرصا هائلة لإسماع أصواتهم والعمل بشكل جماعي في إطار شبكات تعاونية من أجل الدفاع عن حقهم في الحياة الكريمة.

    ماهي تأثيرات الثورة الرقمية على الشباب؟

    تشكل الثورة الرقمية عنوانا لظهور حقبة جديدة في تاريخ البشرية وبروز عالم جديد. ويتجلى هذا العهد الجديد الذي ينبأ بقيام مجتمع ما بعد المرحلة الصناعية، في ظهور وتطور أنماط جديدة للعمل والإنتاج والتبادل والتفكير، وهي أنماط مرتكزة على أنشطة اقتصادية جديدة، وأشكال جديدة لتعبئة الشغل، ومهن جديدة متأتية من التكنولوجيات الجديدة، وعلاقات جديدة مع الزمان والمكان، وأخيرا أشكال جديدة للعلاقات الاجتماعية.

    وتعد التكنولوجيا الرقمية أداة ووسيلة تمكن من التداول الآني لكم هائل من المعلومات المتنوعة للغاية بين عدد كبير من الأشخاص. وتتسم هذه التكنولوجيا بسهولة استخدامها وبفعاليتها وبتكلفتها المعقولة. فهي تُيَسِّرُ التبادل، وتسمح بتحقيق قفزات نوعية في المجال التكنولوجي وفي ميدان التدبير، كما تمكن من دمقرطة الوصول إلى المعلومات وتساهم في تعزيز النضالات المواطنة المناهضة لجميع أشكال الانحراف في مجالات الحكامة وإدارة التغيير. وهي بهذا المعنى، تعزز ممارسات الديمقراطية التشاركية المباشرة والقائمة على القرب، وإن كانت افتراضية.

    والأكثر من ذلك، فإن هذه الثورة الرقمية أحدثت ثورة في اللغة والتواصل، وتجاوزت مفاهيم من قبيل الزمن والحدود والمواطنة. وكما أن مستجدات مثل الهاتف المحمول والأنترنت والتلفزة المتصلة بالويب، والكتب والصحف الإلكترونية والأنماط الجديدة لإنتاج السلع والخدمات الثقافية ساهمت في ظهور أماكن وفضاءات عيش جديدة، فقد كان لها تأثير على سلوك الأفراد والجماعات والمجتمعات قاطبة، وهو تأثير طال تبعا لذلك الروابط الاجتماعية وقيم العيش المشترك وبالتالي طبيعة التماسك الاجتماعي.

    ولكل هذه الأسباب مجتمعة، يمكننا الجزم بأن الثورة الرقمية توجد في صميم تَشَكُّلِ عالم جديد للشباب.

    غير أن هذه الثورة ليست عامة ولا تشمل جميع مناطق العالم بنفس الطريقة ولا بنفس التأثير.

    لماذا هذه الثورة ليست عامة ولا تشمل جميع مناطق العالم بنفس الطريقة ولا بنفس التأثير؟

    هناك العديد من الأسباب لهذا الأمر، منها أنه تتطور أدوات الثورة الرقمية في البلدان التي تولي فيها الدولة اهتماماً بالثقافة. وهو اهتمام يتجسد من خلال إرساء سياسة عمومية ملائمة، وعبر توفير موارد مالية مهمة. مما ينعكس إيجابا على حجم النفقات المخصصة للنهوض بالثقافة والتكنولوجيات الرقمية، وكذا على وضعية اقتصاد الثقافة والصناعات الثقافية؛ إن تطور التكنولوجيا الرقمية رهين بمستوى تعليم الساكنة. إذ كلما كانت نسبة التمدرس منخفضة ونسبة الأمية مرتفعة، كلما كانت تطور التكنولوجيا الرقمية متدنيا؛ التكنولوجيا الرقمية مرتبطة ارتباطا وثيقا بدرجة تطور الديمقراطية والحريات في البلد؛ كما أنها رهينة بوضعية تطور التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال (NTIC)، ودرجة تغطيتها لمجموع التراب الوطني ومعدل ولوج وارتباط الساكنة بها؛ وهي رهينة أيضاً بدرجة انفتاح البلاد على العالم الخارجي؛ وأخيرا، ثمة محدد غاية في الأهمية، وهو أن تطور وانتشار التكنولوجيا رهين بالقدرة الشرائية للمواطنين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ميغا: الجزائر « جرثومة إفريقية » .. والمغرب فعال في « دبلوماسية التنمية »


    حاوره: توفيق بوفرتيح

    قال عبد السلام ميغا، الكاتب الصحافي المالي المتخصص في شؤون الساحل، إن الجزائر، التي وصفها بـ”الجرثومة الإفريقية”، تسعى إلى تكريس نفوذها في المنطقة عبر دعم الحركات الانفصالية والتدخل في شؤون دول الجوار، مشددًا على أن الدولة الجزائرية تعيش عقدة تاريخية تجاه الدول ذات الإرث الإمبراطوري مثل مالي والمملكة المغربية؛ وبالتالي فهي تحاول صناعة صورة عن نفسها عبر دعم الفوضى وانعدام الأمن في جوارها الإقليمي.

    وأضاف ميغا، في الحوار التالي الذي أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أن باماكو تتجه نحو تعزيز تحالفاتها مع شركاء جدد أكثر موثوقية؛ وفي مقدمتهم المغرب، الذي اختار ما سماه بـ”دبلوماسية التنمية” بدل “دبلوماسية الأزمات” التي تنتهجها الجزائر.

    وتوقع الكاتب الصحافي المالي المتخصص في شؤون الساحل في الوقت ذاته حدوث تحول في الموقف المالي من قضية الصحراء في اتجاه مساندة الطرح المغربي، انسجامًا مع قناعة السلطات في باماكو بأن دعم سيادة الدول ووحدتها يُعد أساس الاستقرار في المنطقة، خاصة في ظل معاناتها المستمرة هي الأخرى من ويلات محاولات الانفصال.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} نص الحوار: نبدأ أوّلًا بآخر تطورات العلاقات المالية ـ الجزائرية، ودعوة باماكو للجزائر، من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالكفّ عن دعم الإرهاب، وخطاب وزير الخارجية الجزائري من على المنبر نفسه. كيف ترى مستوى خطاب وزير خارجية الجزائر الذي استعمل مصطلحات “غير دبلوماسية” في الهجوم على السلطات المالية؟

    ردّ وزير الخارجية الجزائري لم يكن خارج التوقّعات؛ فالجزائر اعتادت أن تعوّض غياب الحجج بالألفاظ الجارحة. ما صدر عنه على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة كان مسيئًا، وافتقر إلى اللباقة الدبلوماسية، حيث أظهر الردّ الجزائري بوضوح انحدار الخطاب الرسمي إلى مستوى لا يليق بفضاء دولي يُفترض أن يُبنى على الاحترام المتبادل.

    في المقابل، يُحسب للدبلوماسية المالية أنّها لم تنجرّ إلى ذلك المستوى، واكتفت بالمطالبة الواضحة: أن تُقدّم الجزائر أدلّتها المزعومة على تجاوز الطائرة المسيّرة للحدود، وأن تتوقف عن دعم الجماعات والميليشيات المسلحة. ما كان منتظرًا من الجزائر هو الردّ بالحجج والإثباتات؛ لكن الجواب اقتصر على السبّ والتهجّم. هذه الاستراتيجية، في رأيي، لا تعبّر إلا عن ضعف موقفها؛ بل إنها تمثّل اعترافًا ضمنيًا بالذنب، لأنه لو كانت الجزائر تمتلك أدلة حقيقية لبادرت إلى تقديمها أمام المجتمع الدولي.

    ما هي الأسباب العميقة التي تجعل الجزائر تدعم الإرهاب والحركات الانفصالية في شمال مالي وجوارها الإقليمي؟ هل هي مرتبطة باعتبارات أمنية أم جيوسياسية؟

    هناك جملة من الأسباب المتشابكة؛ أوّلها سعي الجزائر إلى تكريس نفوذها في المنطقة عبر توظيف الحركات الانفصالية، سواء لتحقيق مشروعها التاريخي بإقامة كيان تديره وتوجّه سياساته أو على الأقل خلق واقع فيدرالي يُبقي شمال مالي رهينة لمصالحها. ثانيًا، هناك أبعاد اقتصادية واضحة؛ فالمناطق الشمالية الغنية مثل “حوض تودني” باتت محط أنظار بسبب ثرواتها النفطية والغازية، والجزائر تسعى إلى السيطرة عليها عبر دعم الفوضى. ثالثًا، البعد الجيوسياسي، إذ ترغب الجزائر في مدّ ممرات آمنة لتسهيل تحركات ميليشيات البوليساريو، بما يربط الصحراء المغربية بموريتانيا وشمال مالي؛ وهو ما يخدم استراتيجيتها القديمة لإطالة أمد النزاع في الصحراء. ولا ننسى أنّ الجزائر تعيش عقدة تاريخية أمام دول لها إرث إمبراطوري كمالي والمغرب. ولهذا، تحاول عبر التدخلات أن تصنع لنفسها صورة الدولة العظمى، وإن كان ذلك على حساب شعوب المنطقة.

    الجزائر لا تزال تتحدث اليوم على أنها دولة نشطة دبلوماسيًا وتدافع عن مصالح إفريقيا كما تقول. فهل ما زالت تُعتبر وسيطًا مقبولًا في النزاعات الإفريقية، أم أن دورها أصبح محل تشكيك كبير، خاصة في ظل تدخلها في الشؤون الداخلية لمالي؟

    الحقيقة أنّ الجزائر فقدت أي رصيد كوسيط نزيه. كيف يمكن أن تكون وسيطًا وأنت عاجز عن حلّ نزاعك مع جارك الغربي المغرب؛ بل وصلت إلى القطيعة الكاملة معه، وأغلقت الحدود والأجواء، وأدرت ظهرك لكل الوساطات الإفريقية والعربية؟

    كيف يمكن أن تكون وسيطًا وأنت متهم اليوم بتغذية الأزمة في مالي عبر دعم جماعات مسلحة؟ الجزائر لم تعد تُعتبر وسيطًا، بل طرفًا مسببًا للأزمات. إنها اليوم معزولة دبلوماسيًا أكثر من أي وقت مضى، وقد خسرت ثقة محيطها الإفريقي الذي صار يرى فيها عبئًا أكثر من كونها طرفًا يساعد على الاستقرار.

    إن توصيف الجزائر اليوم بـ “الجرثومة الإفريقية” يعكس واقعًا معاشًا، فهي تتصرف في محيطها الإقليمي كما تتصرف إسرائيل في الشرق الأوسط: افتعال أزمات، دعم انفصاليين، التدخل في شؤون الجوار، وتسليح وتمويل حركات تهدّد الاستقرار. لقد أسقطت طائرة مالية داخل أراضينا، ودعمت جماعات انفصالية، وفعلت الشيء نفسه مع المغرب منذ عقود عبر “البوليساريو”. الجزائر تقوّض الاستقرار الإقليمي وتبدّد ثرواتها في تغذية الفتن بدل أن تستثمر في شعبها، والنتيجة أن المنطقة كلها دفعت ثمن سياساتها التخريبية: تنمية معطّلة وأمن مهدّد. هذه ليست مجرد اتهامات، بل حقائق يشهد عليها تاريخ الساحل والصحراء.

    مؤخرًا، أعلنت مالي، رفقة حلفائها في الساحل، الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. ما هي دلالات هذه الخطوة من وجهة نظرك؟

    القرار لم يكن مفاجئًا، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم خيبات الأمل من مؤسسة أضحت تُستعمل كأداة سياسية أكثر من كونها آلية للعدالة. كونفدرالية دول الساحل ترى أن المحكمة الجنائية الدولية تمارس انتقائية فاضحة: تلاحق قادة أفارقة وتغضّ الطرف عن جرائم حرب وجرائم إبادة موثّقة ارتكبتها قوى كبرى. وصفها بأنها “أداة قمع استعمارية جديدة” دقيق، لأنها فشلت في أن تكون محكمة عالمية عادلة.

    الانسحاب لا يعني القبول بالإفلات من العقاب؛ بل العكس، إذ أعلنت الدول الثلاث عن نيتها تأسيس محكمة ساحلية تُعنى بالعدالة الجنائية وحقوق الإنسان من منظور إقليمي. القرار أيضًا يعكس إرادة واضحة في التخلّص من القيود النيو-استعمارية وإعادة بناء مؤسسات عدالة أقرب إلى شعوب المنطقة.

