Catégorie : حوارات

  • خبير لــ »تيلكيل عربي »: سبع سنوات عجاف وراء اشتعال حرائق الشمال

    تشهد المناطق الشمالية ارتفاعا في وتيرة حرائق الغابات خلال فصل الصيف، آخرها الحريق الذي عرفه إقليم تطوان يوم أمس، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة حول الآثار المباشرة لهذه الحرائق على المستوى  الصحي والاقتصادي والبيئي، وكذا حول السبل الكفيلة بالتصدي لها وتعزيز حماية الغطاء الغابوي.

    في هذا الحوار مع « تيلكيل عربي »، يسلط زين العابدين الحسيني، أستاذ جامعي وباحث في مجال التشريع البيئي والتنمية المستدامة، الضوء على أبعاد هذه الظاهرة وسبل مواجهتها.

    كيف تفسرون ارتفاع الحرائق في المناطق الشمالية إلى جانب باقي الحرائق المسجلة في مختلف جهات البلاد؟

    لا شك أن السنوات العجاف الأخيرة، التي وصلت هذه السنة إلى سنتها السابعة، قد خلفت آثارا كثيرة على البيئة ببلادنا وفي مقدمتها انخفاض نسبة الرطوبة على مستوى الغابات والأحراش والنباتات المختلفة، وهي ظاهرة رفعت بطبيعة الحال من احتمالات حدوث حرائق الغابات في عدة مناطق، خصوصا في المنطقة الشمالية، أو ما يعرف إداريا بجهة طنجةـ تطوان ـ الحسيمة.

    هذه الحالة المناخية والبيئية لا تقتصر على بلادنا فقط، بل تخص المحيط المتوسطي بكامله، ففي هذه الأيام، تشهد فرنسا نحو عشرين حريقا، والبرتغال خمسة حرائق، منها بعض الحرائق الضخمة والعاتية التي استعصت على كل جهود الإطفاء، فضلا عن حرائق أخرى في إسبانيا، واليونان، وجنوب إيطاليا، وكذلك في تركيا التي تعرف حرائق غير مسبوقة في الغابات الموجودة في الجانب الأوروبي من الجمهورية التركية.

    هذا الواقع انعكس، أيضا، على المنطقة الشمالية من بلادنا، حيث بدأت حرائق الغابات بشكل مبكر هذه السنة، بالنظر إلى موجات الحرارة التي سجلت منذ نهاية ماي وبداية يونيو.

     فقد تم تسجيل، خلال النصف الأول من السنة، أكثر من نصف مجموع الحرائق التي عرفها المغرب، حيث بلغ عددها 54 حريقا أتت على ما يزيد على 264 هكتارا من الغطاء الغابوي بمختلف أنواعه، ونصف هذه الحرائق تم تسجيله في وقت مبكر، قبل المرحلة المألوفة المتمثلة في شهري يوليوز وغشت.

    وقد شهدت الجهة حرائق منذ شهر أبريل إلى غاية نهاية يونيو، حيث احتل إقليم تطوان المرتبة الأولى جهويا ووطنيا من حيث عدد الحرائق الغابوية، بـ 18 حريقا أتت على 112 هكتارا، يليه إقليم شفشاون بـ 9 حرائق، وقد تتغير هذه الرتبة بالنظر إلى الحرائق المسجلة حاليا في 10 و 11 و12غشت بمنطقتي دردارة والكراخة، وهما منطقتان غابويتان معروفتان بثروتهما  الطبيعية، خصوصا في نوع الأشجار التي يصعب تعويضها، ما يجعل الخسائر البيئية كبيرة جدا.

    كما بلغ عدد الحرائق المسجلة بهذه الجهة 10 حرائق، مع تزايد احتمالات توسعها، في حين شهدت تطوان خلال اليومين الأخيرين حريقين، أحدهما بمنطقة بنقريش، والآخر بمنطقة مجاورة لجبل غرغيز، فيما سجلت عمالة  طنجةـ أصيلة 7 حرائق.

    وتتوالى هذه الحرائق في بلادنا، كما تتوالى في عدة مناطق من العالم، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وجنوب شرق آسيا، نتيجة نسبة الاحترار، وعدم انتظام التساقطات، وندرة المياه، وانخفاض نسبة الرطوبة، فضلا عن العامل البشري وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، خاصة خلال رحلات الاستجمام في الصيف، وبعضها يكون متعمدا لأسباب مختلفة، مثل البحث عن مجالات للتوسع العمراني.

    ما الآثار الصحية والاقتصادية والبيئية المترتبة عن حرائق الغابات؟

    هذه الحرائق تمثل خسارة تصيب « رئة » البشرية  والمراكز الحضرية، بما يهدد الصحة العامة، خاصة بالنسبة للمسنين والأطفال ومرضى القلب والشرايين والجهاز التنفسي، كما أن الكلفة المادية والخسائر التي تتكبدها الجماعات الترابية كبيرة، حيث تعتمد على الغابة ومنتوجاتها كالفلين والخشب كمورد اقتصادي مهم.

    يضاف إلى ذلك أثر الدخان الكثيف على جودة الهواء، وانتقاله إلى مناطق أخرى بفعل الرياح العاتية، مما يسبب تلوثا إضافيا، فضلا عن نفوق أعداد كبيرة من الكائنات الحية، مثل الأرانب البرية والطيور والحيوانات الأخرى، خصوصا خلال مواسم التوالد، وهو ما يؤثر بشكل أكبر على الأصناف المهددة بالانقراض.

     كما تتضرر أنشطة تربية المواشي والمناحل، التي تواجه خسائر كبيرة في غياب سياسات استباقية أو أنظمة تأمين تأخذ هذه المخاطر بعين الاعتبار، ما يؤثر على مصادر الدخل وفرص الشغل في البوادي والقرى، ويزيد من الهجرة نحو المدن.

    ما السبيل  لمواجهة هذه التغيرات المناخية  من أجل حماية الغطاء الغابوي؟

    بصفة عامة، نحن مدعوون اليوم إلى التعايش مع هذه الظواهر المناخية، مثل الارتفاع المستمر في درجات الحرارة، الذي كان في السابق يظهر دوريا، وأصبح اليوم ظاهرة قارة.

    ففي بلادنا يهيمن المنخفض الحراري الصحراوي على الجنوب الشرقي ويمتد إلى السهول الفلاحية  المعيشية المهمة للأمن الغذائي.

     لذا أصبح من الضروري التفكير جديا في وضع استراتيجية وطنية لمواجهة التبخر الناتج عن هذه الموجات الحرارية العاتية، والحفاظ على الغطاء الغابوي وحمايته عبر اعتماد جميع الوسائل، من الإنذار المبكر إلى تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق، لأن الغابة ثروة أمة ومستقبلها، وصحة الأجيال القادمة وعيشها رهينان بصيانة الوسط البيئي، وهو جوهر التنمية المستدامة.

    على ذكر تشديد العقوبات هناك مشروع قانون يتعلق  بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة معروض حاليا لدى الأمانة العامة للحكومة، كيف ترون تطور مسار التشريع في مجال حماية الغابات من الحرائق ؟

     

    لحماية الغابات، لا بد أن يؤخذ الجانب التشريعي بعين الاعتبار، لأن تشديد العقوبات وحماية هذه الثروة الوطنية أمر أساسي يتطلب وضع الهياكل القانونية والإدارية وأجهزة المراقبة المناسبة، حتى نتمكن من حماية الغابات، وبطبيعة الحال الضرب على أيدي من يستهين بهذه الثروة الوطنية ويعرضها للتلف.

    في إطار هيكلة ومأسسة هذا المرفق، عرف المغرب تطورات مؤسساتية على هذا المستوى، حيث كانت المياه والغابات في السابق تابعة لوزارة الفلاحة، ثم أصبحت مندوبية سامية، والآن تحولت إلى الوكالة الوطنية للمياه والغابات.

     هذا التغيير رافقه تعديل على المستوى التشريعي، وعلى مستوى هيكلة المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، وتحديد المجالات الترابية ومناطق النفوذ للمندوبيات والهيئات الجهوية والوطنية، إضافة إلى وضع تشريع مناسب يمنح الوسائل اللازمة لهذه المؤسسات، وللعاملين فيها وأعوانها، حتى يتمكنوا من القيام بمهامهم على أحسن وجه.

    وفي هذا الإطار، تم إعداد مشروع قانون يتعلق  بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة، وهو حاليا، على ما أعتقد، لدى الأمانة العامة للحكومة، في انتظار إحالته على مجلس الحكومة، لعرضه خلال  الدورية الخريفية، ونأمل أن يشكل إضافة ودعما لحماية الغابات والحفاظ عليها، حتى نظل دائما، كما هو الحال في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، في مقدمة الدول التي تعطي لهذا الموضوع الأهمية اللازمة.

    إلى أي حد يمكن اعتبار السلوك البشري  يساهم في اندلاع حرائق الغابات، وما السبل الكفيلة بالحد من آثاره؟

    لمزيد من التدقيق حول تحديد المسؤوليات في هذا المجال، أود أن أوضح أن الحرائق التي تحدث في عدة مناطق من بلادنا، وما يترتب عنها من تبعات وخسائر، ترجع في الغالب إلى سببين رئيسيين:

    السبب الأول هو الأسباب الطبيعية، مثل المخلفات الموجودة في الغابة كقطع الزجاج وغيرها من المواد القابلة للاشتعال، أو بعض الحيوانات التي قد تكون سببا في اندلاع النيران.

    أما السبب الثاني فهو السبب البشري، حيث أظهرت عدة قضايا أن العامل البشري كان وراء الكثير من حالات الحرائق، سواء نتيجة الإهمال أو الممارسات غير المسؤولة.

    وبطبيعة الحال، هناك متابعات قضائية في هذا المجال، وهناك أيضا توجه، كما سبق أن ذكرت، نحو تشديد العقوبات، لكن الأمر لا يقتصر على الجانب الزجري فقط، بل يتطلب أيضا عملا تحسيسيا واسع النطاق، يشمل جميع المستويات التعليمية، سواء الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية، إضافة إلى انخراط المجتمع المدني الذي يشتغل في هذا القطاع للقيام بدوره كاملا، كما أن وسائل الإعلام مطالبة ببذل جهد أكبر، بحيث لا تقتصر على بث النداءات أو الإعلانات، وإنما تقدم للمواطنين، عبر برامج هادفة ومتخصصة، شرحا وافيا للخسائر التي تسببها هذه الحرائق على مستوى الصحة البشرية، وعلى التوازن البيئي، وما لذلك من عواقب وخيمة على الحاضر والمستقبل، وعلى حياة الأجيال القادمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حمودي: المواقف العربية لا تتناسب مع « محرقة » إسرائيل ضد الفلسطينيين


    حاوره: وائل بورشاشن

    في أحدث حوارات عالم الأنثروبولوجيا المغربي عبد الله حمودي، الأستاذ البارز في جامعة برينستون الأمريكية، يقدم قراءته للإبادة الجماعية للفلسطينيين التي يفسر سبب انتقالها إلى درجة “التجويع” و”الإبادة البيولوجية”، كما ينبه إلى التغيّر الجاري في قلب العالم وساحاته باختلاف لغاتها ومجالاتها بفضل القضية الفلسطينية، وما أبرزته الحرب “القيامية” الإسرائيلية الأمريكية ضد غزة وعموم الشعب الفلسطيني.

    المدير المؤسِّس لمعهد الدراسات عبر الإقليمية للشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى بجامعة برينستون من بين الوجوه الأكاديمية التي قادت بجامعات أمريكية حملات مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، بفعل تواطئها في دعم السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ويقدم في هذا الحوار رأيه في النقاشات الدائرة بالمنطقة الناطقة بالعربية، والمنطقة “الأوروبية”، ويقترح سبلا سلمية جديدة من أجل التشبث بحقوق الإنسان في فلسطين والعالم ووقف الإبادة، وعقد جديد يوصل مطالب مغاربةٍ إلى السياسات العمومية لبلدهم.

    وعبد الله حمودي من أبرز الوجوه البحثية الأكاديمية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وتقرأ أعماله بلغات من بينها العربية والإنجليزية والروسية والفرنسية والألمانية والإيطالية…

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ولا تقتصر بصماته الأكاديمية على الولايات المتحدة، بل تحضر على سبيل المثال في “المعهد الزراعي” بالرباط، و”جامعة السوربون” الفرنسية، “ومعهد الدراسات المتقدمة” في برلين، و”كرسي راجني كوثري للديمقراطية بمركز دراسة المجتمعات النامية” في نيودلهي، وقد ارتبط اسمه أكاديميا بكتب أبرزها “الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة”، وهذا نص حواره مع جريدة هسبريس الإلكترونية:

    -كيف تتابع الوضع الراهن المنتقل من الإبادة الجماعية إلى تجويع إسرائيل ساكنة غزة حيث يموت فلسطينيونَ جوعا؟.

    حرب الإبادة سائرة قبل التجويع، فقد شُنت على غزة والفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023. ونتذكر خطاب نتنياهو الذي تحدث فيه عن الانتقام، وجميع الوسائل الممكنة لأخذ الثأر، وحل مشكل غزة؛ فبدأت ماكينة الحرب، وشنت حربا على كل مستويات الحياة. والإبادة كانت مبرمجة منذ الأول، وبدأت في الخطاب الذي تحدث فيه عما يريد القيام به وجيشه، واتهم به الفلسطينيين، من قتل للأطفال… وصوّر خروجهم للهجوم على مهرجان موسيقي، على أنه هجوم على الثقافة، لا كما هو الأمر، وهو الهجوم على المستوطنات.

    منذ ذلك أتت الماكينة الإسرائيلية على الأخضر واليابس، واستعملت السلاح البري والبحري والجوي، والاغتيال في البيوت، والعمارات، دون أي تفرقة بين المدنيين ومسلحي المقاومة الفلسطينية. أي إنهم أعطوا لأنفسهم حرية ضرب الجميع، ومن بعد تبين طبعا أن ما سميت الحملة العسكرية كانت بمستوى “قيامي”، ولا يوجد أي تناسب بينها وبين ما قام به الفلسطينيون يوم 7 أكتوبر، وكأن القيامة قامت، وهو عدم تناسب بدرجة لم نكن نتصورها. وكان ظاهرا أنها حملة ليست للقضاء على حماس كما قيل، بل للقضاء على شعب بكامله.