    مؤخرًا أيضًا شهدت العلاقات بين المغرب ومالي تطورًا ملحوظًا، سواء في الشق السياسي أو العسكري أو حتى في كون باماكو واحدة من أهم أضلاع المبادرة الأطلسية التي أطلقتها الرباط لفائدة دول الساحل لولوج الأطلسي. أوّلًا، كيف تنظر إلى هذه المبادرة؟

    المبادرة التي أطلقتها الرباط تحمل في طياتها رؤية استراتيجية بعيدة المدى، فهي تمنح دول الساحل الحبيسة فرصة تاريخية للخروج من عزلتها الجغرافية عبر الولوج إلى الأطلسي. هذا المشروع واعد للغاية، لكنه يواجه تحديات جدّية؛ فالطريق من تشاد إلى المحيط يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر، والبنية التحتية شبه غائبة، بينما البيئة الأمنية مليئة بالتهديدات الإرهابية والانفصالية. وهناك أيضًا موقف موريتانيا المتحفّظ الذي يعكس ضغوطًا جزائرية قوية. ومع ذلك، فإن الفكرة في حد ذاتها تبعث الأمل، لأنها تقدم بديلًا لدول الساحل التي طالما ارتبطت تجاريًا بموانئ خليج غينيا فقط. ولو تحقق هذا المشروع، فإنه سيعيد صياغة التوازنات الجيوسياسية ويمنح الساحل خيارات أوسع.

    في السياق نفسه، هل يمكن القول إن فقدان الثقة في الجزائر دفع مالي إلى البحث عن شركاء جدد مثل المغرب؟

    العلاقات بين مالي والمغرب ليست وليدة الأزمة الحالية، بل لها جذور قديمة في التجارة والثقافة والدين. المغرب حاضر بقوة في اقتصاد مالي من خلال البنوك، الاتصالات، الصناعات الغذائية والبناء. لكن من الصحيح أن الأزمة مع الجزائر جعلت هذا التعاون يتخذ طابعًا استراتيجيًا جديدًا، خصوصًا في مجالات الأمن والدفاع. وبالتالي، لم يكن الأمر بحثًا عن بديل بقدر ما كان تعزيزًا لشراكة قائمة أصلًا، أثبتت أنها أكثر استقرارًا وموثوقية من العلاقة مع الجزائر.

    ما الذي يميز السياسة الخارجية المغربية عن نظيرتها الجزائرية في المنطقة؟

    الفارق بين المقاربتين المغربية والجزائرية في القارة السمراء يبدو اليوم واضحًا وحاسمًا. المغرب اختار ما يمكن تسميته بـ “دبلوماسية التنمية”، حيث ينخرط في إفريقيا؛ من خلال استثمارات اقتصادية، وشراكات تجارية، وتعاون تعليمي وثقافي، وبرامج ميدانية تعزز البنية التحتية وتخلق فرص عمل. حضوره يتجسّد في شركات مصرفية واتصالاتية ومؤسسات صناعية وخدماتية تنتشر في غرب إفريقيا ووسطها؛ وهو ما يمنح بلدان المنطقة إحساسًا بأن العلاقة معها قائمة على المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة.

    على النقيض، تعتمد الجزائر على ما يصحّ تسميته بـ “دبلوماسية الأزمات”، حيث توظّف خطابًا سياسيًا يقوم على الشعارات الثورية والدعم المعلن للحركات الانفصالية، مع تدخلات أمنية سرّية وعلنية في شؤون الجوار. هذه المقاربة جعلت حضورها يرتبط غالبًا بمحاولات ابتزاز سياسي أو تغذية توترات داخلية، بدل الاستثمار في الاستقرار والتنمية.

    المغرب اعتبر، على لسان ملك البلاد، أن الرباط لم تعد تؤمن بأية شراكة مع أي بلد في العالم لا يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، التي تطالب جبهة البوليساريو بانفصالها. وبما أن مالي عانت من ويلات الحركات الانفصالية، هل تعتقد أن مالي ستتخذ مستقبلًا موقفًا داعمًا للطرح المغربي؟

    من الناحية التاريخية، اعتمدت مالي سياسة الحياد، رغم أن نظام موسى تراوري اعترف سنة 1980 بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”؛ لكنها لم تُخفِ يومًا دعمها لوحدة التراب المغربي في دوائر مغلقة. لكن التجارب القاسية التي عاشتها مالي مع الانفصال غيّرت الكثير. مالي تدرك، اليوم، أن دعم الانفصال في أي بلد يفتح الباب أمامه داخل حدودها. لذلك، من المرجّح أن تتحول مالي تدريجيًا نحو موقف داعم لوحدة الأراضي المغربية، انسجامًا مع قناعتها بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا باحترام سيادة الدول ووحدة ترابها الوطني.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شراك: « جيل زد » من دينامية الاحتجاج العالمية.. والثقافة الكلاسيكية متجاوزة


    حاوره: عبد الله التجاني

    “جيل زد” حركة احتجاجية شبابية فاجأت بظهورها نهاية الأسبوع الماضي الكثير من المغاربة والمؤسسات، لكنها بالنسبة لآخرين كانت متوقعة وطبيعية، نتيجة الظروف والأوضاع التي ظلت تعيشها البلاد في السنوات الأخيرة، واللغط الكبير الذي رافع العديد من الملفات والقضايا الساخنة التي عاشتها البلاد.

    أحمد شراك، السوسيولوجي المغربي، وصاحب كتاب سوسيولوجيا الربيع العربي، الذي توقع فيه بروز هذه الديناميات الاحتجاجية بين الفينة والأخرى، يرى أن ما يعيشه المغرب هذه الأيام جزء من دينامية احتجاجية عالمية، اعتبر أن الشباب المغربي ظهر فيها أكثر تعقلا مقارنة مع دول ديمقراطية متقدمة.

    واعتبر شراك، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن الحكومة مطالبة بالتفاعل مع المطالب المشروعة للشباب المحتجين، والدخول معهم في حوار حولها، مؤكدا في الآن ذاته أن التحولات التي يعيشها الشباب في ظل وسائل التواصل الاجتماعي جعلتهم ينظرون إلى الدولة كـ”مقاولة” قادرة على تلبية مطالبهم في العيش الكريم وتحقيق الرفاهية من دون مراعاة الإمكانيات التي تتوفر عليها.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ونبه الأكاديمي والسوسيولوجي إلى أن المغرب لديه رهانات دولية ووطنية كبرى تنبغي مراعاتها، وانخراط الجميع في حسمها، خصوصا ملف الصحراء المغربية الذي أنفقت البلاد عليه الغالي والنفيس، ووصل مرحلة الفصل والحسم خلال هذه المرحلة الدقيقة.

    نص الحوار: – بداية، كيف يرى السوسيولوجي أحمد شراك دينامية الاحتجاجات الشبابية التي أطلقها “جيل زد” بالمغرب قبل أسبوع؟

    أعتقد أن هذه الدينامية الاحتجاجية يمثل المغرب عنوانا جزئيا من عناوينها في العالم، لأن للاحتجاج طابعا كونيا ولا يتعلق بالمغرب وحده، فهو امتداد لاحتجاجات جيل المرحلة الممتدة من 1990 إلى 2012، أي حوالي 22 سنة، بمعنى أنه جيل شاب مفعم بالطموح ويرغب في أن يحيا في مجتمع يوفر له كل أسباب الرفاهية والعيش الكريم.

    والطموح هنا طموح جارف قد لا يراعي إمكانيات الدولة والمؤسسات بقدر ما يراعي ذاتيته وما يحس به ويطمح إليه.

    – يعني أن الظروف والأسباب الذاتية والموضوعية كانت محفزة لبروز هذه الدينامية الاجتماعية؟

    الظروف عموما مواتية، لكن لا يمكن تلبية كل المطالب والحاجيات دوليا. وسبق لي الحديث عن هذا الأمر عند ما سمي الربيع العربي وما وصل إليه من مآسي وغير ذلك. بمعنى أن هؤلاء الشباب يريدون تحقيق كل أحلامهم في درجاتها القصوى، والمطالب المعلنة تدخل في هذا الإطار والأفق. لكن الاحتجاج أمر طبيعي ولا بد منه، ومجتمع بدون احتجاج في نظري هو مجتمع ميت ومنته؛ ومن ثم هذه الحركية الشبابية هي حركة إيجابية في المطلق؛ ولكنها تنحو نحو السلبية في النسبية.

    – كيف ذلك؟

    عندما تجاوزت الاحتجاجات حدود مطالبها وانحرفت عن حركة احتجاج عنوانها الأكبر السلم والحفاظ على ممتلكات الناس والدولة، واحترام القائمين على الأمن وبث الطمأنينة في المجتمع.

    – البعض حمل التدخل الأمني وقمع السلطات للاحتجاج في البداية مسؤولية النزوع إلى العنف والتخريب لدى البعض؟

    أنا لم ألمس من خلال تتبعي لهذه الحركة الاحتجاجية هذا التدخل العنيف للسلطة في البداية. كل ما لاحظته هو أن السلطة كانت تحاول أن تحافظ على الأمن، وأي انحراف قد يؤدي إلى رد فعل لا تحمد عقباه، وهي مسألة طبيعية.

    لكن إذا ثبت أن السلطة منذ البداية مارست القمع على الحركة الاحتجاجية بدون مصوغ فلا بد من مساءلتها. والسلطات الأكثر نفاذا في المجتمع عليها أن تحاسب هكذا سلوكات سلطوية تجاه مواطنين خرجوا للتعبير عن طموحاتهم ومطالبهم. لكن ينبغي التنصيص على أن الحركة الاحتجاجية قد تنطلق سلمية وفي داخلها قد تظهر بعض الانحرافات عن مرماها.

    – كيف تفسر الانحرافات التي سجلت في مدينة سلا مثلا؟ هل هي عادية أم تعبر عن حقد اجتماعي وسخط طبقي تفجر بهذا الشكل؟

    هذه التصرفات مرفوضة، ولا أحد من المغاربة يمكن أن يقبل أن يعتدى على ممتلكاته وحياته وعلى أمنه واستقراره. الاحتجاج ينبغي أن يبقى في إطار الاحتجاج، لكن مع الأسف الشديد وقعت هذه الانحرافات.

    لكن أقول إن الربيع الفرنسي كان عنيفا، وحجم الانحرافات كان كبيرا فيه، رغم أن فرنسا بلد عريق في الديمقراطية ومجتمع أكثر رقيا، وهي مفارقة تدل على أن الاحتجاج قد يؤدي إلى هذه الانحرافات. لكن الحمد لله أن استطاعت السلطات المغربية تطويق هذه الانحرافات ومنع انتشارها والحد من قوتها من أجل ضمان أمن واستقرار المجتمع. فيما المطالب الاحتجاجية المرفوعة مشروعة على كل حال، والحكومة مطالبة بتلبيتها.

    أعتقد أن اختراق الاحتجاج من طرف مجرمين وأناس همهم بث الفوضى وعدم اليقين في المجتمع هو ما أدى إلى الانحراف، لكن الأمر محدود عندنا في المغرب بالمقارنة مع ما وقع في فرنسا وبلدان أخرى، حيث لاحظنا كيف يشتد العنف ويصعب تطويقه، وإذا تم تطويقه يكون بعد نفس طويل من التصدي.

    – هل نفهم من كلامك أن الشباب المغربي كان متعقلا وأقل نزوعا للعنف من غيره في الاحتجاجات التي شهدتها باقي بلدان العالم؟

    إذا نظرنا إلى الحركات الاحتجاجية في العالم نجد أن الشباب المغربي كان أكثر تعقلا بشكل نسبي، إذ كانت حالات العنف والتخريب محدودة ومعزولة في مدن مغربية محددة، ولم تسجل كل المدن التي شهدت احتجاجات تجاوزات لحركة عنوانها الاحتجاج السلمي والمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، ومحاربة الفساد الذي ينخر الكثير من جيوب المجتمع.

    ورغم ذلك فإن هذه الانحرافات ما كان ينبغي أن تكون، بل كان من الواجب الحفاظ على مستوى السلم، لأن القوة تكمن في السلمية، والاحتجاج السلمي يمكن أن يحقق أكبر عدد من المطالب، وهذا طموح الدولة والشعب المغربي.

    – ماذا عن الأسباب التي أسهمت في بروز هذا الحراك بهذا الشكل والزخم؟

    هذه حركة احتجاجية عالمية مردها إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي هاجر إليها الشباب وأصبح سكنهم فيها، ومن خلالها يتواصلون في ما بينهم ويخرجون إلى الشارع؛ فيما أصبحت الدولة بالنسبة لهم شبيهة بالمقاولة، يطلبون منها تحقيق كل شيء، وإذا لم تحقق المطلب فإنهم غير معنيين بها.

    وأعتقد أن التفكير في المواطنة ينبغي النظر إليه من زاوية أخرى، لأننا أمام عالم يتغير ويتطور على مستوى السلوكيات والعقليات وعلى مستوى الطموحات، ومن ثم الثقافة الكلاسيكية تجب مساءلتها وأن ننخرط في العصر حتى نعرف كيف نتعامل مع هكذا حركات.