    حماس هي شعب كله متضامن مع المقاومة، وشعب كله متضامن مع حريته، لا للقضاء على الإسرائيليين، فليست له إمكانات نتنياهو للحلم بذلك، بل هو يبحث عن حريته، في غزة المسيجة.

    دائما من جانب نتنياهو وحكومته وغالبية الرأي الإسرائيلي ما روجوا مقولات زائفة، وإشاعات من قبيل قتلِ الأطفال والعجزة. طبعا نقول إذا كانت هناك تجاوزات في قانون الحرب، قام بها من أسقطوا الجدار وخرجوا، عندما يتفق الناس على وقف الحرب يُنظر في مثل هذه القضايا. لكن المهم أن الجيش الإسرائيلي بكل مكوناته وأطره كان قائما للقضاء على الفلسطينيين، ورُوج أن كل فلسطيني هو “حماس”، وأقحمت الحاضنة الشعبية من الأول في ما يجب القضاء عليه عسكريا.

    رواية الجيش والحكومة الإسرائيلية تبدأ كل شيء من 7 أكتوبر، مثل خلق آدم، وكأن لا شيء قبل ذلك، لا 1948، لا النكبة، ولا الاستيطان، ولا ما كان الإنجليز يسمونه إرهاب المنظمات الصهيونية. هذا كلام يحاول منع ذكر ما فُعل بالفلسطينيين وفلسطين قبل 7 أكتوبر.

    التجويع مرحلة من مراحل الإبادة، وهو أقصاها، ووراءه تظهر محاولة قتل جماعي أو ترحيل أو … فالتجويع أفظع، ويضرب مكونات المجتمع الفلسطيني بكامله في غزة، ولا يستثني شيئا، وهو مختلف لكنه يتكامل مع الوسائل الأخرى التي جاءت قبله للقضاء على الشعب الفلسطيني.

    – بعد 7 أكتوبر 2023، في دجنبر وجهت رسالة مفتوحة للجميع، وخاصة لملك البلاد، لوقف الكارثة المسلطة على غزة بدعم أمريكي وأوروبي وتنفيذ إسرائيلي، لماذا اخترت وسيلة النداء؟.

    وسيلة النداء لها مبررات. أنا من دعاة الإصلاح، وهذا الإصلاح كما أقول دائما يبدأ بالمؤسسة المحورية التي هي المؤسسة الملكية. وخلافا لبعض التيارات، أؤمن بالملكية البرلمانية، وأؤمن بأن الملكية صنعها المغاربة والمغربيات، وهم رجال ونساء، لا غيرهم، ولا يمكن أن يفرض عليهم أحد من الخارج الإصلاحات، بل ينبغي أن تنبع منهم.

    هذه المؤسسة المحورية هي رمز وحدة البلاد، وبما أن رئيسها هو العاهل المغربي، وهو من يدافع عن حوزة الوطن، ويمثل الاستمرارية، وقد سبق أن كتبت هذا، فأنا واحد من الرعية أتوجه له باحترام، وأقول الأشياء التي يعرفها طبعا… وأطلب أن يسحبنا من كارثة التطبيع، ولا أعرف طبعا الإكراهات المحيطة، ولذلك قلت بتجميد التطبيع لا إلغاءه.

    لكن، اليوم يظهر أننا ينبغي أن نذهب إلى ما هو أبعد من التجميد؛ فالموقف الذي نحن فيه الآن غير مسبوق، موقف راديكالي من جهة حرب الإبادة، والتجويع، وقبله أشياء أخرى فظيعة. وأقول إن هذا ينبغي أن يناقش جهرا، لتُنقذ المؤسسة المحورية المغربيات والمغاربة من هذه الكارثة.

    -هل مواقف المنطقة الناطقة بالعربية متناسبة مع حجم ما يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد غزة بإسناد أمريكي، بما في ذلك “جامعة الدول العربية” ومواقف “السلطة الفلسطينية”؟.

    لا يوجد تناسب أبدا، ولنر الدول المطبعة مع إسرائيل. أضعف الإيمان هو أن هذا الصمت المطبق على حرب الإبادة والتجويع غير مفهوم لي؛ فلا يوجد تناسب. طبعا لم أتابع جميع الدول، لكنني مثلا أقرأ عن الجزائر، التي لها خطابٌ، وتشارك مراتٍ في مجلس الأمن، وتعضد ملف جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية؛ غير أني لم أتابع تصريحاتٍ في الجزائر. لكن أقول إن الموقف على كل حال في الدول العربية كلها ضعيف.

    لكل دولة إكراهاتها، لكن يظهر أنه يوجد هامش، كان يمكن أن يمكّن كل دولة بإكراهاتها من التعبير عن شيء، حول الجوع كوسيلة حرب ضد الفلسطينيين. هذا فظيع. وحتى الدول مثل المغرب، التي لها علاقات وثيقة مع أمريكا، وسبق أن قلتُ إن عندها هامش، لأن عندها شعب وجيش، وطبقة مثقفة، ورصيد جيو سياسي وإستراتيجي بفعل موقعها، ولها علاقات عريقة مع أوروبا…

    توجد عوامل عديدة تمكن الدول العربية من عدم التماهي أو عدم الصمت.

    -مجموعة من الدول الأوروبية وأمريكا، باستثناء إسبانيا وإيرلندا، ترى الحرب على غزة حرب مفاصَلة. كيف تقرأ هذه المواقف الأوروبية والأمريكية الرسمية، خاصة أنك تقطن بين الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب؟.

    الولايات المتحدة الأمريكية في تعاون وثيق مع إسرائيل. وكيفما كان الحال يلزم أن تحلل الخطابات التي تنشرها الولايات المتحدة ورئيسها وحكومتها. لكن في الحقيقة أنه من أيام جو بايدن (الرئيس الأمريكي السابق من الحزب الديمقراطي) ظلت الولايات المتحدة في تعاون وثيق مع إسرائيل، وتساعدها بأجَد الأسلحة وأقصاها فتكا.

    لكن مع الجمهوريين قاطبة، والرئاسة الجديدة للولايات المتحدة، كان هذا التحالف ظاهرا للكل في الولاية الأولى، حيث عينوا سفيرا صهيونيا بافتخار، واعترفت أمريكا لأول مرة بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل. وكان صهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، وهو رجل قوي، من زار الرباط من أجل الإعداد لاتفاق إبراهيم، المسمى أبراهام، وأرى صور لقاءاته.

    سياسة الحزب الجمهوري لا تحتاج مكبرا لرؤيتها. والآن تعمق هذا وزاد في جميع المجالات، وخاصة في وسائل الحرب والدعاية والتمويلات، التي بعد أي مطالعة للصحف العالمية، والأمريكية خاصة، مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”. وبادرت الرئاسة (دونالد ترامب) بتعيين سفير ينفي تماما وجود شعب فلسطيني؛ فالسفير هاكيبي كان له برنامج خاص، يقول فيه إن تلك أرض ميعاد، ولا توجد إلا يهودا والسامرة، فلا وجود بالنسبة له للضفة الغربية. ولم أسمع حكومة عربية أو رئيس دولة عربي، أو حتى مؤسسات شبه رسمية أو رسمية، قالت كلمة حول هذا.

    طبعا توجد الإكراهات والضعف، والعلاقات الاقتصادية الكبيرة، ويوجد تجذر العلاقات السياسية والاقتصادية في دول قوية بالمنطقة مثل السعودية، وتوجد طبعا القواعد العسكرية الأمريكية، والاتفاقيات المبرمة منذ زمن طويل، وتعميقها.

    لكن يمكن لكل شخص رغم هذه الإكراهات أن يقول إن معاملة الشعب الفلسطيني في هذه الحرب ينبغي أن تكون لها حدود.

    – في السياق نفسه أستاذ حمودي، خلال هذه الحرب على غزة تكرر مصطلح “ازدواجية المعايير” في التعامل الأوروبي الغربي، خاصة بين روسيا خلال حربها على أوكرانيا والحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين. لكن هناك من أجاب بأن هذه ليست “ازدواجية في المعايير”، بل هي “المعايير” في حد ذاتها؛ أي اعتبار قيمة الإنسان “الأوروبي” ومن مع المصالح “الأوروبية” ليست مثل قيمة باقي الناس، وهو ما ينسحب على استقلالية الإنسان، والدول، والحق في الرأي، بما في ذلك حرية الصحافة؛ فقبل 7 أكتوبر كنا نرى لاعتقال الصحافيين صدى عالميا كبيرا، وهو أمر ضروري، بينما اليوم قتلت إسرائيل أزيد من مائتي صحافي فلسطيني وصحافيين لبنانيين، وفق إحصاءات “منظمة مراسلون بلا حدود”، في رقم غير مسبوق، مع صمت عجيب جدا. هل نعاني من ازدواجية المعايير؟ أم إن المعايير أصلا هي عدم وجود مساواة بين الإنسان في ذهنية من يقودون مجموعة من الدول الأوروبية، وفي أمريكا ولو اختلفت القيادة الحزبية ‘ديمقراطية’ أو ‘جمهورية’؟.

    هذا سؤال مهم جدا. طبعا يوجد مستوى جواب يقول إن هناك كيلا ظاهرا بمكيالين. فالحرب الأوكرانية مع روسيا كانت منذ الأول من أولويات الحلف الأطلسي، وأوروبا الغربية. وسأحكي لك حكاية صغيرة في هذا السياق.

    جاءت للرباط امرأة من فرنسا أعرفها منذ القديم، وكانت تقدمية عاشت عائلتها في الرباط، لكن في عشائنا لم ترد الحديث إلا حول أوكرانيا، فقلتُ لها مع صديق آخر إن أوكرانيا بدأت حياتها المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفيها مصالح أوروبية، ومصالح “الناتو” الأمريكية الألمانية الفرنسية خاصة. كما قلت إنني لا أفهم لماذا بدأت روسيا الحرب، لكن السؤال هو كيف أن أوكرانيا لما استقلت قبلت توجيه صواريخ الناتو نحو روسيا؟ فأية دولة عظمى تتنافس مع أمريكا ستقبل هذا رغم الفروقات؟ وعلقتُ بأن هذا تقصير في الحذر.

    – (مقاطعا) شيء شبيه بهذا وقع في أزمة الصواريخ الكوبية مثلا، إبان الحرب الباردة الأمريكية السوفياتية…

    أجل. ولما قلنا لهم إن هناك فاجعة فلسطينية خلقتها إسرائيل، وماكينة مستمرة للسحق منذ ما قبل سنة 1948، وما سمي استقلال إسرائيل الذي هو النكبة، في قاموس فلسطين الذي أتفق معه؛ كما قلتُ لها أنا أتفق على توقيع شيء ما حول أوكرانيا، لكن على أوروبا أن توقع، وأن توقعوا معنا، على شيء حول فلسطين… لما قلتُ هذا نهض الضيوف من العشاء، وقالوا لنا، بمن فيهم السيدة التي أعرفها منذ وقت قديم: “Vous êtes des salauds”، أي “أنتم أوغاد”. وهذا شتم كبير من أصدقاء قدماء.

    جوابا عن سؤالك أقول إن هناك قيمة داخلية للإنسان الأوروبي، والإنسان الإسرائيلي الذي هو شبه أوروبي، وهي قيمة تعلي دائما من شأن الإنسان والإنسانة الأوروبيين الأمريكيين، وخاصة الإنسان الأبيض، والحضارة الأوروبية، والثقافة الأوروبية، ولكل هذا قيمة داخلية، لا يصل إليها الإنسان العربي أو الفلسطيني.

    -(متفاعلا) أولا، الصهيونية إيديولوجية أوروبية بامتياز، كما قال أبراهام السرفاتي. وثانيا التلقي الأوروبي للمحرقة، مقارنة بجرائم أوروبية أخرى ضد الدول الإفريقية والأمريكتين، ومنها تأسيس أمريكا على إبادة شعوبها الأصلية. وهنا أستلهم ما قاله إيمي سيزير، وهو أن اعتبار “الهولوكوست” الفاجعة الأكبر له علاقة بما قام به أوروبيون ضد أوروبيين آخرين، أي كيف مارس الأوروبيون هذا على من هم مثلهم. بينما الجرائم الأوروبية الأخرى، ولو تعددت وعبرت القرون وأودت بضحايا أكثر، فإنها تبقى في ظِلّ الجريمة التي طالت أوروبيين من طرف أوروبيين آخرين. ما رأيك؟.

    يظهر لي أني متفق تماما مع هذا، وسبق أن قرأت نص إيمي سيزير حول الأمر.

    بمعنى أن السؤال الأوروبي هو كيف وصلنا إلى ممارسة المحرقة ضد أوروبيين آخرين؟ والمبطن في هذا هو أن ممارسة هذا ممكنة ضد الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، حيث توجد الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعرضت لإبادة ومسح جسدي وثقافي، وهي إبادة صارت عادية، بل إن السينما الأمريكية التي هي ماكينة طبّعت الناس معها… والناس يتحدثون عن الجيش، ولا يتحدثون عن هوليوود التي هي ماكينة الحرب الثقافية ضد ثقافة وحضارة الشعب الأصلي الذي سموه هنديا، وما سموها أمريكا التي صيّروها “لاتينية”.

    لا توجد السينما فقط، بل الاستشراق كله. أحد أكبر المستشرقين زميلي الراحل برنارد لويس كان فيه دائما مشكل الدفاع الراديكالي البروباغاندي الانتقائي… ولو أنه عالم كبير له اطلاع كبير على تاريخ الشعوب العربية، لكن له انتقائية لا يمكن أن تنتبه لها دائما، لأن خطابه يظهر مبنيا علميا، وهذا خاطئ.

    هذا شائع، فمثلا الجمعيات العلمية التي لعبت دورا كبيرا حول الشرق الأوسط والإسلام كانت تسيطر عليها شبكة برنارد لويس وأصدقاؤه في جامعات أخرى؛ وظاهرها العلم، إلى درجة أن العرب وغيرهم ممن درسوا عنده تشربوها.

    كنت عضوا في بعض هذه الجمعيات، وكنت أرى هذا. والمشكل أنهم أعضاء جامعات عريقة، والناس من العالم الثالث يحبونهم، من عرب وغيرهم.

    منذ كتابات إدوارد سعيد وغيره كان هناك جديد، لأنه كانت فيه منهجية جديدة، لها خاصية البحث بوسائل لغوية أخرى الفرضيات المبطنة في خطابِ مستشرقين، والفرضية المبطنة هي التفوق الأوروبي.

    كنت أتحدث مع برنارد لويس، وكنا نجلس، مع فارق السن، وكان يسألني: قلي ميدانا تفوق فيه العرب؟ وعندما أقول له تفوقوا في الفلسفة والرياضيات والجغرافيا في وقت، وكانت الإنجليزية اللغة العالمية في وقتٍ… وأريه كتبا حيث كان البحث في الرياضيات، لم تكن بينها هوة وبين الرياضيات الأوروبية، لكنها زادت بعد ذلك، وكنت أقول له إن ما علينا البحث فيه هو هذه الهوة. ويوجد تاريخ الحروب بين أوروبا والبلدان العربية، والإمبريالية، فيقول لي هذا غير موجود.

    كان برنارد لويس يسألني: هل اخترع العرب شيئا يشابه أو يمكن أن ينافس الموسيقى الكلاسيكية مثل موزارت وبيتهوفن؟ فأجيبه: لقد اخترعوا موسيقى أخرى، ولماذا تريدهم أن يخترعوا ما اخترعه سيباستيان باخ في بيئته؟! لكنه لم يكن يريد أن ينصت، حتى لو تحدثت معه عما يُستوحى في موسيقات أوروبية من العود العربي، وأن عليه تعلم الموسيقى ليفهم الأمر. لم أكن أقول له إن العرب سبقوا في كل شيء، لا بل سبقَنا من سبقنا، وعندنا ما عندنا… لكنه كان يغضب ويبدل الموضوع، ويعود بسؤال في جلسة خاصة أخرى، لأنه كان يريد البحث عن حاجة خاصة في العقل الأوروبي ولم يستوعبها المسلمون والعرب. وكنا نفترق على الأمر نفسه. هذا هو التعالي المبطن في أوروبا كلها.

    بعد الحرب العالمية، والستينيات والسبعينيات، كانت هناك مناقشات، وتقدمات فلسفية، حاولت الدفع بشمول في زمن النضال ضد الاستعمار، ولكن بقي هذا الأمر مزروعا داخل العقل.

    طبعا توجد تيارات أخرى اليوم مثل “الووك”، والجندر… ويحاربها اليوم تيار “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا”، لأنها داخلة في ثقافة التعددية. ويدافَع ويطبق الكيل بمكيالين صراحة من طرف التيار الجديد، بينما كان يمارسه برنارد لويس مبطنا.

    في أوروبا الغربية، وخاصة ألمانيا، الفلسفة الأوروبية كلها تقريبا غرقت… وكبار الفلاسفة الألمان الذين أعرفهم مثل هابرماس يدافعون عن سكوت ألمانيا عن الإبادة، أو لا يتكلمون. صوت هابرماس مُسح، وقد كان يعد من كبار فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وجاء من سلالة تقدمية مثل هوركهايمر وأدورنو، وقد غرق الآن وولّى.

    يمكن أن نقول إن العقل الأوروبي أغرق نفسه، بازدواجية المعايير، أما في فرنسا فقد غرق أيضا، ولا يمكن أن نعدّ أمثال آلان فينكلكروت وبرنارد هنري ليفي فلاسفة، فليس لهم رصيد فلسفي، عكس الجيل الذي قبلهم مثل سارتر ودولوز. لكن هؤلاء هم الظاهرون تلفزيا، ويسيّرون الرأي، بما فيه الفلسفي، والآخرون باهتون، ومعهم معظم الإعلام، والأوساط التي استولت على الاقتصاد والسياسة، وهذه فاجعة.

    الفكر الأوروبي، فكر إنساني مثل باقي الفكر، وكانت له عطاءات، لكنها تلاشت، وولّت. من سيثق اليوم بالفلسفة الأخلاقية الأوروبية مع هذا الكيل بمكيالين؟ لقد ولّت الثقة.

    -اشتغلت، أستاذ حمودي، من داخل مؤسسات أكاديمية قلت إنه يطبَع العديد من مثقفيها حكمٌ مسبق حول مركزية مركزٍ وهامشية بقية العالم. لكن كانت لك من داخلها مبادرات مثل الدعوة للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وهو ما جاء في وقت لاحق لأنه بعد اتفاق أوسلو كان لك اتجاه أكبر نحو “التقريب” وما سمي سلاما دون حرمان الفلسطينيين من حقوق الإنسان. ما الذي قادك للدفاع عن المقاطعة المنهجية للمؤسسات الإسرائيلية بوصفها مؤسسات متورطة في المس المنهجي بحقوق الفلسطينيين من الحياة وصولا إلى الدولة المستقلة؟.

    في كل حياتي لم أقبل الاضطهاد ضد فلسطين، بتحالف وتعاون مع القوة العظمى في القرن التاسع عشر التي هي بريطانيا، وبعدها أمريكا. لم أكن أقبل هذا فلسفيا منذ كنت تلميذا في الثانوي.

    سؤالك مهم. عندما تعبت من الحياة الأكاديمية في المغرب، وقد كنت في المعهد الزراعي، وكان من المؤسسات التي تعتني بها الدولة أيام المرحوم الحسن الثاني، وتكونت فيه طبقة من الأساتذة، وكنا نشتغل بشكل جيد، عندما تقدم المعهد نفسه، وصار مثل جامعة لكل التخصصات المرتبطة بالزراعة، وتفوق. وفي زمن المدير عبد الله البقالي كان مديرا يفهم، ولم يكن يتكلم كثيرا، وكانت له مواقف تحترم الدولة، لكن تريد أن تقدم باتزان شيئا يخدم البلاد.

    من بعد تلاشى هذا، وبدأ التضييق. وبعدما جاء الراحل الحسن الثاني لتقديم الشهادات للطلبة، وتشجيعهم والأساتذة، في مبادرة رائعة، وجدت في السنين الأخيرة أنه بدأ التضييق، وبدل الكلام على الإصلاح الزراعي صار الأمر تقنيا بالحديث عن الإصلاح الفلاحي، ولم يعد النقاش هو الإصلاح الذي يمكن أن يعم ويمكن أن يستفيد منه عامة المغاربة والمغربيات. وكانت مناظرة كبيرة مفتوحة، ونادوا علينا وعلى برلمانيين، واشتغلنا، وكانت اختلافات، وحاولنا الخروج بشيء لتقديمه لجلالة الملك، واستقبلنا وخطب فينا، وقال إنه أمر القرض لتمويل المشاريع الناجحة للإصلاح الفلاحي.

    ثم بدأت المبادرات الموجهة، التي يشارك فيها مستثمرون في زراعات مثل الموز، وأتت شخصيات رسمية تحرص على زراعة معينة، وتغيرت علينا الأمور. وكانت لي علاقة مع جامعات أوروبية، وخاصة فرنسا وإسبانيا، وكانت لنا برامج مع بعثة أمريكية تسهر على برامج شابات وشباب يعدون أطاريح دكتوراهم. وكنت آتي لأمريكا، وتترجم دراساتي، وأستقبل دعوات في جامعة نيويورك وجامعة برينستون. في ذلك الوقت استقبلت دعوات من رؤساء شعب للتدريس بالولايات المتحدة، فقلت سأدرس فصلا معكم لأن أجرتي لا تكفيني، لكن أريد دائما العودة إلى المغرب، لأن هدفنا مع بول باسكون وآخرين كان تعليم المغاربة والمغربيات.

    لكن، مع الضغط، وعندما لم تعد منح البحث مع الوزارات، وصارت توجّه إلى أناس آخرين، رغم بحثي في مشاريع من بينها مشاريع الوزارة الوصية نفسها، صار من الصعب إطاقة التهميش مع الوقت. فدرّست لفصل، ثم مع إلحاح وصدفة، بتزامن مع أوسلو، قلت إن الأمور قد تسير في اتجاه آخر، ولو أني لم أكن مطمئنا تماما لـ”أوسلو”، لكن قلت سيكون هناك ثلثا حق، أو نصف حق يمكن أن يطوره الناس، وسُمّيت في شعبة الأنثروبولوجيا وشعبة الشرق الأوسط.

    بعد ذلك تبين أن “أوسلو” كانت مجرد مرحلة، وبدأ الاستيطان يتم باسمها؛ وجاء حزب الليكود، ثم بدأ ينقضي كل ما في أوسلو في واضحة النهار.

    في شعبة الشرق الأوسط كنت أحضر بعد هذه المرحلة مناقشة ملفات أساتذة وأستاذات متفوقين في جامعات أخرى، لكن في الاجتماع كان يكون التصويت قويا، وأي أحد كانوا يشمون فيه ولو رائحة طلب العدل بين الفلسطينيين وإسرائيل لا يقبلونه، بوسائل شتى، فقدمت استقالتي من الشعبتين.

    عندما تبين أن أوسلو كانت بمثابة الخدعة المرحلية، لخدمة هدف القضاء على الفلسطينيين، وهي الفترة التي كان فيها إدوارد سعيد ضمن لجنة منظمة التحرير الفلسطينية، وقدم استقالته مع آخرين، وكان الدكتور المحترم عبد الشافي في مناقشات كامب ديفيد. وتبين أن لمنظمة التحرير خطين أحدهما سري لم يناقش مع الفلسطينيين المسمين رسميا من المنظمة بوصفهم المخاطب، مثل مناقشات إسرائيل اليوم حول غزة، أي فريق لا صلاحيات له، وفريق له قوة دولة إسرائيل، فيمكن بذلك التملص من الاتفاقات، بحجة أن أولئك مناقِشون دون صلاحية أخذ القرار.

    رئاسة الفلسطينيين، لأسباب ما لم تشعر، أو لا أدري… ولا أتهمهم بخيانة أو شيء لأن تلك هي السياسة. الأساس أن في “أوسلو” كانت بذرة الفشل، ولم نعٍ ذلك، لا أنا ولا أناس أكبر مني مثل إدوارد سعيد، ورأينا في البدايات أنه يمكن أن يكون خطوة أولى… لكنها كانت خطوة أولى لصالح خطوات أخرى إسرائيلية، والماكينة كانت مُعدة لطحن وبلع الفلسطينيين وأكثر ما يمكن من أراضيهم، والضغط عليهم، وسجنهم، وتعذيبهم، وخرق كرامتهم الإنسانية.

    لما عينت رئيسا للمعهد الإقليمي ببرينستون لمدة عشر سنوات أعطيت القضية الفلسطينية علنيا الأولوية، في المحاضرات واللقاءات المنظمة. ومثل المغرب، ما أفكر وأؤمن به أقوله علانية في أمريكا، فغيرت رأيي ولم أعد مع أوسلو، وهو ما ظهر في برامج المعهد عبر الإقليمي.

    – منذ بداية الحوار، أستاذ حمودي، تكرر حديثك عن “الإكراهات” وتفهمها. نرى في المغرب في السنة ونصف السنة الفارطة آلاف الاحتجاجات في مختلف المدن، وفي الوقت نفسه يُطرح سؤال الجدوى. من جهة، الرأي العام العالمي وصلته حقيقة الصراع على الأرض، لكن في الوقت نفسه يصطدم هذا بتجويع مستمر حاليا دون قدرة على إنقاذ أطفال عمرهم أيام يقتلون جوعا، ولا أحد يستطيع إنقاذهم ممن يرفعون أصواتهم ضد هذا. كيف ترون هذا التقابل بين الصوت المحلي المحتجّ في كل دولة من الدول والواقع المفروض من طرف القوى الكبرى للعالم، أو من لهم قدرة فرض رأيهم ورؤيتهم في العالم؟.

    أتفق معك، على استفسار ما بين القدرة والإكراهات. وفي مستوى العلاقة بين الدول طبعا الدول المهيمنة مازالت هي أمريكا وأوروبا. وهناك دول أخرى لها قوة، وصارت تتقاسم الهيمنة مع أمريكا، وهي الصين خصوصا، وقبلها روسيا، لكن الصين قوة شاملة. كما أن هناك دول البريكس ذات الوزن. لكن مازالت أعظم قوة عسكرية وأكبر سوق اقتصادية هي أمريكا، وفيها توجد الأموال التي تمكنها من شراء العالم بأكمله.

    سوق أوروبا وأمريكا هو الذي يسهم حتى في نمو الأسواق المناهضة مثل الصين، ومازال الدولار هو العملة.

    عندما أتحدث عن الإكراهات حول المغرب أو غيره فإن القوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية مازالت الولايات المتحدة ولو تراجعت؛ وقد كانت قمة عزها في الخمسينيات والستينيات، ومن ثم يُفهَم شعار حملة ‘الجمهوريين’ “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا”، هي نوستالجيا… لها الجو، والأرض، والبحر، لكن لا تستطيع القيام بالكثير في بحر الصين، أو البحار الآسيوية بين اليابان وسيبيريا.

    في المغارب مثلا لنا أمور تعطينا مكانة في التفاوض سياسيا واقتصاديا، وهو هامش يمكن استعماله، ويظهر لي أن استعماله بطيء أو أنه هامش غير مستعمل في أمور من بينها الموقف من فلسطين؛ فعاهلنا مثلا هو رئيس بيت مال القدس، والصندوق يقوم بأمور مثل التعاون والإعانات العلنية والسرية. لكن في مرحلة وصول الحرب إلى تجويع شعب بأكمله فإن الصمت كبير جدا. وتوجد مظاهرات، ما يعني أن هذا يتناقض مع مشاعر الشعب.

    أنا لا أبحث عن أي فرصة للتبخيس، فأنا أؤمن بأن المؤسسات ينبغي أن تساير شعور الشعب، وخصوصا في هذه القضية. أشعر بالإكراهات، ويمكن أن أتفهمها، وسبق أن كتبت تفهمي ما يقتضيه الحفاظ على الوحدة الترابية، ومحاولة المؤسسة خلق نوع من التكافؤ في التسليح بوسائل أخرى لأنه ليس لنا بترول، ولا يمكن أن نخترعه، ولا أقبل أن نهدد في وحدة بلادنا. لكن، أقول إن للشعب المغربي مكونات، وإنه سيتطوع كله للدفاع عن الحدود والوحدة الترابية إذا حدث ما يمسها. لكن توجد هوامش حتى لا يبقى هذا الصمت المطبق على ما يحدث في فلسطين، الذي له آفاق عالمية، لا محلية أو قطرية أو جهوية فقط، فهي قضية العالم الآن، ولو لم يرد البعض الاعتراف بها، ومنها يمكن أن تتفرع أمور خطيرة بالنسبة للحروب المقبلة، وفي ما يتعلق بانهيار المعايير الأخلاقية في الحروب، انطلاقا مما هو ظاهر في حرب إسرائيل على غزة. وهذا خطير على مستقبلنا، ومستقبل الشعوب الأخرى.