    صحيح أن الشرط الأمني مدخل، لكن لا بد من فتح الحوار مع هؤلاء الشباب، ومحاولة إقناعهم وبيان محدودية بعض الآراء والتفسيرات التي يتبنونها وتبدو سطحية. مثلا، سمعنا الكثير من الكلام حول كيف للدولة أن تنفق على الملاعب الرياضية وتترك الصحة والتعليم، وهذا تحليل قاصر. الدولة المغربية قطعت أشواطا في التقدم وجذبت أنظار العالم إليها في كأس العالم، والإنفاق سيكون له وقع على البنيات التحتية لكل التراب، وهذه المكاسب لا ينبغي أن نبخسها بسبب التحليل الاختزالي. قطاع الصحة والتعليم في صميم اهتمامات المغرب، لكن البلد له رهانات دولية ووطنية، خاصة في هذه الفترة والفصل الأخير من استرجاع الصحراء المغربية وإنهاء الصراع الذي دام نصف قرن وأنفق عليه المغرب الغالي والنفيس.

    – كيف تتوقع مستقبل هذا الاحتجاج وأنت الذي توقعت ظهوره بين الفينة والأخرى إبان الربيع العربي؟

    صحيح، في كتاب سوسيولوجيا الربيع العربي كنت قد خلصت إلى أن الربيع العربي وإن كان توقف فإن الاحتجاج البشري لن يتوقف؛ ففي كل عشرية تكون هناك احتجاجات، ليس في المغرب فقط، بل في العالم كله، وهذا يدل على أن ما قلته تحقق، لأن الاحتجاج استأنف مساره. لكن بقدر ما يستأنف الاحتجاج مساره لا شك أن السلطات والحكومة ستفتح حوارا مع هؤلاء المحتجين، وستلبي بعض المطالب الرئيسية من أجل وضع حد له، خاصة في هذه الظرفية الدقيقة والحساسة مع آخر فصل لاستكمال وحدتنا الترابية والاعتراف العالمي والطي النهائي للملف، فضلا عن مرحلة استعداد المغرب لاستضافة تظاهرات كبرى ككأس العالم 2030. ولذا على الحكومة بذل مجهود أكبر من أجل تحقيق أهم المطالب وإلا عليها أن تقدم استقالتها، وتفسح المجال أمام حكومة أخرى تكون لها القدرة على امتصاص هذا الغضب الشبابي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العمراوي: الأغلبية ملتزمة بخدمة المواطن وتجويد التشريعات دون حسابات سياسية (حوار)

    خالد فاتيحي

    في سياق الدخول البرلماني الجديد، وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المملكة، تكتسي توجهات الأغلبية الحكومية أهمية خاصة، لا سيما بعد التوجيهات الملكية التي حملها خطاب العرش الأخير، والتي رسمت أولويات المرحلة المقبلة، ودعت إلى تعبئة جماعية لتكريس العدالة المجالية والاجتماعية.

    أكد علال العمراوي رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، أن الأغلبية الحكومية تشتغل على ضوء التوجيهات الملكية السامية، الواردة في خطاب العرش الأخير، والتي رسمت معالم مرحلة جديدة في مسار التنمية الشاملة بالمملكة. وأوضح أن أولويات الأغلبية تتمثل في مواصلة أوراش الجهوية المتقدمة، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية البشرية، يقوم على تثمين الخصوصيات المحلية، وتحقيق العدالة المجالية، عبر مشاريع مهيكلة تركز على التشغيل، وتعزيز الخدمات الأساسية، وتدبير الموارد الطبيعية بشكل مستدام.

    وفي الشق الاجتماعي، أبرز  العمراوي أن المغرب يعيش تحولا نوعيا في ترسيخ الدولة الاجتماعية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، من خلال تعميم التغطية الصحية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتوجيه دعم مباشر للأسر المستحقة، إلى جانب تطوير البنية الصحية والتعليمية، وتثمين الرأسمال البشري. كما شدد على أهمية البرامج الموجهة لتحفيز التشغيل، خاصة لدى الشباب، من خلال تشجيع المبادرة الاستثمارية على المستوى الجهوي، والتفاعل مع تداعيات الجفاف والأزمات المتتالية.

    وبخصوص الإصلاحات التشريعية، أشار رئيس الفريق الاستقلالي إلى أن الأغلبية حريصة على مراجعة القوانين الانتخابية وتقوية آليات الحكامة المحلية، استعدادا للاستحقاقات المقبلة، في أفق تعزيز المشاركة السياسية للشباب والنساء ومغاربة العالم. كما اعتبر أن النقاش السياسي القائم بين الأغلبية والمعارضة يعكس حيوية التجربة الديمقراطية المغربية، ويساهم في تجويد النصوص القانونية، مؤكدا أن التوافق حول مشاريع الإصلاح الكبرى يظل ممكنا ومطلوبا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد.

    وفيما يلي نص الحوار: 

    ما هي أولويات الأغلبية الحكومية خلال الدورة التشريعية الجديدة، على ضوء التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش الأخير، خاصة في ظل السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يفرض تحديات متزايدة؟

    بكل تأكيد، فإن التوجيهات الملكية السامية التي وردت في خطاب العرش الأخير ستكون نبراس عمل كل من الحكومة والبرلمان، باعتبار ما حمله خطاب جلالة الملك من رسائل واضحة. لذلك فإننا نتطلع بكل يقين إلى أن تقوم الحكومة، هذه السنة، بصياغة جيل جديد من برامج التنمية البشرية يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية، ووفق مقاربة حديثة للتنمية المجالية المندمجة، التي تبتغي إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، حتى تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين في جميع المناطق والجهات، دون تمييز أو إقصاء.

    وهذا، عبر مشاريع واضحة وذات تأثير ملموس، تركز على دعم التشغيل، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، واعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية، وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج.

    كما نتطلع إلى أن تقوم الحكومة بتعزيز مقومات الصعود الاقتصادي والاجتماعي، طبقا للنموذج التنموي الجديد، وبناء اقتصاد تنافسي أكثر تنوعا وانفتاحا، وذلك في إطار ماكرو اقتصادي سليم ومستقر.

    كذلك، الاستمرار في تنزيل التوجهات الاستراتيجية لبلادنا، التي تجعل من قطاعات السيارات، والطيران، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، والسياحة، رافعة أساسية لاقتصادنا الصاعد، سواء من حيث الاستثمارات أو خلق فرص الشغل.

    بالإضافة إلى الاستمرار في تعزيز مسلسل تدشين البنى التحتية الحديثة والمتينة، بمواصفات عالمية، ونذكر هنا أشغال تمديد خط القطار فائق السرعة، الرابط بين القنيطرة ومراكش، وكذا مجموعة من المشاريع الضخمة في مجال الأمن المائي والغذائي، والسيادة الطاقية لبلادنا.

    وبطبيعة الحال، الاستثمار في البنى التحتية يوازيه استثمار كبير في العمل الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بالاستمرار في تنزيل برامج النهوض بالتنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتقديم الدعم المباشر للأسر التي تستحقه، وتحقيق العدالة المجالية.

    كيف تتعامل الأغلبية مع الانتظارات الشعبية المتزايدة في مجالات مثل العدالة الاجتماعية، التشغيل، الصحة، التعليم، وإصلاح المرفق العمومي؟ وهل من مشاريع قوانين مرتقبة تعكس هذا التوجه؟

    بكل موضوعية، وبعيدا عن كل مزايدات سياسية، يمكنني القول إن ما تقوم به بلادنا في الشق الاجتماعي غير مسبوق، ويشكل بحق تحولا استراتيجيا واضحا في السياسة العامة للدولة، باعتبار أن ترسيخ الدولة الاجتماعية هو ملف دولة أبدعه وقاده ويتابعه جلالة الملك حفظه الله.

    وللأمانة، ما يتحقق من تعميم التغطية الصحية الإجبارية عن المرض، وتكفل الدولة بأداء مستحقات الأشخاص غير القادرين على تحمل تكاليف الاشتراك، بتكلفة تفوق 9 مليارات درهم سنويا، وما يتحقق من إنجاز مستشفى جامعي وكلية طب وصيدلة بكل جهة، وتأهيل المراكز الصحية، ومضاعفة عدد الأطباء على مستوى التكوين أو الممارسة، وغيرها، وفي قطاع التعليم، الذي يسير خلال ولاية واحدة لمضاعفة اعتماداته السنوية، بالإضافة إلى دعم السكن والدعم الاجتماعي المباشر للأسر التي تعيش الهشاشة، كلها محاور كبرى لا يمكن إنكارها تحت طائلة التدافع السياسي والانتخابي.

    لذلك، وبفضل توجيهات جلالة الملك، رفعت الحكومة الحالية شعار الدولة الاجتماعية كمبدأ دستوري يوجه مختلف البرامج والسياسات التي أطلقتها. ولذلك استمرت في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، الذي أعطى نتائج إيجابية في اتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة. كما أن الأغلبية أعدت برامج مهمة تخص دعم التشغيل، عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية، وتوفير مناخ ملائم للمبادرة والاستثمار المحلي، بما يمكن من امتصاص نسبة البطالة الناتجة عن توالي سنوات الجفاف، وعن تداعيات أزمة جائحة كوفيد، مما مكننا من خفض نسبة البطالة بشكل نسبي مقارنة مع ما كانت عليه.

    أما فيما يخص التعليم، فقد أثبتت التجربة نجاح مؤسسات الريادة كنموذج جديد للمدارس ببلادنا، وفي هذا الإطار رأيتم كيف تم الرفع من عدد هذه المدارس بشكل مضطرد ومتسارع، في اتجاه تعميمها على مختلف المدارس القائمة. كما تم الرفع من أجور هيئات التدريس والإدارة بشكل غير مسبوق، وتمت عقلنة القطاع وتجويد التكوين الأساس فيه، بالإضافة إلى إخراج مشروع قانون خاص ينظم التعليم المدرسي.

    هل تعتزم الأغلبية الدفع بمراجعة عميقة للقوانين الانتخابية، أو قوانين تنظيمية متعلقة بالجماعات الترابية، تحضيرا لاستحقاقات 2026؟

    نعم، في الوقت الحالي، وتبعا لتوجيهات جلالة الملك نصره الله في خطاب العرش الأخير، فقد حرصت كل مكونات الأغلبية على التفاعل إيجابا وسريعا، والتركيز على تعديل المنظومة العامة المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، كما حرص كل حزب مكون لها على ممارسة أدواره كاملة بهذا الخصوص.

    وفي هذا الإطار، وكما تعلمون، نحن بصدد حكومة ائتلافية مكونة من ثلاثة أحزاب، يجمعها برنامج حكومي وميثاق عمل جماعي وموحد، إلا أننا لسنا نسخة واحدة، بقدر ما يتميز كل حزب بمبادئه ومرجعياته الخاصة.

    وبخصوص حزب الاستقلال، الذي أتشرف بعضوية لجنته التنفيذية ورئاسة فريقه البرلماني بمجلس النواب، فيهمني أن أقول لكم إن الحزب دفع بتعديلات تهم تعزيز تمثيلية النساء في أفق المناصفة، وتمكين الشباب ومغاربة العالم من الولوج إلى مختلف الوظائف الانتخابية، تسجيلا وترشيحا وتصويتا، مع الحرص الشديد على تفعيل مبادئ الديمقراطية الداخلية في الانتداب والترشيح، وكذا تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل ميثاق الأخلاقيات في مختلف أطوار هذه العمليات.

    في ظل التوتر النسبي مع بعض مكونات المعارضة، كيف تقيمون فرص التوافق حول مشاريع الإصلاح الكبرى المطروحة على طاولة البرلمان خلال هذه السنة التشريعية؟

    نعم، من المتوقع أن تعرف هذه السنة التشريعية الانكباب على مجموعة من الإصلاحات الكبرى، التي غايتها تجويد منظومة القوانين ببلادنا، والتي تمر من مختلف أطوار النقاش والتفاعل البرلماني والعمومي، مع السادة النواب، أغلبية ومعارضة، ومع الهيئات المعنية والفاعلين الرسميين وغير الرسميين، تحت قاعدة الديمقراطية التمثيلية والتشاركية.

    وفي هذا الصدد، أطمئنكم بأنه ليس هناك أي توتر سياسي في بلادنا، بقدر ما يتعلق الأمر بتفاعل برلماني وسياسي صحي، يثري النقاش العمومي، وينتصر للسياسة بمعناها النبيل، تحت أرضية التدافع من أجل تجويد منظومة القوانين والانتصار لدولة الحق والقانون والديمقراطية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بودرقة: قطاع الصحة في أكادير يتطور .. والمدينة أصبحت أكثر جاذبية

    تفاعل مصطفى بودرقة، النائب الأول لرئيس جماعة أكادير، مع الجدل المرتبط بالقطاع الصحي إثر الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها عاصمة سوس، مُبرزاً أن “الحكومة تواصل إصلاح هذا القطاع، ليس فقط في أكادير، بل في المغرب بكامله”، ومُشدداً على أن المغرب يمضي في تحقيق سيادته عبر “توسيع شبكة المستشفيات الجامعية التي سيفتتح أحدها قريباً في أكادير”.