    – بمثل هذا النّبْرِ. يوجد ما يقود للأمل مثل اليقظة الكبيرة في الرأي العام العالمي في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا مثلا، من طلبة ومجتمع مدني. لكن، يوجد ما يقود لليأس مثل الهيمنة الفائقة التي تزيد وتلتهم حتى مساحات الحرية الداخلية في دولٍ غربية، وتلتهم حتى أبناءها وحقهم في الرأي والضمير والدفاع عن حقوق الإنسان. ما شعوركم تجاه هذا الواقع؟.

    توجد محاولة فرض واقع جديد يقتل الرأي، وباستعلاء وفي واضحة النهار: يقتل ويقول أنا أقتل، يجوّه ويقول أنا أجوّع.

    لكن، أريد أن أقول إن الشعوب والأنظمة في اختلافٍ، لا عندنا فقط، بل لدى الشعوب كلها التي تشعر بحاجة النضال ضد هذا الواقع الجديد، بالوسائل المشروعة. ولا ينبغي أن تتخطى المعايير الإيتقية (الأخلاقية) التي خطتها القوى العظمى وإسرائيل. فيوجد هذا التناقض الكبير بين شعوب ما كان يسمى العالم الثالث، ويسمونه الآن الجنوب العالمي.

    قضية فلسطين تظهر التناقض أيضا بين الشعوب العربية وأنظمتها. والهجرة العالمية بهذه الدرجة من كل الجهات إلى كل الجهات شيء جديد، ففرنسا مثلا صارت شَعبا عالميا، والفرنسيون يسافرون إلى أين أرادوا، وغير الفرنسيين رغم الفرق الاقتصادي يذهبون ويستقرون في أوروبا رغم القمع والحدود، ويرتبطون بالبلدان التي جاؤوا منها، وقضاياهم، ولا يمكن القضاء عليهم في باريس ولندن، وغيرها من العواصم، ومنهم من تعب من أوروبا وعاد، حتى في حالة المغرب رغم الصعوبات. وهذا مكون أساسي للعولمة.

    في أوروبا يظل هامش ديمقراطي، رغم محاولات القوى اليمينية والتسلطية؛ فالتسلط لم يعد كما كتبت عليه في المغرب، فقد تطور بدوره، ونحاول الآن فهم التسلط الجديد بأمريكا، مثل أن ترامب يكلف اليوم فقط مقربيه في مهام، مثل صديقه في الأعمال ويتكوف، الذي تفوق مهامه عمل وزارة الخارجية الأمريكية، وهذا أمر ليس مثل السلطوية المغربية أو الجزائرية، لكن هناك أمورا تتشابه.

    أكبر المظاهرات مع فلسطين نظمت في أوروبا، مثل مظاهرات لندن والدانمارك. وتابعت مظاهرات في برلين فيها ألمان ومجنّسون، ما يعني أنه خُرق المنع الذي كان يتَّهم بمعاداة السامية كل حديث عن كل ما فيه يهود وإسرائيليون. لكن، في لندن تابعت اعتقال إنجليز من أصل إنجليزي لحملهم علم فلسطين. وفي أسكتلندا عندما ذهب ترامب للغولف وجد نفسه وسط مظاهرات، بمشاركة أناس كثيرين، تطالبه بالرحيل.

    الاختلاف ما بين الشعوب وأنظمتها يوجد أيضا في أوروبا وأمريكا، حيث يتظاهر الناس، وتحضر الشرطة والعسكر، ويطالب أمريكيون بإنهاء الموقف الأمريكي إزاء الحرب، التي تفرضها إسرائيل بمساندة أمريكا، على الفلسطينيين.

    الواقع الجديد الذي يتبلور اليوم ينبغي أن نراه محليا وحول الكرة الأرضية، وفيه جوانب تفند التصنيفات المفروضة. ويمكن أن يأخذ المغاربة والمغربيات العبرة من هذا وأن ينتفعوا منه، دون قول إن هذا في ثقافةِ آخرين، وإن لنا واقعنا، فواقعنا وثقافتنا يتغيران أيضا من الداخل والخارج.

    توجد مرحلة جديدة من النضال والواقع والسياسي، وأقول في هذا الإطار إن مظاهرات الرباط لها شعارات أتفق معها لكنها ينبغي أن تخرج من العمومية، ولا تكتفي بقول “الشعب يريد إسقاط التطبيع”، بل أن تقول للمسؤولين ما تريده بالضبط، فَهُم مكون من المجتمع، ولا أقول إنهم كل المجتمع وكل قواه، لكن ينبغي أن يكون ما يصبو إليه النساء والرجال في مظاهراتٍ ضخمة مسموعا، وأن تبدأ المناقشة في إحقاق أشياء في الواقع، وأن يتحمل الناس مسؤوليتهم.

    قرأت تصريح محمد عبادي، الأمين العام للعدل والإحسان، الذي يتحدث فيه عن المسؤول عن التطبيع، وما أقوله هو إن الصمت ينبغي أن يكون له حد في حرب الإبادة والتجويع.

    وينبغي أن يتجاوب المسؤولون ويتناقشوا علنيا، وتكون نتائج في أرض الواقع تجاه التطبيع، لأن وجود الحرب الجديدة لا يطاق أخلاقيا وإنسانيا.

    أقول هذا دون أن أطلب نظاما آخر، بل أطلب الله أن يكون نوع جديد من التعاقد الاجتماعي، مع أن معنى الكلمة تقادم قليلا، حتى يجد الشعب بطبقاته قدرا من نفسه في السياسات العمومية، وخاصة الخطاب الرسمي والسياسات تجاه القضية الفلسطينية؛ لأنها قضية العالم اليوم.

    في هذا الوقت إٍسرائيل كدولة وكحزب حاكم تريد أن تشطب على وجودك. لا أقول كل اليهود، بل إسرائيل بوصفها دولة جديدة، حديثة، بآلياتها التي تأتي بتأويل خاص بها للديانة اليهودية، وهو ما يقوله لها يهود “ناطوري كارتا” مثلا، ومثقفون كبار في إسرائيل وضد إسرائيل، ومظاهرات يهود يقولون “ليس باسمنا” ضد ما تقترفه باسم ديانتهم إسرائيل. بل بلغنا أمرا جديدا كثيرا، حيث قرأت في “نيويورك تايمز” مقالا يقول إن اليهود ليسوا على فكرة واحدة اليوم.

    قرأت ما كتبه السيد علي بوعبيد وأحترم ما يكتبه، وقرأت تعليقك الرائع حوله، ولا أقول هذا مجاملة. لكن أقول على أي حال ينبغي أن تكون حرية الضمير للجميع، للمغاربة اليهود والمغاربة المسلمين والمغاربة العلمانيين أو من لهم قناعات فلسفية. ومن لا يريد أن يتكلم لن أقول له سندخل ذهنك، ولا بد أن تتحدث. فحتى المسلمون منهم من لا يتحدث، منهم فقهاءٌ ومنهم أناس من عامة الشعب، وغيرهم، ولن نهددهم بالسجن أو الإبعاد إذا لم يتحدثوا.

    المهم هو أن الناس الذين يدعون ضد المغاربة كمغاربة ينبغي أن نحاربهم بالقلم، وبالدعاية المشروعة، وبالأفكار، ما عدا من يتعامل مع دولة أجنبية مثل إسرائيل ضد مصالحنا وضد دولتنا. أما أن يتكلم أو لا يتكلم فأمر آخر.

    في النضال من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني علينا فتح القنوات مع التيارات اليهودية المناهضة للصهيونية، والحوار العلني والمفتوح دون محاكم تفتيش مع المغاربة اليهود القادمين من إسرائيل أو القاطنين بالمغرب.

    لا يمكن أن ترى مظاهرات اليهود في نيويورك، وأن لا تقابلهم وهم يطالبون بتقرير مصير الشعب الفلسطيني. ينبغي أن تفتح القنوات، لكن بشكل واضح.

    قرأت عريضة بالعربية لمثقفين مغاربة، وهذا أمر جيد؛ فكلما تعددت الأصوات فهي جيدة. المسألة الفلسطينية يتجاوز أفقها الانتماءات السياسية، لأن أفقها جديد، ومن أراد النضال مع حزب أو نواة حزب فلا إشكال. لكن القضية تتجاوز التصنيفات، وتهم مستقبل الكرة الأرضية كلها. فلا ينبغي أن ننسى أن إسرائيل مسلحة نوويا، وحظر السلاح النووي محتكَر، ويحفز دولا أخرى على امتلاك السلاح النووي، كما حدث مع الهند وباكستان وكوريا الشمالية، واليوم تحاول وستنجح في ذلك دول أخرى. وهذه خطورة كبيرة. كما رأينا أن الحرب الإسرائيلية على إيران لم تكن معلنة، ولم يكن نقاش حولها في الأمم المتحدة، في خرق للقانون الدولي، وواقع جديد.

    أعود إلى سؤالك الأول حول التجويع. قرأتُ في الصفحة الأولى من “نيويورك تايمز” أن عسكريين إسرائيليين يقولون إنه لا أساس لما تقوله الحكومة الإسرائيلية حول سرقة ‘حماس’ للإعانات، بل إنه تحت إشراف الأمم المتحدة كانت الإعانات معممة وآمنة وأحسن بكثير وتوزع في أماكن وجود الناس لا على بعد كيلومترات.

    أمام الآن فنحن أمام مصائد تقتل الفلسطينيين من البحر والجو والأرض ورصاصٍ أمام مؤسسات، بتعاون بين أمريكا وإسرائيل، تضع أماكن مخصصة للإعانة الإنسانية كما يسمونها، ولكنها في الحقيقة مصائد للجياع، فيها مرتزقة أمريكيون، وتحرسها قوات إسرائيلية، تقصف بالرصاص، فتصير فوضى، لتحمّل المسؤولية للفلسطينيين كذبا، وهذا كذب يبنى عليه كذب، وتبنى عليه منظومات تراجيدية تعدم الفلسطينيين في الأخير.

    هذا هو التجويع، الذي لا يطال الأطفال والنساء والرجال فقط، بل أطر المستشفيات أيضا، الذين لا يتعدون وجبة في اليوم إذا توفرت، وهذا مؤشر على الانهيار، فالمستشفيات كلها مخربة بالقصف الجوي، والعسكر الإسرائيلي على الأرض دمر الأدوية والأدوات الطبية، ويمنع دخول الإعانات الدولية. هذا قضاء بيولوجي على شعب بكامله، فإذا انهارت الأنظمة الصحية والأطر الصحية فلا أحد يمكنه إنقاذ الشعب الجائع ومداواته.

    ما أقوله هو: صور البحث عما يسد الرمق لا تحط من كرامة الفلسطينيين، بل تحط من كرامة من يسهرون على ذلك من أمريكا وإسرائيل. ومحاولةُ القضاء البيولوجي على الشعب الفلسطيني بغزة شيء جديد، ومحرقة عمومية بمعنى الكلمة، تطرح علينا سؤالا حول مواقفنا كلنا، لا موقفِ نظامٍ فحسب. وعلينا البحث عن طرق أخرى للتعبير اليومي السلمي عنه، في الشارع وغيره.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حموني: الحكومة لم تلتزم ببرنامجها.. أرقام رسمية تثبت إخفاقها في ملفات حيوية (حوار)

    سفيان رازق

    أكد رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، رشيد حموني، أن حصيلة الحكومة العامة تظل سلبية رغم بعض نقط الضوء في عملها، وفق تعبيره، مبرزا أنها لم تلتزم بمجموعة من الوعود الواردة في برنامجها الحكومي.

    وأوضح حموني، في حوار مع جريدة “العمق المغربي”، أن “الحكومة أخفقت في أشياء كثيرة وأن هذا التقييم مسنود، وفق تعبيره، بأرقام ومعطيات مؤسسات رسمية سواء في الصحة أو التعليم أو التشغيل أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين.

    وبخصوص انتظاراته في السنة الأخيرة من عمر الحكومة، أكد رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب أن أبرز المشاريع والبرامج التي يجب العمل عليها تهم “النهوض بالاقتصاد الوطني وبالاستثمار بشكلٍ يخلق ما يكفي من مناصب الشغل، وبشكلٍ يحقق الإنصاف المجالي لفائدة العالم القروي والأقاليم ذات الخصاص التنموي، فضلا عن التفعيل الحقيقي، وفق تعبيره، لورش الحماية الاجتماعية الشاملة، وفتح ملف إصلاح صناديق التقاعد دون المساس بمكتسبات وبحقوق الأجراء والمتقاعدين”.

    وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

    كيف تقيمون حصيلة الحكومة قبل سنة من انتهاء ولايتها خاصة في الصحة والتعليم والتشغيل؟

    مثل أيِّ حكومة، من طبيعة الحال هذه الحكومة اشتغلت، وحققت أشياء، لكنها أخفقت في أشياء كثيرة. هذا ليس تقييمي لوحدي كمسؤول سياسيي أنتمي إلى المعارضة، بل هو تقييم مُستقى من المجتمع في شرائح كثيرة منه، وهو تقييم مسنود بأرقام ومعطيات مؤسسات رسمية.

    في الصحة مثلاً، هناك تقدم على مستوى توسيع التغطية الصحية، لكن هناك أزيد من 8 مليون مغربي خارج التغطية الصحية، بمعنى ليس هناك تعميم بعد. وهناك مجهود على مستوى الرفع من الموارد البشرية ومن ميزانية القطاع الصحي، لكننا لا زلنا بعيدين عن المعايير الدولية بهذا الصدد. وهناك إمكانية نظرية اليوم لمعالجة حاملي “أمو تضامن” في القطاع الصحي الخصوصي، لكن حواليْ 63% من كلفة العلاجات يؤديها المواطن من جيبه الخاص، والأدوية أثمنتها فاحشة الغلاء بسبب لُوبيات المال والتجارة و”الهمزة”. وهناك تشريعات تم إخراجُها تتعلق بالخريطة الصحية، لكن ما بين 64% و80% من المراكز الصحية والأَسِرَّة تتمركز بخمس جهات.