    وردّ بودرقة، في حواره مع جريدة هسبريس، على شبهات “التفويت والخوصصة”، مُعتبراً أن اللجوء إلى شكل التدبير المثير للجدل فرضه “نقص الموارد البشرية في الجماعة، بما أن 400 موظف سيُحالون على التقاعد سنة 2027″، مسجلاً أن “ما يهم الجماعة هو رضا المواطن عن الخدمة، سواء تم تقديمها من طرف الجماعة أو من خلال مؤسسة أخرى، فالمهم أن يستفيد منها بأفضل جودة، سواء تعلق الأمر بالمسابح، أو المتاحف، أو الفضاءات الخضراء، أو غيرها”.

    نص الحوار:

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} • تعرف العديد من دورات المجلس تشنجا كبيرا مع المعارضة التي تقول مراراً إنها “تعاني من التهميش، ويتم تغييب صوتها عمدًا داخل دورات المجلس، بما يخالف أبسط قواعد التدبير الديمقراطي”؟

    حين نقول إن تنمية المدينة تسير في الاتجاه الصحيح فهذا يعني بالضرورة وجود معارضة قوية. فالمجلس قوي بكافة مكوّناته من أغلبية ومعارضة. المعارضة تؤدي دورها، وتُسلّط الضوء دائمًا على الجزء الفارغ من الكأس، في حين ننظر نحن إلى الجزء الممتلئ، للبحث عن الخطوات التي سنقوم بها لملء الجزء الفارغ.

    المعارضة تأتي للنقد وإبداء الرأي، ونحن كمجلس وكفريق مسيّر نُجيب عن مختلف التساؤلات. الجميع يتابع سير عمل جماعة أكادير. لا حرج لدينا في الإجابة، رغم ما قد تشهده الجلسات أحياناً من مناوشات وصراخ. لا نجد في ذلك مشكلة، فهـذا تمرين ديمقراطي، والنقل المباشر للجلسات يضمن الشفافية والوضوح. ونحن نفتخر بجماعة أكادير وبمجلسها، بأغلبيّته ومعارضته معاً.

    • طيب، دعنا نعود إلى مشكلة الصحة بالمدينة، إثر الزيارة الأخيرة لوزير الصحة أمين التهراوي، نتيجة الاحتجاجات التي كانت أمام المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني. ما تعليقك على احتجاج ساكنة تُصرّح بأنها تعيش “معضلة صحية حقيقية” بعاصمة سوس والنواحي؟

    قطاع الصحة في أكادير، وفي المغرب عمومًا، يشهد إصلاحًا واسعًا، وإعادة هيكلة عميقة للمنظومة الصحية، في إطار برنامج الحماية الاجتماعية الملكي الذي تتولى الحكومة تنفيذه، ويضمن الولوج إلى الرعاية الصحية لجميع المواطنين. غير أن تحقيق هذا الولوج يتطلب توافر عدة شروط.

    أول هذه الشروط هو توفر الموارد البشرية، وهنا نُقر بأن بلادنا تعاني خصاصًا كبيراً، خاصة في صفوف الأطباء والممرضين. النقص المُسجّل يصل إلى حوالي 25 ألف طبيب. وقد حاولنا الإجابة عبر إنشاء كليات جديدة للطب.

    اليوم توجد كليات في جميع الجهات، لكن لا يجب أن ننسى أنه حتى وقت قريب لم تكن في المغرب سوى اثنتين لتكوين الأطباء، في الرباط والدار البيضاء، وكانتا تُخرّجان 400 طبيب فقط سنويًا. نصفهم يبقى، والنصف الآخر يهاجر إلى الخارج.

    هذا العام بلغ عدد الأطباء المتخرجين 1500 طبيب، ونطمح إلى رفع هذا الرقم سنويًا. مع العلم أن تكوين الطبيب العام يتطلب مدة، ولذلك عندما نُحدث كليات للطب لا بد أن ننتظر سنوات حتى نرى الفوج الأول من الخريجين. وهذا التحدي يؤرقنا كما يؤرق العالم، لأن الطلب على الأطباء عالمي، وليس محليًا فقط.

    النقطة الثانية تتعلق بالمرافق الصحية، وعنها أقول إن المراكز الاستشفائية الجامعية تُنجز حاليًا في مختلف جهات المغرب، والجهات التي لم تكن تتوفر عليها بدأت فيها الأشغال، وأكادير من بينها، إذ تتوفر الآن على مركز استشفائي جامعي ينتظر الافتتاح قريباً. عند بداية تسيير الجماعة قمنا بتشخيص شامل للبنية التحتية الصحية في المدينة. ونشير هنا إلى أن المستشفى الجامعي بأكادير يحتوي على نحو 900 سرير، ويُعد من أكبر المستشفيات الجامعية في المغرب، ويضم أحدث التجهيزات.

    مستشفى الحسن الثاني، الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي، أولاه الرئيس اهتماماً خاصاً منذ بداية الولاية، لأنه لا يستقبل فقط سكان أكادير، بل كذلك مرضى من الأقاليم الجنوبية والمناطق المجاورة، ما جعله يعاني ضغطًا هائلاً.

    وقلنا حينها إن المستشفى لا يمكن أن يستمر في تلك الحالة، فبادرت الجماعة إلى تعبئة المصالح الخارجية لتوفير التمويلات الضرورية. وساهم مجلس الجهة ووزارة الصحة في تمويل المشروع بمبلغ 140 مليون درهم، لكن اتضح أن المبلغ غير كافٍ، فتدخلت وزارة الصحة لتغطية الفارق بإضافة 60 مليون درهم.

    الرئيس أعطى انطلاقة الأشغال في مستشفى الحسن الثاني، لكن هذه الأشغال لن تكون بالحجم المطلوب إلا بعد افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي ونقل المرضى إليه، ما يتيح إعادة هيكلة شاملة.

    • ولكن احتجاجات الناس لم تأت من فراغ، وقد رأينا صوراً صادمة لطفلة لم تجد العلاج.

    الاحتجاجات الأخيرة ليست جديدة. ولا نعلم إن كانت حالة الطفلة التي ظهرت هي الوحيدة، أم إن هناك حالات أخرى. وما إن انتشرت حالتها حتى تدخل وزير الصحة والحماية الاجتماعية فوراً، وتحملت الحكومة مسؤوليتها، لأنه لا يمكن، في إطار النموذج المجتمعي الذي نتولى بناءه، أن تبقى مثل هذه الحالات دون علاج. الأصل أنه يجب أن نتعبّأ جميعاً لتحمّل علاجها.

    أؤكد أن الاحتجاج مشروع، ومن حق الناس أن يخرجوا للتعبير عن مطالبهم، لكن، بالنسبة إلينا، فقد تحركت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والمهم أننا استبقنا كل هذه التحديات بتهيئة سابقة للمرافق الصحية.

    نحن نعترف بأن مستشفى الحسن الثاني نقطة سوداء، وحاولنا في المجلس أن نقدم إجابة حقيقية، من خلال تعبئة الموارد المالية، وبدء الأشغال. لم تكن هناك أي بارقة أمل قبل ذلك، وكان دائمًا يُنظر إليه كنقطة سوداء. أما نحن فجئنا ببداية الحل، وبتوفير التمويل.

    مشكلة الصحة ليست وحدها “القضية المثيرة” في تدبير جماعة أكادير، فأنت تعرف كذلك نقاش “تفويت” العديد من المرافق الجماعية الحيوية لشركات التنمية المحلية وشركات المناولة والتدبير المفوض، كقصبة أكادير أوفلا، المسابح الرياضية، والمرابد… ما الغاية وراء ذلك؟

    كما تعرف نحن نتولى تدبير مدينة أكادير منذ أواخر سنة 2021، ونديرها بموارد بشرية تُقدّر بحوالي 1200 موظف، إلى جانب ما بين 1200 و1300 عامل عرضي؛ علمًا أن القطاعات الكبرى في المدينة تُدبّر اليوم بشكل مباشر من طرف جماعة أكادير، مثل قطاع النظافة، والإنارة العمومية، ومرافق حيوية أخرى.

    دعني أوضح أكثر: بحلول سنة 2027 سيُحال 400 موظف من الجماعة على التقاعد، وسيتبقى 800 فقط. وهذا يشكّل تحديًا على مستوى التوظيف، خاصة أن المناصب المُحدثة تُمنح في الغالب لمجالات تقنية، وليست إدارية.

    وسط هذه المعادلة إذا نظرنا إلى وضعية مدينة أكادير ما بين سنة 2022 واليوم نجد أنها شهدت تحولات كبيرة، من بينها توسعة ملاعب القرب، وتضاعف المساحات الخضراء، إضافة إلى افتتاح المتاحف، والمسابح، والمرافق الثقافية. مضاعفة هذه المرافق تعني الحاجة إلى موارد بشرية جديدة لتدبيرها. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل موارد بشرية تتناقص بفعل التقاعد، في مقابل تزايد عدد المرافق؟

    ليس من الصعب إنشاء مسبح أو مساحة خضراء، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان استدامتها وجودة خدماتها لأطول مدة ممكنة. وهذا يتطلب موارد بشرية قارة ومتخصصة. لكن هل نتوفر داخل الجماعة على مشرفين رياضيين، أو خبراء لتدبير متحف، أو أطر تقنية للمساحات الخضراء؟.

    لهذا السّبب لجأنا إلى شراكات مع مؤسسات عمومية وشركات متخصصة، كما هو الحال بالنسبة للمتحف. أبرمنا اتفاقية مع المؤسسة الوطنية للمتاحف، وهي مؤسسة وطنية ذات خبرة كبيرة. ومن هنا أوجه الدعوة للمواطنين لزيارة هذا المتحف، والاطلاع بأنفسهم على مستوى الخدمات المقدمة فيه.

    ما يهمنا هو رضا المواطن عن الخدمة، سواء تم تقديمها من طرف الجماعة أو من خلال مؤسسة أخرى؛ المهم أن يُستفاد منها بأفضل جودة.

    وماذا عن المسابح المغطاة التي تم منح تدبيرها مباشرة لشركة “سونارجيس” رغم ما أثاره ذلك من جدل ورفض كبيرين؟.

    نعم، هذه المسابح أثارت جدلًا واسعًا عند تفويتها لشركة “سونارجيس”، وهي شركة أحدثتها الدولة في البداية لتدبير الملاعب الرياضية، ثم منحتها لاحقًا صلاحية تدبير المسابح وملاعب القرب. هذه الآلية وفّرتها الدولة لفائدة الجماعات لمساعدتها في تسيير هذه المرافق، وهو ما قمنا به فعليًا.

    اليوم لدينا مسابح مغطاة في كل من الهدى والحي المحمدي، وقد بلغ عدد المنخرطين في بعضها 1000 منخرط. هناك إقبال، وهناك ارتياح للخدمات. كما تم إحداث مناصب شغل جديدة.

    أما في ما يخص المساحات الخضراء، التي تضاعفت أربع مرات وتحتاج إلى مواكبة دائمة، فقد أطلقنا طلب عروض، ورست الصفقات على شركات، وعند تفقدنا عملها نجد أنها جنّدت أكثر من 700 عامل للاشتغال في هذه المساحات.

    وبذلك، عندما نقوم بتشخيص المرافق التي تُدبَّر من طرف مؤسسات أخرى بدلًا من الجماعة نجد أنه تم إحداث حوالي 1000 منصب شغل جديد، في وقت لا تتوفر الجماعة على موارد بشرية كافية.

    لكن أليس من حق الجماعة قانونيًا أن تُحدث هذه المناصب؟

    بالفعل، من الناحية القانونية لا مانع، لكننا نواجه إشكالًا على مستوى الميزانية؛ فليس بإمكان جماعة أن تدبّر بشكل مباشر كل المرافق: المرائب، الأسواق، المتاحف، المسابح المغطاة، وغيرها. هذا النموذج لم يعد صالحًا.

    نحن ملتزمون بأن تظل هذه الخدمات في متناول المواطنين، وأن نضمن استدامتها عبر تسيير مستجد. وعند مقارنة الكلفة الإجمالية لهذا التسيير المفوّض بميزانية الجماعة نجد أنها لا تتجاوز 6 بالمائة. أي إننا تمكّنا من تحسين نمط التدبير دون إثقال كاهل الجماعة بالنفقات.

    بعبارة أخرى، استطعنا تحقيق معادلة صعبة: خدمة عمومية ذات جودة، خلق فرص شغل للشباب، والحفاظ على توازن ميزانية المجلس الجماعي.

    هناك من يعتبر هذا “خوصصة مقنعة” دائماً، فهل تشترطون أثناء “التفويت” أن تكون الأسعار في متناول المواطن؟

    نعم، لدينا لجان إشراف وتتبّع، وتُبرم تعاقدات واضحة. على سبيل المثال مع “سونارجيس” فرضنا أثمانًا معقولة وفي متناول المواطنين. كل هذا مدروس ومراعى ضمن تصورنا. والخدمات الرديئة ستنكشف للجان التتبع.

    من يزور المتحف مثلًا ولم يجد مستوى الخدمة الذي يتطلع إليه يمكنه تقديم شكاية، ونحن بدورنا نقوم بزيارات ميدانية. وكل أنماط التدبير التي جرّبناها في هذا التدبير الجديد، باختلاف أشكالها، أثبتت نجاحها إلى حد الآن.

    (مقاطعا) لكن المعارضة لا يمكن أن ترفض هذه الصفقات من فراغ

    الفيصل بيننا وبينهم هو جودة الخدمة المقدمة للمواطن. ولا ننسى أن التدبير المباشر كان معتمدًا من قبل، ولم يكن يرضي المواطنين، ولم يُحقق النتائج المرجوة.

    لا يمكننا الاستمرار في الطرق القديمة نفسها التي لم تُجد نفعًا. أنماط التدبير تتغير مع الزمن، وجماعة أكادير انخرطت في هذا التوجّه الجديد. حتى في السابق كانت شركات التنمية المحلية تقوم بهذا الدور، وهي جزء من هذا التصور، وقد أثبتت التجربة أنها ناجحة بشهادة الجميع.

    معظم المدن المغربية تسير في هذا الاتجاه، ونحن في أكادير جزء من هذا التوجه الوطني.

    الأصل أن كل ما تقومون به كمدبّرين من المفترض أن يخدم المواطن، فأي أثر يمكن الحديث عنه؟

    الأثر يُلمَس من قِبل الزوار، ويلاحظه السكان الذين باتوا يفتخرون بمدينتهم لأنها تغيّرت. هذا يظهر أيضًا من خلال تطوّر المداخيل بالنسبة للجماعة؛ ففي سنوات عادية صرنا نقترب من 85 مليون درهم، أما هذا العام فسنقوم بعمل أكبر.

    كل هذا يدلّ على أننا خلقنا رواجًا اقتصاديًا، وأن المدينة أصبحت أكثر جاذبية. مع العلم أن هذه المداخيل تحقّقت دون الرفع من الضرائب أو من القرارات الجبائية؛ بل حافظنا على النظام الجبائي نفسه الذي كانت تُدبّر به جماعة أكادير سابقًا.

    كيف نعتبر أن وجه أكادير تغير وأنت ترى العديد من “الظواهر المشينة” كالمختلين عقليًا، والكلاب الضالة، وأطفال الشوارع؟

    أولًا نحن كمجتمع أمازيغي، إسلامي، عربي، لا نقبل أن يبقى أطفال الشوارع في مدينتنا دون رعاية، وقلنا إنه لا بد من إيجاد حل لهذه الظاهرة.

    وجدنا أن هناك جمعيات تقوم بعمل كبير، لكنه يظل محدودًا بإمكاناتها المالية. بالنسبة للأشخاص بدون مأوى قرّرنا توقيع اتفاقية مع عدد من الشركاء بقيمة 145 مليون درهم، من أجل إنشاء مركز لإيواء هؤلاء الأشخاص على مساحة سبعة هكتارات.

    هذا المركز سيضمن لهم أولًا المأوى، ثم الخدمات الأساسية التي يحتاجونها، مثل التمدرس للأطفال، والتكوين المهني للشباب، وغير ذلك.

    لكن عند الشروع في التنفيذ واجهنا تحديًا يتعلق بالعقار، وهذا من بين الإشكالات المطروحة بمدينة أكادير. نعتبر مؤخرًا أننا وجدنا حلًا لتجاوز هذا العائق، وسنشرع في الأشغال قريبًا، لكن يجب التذكير بأن هذه الاتفاقية وُقّعت قبل ثلاث سنوات، ولولا أننا واجهنا مشكلة العقار لكان المركز جاهزًا لاستقبال المعنيين.

    وفي الفترة نفسها بدأ الحديث عن مشكلة الكلاب الضالة، التي أثارت انتباه الجميع، ووردتنا شكايات من المواطنين. كما أن بعض المنظمات الدولية تهاجم المغرب بادّعاء أنه يُعالج هذه المشكلة بطرق “غير لائقة”، وهذا غير صحيح.

    وقّعنا اتفاقية لإنشاء ملجأ للكلاب الضالة في الفترة نفسها، وقد تم إنجازه، لأنه لم يصطدم بمشكل العقار، رغم أن التحضير الأول يشمل المشروعين معًا. هذا الملجأ يحتوي على عيادة بيطرية تسمح بالتقاط الكلاب، معالجتها، تعقيمها، تلقيحها، وتوفير الطعام لها.

    وهذا المرفق مفتوح ويشتغل حاليًا. وقد تم أيضًا تجديد الأسطول المخصّص لجمع الكلاب الضالة، من خلال تحديث العربات الخاصة بذلك. نحن نبذل مجهودًا كبيرًا، علمًا أن عملية التقاط الكلاب وإمساكها ونقلها عملية صعبة، ونحن نعمل حاليًا على تحسينها. ومع ذلك من الواضح أن الظاهرة بدأت تنحسر، وتمّت معالجة جزء كبير منها.

    ننتقل إلى مشاريع أخرى جاءت في إطار التحضير لتظاهرات كبرى وستستفيد منها أكادير، كتأهيل ملعب أكادير الكبير الذي دخلت أشغاله مرحلتها الأخيرة، ليكون جاهزًا لاحتضان مباريات كأس أمم إفريقيا المرتقبة بعد أسابيع. هل من جديد في الموضوع، خصوصًا أن “الكان” على الأبواب؟

    يتعلق الأمر بأشغال في محيط الملعب. ملعب أدرار مثلًا عرف إصلاحات شملت الفضاء الداخلي استعدادًا لكأس إفريقيا للأمم (المغرب 2025)، على أن يُغلق لاحقًا، وتنطلق بعده الأشغال الكبرى لإعادة التهيئة. هذه الأشغال ترتبط بكأس العالم، وستُحدث تغييرًا كبيرًا في المظهر العام، على غرار ما حدث لملعب مولاي عبد الله بالرباط؛ ستتم إزالة الحلبة وتوسيع طاقته الاستيعابية، مع تغطيته بالكامل.

    النقطة السوداء في مشروع تهيئة الملعب هي محيطه الخارجي. نحن نتحدث عن مساحة تقارب 250 هكتارًا، وهو ما يطرح تحديًا بشأن الكيفية التي سيتم عبرها التعامل مع هذه المساحة. هذا الفضاء سيتم تحويله إلى غابة حضرية ومساحة متعددة الوظائف، ستضم ملعبًا للقرب ومجموعة من المرافق الرياضية والاجتماعية، بالإضافة إلى قاعة مغطاة والمسبح الأولمبي. الهدف هو إنشاء مركب رياضي متكامل، سيتم ضمنه أيضًا تشييد مركز التكوين التابع لفريق حسنية أكادير، وهو مشروع مهم للغاية.

    وفي المرحلة الأولى، أي مرحلة “الكان”، تنصب الأشغال على تشجير المساحة الكبيرة، بغرس أكثر من 30 ألف شجرة، وهو ما يجري العمل عليه حاليًا. كما ستُنجز ملاعب للقرب لفائدة الأحياء المجاورة للاستفادة منها، ما سيوفر فضاءات خضراء ورياضية للسكان.

    أيضًا ستُعاد تهيئة مداخل الملعب بطرق حديثة، مع توفير الإنارة وتجهيز الممرات، وإنشاء موقف جديد للسيارات. هذه الأشغال الكبرى المحيطة بالملعب التي ستتم قبل مباريات الموعد القاري.

    هل من ضمانات واضحة بأن البنية التحتية الرياضية كلها ستكون جاهزة في المواعيد المناسبة؟

    الأشغال مستمرة ليلًا ونهاراً، وهي ليست أشغالًا بسيطة، فنحن نتحدث عن مساحة ضخمة تُقدّر بـ250 هكتاراً. نحن واثقون من احترام الآجال.

    الهدف في النهاية هو أن يكون الفضاء أفضل مما كان عليه سابقًا. حين نخلق فضاءً أخضر، فالأشجار، كما هو معلوم، تحتاج إلى وقت لتنمو، لكن الصورة التي نطمح إليها ستُظهر جمالية المشروع في السنوات المقبلة.

    من بين الأهداف المعلنة لتنظيم تظاهرات كبرى بالمغرب أن بعض المدن ستستفيد من المشاريع المرتبطة به، كيف طُرح هذا الأمر على مستوى جماعة أكادير مثلًا؟

    المدن ستستفيد، والمغرب بأكمله سينتفع من هذا المشروع. ولنأخذ مدينة أكادير كمثال واضح على ذلك. فالمشاريع المبرمجة فيها، مثل مشروع المطار، لا تقتصر على المجال الحضري فقط، بل تمتد إلى جماعات بعيدة عن المدينة. الطريق القادم من المطار، سواء المدارية أو الرئيسية، يمر عبر جماعات تقع على بُعد عشرات الكيلومترات من أكادير. الأمر ذاته ينطبق على أسطول الحافلات الذي يتم تجديده، إذ يصل إلى نقاط بعيدة عن المركز الحضري، وهو ما يعكس استفادة شاملة لمختلف مناطق الجهة.

    وحين يصل القطار فائق السرعة مستقبلًا فإن الأثر الإيجابي لن يقتصر على المدينة وحدها، بل ستشعر به المنطقة بأسرها. هذه المشاريع الكبرى تُنجز لفائدة المواطن أولًا وأخيرًا، لأن كأس العالم، رغم أهميته، لا تتجاوز مدته شهرًا واحدًا في أقصى الحالات.

    الرؤية الملكية واضحة في هذا الإطار، وتتمثل في تقليص الفوارق المجالية، وتجاوز منطق “مغرب يسير بسرعتين”. هذا المنطق، في جوهره، يعني وجود سرعة تنموية عالية تشمل مشاريع كبرى كقطار البُراق، والبنية التحتية المتطورة، والمدن الكبرى التي تخضع لتهيئة شاملة، في مقابل مناطق أخرى مازالت بحاجة إلى تسريع وتيرة التنمية، خاصة في العالم القروي والأحياء الهامشية.

    ومن هنا تأتي أهمية هذه التظاهرات الدولية، فهي تمنحُ إمكانية توظيفها كرافعة لتحقيق التوازن المجالي والاجتماعي.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • رئيس شنايدر الشرق الأوسط لـ »تيلكيل عربي »: إفريقيا تستهلك التكنولوجيا التي تصنع في المغرب

    في وقت أصبحت فيه التقاطعات بين الانتقال الطاقي، والرقمنة، والأتمتة الذكية أولوية قصوى للعديد من الدول الإفريقية، أعلنت شركة شنايدر إلكتريك عن تنظيم النسخة الأولى من فعالية « Innovation Day » بالمغرب.

    في هذا الصدد، أجرى موقع « تيلكيل عربي » حوارا مع وليد شتا، رئيس شنايدر لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

    في ظل المنافسة العالمية والتحولات المناخية، ما الذي يميز مقاربة « شنايدر إلكتريك » لجعل إفريقيا فاعلا أساسيا لا مجرد مستهلك في سوق الطاقة؟

    نحن اليوم موجودون في منتدى الطاقة والابتكار لدى شنايدر إلكتريك للتعامل مع هذه المسألة بصفة خاصة، فإفريقيا كانت ومازالت تستهلك التكنولوجيا التي تصنع في المغرب، الذي يعتبر أيضا مدرسة في مجال الطاقة، لذا يمكن تصدير الكفاءات المغربية إلى دول إفريقيا لتفعيل هذه التكنولوجيا في جميع هذه الدول، خاصة في ظل التوجه وبقوة لتقليل الانعكاسات الكاربونية في ظل نمو متسارع للاقتصاد المغربي.

     ونعتقد أن هذه التجربة يجب نقلها إلى الدول الإفريقية، ونحن في « شنايدر الكتريك » على استعداد لتفعيل ذلك مع الشركاء في بقية دول افريقيا.

    ما التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يعيق تحقيق انتقال طاقي عادل ومستدام في إفريقيا، وكيف يمكن تجاوزه؟

    التحدي الأول في إفريقيا هو البحث عن الكفاءات، والثاني التمويل، فمشاريع التحول الرقمي ومشاريع التحول إلى الطاقة النظيفة تستدعي تمويلات حديثة.