    في التعليم، لا يمكن إنكار المجهود المالي للحكومة للزيادة في أجور الأساتذة، ولا يمكن إنكار أننا اليوم أمام نظام أساسي موحد ومتقدم مقارنةً من سابقيه… لكن هل أصلحت الحكومة التعليم؟ طبعاً: لا. ببساطة لأن أهم إصلاح هو إصلاح المناهج والبرامج، لكننا اليوم لا نزالُ بعيدين عن مجرد الشروع في ذلك. وحتى مدارس الريادة تحتاجُ إلى تقييم مرحلي حقيقي وموضوعي، كما أنه يتعين الانتباه إلى الأصوات الخبيرة في حقل التعليم التي تنادي بضرورة تفادي السقوط في تعميق الفوارق التعليمية بسبب تطبيق مناهج مدرسة الريادة في مؤسسات تعليمية محدودة دون أخرى.

    أما في التشغيل، نعم هناك بعض التحسن، خلال الشهور الأخيرة، في معدلات البطالة، لكن لا يجب أن ننسى أن البطالة في أربع سنوات من عمر الحكومة وصلت إلى أرقام غير مسبوقة منذ عقود، وتقترب في أوساط الشباب من 40%. كما ينبغي ألا ننسى أن الحكومة التي التزمت بخلق مليون منصب شغل في خمس سنوات، خسر الاقتصاد الوطني في ظلها عشراتِ الآلاف من مناصب الشغل.

    وبالتالي، يمكن أن أقول، على العموم، إن الحكومة تشتغل، لكن حصيلتها العامة تظل سلبية رغم بعض نقط الضوء في عملها هنا وهناك.

    هل تعتقدون أن الحكومة احترمت التزاماتها في البرنامج الحكومي؟

    قبل أن أُجيب على سؤالك، لديَّ ملاحظات أساسيتان: الأولى هي أن الحكومة عندما كانت تصوغ برنامجها الحكومي كانت تعرف بالضبط أبرز الإكراهات كالجفاف والاضطرابات الدولية. والملاحظة الثانية هي أن هذه الحكومة كان لديها مجال واسع لتستفيد من إيجابيات ربما لم تتوفر بنفس القدر لحكومات سابقة: الأغلبية الواسعة في البرلمان والجهات والمدن؛ انتعاشة ما بعد كورونا؛ عائدات السياحة بعد إنجاز المنتخب الوطني لكرة القدم؛ فرصة كأس العالم 2030 وما أثاره من حماس؛ وُجود جاهز لمعظم التشريعات المؤطرة للأوراش الكبرى كالقانون الإطار للحماية الاجتماعية، والقانون الإطار للتعليم؛ والقانون الإطار لإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية؛ والقانون الإطار للإصلاح الجبائي…والأهم هو وجود الحكومة الحالية أمام وثيقة إصلاحية مرجعية أساسية هي وثيقة النموذج التنموي الجديد.

    إذن، كان للحكومة كل مقومات النجاح في تنفيذ التزاماتها. لكن الواقع غير ذلك، فقد تعهد البرنامج الحكومي بنسبة نمو سنوي 4%، لكن متوسط النمو في أربع سنوات يتراوح في حدود 3% فقط، باستحضار التقدم المسجل في 2025 بسبب السنة الممطرة، وتعهد البرنامج الحكومي بتصنيف بلادنا ضمن أفضل 60 بلداً من حيث التعليم، دون أن يتحقق هذا الالتزام.

    وتعهدت الحكومة بإخراج مليون أسرة من الفقر، لكن المندوبية السامية للتخطيط تتحدث عن انزلاق 3,2 مليون مغربي نحو الفقر والهشاشة، ورغم التحسن لا يزال 2.5 مليون مغربي في وضعية فقر ونحو 3 مليون في وضعية هشاشة.

    والتزمت الحكومة بتقليص الفوارق المجالية. وها هو صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطاب العرش، يَضعُ للعدالة المجالية أُسسا ومقاربات جديدة من أجل النجاح في رفع هذا التحدي الذي يجعل بلادنا تسيرُ بسرعتيْن.

    والتزمت الحكومة بتفعيل الحماية الاجتماعية الشاملة، لكن الحكومة لم تقترب، لحد الآن، من ملفيْن حارقيْن هما: إصلاح التقاعد والتعويض عن فُقدان الشغل، كما لم تحقق التعميم الفعلي للتغطية الصحية كما قلتُ سابقاً، والتزمت الحكومة بالرفع من نسبة نشاط النساء في سوق الشغل من 20 إلى 30%، لكن المعدل انخفض إلى ما بين 18 و19%.

    ما مدى احترام الحكومة للأجندة الملكية في تنزيل الأوراش الكبرى وهل يتوجد فجوة بين الخطاب الملكي والمنجز الحكومي؟

    الدستور واضح جدا ومتقدم جدا عل كل المستويات، ومن بينها من حيث الاختصاصات المؤسساتية. وجلالة الملك، حفظه الله، برهن بالملموس دائماً أنه يُعطي القدوة والنموذج والمثال في احترام الدستور بحذافيره وتفاصيله. في هذا الإطار يضطلعُ جلالة الملك بعددٍ من الأدوار الريادية، كمحور للعمل المؤسساتي وساهر على حُسن سير سلطات البلاد. على هذا الأساس يَسهرُ جلالة الملك على إحاطة كل الأوراش الكبرى والمهيكلة، في كل المجالات الحيوية، بتوجيهاتٍ سامية وحكيمة ومستنيرة ترتكز على المصلحة العامة للوطن والشعب أولاً وأخيراً.

    ويظل هنا دورُ المؤسسات والهيئات الأخرى، من حكومة وبرلمان وقضاء وجماعات ترابية ومؤسسات الحكامة وأحزاب ونقابات وغيرها، دوراً أساسيا من حيث التفعيل والتنزيل والأجرأة والتطبيق، لأن الدستور أعطى لكل سلطة ولكل مؤسسة مساحاتٍ واسعة للفِعل والتأثير.

    وهنا يأتي دور الحكومة، وهو دور كبير، لأنها تتوفر على الإدارة تحت تصرفها، وهي المسؤولة عن الميزانية، وعن وضع البرنامج الحكومي وتفعيله، ولها إمكانيات واسعة في المبادرة إلى التشريع، وفي برمجة المشاريع، وفي وضع البرامج، في مختلف المجالات.

    أما فيما يخصُّ حديثك عن “فجوة بين الخطاب الملكي والمنجز الحكومي”، فأعتقد أن جلالة الملك يتعاملُ، بسُمُوّ وبحكمة وبُعد نظر وبشكلٍ استراتيجي، مع القضايا الكبرى ومع انتظارات الناس. وقد عَوَّدَنا جلالة الملك حفظه الله دائماً على أنه متجرد وموضوعي ويأخذ المسافة الضرورية عن التنافس الحزبي وعن منطق الأغلبية والمعارضة. ويمكنك العودة إلى كل خطابات جلالة الملك محمد السادس لتلمس تلك النفحة التفاؤلية الطموحة للارتقاء بالمغرب نحو الأفضل ارتكازاً على المكتسبات الكبيرة المحققة، وتلك النبرة الانتقادية المِقدامة للأوضاع غير الصحيحة وتوجيه المؤسسات المعنية نحو تصحيحها.

    ما انتظاراتكم من الحكومة في الدخول الاجتماعي والسياسي المقبل؟

    السنة السياسية المقبلة هي آخر سنة في الانتداب الحكومي التشريعي، وانتظاراتي من الحكومة الآن هي نفسُ انتظارات السنة الأولى: النهوض بالاقتصاد الوطني وبالاستثمار بشكلٍ يخلق ما يكفي من مناصب الشغل، وبشكلٍ يحقق الإنصاف المجالي لفائدة العالم القروي والأقاليم ذات الخصاص التنموي، كما ورد في الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش المجيد.

    ننتظر، كذلك، التفعيل الحقيقي لورش الحماية الاجتماعية الشاملة، وفتح ملف إصلاح صناديق التقاعد دون المساس بمكتسبات وبحقوق الأجراء والمتقاعدين.

    ننتظر من الحكومة أن تأتي بمشروع مدون الأسرة، طبقاً لتوجيهات جلالة الملك. وننتظر من الحكومة أن تُحسِّن مناخ الأعمال والحكامة الجيدة، حتى نتفادى هذه المراتب المتأخرة في هذا المجال.

    كما ننتظر من الحكومة أن تنأى مكوناتها عن أي استعمالٍ للإمكانيات المتاحة أمامها، كسلطة تنفيذية، في التنافس الانتخابي، ونحن عل بُعد سنة واحدة من الاستحقاقات التشريعية. فالبرامج والمشاريع الحكومية يجب أن تكون موضوعية وأن يتم توزيع الاستثمارات بشكلٍ يراعي المصلحة العامة فقط دون غيرها من الاعتبارات الحزبية والسياسية.

    وسنظل دائما نتمنى النجاح لهذه الحكومة ولكل حكومة غيرها، لأن نجاحها هو نجاحٌ للمغرب وللمغاربة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دويدار: روسيا قد تلجأ للسلاح النووي .. وإفريقيا مطالبة بالتعلم من الماضي


    حاوره: توفيق بوفرتيح

    أكد الخبير السياسي الروسي الباحث في الشؤون الروسية والدولية، تيمور دويدار، أن العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها موسكو في أوكرانيا حققت عددا من أهدافها، لا سيما على مستوى السيطرة الميدانية على مناطق مهمة شرقي أوكرانيا، معربا في الوقت ذاته عن تشاؤمه تجاه نجاح المفاوضات الجارية بين موسكو وكييف، محمّلا الدول الأوروبية مسؤولية اندلاع الحرب نتيجة تجاهلها مبادرات روسيا الأمنية.

    وفي ما يتعلق بالنظام العالمي الجديد، اعتبر الخبير السياسي الروسي ذاته، في الحوار التالي الذي أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أن الصين وروسيا تسعيان إلى تشكيل توازنات النظام الدولي بما يعكس تعددية قطبية حقيقية وينهي الهيمنة الغربية المستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مشيرا في الوقت ذاته إلى وجود صعوبات تعتري إدماج إفريقيا في هذه المنظومة الدولية الجديدة، على رأسها ضعف المؤسسات، وانتشار الفساد، وهشاشة نماذج الحكم في عدد من الدول الإفريقية.

    وأبرز دويدار أن نجاح الدول الإفريقية في أن تكون طرفا فاعلا في النظام العالمي الجديد يظل رهينا بمراجعة داخلية لنماذجها السياسية والإدارية، مسجلا أن الشراكة الروسية مع بلدان القارة الإفريقية تعتمد أساسا على التعاون والمصالح المشتركة ونقل التكنولوجيات والتقنيات، بعيدا عن منطق الهيمنة أو الوصاية أو أية شروط سياسية أو أيديولوجية، بخلاف النموذج الغربي القائم على الإملاءات تحت غطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} نص الحوار: أولا، نبدأ بالعملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها روسيا في أوكرانيا من أجل “حماية” أمنها القومي و”حماية” المواطنين الناطقين بالروسية في بعض المناطق الأوكرانية، في إطار مفهوم “العالم الروسي” الذي أكدت عليه عقيدة السياسة الخارجية الروسية الجديدة. هل نجحت روسيا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من إطلاق هذه العملية، في تحقيق أهدافها المعلنة؟

    نعم، نوعا ما؛ يمكن القول إن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا حققت العديد من أهدافها، خصوصا إذا ما نظرنا إلى الخريطة على الأرض، حيث سيطرت القوات الروسية على أراضٍ هامة في شرق أوكرانيا ذات الأغلبية الناطقة بالروسية، فيما يجري التقدم على محاور وجبهات متعددة لفسح المجال أمام إنشاء منطقة حدودية عازلة على مستوى منطقة “سومي”.

    لكن يجب التأكيد هنا أن هذه الحرب ليست حربا بين موسكو وكييف فقط، بل هي حرب بين روسيا الاتحادية والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وهي أيضا حرب نشأت بسبب استخدام الدول الغربية أوكرانيا سياسيا وعسكريا لضرب مصالح الروس وأمنهم القومي، وهو ما أدى إلى ما نشاهده اليوم.

    في سياق ذي صلة، أُجريت مؤخرا جولة جديدة من المفاوضات بين موسكو وكييف في إسطنبول. هل تعتقدون أن الشروط الموضوعية لنجاح عملية التفاوض متوفرة حاليا في ظل استمرار الضربات العسكرية المتبادلة بين الجانبين؟

    أنا شخصيا لا أشعر بأي تفاؤل بشأن إمكانية نجاح هذه المفاوضات، نظرا للاختلاف التام والكامل في وجهات النظر بين روسيا وأوكرانيا، ومن ورائها الغرب الذي يوجّه ويؤثّر على القرار الأوكراني في هذه المفاوضات، في مقابل تشبث موسكو بشروطها من أجل التوقيع على أي اتفاق سلام أو وقف للحرب.

    إن الإشكال ولبّ الخلاف الذي أدى إلى نشوب هذه الحرب هو عدم اهتمام أوروبا بمنظومتها الأمنية، فقد رفضت في السابق كل المبادرات والحلول التي قدمتها روسيا من أجل ضمان أمنها القومي، وظلت مصرة على معاكسة مصالح موسكو واقتحام مجال نفوذها الحيوي في أوروبا الشرقية، وهو ما تسبب في هذه الحرب التي تُخاض اليوم على الأراضي الأوكرانية بين روسيا والغرب.

    ما هو سقف التنازلات التي يمكن أن تقدمها روسيا في عملية المفاوضات؟ لأن هناك من يعتبر أن الشروط الروسية للتوصل إلى اتفاق مع كييف هي تعجيزية أو استسلامية، خاصة ما يتعلق بقبول الضم الروسي للقرم ودونباس.