    ونحن نرى أن الحل يكمن في أن الكثير من المؤسسات المغربية والمؤسسات البنكية المتواجدة في إفريقيا لديها قوة عالية وتستطيع تفعيل هذه المشاريع بشرط أن تبقى الكفاءات موجودة، وإذا قمنا بحل المشكلة الأولى والمتمثلة في التمويل فإن المشكلة الثانية، والمتمثلة في الكفاءات، فهي موجودة في المغرب ونستطيع تصديرها إلى إفريقيا.

    كيف ترون موقع المغرب في قيادة مسار الانتقال الطاقي على مستوى القارة الإفريقية، وهل يمكن اعتباره نموذجا يحتذى به إقليميا؟

    نموذج المملكة المغربية يحتذى به في كل ما له علاقة بالتحول الرقمي، وأيضا التحول إلى الطاقة النظيفة. حاليا، نستطيع أن نقول إن 39 في المائة من الطاقة المستعملة في المغرب هي طاقة نظيفة من الشمس والرياح، وهذا إنجاز لأن جميع دول إفريقيا، وأستطيع أن أقول دول الشرق الأوسط، لم تصل إلى هذه المعادلات، وبالتالي فالمغرب فاز بالتحدي ويستطيع تصدير هذه المعلومات إلى دول إفريقيا.

    ويجب الاستفادة من الكوادر التي عملت على هذا النجاح في المغرب لكي يعملوا في إفريقيا ويقوموا بنقل هذه التكنولوجيا إليها، وبسبب العلاقات الجيدة التي يرسيها المغرب مع جميع دول إفريقيا نستطيع أن نقول إن هذا يحدث بالفعل حاليا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمغار: احتجاجات الشباب تراكم لأزمات بنيوية وتعبير عن تآكل الثقة في الوسطاء

    عبد المالك أهلال

    اعتبر الباحث في علم الاجتماع، مولود أمغار، أن موجة الاحتجاجات الشبابية الأخيرة ليست حدثا عفويا، بل هي نتاج تراكمي لعوامل بنيوية، وتمثل فصلا جديدا في ثقافة احتجاجية متصلة بدأت مع حركة 20 فبراير وامتدت عبر حراكات الريف وجرادة. وأوضح أن مشروعيتها تستند إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية مباشرة، أبرزها تفشي البطالة، وتدهور الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، والشعور المتنامي بانعدام الإنصاف في أولويات الإنفاق العمومي، الذي يراه الشباب منفصلا عن احتياجاتهم الأساسية.

    وأضاف أمغار أن تآكل الثقة في الأحزاب السياسية والنقابات أضعف قنوات الوساطة التقليدية، ودفع الشباب للبحث عن بدائل مباشرة. ونتيجة لذلك، تحول الشارع والمنصات الرقمية إلى فضاءات بديلة للمشاركة السياسية، حيث يتم إنتاج الشرعية والتأثير في النقاش العام خارج الأطر المؤسساتية التي لم تعد مقنعة لهذا الجيل.

    ويرى أن ما يميز “جيل Z”، الذي نشأ في بيئة رقمية وتأثر بسياق من الهشاشة الاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا، هو قدرته على التعبئة السريعة. لكنه كشف عن تناقض لافت، وهو أن هذا الجيل يستخدم أدوات مبتكرة ليطرح نفس المطالب الاجتماعية التي رفعتها الأجيال السابقة. ولهذا السبب، رفض الباحث وصف التحركات بـ”غير المؤدلجة”، مؤكداً أن المطالبة بالحقوق الأساسية هي بحد ذاتها موقف أيديولوجي واضح.

    وفي تحليله لرد فعل السلطات، حذر أمغار من أن سياسة “المنع” هي أسلوب “ردع” يهدف لتجفيف الفعل الاحتجاجي، وليست “احتواء” يمتص الغضب. وشدد على أن هذا الأسلوب، وإن بدا فعالا أمنيا على المدى القصير، فإنه يولد على المدى البعيد شعورا بالإقصاء السياسي ويصادر حرية التعبير، مؤكدا أن الحل يكمن في استجابة سياسية تفتح قنوات الحوار وتعيد النظر في الخيارات التنموية على أساس العدالة الاجتماعية.

    وفيما يلي نص الحوار 

    لماذا برزت هذه الموجة الاحتجاجية الشبابية المتزامنة في عدة مدن مغربية؟ ماذا تكشف عن التحولات الاجتماعية وطبيعة المطالب، خاصة مع تراجع الثقة في الأحزاب والنقابات؟

    أولا، أود أن أشير إلى أن ما نشهده اليوم في احتجاجات جيل Z ليس انفجارا عفويا بمعزل عن سياقه العام أو التاريخي. فهذه الاحتجاجات تعد نتاجا تراكميا لعوامل بنيوية، سوسيو-ثقافية وتكنولوجية، وتشكل فصلا جديدا من الثقافة الاحتجاجية التي أرستها حركة 20 فبراير. وقد امتدت هذه الثقافة لاحقا عبر حراك الأساتذة المتعاقدين، واحتجاجات طلبة الطب والصيدلة، وكذلك حراكات الريف وجرادة وزاكورة، وصولا إلى الاحتجاجات الأخيرة لسكان المناطق القروية والنائية، الذين يطالبون بحقهم في التنمية الاجتماعية والمجالية مثل باقي المواطنين في المركز.

    فيما يتعلق بمشروعية هذه الاحتجاجات وتوقيتها، أعتقد أن حتى أكثر المتشككين والمتوجسين من «المؤامرة الداخلية والخارجية»، يجدون أنفسهم هذه المرة أمام موجة احتجاجية مشروعة في نظرهم، إذ لا يمكن إنكار أنها وليدة ظروف طبيعية ومباشرة. فالشباب المحتج يعيش تحت وطأة ضغوط اجتماعية واقتصادية مركبة: تفشي البطالة، تدهور الخدمات العمومية في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، وإخضاع هذه القطاعات لمنطق السوق وتسليعها. يضاف إلى ذلك الإحساس المتنامي لدى الفئات الهامشية بانعدام الإنصاف في الاستفادة من الموارد وبالاختلال في أولويات الإنفاق العمومي، حيث ينظر إلى توجيه ميزانيات معتبرة لمشاريع رياضية أو رمزية، في مقابل العجز الحاد في البنيات الصحية، بوصفه في نظرهم تجسيدا لانفصام في الترتيب بين الضروري والكمالي. هذه المعطيات كلها تفسر لماذا يرفع المتظاهرون شعارات تتمحور حول الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية؛ فهي ليست مطالب أيديولوجية أو سياسية مجردة، بل مطالب أساسية ترتبط مباشرة بالعيش اليومي وبتجارب الحرمان الملموسة التي يختبرها المواطنون في حياتهم اليومية.

    لقد أدى تراجع الثقة في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية إلى إضعاف قنوات التعبير التقليدية التي كانت تشكل، في السابق، فضاء مؤسساتيا للتأطير والتفاوض. هذا التآكل في الشرعية التنظيمية جعل تلك القنوات تبدو غير مقنعة بالنسبة للفئات الشابة، التي لم تعد ترى في الأحزاب والنقابات وسطاء قادرين على ترجمة معاناتها اليومية إلى برامج سياسية ملموسة. ونتيجة لذلك، اتجه الشباب نحو أشكال جديدة من التعبير المباشر، كالتظاهر الميداني والدعوات السريعة عبر الوسائط الرقمية، بما يعكس تحولا في أنماط الفعل الجماعي. هنا يصبح الاحتجاج ذاته شكلا من أشكال المشاركة السياسية، أو بالأحرى بديلا عن المشاركة المؤسساتية الكلاسيكية، حيث يتحول الشارع والمنصات الرقمية إلى فضاءات بديلة لإنتاج الشرعية والتأثير في النقاش العام.

    إن الحضور القوي والوازن للشباب في المشهد الاحتجاجي بالمغرب ليس سمة طارئة ولا ميزة مستحدثة؛ فالمتتبعون لمسار الحركات الاجتماعية منذ الاستقلال يُدركون أن الشباب ظل دائما فاعلا محركا ومؤثرا في كل موجات الاحتجاج الكبرى، سواء في انتفاضات المدن أو في الحركات الطلابية والنقابية. غير أن ما يفرض نفسه اليوم هو ضرورة التوقف عند ما يميز جيل Z، أي الفئة المولودة في أواخر التسعينيات وبداية الألفية. هؤلاء نشأوا في بيئة رقمية متقدمة عن الأجيال السابقة، ما جعلهم أكثر قربا من أدوات التواصل الشبكي وأكثر قدرة على تحويلها إلى وسائط تعبئة وتنظيم. وفي الوقت ذاته، يتأثر هذا الجيل بسياق اقتصادي واجتماعي مضطرب: عقود من الهشاشة في سوق الشغل، تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، سنوات الجفاف، ثم الآثار العميقة لجائحة كورونا.

    أعتقد أن هذه الأحداث تكشف عن تناقض مثير للاهتمام، وهو أن جيل Z، يستخدم أشكالا تعبيرية جديدة وسريعة ومباشرة، غالبا رقمية ومرئية قادرة على التعبئة على نطاق واسع، لكنه في الوقت نفسه يطرح نفس المطالب التي رفعتها الأجيال السابقة مثل الحق في الصحة، التعليم، وفرص المشاركة في التعبير السياسي. هذا التناقض يوضح كيف أن الابتكار في أساليب الاحتجاج لا يعني بالضرورة تغييرا في جوهر المطالب الاجتماعية.

    يصف بعض المراقبين هذه الاحتجاجات بأنها «غير مؤدلجة» أو خالية من الأيديولوجيات التقليدية. كيف تقيمون هذه الفكرة من منظور سوسيولوجي، وهل يعني ذلك ضعفًا في المطالب أم مجرد تحول في أشكال التعبير والوسائل الاحتجاجية؟

    أجد أنه من السابق لآوانه، القول إن هذه الاحتجاجات مفرغة من الأيديولوجية أو أن مطالبها أقل حدة مقارنة بسابقاتها، مثل حركة 20 فبراير. فالاحتجاجات قد تبدو أقل أدلجة على مستوى الخطاب الرسمي أو الشعارات الأيديولوجية التقليدية، لكنها في الوقت ذاته تعكس مطالب اجتماعية واقتصادية واضحة ومباشرة، مرتبطة بالحق في الصحة والتعليم وفرص العمل والعدالة الاجتماعية. كما أن طبيعة التعبير الجديدة، عبر الوسائط الرقمية والفضاءات البصرية، لا تعني بالضرورة ضعفا أو تبسيطا للمطالب، بل تمثل تطورا في أساليب التعبير والتواصل الاحتجاجي بما يتناسب مع سياق جيل Z وتجربته الرقمية والاجتماعية.

    كيف نقرأ طبيعة رد فعل السلطات؟ هل خيار «المنع» منعرج احتوائي أم عامل لتأجيج التوترات؟

    تشير التقارير الصحفية الميدانية من عدة منابر إعلامية إلى أن السلطات منعت الاحتجاجات في العاصمة وعدد من المدن، مع تسجيل حالات اعتقالات وفض لتجمعات. غير أن هذا الأسلوب في التعامل مع الاحتجاجات يبدو مألوفا لأي متتبع، لأنه متكرر في أساليب قوى حفظ النظام عند مواجهة تحركات واسعة النطاق مثل هذه.

    تعليقا على ما جاء في سؤالك، لا أعتقد أن المنع، نوع من أنواع الإحتواء. لأن الإحتواء في الأدبيات الأكاديمية، عادة ما يحيل إلى استراتيجية مزدوجة تجمع بين ضبط أمني محدود وبين فتح قنوات للتعبير أو المشاركة، بهدف امتصاص الغضب واحتواء الأزمة في حدود يمكن التحكم فيها. أما المنع المطلق فهو ردع لأنه يهدف إلى تجفيف الفعل الاحتجاجي.

    على المدى القصير، قد يسهم المنع وفض التجمعات في تقليص إشعاع الاحتجاجات وتقليل قدرتها على الظهور في الفضاءات العمومية، ما يجعلها تبدو كأداة تكتيكية فعالة من منظور أمني. إلا أن الاعتماد المتكرر على هذا الأسلوب على المدى المتوسط والبعيد يمكن أن يولد شعورا بالإقصاء السياسي ويعتبر بمثابة مصادرة لحرية التعبير. لذلك، ينبغي صب التركيز على الاستجابة السياسية في التعاطي مع هذه الاحتجاجات، عبر فتح قنوات للحوار والتفاعل مع المطالب الاجتماعية، بما يسمح بتحويل طاقة الغضب إلى مسارات مؤسساتية ومنظمة، وإعادة النظر في الخيارات الاقتصادية مع مراعاة مبدأ العدالة الاجتماعية والنموذج التنموي الشامل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « احتجاجات جيل z ».. رحاب لـ »تيلكيل عربي »: الاحتجاجات استفتاء رمزي يقر بفشل السياسات الحكومية

    وثقت مواقع التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوهات توقيفات رافقت موجة الاحتجاجات التي شهدتها عدد من المدن المغربية، من قبيل الرباط والدارالبيضاء يومي 27 و 28 شتنبر الجاري.

    وقد قامت السلطات العمومية بإيقاف عدد من المشاركين في هذه الوقفة الاحتجاجية التي دعا إليها ما بات يعرف بجيل « Z »، والتي تهدف إلى المطالبة بإصلاح شامل للتعليم والصحة، وتوسيع فرص العمل، ومحاربة الفساد.

    في هذا الصدد، أجرى موقع « تيلكيل عربي » حوارا مع حنان رحاب رئيسة المنظمة النسوية بحزب الاتحاد الاشتراكي.

      إلى أي حد يعكس تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية فشل السياسات الحكومية في الاستجابة لمطالب المواطنين وضمان الحقوق الدستورية الأساسية؟

    ليس من عادتي استغلال وقائع من قبيل الاحتجاجات أو الكوارث الطبيعية لجلد الخصوم السياسيين، وهم في هذه الحالة، الأغلبية الحكومية، باعتبار تموقعنا في المعارضة، لكن في المقابل لا يمكن تغطية الشمس بالغربال، فللأسف ما نعيشه اليوم من احتجاجات، بدأت أولا في المناطق النائية والمحرومة من التنمية، قبل أن تنتقل إلى الجيل الشاب، هي بالفعل استفتاء رمزي يقر بفشل السياسات الحكومية، ولا يمكن لهذه الحكومة أن تتحجج بإرث الحكومات السابقة، فعلى الأقل حزبان منها شاركا في مختلف الحكومات السابقة، وبالتالي يعتبران مسؤولين عن الإرث السابق، وعن السياسات الحالية التي تم انتهاجها.

    والمؤسف هو أنهم ينتجون خطابا تواصليا بعيدا عن الواقع، وينكر الحقائق الحية التي يعيشها المواطنون يوميا، سواء في المستشفيات، أو أثناء البحث عن العمل، أو خلال محنة شراء الضروريات. بل أكثر من ذلك فإن خرجات بعض وزراء هذه الحكومة تعد مستفزة لذكاء المغاربة، وتساهم في رفع وتيرة الاحتقان.

    ما مدى قدرة الاحتجاجات الشبابية المتكررة على إعادة تشكيل المشهد السياسي، ودفع الفاعلين الرسميين نحو مراجعة مقارباتهم في التنمية والديمقراطية التشاركية؟

    علينا كأحزاب سياسية أن نقوم بنقد ذاتي قاس، يسائل آلياتنا في تأطير المجتمع، وخصوصا المحرومين من التنمية.

     فمثلا، الدعوة الملكية لنموذج تنموي جديد، كانت في أحد جوانبها استجابة للاحتجاجات المجالية التي ارتفعت وتيرتها منذ 2016، وخطاب العرش الأخير الداعي إلى تنمية مجالية مندمجة بناء على التشخيص الواقعي الذي اختزله الملك في مقولة « المغرب الذي يمشي بسرعتين » يمكن القول إنه وعي استباقي بمخاطر السياسات العمومية التي لا تزال تؤدي إلى إفقار الفقير وإغناء الغني.

    لقد قدم والي بنك المغرب، مؤخرا، أرقاما صادمة حول البطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهو تقييم يختلف جذريا عن التطمينات التي تقدمها الحكومة، مما يعني أن الدولة لا تخجل من عرض الحقائق أمام المواطنين ليتحمل كل واحد مسؤوليته، بينما الأحزاب المسؤولة عن تدبير السياسات العمومية تخفي رأسها في الرمال مثل النعامة.

     ولذلك فالمعطيات الموجودة لحد الآن تفيد أن هذه الاحتجاجات لن تقود بالضرورة إلا تغيير المشهد الحزبي في الانتخابات المقبلة، بالنظر إلى عزوف الشباب عن التصويت، وخصوصا في العالم الحضري، إلا إذا التقطت الأحزاب الإشارة، وعملت باستراتيجيات مختلفة على إقناع الغاضبين بأهمية المشاركة في الانتخابات لقطع الطريق على  » الفاسدين » والمتسببين في هذه الأوضاع التي لا تسرنا جميعا، وهو عمل ممكن، ولكن يلزمه الكثير من الصبر والصدق و »المعقول » والشجاعة.

    ما دلالة مشاركة النساء في الاحتجاجات الاجتماعية، وكيف تعكس هذه المشاركة رؤيتهن وتطلعاتهن تجاه القضايا المطروحة؟

    العادي والطبيعي أن تكون مشاركة النساء مكثفة، أولا، بسبب كونهن الضحايا الأوليات للسياسات الفاشلة، والأرقام والمؤشرات المتعلقة بالتشغيل والصحة، وخصوصا الصحة الإنجابية، والعمل، لاسيما في القطاع الزراعي، تؤكد أن حجم انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أكبر في صفوف النساء، وثانيا، لأنهن الأكثر قربا من الأبناء، وبالتالي هن الأكثر إحساسا بأوضاع البطالة وضعف التعليم والصحة، فمثلا النساء هن في غالب الأحيان من يصطحبن أبناءهن للمستشفيات العمومية، أما في العالم القروي فالمعاناة مضاعفة، إذ تزاوج النساء بين ثلاث مهام: العمل المنزلي/ تربية الأبناء/ العمل خارج المنزل، والذي يتوزع بين الفلاحة والرعي والاحتطاب.

     وفي المقابل، ورغم كل هذه المعاناة، فإن مساهمة النساء ارتفعت في العمل السياسي والنقابي والمدني، وأصبحت النساء قوة احتجاجية واقتراحية في الوقت نفسه، وهذا ستكون له نتائج مستقبلية سواء على مستوى العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، أو على مستوى المساواة الفعلية بين النساء والرجال.

    هل يعكس التعامل الأمني مع الاحتجاجات السلمية ضعف الآليات المؤسساتية للوساطة والحوار، أم هو خيار سياسي ممنهج لإدارة الأزمات الاجتماعية؟

     لا أعتقد أنه ثمة مقاربة أمنية لمواجهة هذه الاحتجاجات، فالتدخلات الأمنية هي من صميم عمل القوات العمومية حين يكون هناك احتلال للفضاء العام، وتظاهر غير مرخص به، وهذا معمول به في كل دول العالم، وهذا لا يعني أني ضد الاحتجاج السلمي، بل فقط أنبه إلى إكراهات القوات العمومية بحكم طبيعة عملها وواجباتها، فالتناقض ليس بين القوات الأمنية والمحتجين، لأن كليهما وجد في الشارع مضطرا: الأمني بحكم عمله، والمتظاهر بسبب عدم وجود آذان صاغية عند الحكومة.

    للأسف، لا توجد أي مقاربة عند الحكومة، والدليل أنه منذ أن بدأت الدعوات للاحتجاج، لم يخرج لا رئيس الحكومة ولا الناطق باسمها، ولا أحزاب الأغلبية المدبرة للشأن العام بأي تصريح أو بيان لطمأنة المواطنين، وكأن هذه الاحتجاجات لا تعنيهم.

    وللأسف نعيد نفس السيناريو، مسؤولون وزاريون لا يقومون بمهامهم، فتتضخم النقمة الشعبية، ويختفي المسؤولون، لتجد القوات العمومية نفسها وجها لوجه مع مواطنين لإدارة الحفاظ على الأمن العام، في حين أن القوات العمومية ليست هي المسؤولة عن الوضع الذي أدى للاحتجاج.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • غنبوري يحذر: استمرار العجز التجاري يهدد احتياطي العملة ويضغط على الاقتصاد الوطني (حوار)

    مريم بوتهرويت- صحافية متدربة

    قال رئيس المركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي غنبوري، في حوار له مع جريدة “العمق”، إن ارتفاع عجز الميزان التجاري في المغرب يرتبط بعدة عوامل داخلية تعود إلى بنية الاقتصاد الوطني، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الطاقية والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية المصنعة.

    وأوضح غنبوري أن ضعف القاعدة الصناعية المحلية، وعدم قدرة القطاعات المنتجة على تلبية الحاجيات الداخلية، يفرض على البلاد اللجوء المتزايد إلى السوق الخارجية.

    وأشار إلى أن العوامل الخارجية تتجسد أساسا في ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية. ويبرز قطاع الطاقة كأحد القطاعات التي تساهم بقوة في تعميق العجز التجاري، حيث تشكل فاتورة النفط والغاز الجزء الأكبر من الواردات المغربية.

    وأكد أن العجز التجاري المرتفع يضغط على النمو الاقتصادي، لأنه يعني أن الطلب الداخلي يُشبع عبر منتجات مستوردة بدلا من منتجات محلية، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من فرص خلق القيمة المضافة وخلق فرص الشغل.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا:

    كيف نفسر ارتفاع عجز الميزان التجاري في المغرب خلال السنوات الأخيرة؟ وما هي أبرز العوامل الداخلية والخارجية المساهمة في هذا العجز؟

    ارتفاع عجز الميزان التجاري في المغرب يرتبط بعوامل داخلية تعود إلى بنية الاقتصاد الوطني، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد المواد الطاقية والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية المصنعة، ما يوسع الفجوة بين قيمة الواردات والصادرات.

    كما أن ضعف القاعدة الصناعية المحلية، وعدم قدرة القطاعات المنتجة على تلبية الحاجيات الداخلية، يدفع المغرب إلى الاعتماد أكثر فأكثر على السوق الخارجية، مما يرفع من قيمة الفاتورة التجارية. ويضاف إلى ذلك ضعف التنويع في الصادرات، حيث تظل مركزة في قطاعات محدودة مثل الفوسفات والسيارات والفلاحة، ما يجعل الميزان التجاري عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

    أما العوامل الخارجية فتتمثل في ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، وهو ما يثقل فاتورة الواردات الطاقية، خصوصا أن البلاد لا تزال تعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 90 بالمئة من حاجياتها الطاقية. كما أن التحولات في سلاسل التوريد العالمية، وتباطؤ الطلب لدى الشركاء الأوروبيين، أثرت سلبا على قدرة المغرب على رفع صادراته في السنوات الأخيرة.

    أيضا، فإن الأزمات الجيوسياسية مثل الحرب في أوكرانيا والاضطرابات في التجارة العالمية، زادت من تكاليف الاستيراد والشحن.

    من جانب آخر، فإن تراجع تنافسية بعض المنتجات المغربية نتيجة كلفة الإنتاج المرتفعة وضعف الابتكار، يجعلها تواجه منافسة قوية في الأسواق الدولية، ما يحد من نمو الصادرات. كما أن ضعف القيمة المضافة في جزء كبير من الصادرات الفلاحية والمعدنية لا يسمح بتحقيق فائض تجاري كاف لمعادلة حجم الواردات.

    بالتالي، يمكن القول إن العجز التجاري ناتج عن تداخل عوامل هيكلية داخلية وظرفية خارجية.

    ما هي القطاعات الاقتصادية الأكثر تأثيرا في زيادة العجز التجاري؟ وهل للسياسات الصناعية والتجارية دور في هذا السياق؟

    من أبرز القطاعات التي تساهم في تعميق العجز التجاري، يبرز قطاع الطاقة، حيث تشكل فاتورة النفط والغاز الجزء الأكبر من الواردات المغربية. ففي سنة 2022 مثلا، بلغت فاتورة الطاقة ما يقارب 16 مليار دولار، بينما تجاوز عجز الميزان التجاري 29 مليار دولار، أي أن الفاتورة الطاقية وحدها تمثل أكثر من نصف العجز، ويصعب تقليصها على المدى القصير بسبب محدودية الإنتاج المحلي.

    كما يلعب قطاع التجهيزات الصناعية والتكنولوجية دورا مهما، إذ يستورد المغرب معدات متطورة لتلبية حاجيات الصناعات الناشئة مثل السيارات والطائرات والطاقة المتجددة. كذلك تساهم واردات الأدوية والمنتجات الكيماوية في تعميق العجز.

    في المقابل، ورغم أن بعض القطاعات التصديرية مثل السيارات والفلاحة والفوسفات تحقق أرقاما مهمة، فإنها لا تكفي لتغطية فاتورة الواردات الضخمة. فقطاع السيارات، رغم تصدره للصادرات، لا يزال مرتبطا بنسبة عالية من المكونات المستوردة، ما يحد من أثره الصافي على الميزان التجاري. أما الصادرات الفلاحية، فرغم نموها، فإنها لا تواكب حجم الطلب الداخلي على الحبوب والزيوت المستوردة.

    أما السياسات الصناعية والتجارية، فلها دور مباشر في العجز، إذ لم تنجح الاستراتيجيات السابقة في تقليص التبعية للخارج، خاصة في مجالات الطاقة والحبوب والأدوية. كما أن غياب سياسة حمائية ذكية، والانفتاح الواسع عبر توقيع اتفاقيات تبادل حر مع شركاء أقوياء، جعل السوق المغربية مفتوحة أمام الواردات، دون أن تتمكن الصادرات المغربية من اختراق أسواقهم بنفس القوة. وهو ما يبرز غياب التوازن في السياسات التجارية.