    شروط موسكو واضحة في هذا الإطار، وهي خفض عدد القوات الأوكرانية إلى حوالي 70 ألف عنصر، والابتعاد عن الحدود الروسية. وهذا ما يفسّر سعي روسيا إلى إنشاء منطقة عازلة على الحدود. ثم الالتزام بعدم تسليح أوكرانيا، سواء داخليا أو من طرف الغرب، إلى جانب الاعتراف بالأراضي التي سيطرت عليها روسيا بأنها أراضٍ روسية، وإقرار حرية التعبير باللغة الروسية داخل أوكرانيا، وإعادة فتح المعابد الأرثوذكسية التابعة للكنيسة الروسية التي أغلقتها كييف.

    وبالنسبة لموسكو، فإنها تخوض حربا من أجل تحرير أراضيها في شرق أوكرانيا، التي تم ضمها إلى روسيا وفق القانون الروسي. وقد يكون شرط القبول بالضم تعجيزيا بالنسبة للإدارة في كييف، وفق ما يقوله البعض، لكن باقي الشروط، في رأيي، كان على أوكرانيا أن تقبلها منذ ثلاث سنوات دون الدخول في هذه المعركة التي ليست في صالحها. وبالتالي، فإن عناد أوكرانيا، ودفعها من طرف الغرب إلى خوض حرب مع الروس يسمونها “حرب تحريرية”، هو مجازفة خطيرة، لم تربح منها كييف شيئا، بل تخسر كل يوم العديد من البلدات والمدن لصالح القوات الروسية، بعدما أهدرت الكثير من فرص وقف إطلاق النار وفض الاشتباك التي منحتها لها موسكو.

    هل ترى أن المزاج الشعبي الراهن قادر على استيعاب حل تفاوضي لا يحقق كامل الأهداف المعلنة للعملية العسكرية، خاصة في ظل التضحيات الكبيرة التي قدمها الروس منذ انطلاق هذه الحرب؟

    غالبية الرأي العام في روسيا تؤيد وجهة نظر الكرملين، وما ينطق به الكرملين سيقبله الرأي العام الروسي، رغم أن بعض النخب تعتقد وترى أن الحرب الجارية الآن هي حرب أهلية بين شعبين كانا تحت مظلة دولة واحدة، هي الاتحاد السوفياتي.

    كيف تقرؤون التحرك الأمريكي الأخير في المنطقة بعد قرار ترامب نشر غواصتين نوويتين بالقرب من الأراضي الروسية؟ هل هو مؤشر على تحول جديد في هذه الحرب أم مجرد رسائل أمريكية إلى موسكو من أجل القبول بشروط معينة في المفاوضات؟

    التهديدات الأمريكية ونشر غواصات نووية بالقرب من الأراضي الروسية ليس بالأمر الجديد، بل هو جزء من سياسة استعراض القوى والقدرات العسكرية المستمرة منذ عقود بين الجانبين. ومن الطبيعي، بل من المتوقع، أن تنشأ مثل هذه التصريحات والتهديدات، وحتى المناوشات، وهذا يحدث بشكل شبه يومي على الحدود الروسية-الأمريكية في البحار. لكن في اعتقادي، يبقى هذا الأمر محدودا، ولا يتجاوز مجرد التصريحات والتهديدات التي تبقى تحت سقف الحسابات العقلانية، لأن نشوب أي حرب نووية بين قوتين نوويتين بحجم روسيا والولايات المتحدة ستكون نتائجه كارثية على العالم.

    البعض يتحدث عن حرب من الجيل الرابع تُستخدم فيها البنية التحتية المعلوماتية كسلاح. هل تعتقد أن روسيا تواجه بالفعل نموذج حرب غير مألوف من جانب أوكرانيا ومن ورائها الغرب؟

    روسيا اليوم تواجه حربا مركبة على جبهتين: فعلى الجبهة الميدانية تواجه حربا بالوكالة مع أوكرانيا التي تقاتل نيابة عن الغرب وبأسلحة غربية، وعلى جبهة أخرى تواجه حربا إعلامية شرسة تُشن ضدها عبر وسائل الإعلام الأوروبية والغربية، التي تحولت إلى منصات دولية لتشويه صورة موسكو، وحجب الحقائق، وترويج الأخبار المزيفة والموجهة بهدف التأثير في الرأي العام العالمي وتحريض الداخل الروسي.

    ولكن لماذا لم تنجح روسيا، رغم إمكانياتها الكبيرة على المستوى الإعلامي، في تشكيل خطاب إعلامي مضاد للرواية الغربية؟

    لم تكن روسيا، لسنوات طويلة، تولي أهمية كبيرة لتشكيل خطاب إعلامي مضاد للغرب، وربما يكون هذا الأمر ناتجا عن وجود قناعة ضمنية في موسكو بأن الخطاب السياسي والإعلامي الغربي تجاه الروس متحيّز بطبيعته، وأن محاولة مجاراته غير مجدية.

    شكّلت الولايات المتحدة دائما حجر الأساس في منظومة الأمن الأوروبي، لكن مع تصاعد التوجهات الانعزالية في واشنطن، وخاصة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أصبح مستقبل التحالف الأمريكي-الأوروبي موضع تساؤل. فهل تستطيع أوروبا العيش بدون المظلة الأمنية الأمريكية؟

    إن توجهات إدارة دونالد ترامب براغماتية، ولا تؤمن بالتحالفات المجانية أو الالتزامات طويلة الأمد ما لم تكن ذات مردود اقتصادي مباشر لواشنطن، بما في ذلك تجاه شركائها الأوروبيين الذين عاشوا لعقود طويلة تحت الحماية والمظلة الأمنية الأمريكية من خلال حلف شمال الأطلسي. غير أن ترامب اليوم يريد إعادة تعريف العلاقة مع أوروبا، بما في ذلك على المستوى الأمني، من منظور الربح والخسارة؛ إذ لا يرى مبررا لاستمرار واشنطن في دفع كلفة الدفاع عن أوروبا.

    هذا التوجه يقوّض مفهوم التحالفات التقليدية، ويضع أوروبا أمام خيار الدفع مقابل الأمن أو بناء منظومة أمنية مستقلة عن واشنطن. لكن الإشكال هو استمرار اعتبار هذه المنظومة موجّهة للحماية مما يسميه الأوروبيون التهديدات الروسية، رغم أن روسيا لم تكن في يوم من الأيام ولا تنوي أن تكون أبدا تهديدا لأوروبا، بل كانت تسعى إلى علاقات متوازنة قائمة على حسن الجوار واحترام مصالح جميع الأطراف، غير أن الطرف الأوروبي اختار مسار التصعيد، ونسج رواية عدائية تصوّر موسكو كـ”وحش مزعوم” يهدد استقرار القارة.

    ولكن في ظل هذا التمادي الأوروبي في محاولات المساس بمصالح روسيا، وإضعافها، وتقويض أمنها القومي، أو تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها القيادة الروسية، سيكون الرد الروسي حازما وغير مسبوق، حتى وإن استدعت الضرورة استخدام أسلحة نووية تكتيكية للدفاع عن سيادة روسيا وعمقها الاستراتيجي.

    هل يمكن أن تُعيد روسيا التفكير في بناء علاقتها بأوروبا في المستقبل أم إن القطيعة أصبحت عقيدة ثابتة؟

    لطالما كانت روسيا منفتحة على التعاون مع أوروبا، وسعت إلى بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، لكن بعض النخب السياسية الحاكمة في دول أوروبية معيّنة اختارت الاصطفاف وراء سياسات تصعيدية تخدم أجندات خارجية أكثر مما تراعي مصالح شعوبها، مما أدى إلى تدهور كبير في العلاقات مع موسكو، ودفع الاقتصاد الأوروبي ثمنا باهظا لهذه الخيارات.

    لقد كان الأوروبيون يستفيدون من إمدادات الطاقة الروسية بأسعار معقولة وثابتة، أما اليوم، وبعدما قاطعوا موسكو، ارتفعت فاتورتهم الطاقية بأضعاف مضاعفة، حتى إن المواطن الأوروبي بدأ يشعر بثقل هذه القرارات والسياسات غير المدروسة على حياته اليومية، وهو ما انعكس بوضوح في المزاج الانتخابي العام كما ظهر مؤخرا في نتائج الانتخابات في ألمانيا وبولندا.

    طيب، تتحدث روسيا كثيرا عن التعددية القطبية والنظام العالمي الجديد. هل تعتقدون أن هذا النظام لا يمكن أن يكتمل بدون تعزيز الصوت الإفريقي في المؤسسات الدولية، وخاصة في مجلس الأمن الذي لا تتوفر فيه إفريقيا على أي مقعد دائم رغم أنها تشكل ثلث المجتمع العالمي؟

    لا بد من التأكيد أولا أن النظام العالمي الحالي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أبرز ملامحه تشكيل هيئة الأمم المتحدة ومنح خمس دول العضوية الدائمة في مجلس الأمن لكونها القوى المنتصرة في تلك الحرب. رغم أنني لا أفهم صراحة لماذا مُنحت العضوية لفرنسا التي هُزمت في هذه الحرب وكانت تحت الاحتلال.

    وظل هذا النظام قائما، وتكوّنت على إثره دائرتان: دائرة صغيرة مهيمنة على القرار الدولي، تتكون من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ودائرة كبيرة تضم الدول العربية والإسلامية والإفريقية ودول أمريكا اللاتينية وبعض الدول في آسيا، وهذه الدائرة الصغيرة تسيطر على تجارة السلاح والغذاء والطاقة إلى الدول التي توجد في الدائرة الكبيرة، ولا تريد أن يكون لها قرار اقتصادي وصناعي مستقل حتى تبقى دائما تابعة لها.

    وسط هذه الهيمنة يوجد توجه جديد تقوده الصين وتدعمه روسيا لإعادة بناء نظام عالمي جديد بديل للنظام الحالي الذي لم يعد يعكس موازين القوى الجديدة في العالم، ولا يأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الصاعدة.

    لكن ماذا عن موقع إفريقيا في هذا النظام الجديد؟

    إدماج القارة الإفريقية في هذا النظام يواجه العديد من التحديات، أبرزها تلك المتعلقة بنماذج الحكم والإدارة في عدد من الدول الإفريقية. فالهشاشة المؤسساتية وانتشار الفساد يضعفان من قدرة القارة على التفاعل والتأثير. وبالتالي، فإن إفريقيا مطالبة بإعادة النظر في أنماطها الإدارية، وإعادة تعريف مصالحها الاستراتيجية، والاستفادة من دروس الماضي، خاصة ما يتعلق بالهيمنة الغربية على القارة، واستنزاف ثرواتها من طرف القوى الاستعمارية لعقود دون تقديم نماذج تنموية حقيقية.

    وعليه، فإن صناع القرار في إفريقيا مدعوون لمراجعة تحالفاتهم، والانفتاح على قوى جديدة قادرة على جعل إفريقيا طرفا فاعلا لا تابعا وعلى أساس المصالح المشتركة، كالصين وروسيا.

    لكن هناك من يتساءل هل تمنح السياسة الصينية أو حتى الروسية في إفريقيا، التي تعتمد على الشراكة مع الدول بدون ربط ذلك بقيم مثل الديمقراطية أو حقوق الإنسان، هذه الدول هامشا كبيرا من المناورة والحرية في اختيار الشركاء أم إنها تعيد إنتاج أنظمة ديكتاتورية في القارة؟

    إن روسيا لم تقدّم يوما نفسها للعالم كوصيّ على الديمقراطية أو كمدافع عن الأنظمة الديكتاتورية، كما يفعل النظام الغربي الذي استخدم شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب للتدخل في شؤون الدول الإفريقية وسرقة مقدراتها. بل على العكس تماما، تنتهج روسيا مقاربات تقوم على احترام الدول وعدم فرض نماذج أو إملاءات معينة عليها.

    وتتعامل روسيا في إفريقيا مع دول وأنظمة لها قواعد شعبية كبيرة في بلدانها، وتقدّم حلولا اقتصادية وتنموية تقوم على نقل التكنولوجيات والتقنيات الروسية في مجالات متعددة، سواء الطاقة أو التعليم أو تدبير الموارد المائية، وتشجع الإنتاج والصناعة المحلية، كما تقدم حلولا أمنية للمشكلات التي تواجهها هذه البلدان، وتدعم مشاريع تنموية حقيقية تمسّ حياة الشعوب والمجتمعات، ما يعكس فهما روسيا لحاجيات إفريقيا، بعيدا عن منطق الهيمنة والاستعمار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • معتضد: مقاربة المغرب تجاه إفريقيا تعيد التموقع الدولي حول قضية الصحراء

    حاوره من كندا: مبارك بوعلي

    في ظل التحولات المتسارعة في المشهد الدولي، يطرح حضور المغرب في محيطه العربي والإفريقي، كما في علاقاته الأوروبية والأمريكية، تساؤلات متزايدة حول موقعه ودوره المستقبلي. هل يراهن المغرب على تنويع الشركاء للحفاظ على استقلالية قراره السيادي؟ وكيف يوازن بين الانخراط في الدينامية الدولية وتفادي التبعية لأي محور عالمي؟

    في هذا السياق، تستضيف هسبريس من مدينة مونتريال الخبير الاستراتيجي في التحليل السياسي والعلاقات الدولية المغربي هشام معتضد، مدير المكتب الاستشاري “Group MetaPolicy” في بريتيش كولومبيا الكندية ورئيس منظمة “For Change Africans” الدولية، في حوار خاص حول توجهات السياسة الخارجية للمغرب، ورهاناته الجيو-سياسية في المنطقة العربية والقارة الإفريقية والفضاء الأوروبي والأمريكي.

    كيف يوازن المغرب بين مواقفه المستقلة والضغوط القادمة من محيطه العربي؟

    إن المقاربة المغربية في تعاطيها مع المنظومة العربية لا تنطلق من منطق الانخراط التبعي في تحالفات ظرفية، بل ترتكز على فلسفة استراتيجية تقوم على توطين السيادة “القراروية” في صلب الفعل الدبلوماسي. فالمغرب لطالما تموقع كفاعل مستقل، يؤطر علاقاته الإقليمية ضمن ثنائية المصلحة الوطنية والبراغماتية القيمية، مجسدًا بذلك نموذجًا خاصًا للدولة الوسيطة ذات الاستقلالية “القراروية” داخل نسق عربي يرزح غالبًا تحت ضغط الاستقطاب المحوري.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    إن المملكة، من خلال قراءتها النقدية لمآل الأزمات العربية، اختارت الانخراط الحذر والفاعل، عبر أدوات ناعمة تتجنب الاصطفاف العقيم، وتعلي من شأن مبدأ عدم التدخل واحترام السيادة الترابية للدول.

    ما حدود تأثير المغرب في الملفات الإقليمية مثل ليبيا، فلسطين، السودان واليمن؟

    المغرب لا ينخرط في الأزمات الإقليمية من موقع الهيمنة أو الوساطة النفعية، بل يعتمد مقاربة تقوم على الشرعية التاريخية والدبلوماسية التراكمية التي راكمها في فضاءاته الحضارية المتعددة. فحضوره في ملفات معقدة كالأزمة الليبية أو المسألة الفلسطينية ينبني على ما يمكن تسميته “الحياد النشط”، أي الانخراط المتوازن في تقريب وجهات النظر دون الانزلاق إلى فرض حلول جاهزة. المغرب يوظف أدوات الدبلوماسية الهادئة، مستندًا إلى شبكة علاقات رمزية ومؤسساتية تمكنه من لعب دور الميسر دون استثارة حساسيات السيادة أو المخاوف الجيو-سياسية.

    هل يسعى المغرب إلى لعب دور قيادي داخل الجامعة العربية أم إنه يراهن على شراكات ثنائية مرنة أكثر فاعلية؟

    المغرب يعي تمامًا حدود الفعالية السياسية للمؤسسات العربية الجماعية، وعلى رأسها الجامعة العربية، التي أثبتت محدودية أدائها في تفعيل قرارات نوعية أو التأثير في خرائط النزاعات. ولهذا، فقد انزاح نحو هندسة شراكات ثنائية وتكتلية تتيح تفاعلاً مباشرًا ونتائج ملموسة، في مقابل البنية العتيقة للجامعة. غير أن هذا لا يعني انسحابًا كليًا من المؤسسة، بل دعوة واضحة لإعادة بنائها وظيفيًا، عبر تحويلها من هيئة بيانات أدبية إلى منصة للوساطة الدبلوماسية الفاعلة وإنتاج الحلول السياسية الواقعية. المغرب لا يبحث عن زعامة شكلية، بل عن نجاعة استراتيجية.

    كيف نجح المغرب في تحويل الحضور الاقتصادي إلى ورقة تأثير جيو-سياسي في إفريقيا؟

    اختار المغرب تفعيل ما يمكن تسميته “الدبلوماسية الاقتصادية المتداخلة”، عبر تحويل الفعل التنموي إلى أداة اختراق ناعم للنسق الإفريقي، بشكل يعيد تموقعه في هندسة السلطة داخل القارة. فالمقاربة المغربية لم تكتف بتمويل مشاريع أو استثمارات، بل جعلت من التنمية المشتركة مدخلاً لبناء نفوذ جيو-سياسي طويل المدى، يقوم على منطق الربح المتبادل، وليس المساعدة المشروطة. وهكذا، تحول الحضور المغربي إلى بنية تحتية للثقة، حيث بات يُنظر إلى الرباط كفاعل استراتيجي يمتلك سرديته الخاصة حول إفريقيا ما بعد الاستعمار.

    ما هي حدود هذا النفوذ في ظل التنافس مع الجزائر، وعودة روسيا والصين، والتقلبات في دول الساحل؟

    يدرك المغرب تمامًا أن الساحة الإفريقية لم تعد حكرًا على الفاعلين التقليديين، بل تحولت إلى ميدان مفتوح لتقاطع مصالح القوى الصاعدة والرجوع الطاقي والعسكري لفاعلين مثل روسيا والصين. غير أن المغرب لا يسعى إلى منافسة مباشرة، بل إلى تثبيت نموذج استقرار متدرج يرتكز على الاستمرارية المؤسسية والمصداقية الدبلوماسية، ونجاحه في تغيير تموضع العديد من العواصم الإفريقية حيال قضية الصحراء يعكس فعالية هذا النهج، حيث أصبحت الرباط قادرة على تحويل التراكم التنموي إلى رأس مال دبلوماسي، كما ظهر جليًا في موجة افتتاح القنصليات في الأقاليم الجنوبية.

    هل الرهان على إفريقيا جنوب الصحراء يمكن أن يخلق توازنًا استراتيجيًا في قضية الصحراء المغربية؟

    المقاربة المغربية تجاه إفريقيا جنوب الصحراء تتجاوز البعد الجغرافي لتتحول إلى ركيزة استراتيجية لإعادة التموقع الدولي حول قضية الصحراء. من خلال نسج شبكة علاقات متعددة المستويات، سيادية، مؤسساتية واقتصادية، أصبحت الرباط تؤسس لتحالفات هيكلية قادرة على كسر الجمود الدبلوماسي الذي كان يطبع هذا الملف داخل المؤسسات متعددة الأطراف. كما أن المغرب يتقاطع مع القوى الدولية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين) عبر هذه البوابة الإفريقية، مما يحوله إلى وسيط استراتيجي في الوصول إلى عمق القارة، ويمنحه أوراق ضغط ناعمة داخل المحافل الدولية، حيث أصبحت الصحراء نقطة تقاطع مصالح لا مجرد ملف إقليمي.

    كيف يدير المغرب علاقاته المعقدة مع أوروبا في ظل التحولات السياسية التي تعرفها المنطقة؟

    المغرب لا يتموقع كفاعل تابع ضمن الهيكل الأوروبي المتوسطي، بل كحليف براغماتي يمتلك وعيًا عميقًا بتقلبات السياسات الداخلية للعواصم الأوروبية، وما يستتبعه من انعكاسات على السياسات الخارجية. لذلك، فإن الرباط تبنت في السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته “استراتيجية فك الارتباط التدريجي”، من خلال تنويع الشراكات داخل الاتحاد الأوروبي، وتحويل العلاقة مع مدريد وباريس من مركزية إلى شراكة موزعة. وبهذا، أعاد المغرب تموضعه كرقم استراتيجي مستقل في المعادلة الأمنية و”الهجراتية” الأوروبية، مرتكزًا على الوظيفة الجيو-سياسية التي يقدمها كشريك أمني ووسيط حضاري في الحوض المتوسطي.

    ما ملامح التحالف الجيو-استراتيجي الجديد بين المغرب والولايات المتحدة؟ وهل هو بديل عن أوروبا؟

    التحالف المغربي الأمريكي لا يُقصد به فك الارتباط مع أوروبا، بل يمثل تموقًعا استراتيجيًا ضمن هندسة “التوازن المرن للشراكات”، حيث يشكل بعدًا مكملًا وليس بديلاً. فالرباط وواشنطن تربطهما ثلاثة مرتكزات: شراكة أمنية، عسكرية عميقة ومستمرة (كما يظهر في مناورات الأسد الإفريقي)، اعتراف أمريكي سيادي بمغربية الصحراء، وتقاطعات اقتصادية متقدمة ترسخت من خلال مشاريع استراتيجية كالميناء الأطلسي بالداخلة. هذا التحالف يمثل بوابة عبر-أطلسية للولايات المتحدة نحو إفريقيا، ويجعل من المغرب منصة لوجستية وسياسية حيوية، دون أن يمس جوهر استقلالية القرار السياسي المغربي.

    إلى أي مدى يمكن للمغرب الحفاظ على سيادته في ظل الانخراط في اتفاقيات كبرى مع قوى غربية (الدفاع، الاقتصاد، الاستخبارات)؟

    السيادة بالنسبة للمغرب ليست شعارًا سياسيًا، بل إطارًا مرجعيًا يؤطر كل قراراته الدولية. والانخراط في شبكات التعاون العسكري أو الاستخباراتي مع القوى الغربية يُفهم من زاوية “التفاعل السيادي”، لا التبعية. فالمغرب يدير اتفاقياته من خلال حسابات استراتيجية دقيقة، توازن بين المصالح الوطنية والإكراهات الجيو-سياسية. التجربة التاريخية للمغرب، خاصة في إدارة الأزمات الدولية، أبانت عن قدرة المملكة على فرض معاييرها السيادية، ورفضها لأي وصاية مباشرة أو مقنّعة. إن الانفتاح المغربي على القوى الكبرى يتم في ظل وضوح استراتيجي يعتبر استقلال القرار السياسي خطًا أحمرًا لا يُمس.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • El Periódico Marroquí: حوار شيق مع الدكتور مشيج القرقري

    العرائش نيوز:

    في حوار خاص مع الصحيفة المغربية الصادرة باللغة بالإسبانية El Periódico Marroquí ، قدّم الدكتور مشيج القرقري، الفاعل السياسي والحقوقي وعضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تقييماً شاملاً لمسار الإصلاح والتنمية الذي شهده المغرب خلال 26 سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس.

    وللإشارة، فإن الدكتور مشيج القرقري، يشغل عضوية المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ويتولى مسؤولية العلاقات الدولية مع أمريكا اللاتينية وإفريقيا، كما يشكل جزءاً من لجنة الأخلاقيات بالأممية الاشتراكية. وعلى امتداد مسيرته، شارك في مهام…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عتيق السعيد…26 عاما من الإنجازات الملكية المكثفة وغير المسبوقة

    ما هي أهم محطات 26 سنة من المبادرات والأوراش الملكية للنهوض بوضعية المرأة؟

    حقيقة لا يمكن الحديث عن النهوض بوضعية المرأة وفسح آفاق الارتقاء أمامها، دون التوقف عند التحول النوعي الذي شهدته قضية تمكين المرأة وتعزيز أدوارها، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش المجيد، فقد حرص جلالته على تمكين المرأة من موقع ريادي في صلب عملية بناء مجتمع مغربي متكامل، يقوم على المساواة وتكافؤ الفرص، ويرسخ مساهمتها كشريك محوري في تحقيق التنمية المستدامة وبناء المغرب الحديث. وانعكست هذه العناية الملكية السامية في مجموعة من الإصلاحات والمبادرات التي كرست مكانة المرأة في مختلف القطاعات، ورسخت دورها الفاعل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

    فعلى المستوى السياسي والاجتماعي، شهدت قضية تمكين المرأة تطورا متواصلا تمثل في تعزيز حضورها ضمن آليات صنع القرار والتدبير العمومي، وهو ما تجسد في عدد من القرارات الوطنية الرائدة التي شكلت مكاسب مهمة في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية. وتم هذا المسار في إطار رؤية ملكية متبصرة تقوم على ترسيخ مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، كما عبر عنها جلالته في خطاب العرش لسنة 2022، حيث أكد أن بناء مغرب التقدم والكرامة لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية التي تستلزم ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات.

    يُلاحظ أن حضور المرأة في مختلف الأوراش والمشاريع الاجتماعية أصبح يشكل إحدى أولويات السياسات العمومية،. فقد منحت تصورات النموذج التنموي الجديد للمرأة المغربية آفاقا أوسع للمساهمة الفعلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، سواء من خلال خلق الثروات، أو تأسيس المقاولات المنتجة والمحفزة على فرص الشغل. كما أسهم هذا النموذج في تعزيز حضور المرأة الريادي في مختلف القطاعات، وجعل من تمكينها ركيزة أساسية في التنمية بالأقاليم الجنوبية، وفاعلا محوريا في الأوراش الاجتماعية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. ومن خلال هذه الأوراش الاستراتيجية، ضُمنت للمرأة المغربية أعلى درجات المشاركة الميدانية في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بفضل جهود جلالة الملك الرامية الى تمكين المرأة في إطار ترسيخ حقوقها القانونية والشرعية، ضمن مغرب حديث يضمن للمرأة التمتع الكامل بحقوقها ومكانتها المستحقة في المجتمع.

    • ماذا بخصوص المبادرات الملكية في مجال الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لفئة الشباب، وتحفيز جيل جديد في خدمة التميز والابتكار؟

    يعد الإدماج الاقتصادي لفئة الشباب أولوية استراتيجية لدى جلالة الملك محمد السادس، الذي ما فتئ منذ اعتلائه العرش المجيد يُشرف على إطلاق سلسلة من المبادرات والإصلاحات، التي ساهمت بشكل فعلي في تحقيق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة الحيوية. ويندرج هذا الاهتمام في إطار رؤية ملكية متكاملة تروم تمكين الشباب من الوسائل الكفيلة بتعزيز أدوارهم التنموية، سيما وأنهم يُمثلون ما يقارب ثلث سكان المملكة، ويشغلون موقعا مركزيا في صلب عملية التنمية المستدامة التي تنتهجها البلاد. وتجسد هذه الرؤية الملكية، المبنية على سياسة القرب والعدالة المجالية، مقاربة تنموية شاملة تستهدف تحقيق تنمية بشرية مندمجة ومستدامة.

    وفي السياق ذاته، نستحضر إطلاق جلالة الملك محمد السادس لورش مدن المهن والكفاءات، وهو برنامج وطني متكامل يهدف إلى إحداث 12 مدينة موزعة على مختلف جهات المملكة، يعكس هذا المشروع الرؤية الملكية السامية والعناية الخاصة التي يوليها جلالته لقطاع التكوين المهني، باعتباره رافعة استراتيجية لتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني، ومسارا واعدا للإدماج المهني والاجتماعي للشباب. ويندرج هذا الورش في إطار تفعيل خارطة الطريق الجديدة لتطوير التكوين المهني، التي أطلقها جلالته، والتي تقوم على معايير حديثة في مجال الحكامة المالية والبيداغوجية، وتهدف إلى تحقيق التقائية بين التكوينات وحاجيات سوق الشغل، بما يعزز فرص التشغيل ويرسخ مقومات تنمية مستدامة وشاملة.

    وجسد هذا الورش العناية الملكية السامية التي يوليها جلالة الملك محمد السادس لقطاع التكوين المهني، باعتباره رافعة استراتيجية للتنمية، ومسارا واعدا لإعداد الشباب وتأهيلهم لولوج سوق الشغل والاندماج المهني. ويعد هذا القطاع لبنة أساسية في صرح البناء التنموي والاقتصادي للمملكة، وإحدى الركائز المحورية والآليات الفعالة الكفيلة بإفراز جيل جديد من الكفاءات الوطنية والإفريقية، القادرة على الانخراط النوعي والمباشر في النسيج المجتمعي، بما يعزز دينامية الرخاء الاقتصادي للمجتمع برمته.