    كيف يؤثر ارتفاع العجز التجاري على النمو الاقتصادي وجاذبية الاستثمار الأجنبي؟

    العجز التجاري المرتفع يؤثر سلبا على النمو الاقتصادي، لأنه يعني أن الطلب الداخلي يُلبى عبر منتجات مستوردة، ما يحرم الاقتصاد من القيمة المضافة المحلية وفرص الشغل. كما أن ارتفاع الواردات مقارنة بالصادرات يؤدي إلى نزيف في احتياطي العملة الصعبة، مما يحد من قدرة الدولة على تمويل الاستثمارات.

    أما بالنسبة لجذب الاستثمارات الأجنبية، فإن العجز التجاري له أثر مزدوج. من جهة، قد يشكل فرصة للشركات الأجنبية التي ترى في المغرب سوقا واعدة، فتستثمر لإنتاج سلعها محليا. ومن جهة أخرى، فإن استمرار العجز قد يثير مخاوف حول هشاشة التوازنات الاقتصادية، ويضعف الثقة في استقرار الاقتصاد الكلي، خاصة إذا رافقه تراجع في احتياطي العملة وتفاقم الدين.

    إلى أي حد يمكن أن يؤدي استمرار العجز التجاري إلى زيادة الدين العمومي أو الضغط على احتياطي العملات؟

    العجز التجاري المستمر يعني أن المغرب ينفق عملات أجنبية أكثر مما يجني من صادراته، ما يخلق حاجة متزايدة لتمويل الفجوة عبر الاستدانة الخارجية أو استنزاف الاحتياطات.

    في حالة تراجع موارد العملة الصعبة مثل تحويلات الجالية أو مداخيل السياحة والفوسفات، تضطر الدولة للجوء إلى التمويل الخارجي، مما يزيد من خدمة الدين ويضغط على الميزانية.

    كما أن تآكل الاحتياطات يؤثر سلبا على التصنيف الائتماني، ويضعف قدرة المغرب على مواجهة الصدمات الخارجية. لذلك، فإن استمرار العجز دون معالجة هيكلية قد يؤدي إلى ارتفاع الدين العام وضعف الاستقرار المالي.

    ما هي العلاقة بين العجز التجاري واحتياطي العملة الصعبة؟ وهل يشكل العجز تهديدا للاستقرار المالي؟

    العلاقة بين العجز التجاري واحتياطي العملة الصعبة علاقة مباشرة. فكلما ارتفع العجز، ارتفع الضغط على الاحتياطي، خصوصا إذا لم تتم تغطيته عبر تحويلات مالية خارجية.

    رغم أن المغرب حافظ في السنوات الأخيرة على مستوى مريح من الاحتياطات بفضل تحويلات الجالية وعائدات السياحة، فإن استمرار العجز قد يعرض هذه الاحتياطات للخطر في حال وقوع صدمات خارجية.

    من حيث الاستقرار المالي، فإن العجز لا يشكل تهديدا فوريا إذا كانت الاحتياطات كافية لتغطية عدة أشهر من الواردات. لكن استمرار العجز وتآكل الاحتياطات قد يتحول إلى تهديد حقيقي، لذلك فإن التحكم فيه مسألة حيوية.

    ما هي الاستراتيجيات الممكنة للحد من العجز التجاري؟

    تقليص العجز التجاري يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على:

    • دعم تنافسية الصادرات عبر الجودة والابتكار وخفض التكاليف

    • تنويع الأسواق التصديرية خارج أوروبا

    • تطوير الصناعات التحويلية لرفع القيمة المضافة

    • تشجيع إحلال الواردات بصناعات محلية في الأدوية والطاقات المتجددة والمواد الغذائية

    • تحفيز البحث والتطوير وربط التكوين المهني بالاحتياجات الصناعية

    • تطوير اللوجستيك وخفض كلفة التصدير

    • مراجعة بعض اتفاقيات التبادل الحر لضمان التوازن ومنع الإغراق

    كيف يمكن للمغرب الاستفادة من اتفاقيات التجارة الدولية للحد من تأثير العجز التجاري؟

    يمكن للمغرب الاستفادة من الاتفاقيات التجارية لتوسيع أسواق صادراته، وجذب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التصديرية. لكن الاستفادة الحقيقية تتطلب تعزيز التنافسية، وتفعيل آليات مراقبة التوازن، وتفادي الإغراق.

    كما يجب مراجعة بعض الاتفاقيات غير المتكافئة، وتحويل الانفتاح إلى فرصة لتعزيز الصادرات، بدلا من أن يكون مصدرا للعجز.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الناشط الحقوقي الإسباني ألتاميرانو لـ »تيلكيل عربي »: حقوق الأطفال تنتهك بتندوف ويجب تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية

    في سياق انعقاد الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف ما بين 8 شتنبر الجاري و8 أكتوبر، وما رافقها من نقاشات مكثفة حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الفئات الهشة ومنها الأطفال، تبرز من جديد قضية الأطفال في مخيمات تندوف كملف إنساني يثير قلقا متزايدا لدى المنظمات الحقوقية والهيئات الأممية.

    وفي هذا السياق، حاور « تيلكيل عربي »  الناشط الحقوقي والسياسي الإسباني بيدرو إغناسيو ألتاميرانو، رئيس مؤسسة « ألتاميرانو » ، الذي وصف مخيمات تندوف بأنها « مراكز اعتقال غير قانونية »، مؤكدا أن الأطفال هناك يتعرضون لانتهاكات ممنهجة، من التجنيد والحرمان من الجنسية إلى الاستغلال الجنسي والعمل القسري.

    وشدد ألتاميرانو على أن هذه الممارسات تشكل خرقا صارخاً للمواثيق الدولية، داعيا المجتمع الدولي إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية.

    ـ في تصريحاتكم السابقة في جنيف، وصفتم مخيمات تندوف بأنها « مراكز اعتقال غير قانونية ». كيف تنظرون إلى الوضع الإنساني للأطفال الذين يعيشون هناك؟

    إن الاحتجاز غير القانوني هو حرمان من الحرية يتم دون استيفاء الشروط القانونية المقررة، وهو بذلك يشكل انتهاكا للحقوق الأساسية المنصوص عليها في المادة 13 من ميثاق الأمم المتحدة. وكما نوثق في تقاريرنا، فإن اللاجئين في المخيمات يعانون من قيود على حرية التنقل، سواء كانوا بالغين أو أطفالا، وهذا ما يبرر بشكل واضح كون مخيمات تندوف ليست في جوهرها مخيمات لاجئين، وإنما معسكرات اعتقال أو مراكز احتجاز غير قانونية تنتهك فيها بشكل متواصل الحقوق الأساسية للأشخاص.

     ـ أشرتم إلى تجنيد الأطفال واستخدامهم عسكريا، ما أبرز الانتهاكات التي ترصدونها بحق هؤلاء الأطفال من منظور حقوق الإنسان؟

    القتل، والتشويه، والاختطاف، والعنف الجنسي، والتجنيد في الجماعات المسلحة، والهجمات على المدارس والمستشفيات والمنشآت الحيوية للمياه،  جميع هذه الممارسات هي انتهاكات يتعرض لها الأطفال في مناطق النزاع حول العالم  بشكل مرعب، وبشكل خاص في مخيمات تندوف.

    وفي هذا الصدد، ينص البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة بوضوح على أن ترفع الدول الأطراف الحد الأدنى لسن التجنيد الطوعي في القوات المسلحة الوطنية فوق السن المحدد في الفقرة الثالثة من المادة 38 من الاتفاقية، مع الإقرار بأن الأطفال دون الثامنة عشرة لهم حق الحماية الخاصة.

    كما تنص المادة الرابعة بشكل صريح على أن الجماعات المسلحة غير التابعة لدولة لا يجوز لها، تحت أي ظرف، أن تجند أو تستخدم في الأعمال العدائية من هم دون الثامنة عشرة.

    وبناء على هذه المقتضيات الدولية، وبالنظر إلى الخروقات المتواصلة لجبهة البوليساريو، يمكن القول بوضوح إن جميع حقوق الأطفال في المخيمات تنتهك بصورة ممنهجة.

    ـ تحدثتم عن حرمان الأطفال من الجنسية، ما هي الآثار القانونية والاجتماعية لهذا الحرمان على حياتهم ومستقبلهم؟

    تنص المادة 15 من ميثاق الحقوق بوضوح على أن لكل شخص الحق في الجنسية، ولا يجوز حرمان أي شخص منها تعسفا ولا من حقه في تغييرها.

     وفي مخيمات تندوف، يعيش الأشخاص هناك فعليا بلا وطن، محرومين من جنسيتهم المغربية، ويفرض عليهم، في حالات كثيرة، جواز سفر جزائري في مخالفة صريحة للحق والقانون.

    والأخطر من ذلك أنه حتى عندما يتمكن بعضهم من الحصول على الجنسية الإسبانية وجواز سفر قانوني، يعاملون في المخيمات كمختطفين، حيث تسلب منهم وثائقهم ولا يعترف بجنسيتهم الجديدة.

    وتزداد خطورة الوضع بالنسبة للأطفال المشاركين في برنامج « عطلة في سلام »، إذ تستقبلهم أسر إسبانية للرعاية والتربية والاندماج، ويحصل بعضهم على الجنسية الإسبانية، لكن بمجرد عودتهم إلى المخيمات لزيارة عائلاتهم، يحتجزون وتسحب منهم جوازات سفرهم. وهو ما يتركهم بلا حاضر ولا مستقبل، بعد أن جرى انتزاع هويتهم الطبيعية.

    كل ذلك يشكل خرقا واضحا لميثاق حقوق الأمم المتحدة، ويمثل جرائم تستوجب العرض على المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يجري حاليا النظر فيه من قبل الدائرة القانونية لمؤسسة « ألتاميرانو » التي أرأسها.

    ـ أشرتم إلى حالات استعباد جنسي وعمل قسري للأطفال. كيف يمكن للهيئات الدولية التدخل لحماية هؤلاء الأطفال بفعالية؟

    في افتتاح الدورة الستين الحالية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ألقى مفوض الأمم المتحدة السامي الجديد لحقوق الإنسان السيد فولكر تورك خطابا أكد فيه أن ميثاق حقوق الإنسان يجب أن يسمو على الدساتير الاستبدادية والأنظمة الديكتاتورية والحكومات التي لا تحترم الحقوق الأساسية، وأن على المجتمع الدولي أن يتحرك بكل الوسائل المتاحة بموجب واجب الحماية.

    وهذا نداء صريح إلى الحكومات والمجتمع المدني كي لا يظلوا صامتين أو سلبيين، بل أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية في التنديد والتدخل حيثما تنتهك هذه الحقوق.

    وأعتقد أنه آن الأوان لإعلان جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، وللاعتراف بمخيمات تندوف كمراكز اعتقال غير قانونية، وإلزام الحكومة الجزائرية بوقف دعمها لها.

    ـ بحسب متابعتكم، ما العلاقة بين تجنيد الأطفال والجماعات الإرهابية في المنطقة أو إفريقيا، وكيف يمكن مواجهة هذه المخاطر ضمن إطار حقوق الطفل؟

    العلاقة واضحة وجلية،  فمخيمات تندوف اليوم تعد بمثابة أكاديمية لإعداد أطفال لا كجنود فحسب، بل كإرهابيين محتملين.

    بعض قادة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات المرتبطة بداعش، هم من الصحراويين الذين جرى تدريبهم منذ الطفولة في هذه المخيمات.

    يتعرض هؤلاء الأطفال لبيئة عسكرية مشبعة بالتلقين الإيديولوجي منذ سن مبكرة، وفي ظل غياب التعليم الحر وفرص التنمية والحماية الطفولية، تفتح أمامهم مسارات نحو الإرهاب.

    وعندما ينتهي الأمر بطفل كقائد أو مقاتل في جماعة إرهابية، فإن الأمر لا يقتصر على وجود مسؤولية جنائية فردية عند بلوغه سن الرشد، بل يكشف أيضا عن خلل سابق في نظام حماية الحقوق، وهو خلل يتعين منعه منذ البداية عبر المنظمات الدولية.

    ـ ما هي التوصيات القانونية والإنسانية التي توجهونها إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لحماية الأطفال ومنع هذه الانتهاكات؟

    التوصيات واضحة وبسيطة: أن يطالب المجتمع الدولي الأمم المتحدة بإلزام الدول الأعضاء بالامتثال الكامل لميثاق الحقوق، وأن تتخذ إجراءات صارمة ضد كل من يخرق هذا الميثاق رغم عضويته في المنظمة، مع إحالة المسؤولين عن تلك الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية.

    إقرأ الخبر من مصدره