    لقد حرص جلالة الملك محمد السادس بعناية مولوية على إطلاق ورش مدن المهن والكفاءات، برؤية ابتكارية رائدة، مكنت المغرب من ترسيخ مسار التحديث المؤسساتي المتواصل، والذي يتجلى اليوم في تطوير عرض التكوين المهني وتحديثه، من خلال اعتماد معايير جديدة للجودة والنجاعة. ويهدف هذا التحديث إلى تحفيز الإقلاع الفعلي لهذا القطاع الاستراتيجي ومواكبته، ليضطلع بدوره الكامل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. خطوة هادفة نحو تأهيل هذه الفئة اجتماعيا واقتصاديا، من خلال فتح آفاق أوسع للاندماج المهني، وتحقيق دخل كريم يضمن الاستقرار الاجتماعي والكرامة.

    • ما هي الإنجازات التي حققها المغرب في مجال تشيد البنيات التحتية وتطورها بالمعايير الدولية؟

    تعد البنيات التحتية أحد أبرز مظاهر الإصلاح والتطور الذي وقف عليه جلالة الملك محمد السادس، بشكل مستمر. وقد تجلت هذه الرؤية الثاقبة في إطلاق العديد من الأوراش الكبرى غير المسبوقة التي تواكب المعايير العالمية، بالإضافة إلى مشاريع جديدة على المستوى الإقليمي والقاري، مما جعل المغرب يتفرد بإنجازات تعتبر رائدة في القارة الإفريقية. وشملت هذه المشاريع تطوير شبكة السكك الحديدية، بما في ذلك القطار فائق السرعة، إلى جانب توسيع شبكة الطرق السيارة والموانئ الكبرى الدولية. كما حقق المغرب تقدما لافتا في مجالات الطاقات المتجددة وصناعة السيارات والطيران واللوجستيك.

    إنجازات تعكس رؤية ملكية حكيمة تهدف إلى تحقيق استدامة في البنى التحتية، كان لها تأثير تحفيزي كبير على النسيج الاقتصادي الوطني والإقليمي. كما أسهمت في تفعيل الاستراتيجيات القطاعية واللامركزية، بحيث إن تطوير البنى التحتية شكل أولوية استراتيجية لدفع عجلة التنمية الشاملة، وضمان استمرارية تقدم المملكة، لتظل أمة ناهضة ومتحركة نحو المستقبل.

    بفضل الجهود المستمرة والقيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، حقق المغرب نقلة نوعية في تأهيل المدن والمجال الحضري، من خلال إطلاق العديد من المشاريع الهيكلية الكبرى. وأسهم هذا التوجه في تعزيز التقدم الذي تم تحقيقه في الورش الملكي للجهوية المتقدمة، حيث تم الانتقال إلى مرحلة جديدة من التطور للمجال الترابي، وقد شمل هذا التطور مجال الربط الداخلي والخارجي بين جميع جهات المملكة، مما ساهم في تحويل هذه الجهات إلى أقطاب اقتصادية وتجارية وصناعية وسياحية وثقافية.

    في هذا السياق، عمل جلالة الملك على إنشاء جيل جديد من المطارات وتطوير النقل الجوي، فضلا عن توفير شبكة واسعة من الخطوط الجوية الوطنية والدولية. ونتيجة لهذه الإنجازات الكبيرة، أصبحت جهات المغرب بمثابة عواصم استثمارية بامتياز، تجذب الاستثمارات الوطنية والدولية، كما قدمت نموذجا يحتذى به في تطبيق نظام اللامركزية وحكامة الجهات، واليوم بلادنا تحظى بثقة المنتظم الدولي في احتضان العديد من التظاهرات العامية، بما يؤكد المسار المتطور الذي بلغته في بنياتها التحتية.

    جلالة الملك محمد السادس عمل على النهوض بالعالم القروي، وجعله عمادا للتنمية الفلاحية وركيزة محورية في استراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، سيما ضمن إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ومنذ 26 سنة، قاد جلالته مسارا تنمويا حثيثا، حيث حظي العالم القروي، والفلاحون الصغار بشكل خاص، بعناية ملكية خاصة تجسدت في وضعهم في صلب التنمية البشرية والقروية. هذه العناية السامية تترجم في تحسين وضعية هذه الفئة. وقد تجسد هذا الالتزام في إطلاق برنامج التنمية الموجه إلى سكان العالم القروي، خاصة الفئات الأكثر فقرا وهشاشة، في خطوة رائدة تهدف إلى تحسين حياتهم وتوفير فرص العيش الكريم.

    • ماذا بخصوص انتصارات الدبلوماسية الملكية وتأسيسها لدينامية دولية للاعتراف بعدالة القضية الوطنية؟

    منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش المملكة، حققت الدبلوماسية الملكية انتصارات كبرى لصالح القضية الوطنية، تُرجمت بشكل فعلي وواقعي من خلال اعتراف عدد كبير من الدول بعدالة الموقف المغربي، وإيمانها العميق بمبادرة الحكم الذاتي كحل جاد وذي مصداقية، وأسهمت هذه الدبلوماسية الحكيمة التي يقودها جلالة الملك في تعزيز إشعاع المملكة على المستويين الإقليمي والدولي في مختلف المجالات.

    وعند تناول العلاقات الخارجية للمملكة، يلاحظ المتتبع للشأن الدولي أن المغرب، بفضل الجهود الحثيثة لجلالة الملك، استطاع تحقيق نجاحات دبلوماسية متوالية حظيت بإشادة دولية واسعة، بحيث مكن هذا المسار الدبلوماسي المتزن والمتبصر من توطيد علاقات استراتيجية مع عدد كبير من الدول، انخرطت بدورها في دينامية افتتاح قنصليات عامة لها بالأقاليم الجنوبية، تأكيدا لموقفها الداعم للوحدة الترابية للمملكة.

    لقد استطاعت الدبلوماسية الملكية تحفيز العديد من دول العالم على افتتاح قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، في خطوة تمثل تأكيدا واقعيا لانتصار دبلوماسية ناجعة وفعالة فقد انتقلت هذه الدبلوماسية من مرحلة تحصين المكتسبات المرتبطة بالقضية الوطنية، إلى مرحلة جديدة تقوم على فرض واقع دبلوماسي متقدم، محوره اعتراف دولي متزايد بمشروعية مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها حلا واقعيا وذا مصداقية ومستداما لهذا النزاع المفتعل.

    تجسد الدبلوماسية الملكية نموذجا فريدا في تحقيق النجاحات المتتالية والاعترافات الدولية بعدالة القضية الوطنية، حيث تمكنت، في وقت قياسي يحمل دلالات عميقة، من تحقيق مكاسب استراتيجية وانتصارات دبلوماسية ملموسة لصالح قضايا المملكة، سيما ما يتعلق بوحدتها الترابية. وتُرجم هذا النجاح من خلال الارتفاع اللافت في عدد القنصليات التي تم افتتاحها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية التاريخي بعدالة القضية ودعمها لمقترح الحكم الذاتي، التوجه نفسه نهجته فرنسا وإسبانيا والبرتغال والعديد من الدول الكبرى ذات التأثير الوازن في الأمم المتحدة والساحة الدولية بشكل عام.

    *أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش- محلل سياسي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مرسوم أثمنة الأدوية.. محمد الحبابي: لا ندافع عن هامش الربح بل عن « الأمن الدوائي » – حوار

    وجهت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب مراسلة إلى رئيس الحكومة بشأن « تجاهل وزارة الصحة لمقترحات كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، ومخاطر مشروع المرسوم الجديد المتعلق بمسطرة تحديد أثمنة الدواء في المغرب على استقرار قطاع الصيدليات »، طالبت من خلالها الحكومة بالتدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ »التنكر » لمقترحاتها.

    في هذا الصدد، أجرى موقع « تيلكيل عربي » حوارا مع محمد الحبابي، رئيس كـونـفـدرالـيـة نـقـابـات صـيـادلـة المـغـرب.

    في ظل ما وصفتموه بـ »التنكر » لمقترحاتكم الشمولية والواقعية ما الخطوات التصعيدية التي تفكرون في اتخاذها إذا استمرت وزارة الصحة في تجاهلكم واعتماد قرارات أحادية الجانب؟

    ما يجب أن يفهم اليوم هو أن هناك غليانا كبيرا داخل الأوساط الصيدلانية ونحاول بشتى الطرق تجنب التصعيد، لذلك قمنا بمراسلة رئيس الحكومة لإيجاد حلول بصيغة مسؤولة، دون اللجوء إلى خطوات تصعيدية، باعتبار هذا الأخير وسيلة فقط وليست غاية.

    تطرقنا للوسائل الأخرى وتركنا الوسائل التصعيدية إلى آخر المطاف إذا لم تتم الاستجابة لمطالب الصيادلة، فنحن أيضا كمركزيات نقابية نستجيب للقواعد الصيدلانية.

    أشرتم إلى أن مشروع المرسوم الجديد يهدد استقرار قطاع الصيدليات ويقصيكم من المشاورات، فهل يمكنكم توضيح أبرز النقاط المثيرة للقلق في هذا المرسوم، وكيف ستؤثر فعليا على الصيدليات وعلى الأمن الدوائي الوطني؟

    وزارة الصحة جاءت بمكتب الدراسات، هذا الأخير قام بدراسة تخص قطاع الأدوية في المغرب، من بين خلاصات الدراسة  أن قطاع الصيدليات  هش جدا، وبالتالي وجب مواكبته فلما استدعانا الوزير لإعطائنا فقط الخطوط العريضة، تم عرضها علينا في شقين.

    الشق الأول يهم مسطرة تحديد أثمنة الأدوية، والشق الثاني يهم الإجراءات المصاحبة لمواكبة الصيدليات للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، غير أنه في الاجتماع الأول مع الوزير قيل لنا إن مسطرة تحديد أثمنة الأدوية ستمر آنيا والإجراءات المصاحبة فيما بعد، هاته النقطة لم نتقبلها لأنه سبق أن تلقينا وعودا من الوزير السابق، بقيت حبيسة الرفوف إلى يومنا هذا.

    فيما يتعلق بمرسوم تحديد أثمنة الأدوية، مكتب الدراسات يقول إن 157 دواء من أصل 5500 المرخصة داخل المملكة، كلها أدوية باهظة الثمن بحيث إن ثمنها يفوق 3000 درهم، وتستنزف 57 في المائة من مجموع نفقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الأدوية، في حين أن الأدوية التي يقل ثمنها عن 100 درهم تمثل فقط 5.5 في المائة من مجموع نفقات صندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

     جاء هذا المرسوم ليضمن الاستقرار الاقتصادي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأنتم تقولون إن 57 في المائة تستنزف من طرف 157 دواء التي هي باهظة الثمن، وطالبنا بخفض أثمنة الأدوية لأقصى درجة، فلا يعقل أن يكون لدينا دواء بـ 5000 درهم في المغرب في حين أنه في دول أخرى يصل إلى 500 درهم.

    نسعى من خلال مطالبنا، إلى وقف النزيف الاقتصادي لصناديق الائتمان، ثانيا سنجعله في متناول المواطن المغربي، ثالثا جل هذه الأدوية تباع خارج الصيدليات، لأنه عندما يتم احتساب الرسوم المؤداة على هذه الأدوية فهي تفوق بكثير الهامش الربحي الجزافي، لأن الصيادلة لهم هامش ربحي جزافي متمثل في 400 درهم، وإذا احتسبنا مجموع الرسوم نجد أننا نؤدي عن رسوم أكثر من الهامش الربحي الجزافي وبالتالي يعتبر خسارة.

    وفيما يتعلق بالسبب وراء انقطاع الأدوية من السوق، فإنه يعزى إلى المصنع أو مستورد الدواء الذي لم يعد يحقق أرباحا، وبالتالي ينقطع الدواء شيئا فشيئا، ثم يعود وينقطع مرة أخرى حتى يتم سحبه بشكل قطعي من السوق الوطني، هنا نلاحظ أن هناك تهديدا للأمن الدوائي، لأن المواطن المغربي عندما يبحث عن الدواء، ولا يجده ينقطع عن العلاج.

    وإذا تفاقمت حالته الصحية وتدهورت ودخل إلى المستشفى، المواطن هو المتضرر الأول وصندوق التأمين.

    في حين هذه الأدوية التي يقل سعرها عن 100 درهم، هامش الربح منها لا يتجاوز 8 في المائة وليس 57 في المائة كما يتم الترويج له، وذلك يتضح من خلال الاتفاقية التي وقعناها مع الإدارة العامة للضرائب، نحن لا ندافع عن الهامش الربحي للصيدلي، بل عن الأمن الدوائي للمواطن.

    مرت ثلاث سنوات على الاتفاق مع الوزير السابق دون تفعيل مخرجات الحوار، ما الذي يعطل تنزيل هذه المخرجات برأيكم؟

     ليست هناك إرادة سياسية محضة من طرف وزارة الصحة قصد النهوض بهذا القطاع، الذي يسدي خدمات كبيرة للوطن والمواطن المغربي، لهذا توجهنا للسيد رئيس الحكومة.

    في 13 أبريل 2023، قمنا بإضراب وطني كان ناجحا 100 في 100، وعلى إثر ذلك تم استدعاؤنا، وقدمنا ملفا مطلبيا لا يكلف الدولة حتى درهما واحدا، في تلك الفترة اعترف الوزير السابق، أيت الطالب، بأن الملف مقبول ولا يكلف الدولة، وبالتالي وجب إحداث لجنة مشتركة بين وزارة الصحة والمركزيات النقابية للاشتغال على هذا الملف المطلبي قصد تنزيله.

    اشتغلنا لمدة سنة ونصف مع الوزير، وكل الخلاصات متوفرة عند وزارة الصحة، اليوم نستغرب استغرابا شديدا لماذا لم يتم تنزيل النقط التي تطرقنا إليها في الملف، والتي تصب في مصلحة المواطن والصيدلي في آن واحد وللنهوض بقطاع الصيدلة في المملكة المغربية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسؤول أممي لـ”مدار21″: المغرب نموذج في تنفيذ رؤية الاقتصاد الأخضر

    في وقت يرسّخ فيه المغرب مكانته كأحد رواد الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر في إفريقيا والعالم العربي، تكتسب النقاشات حول مستقبل الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة بعدًا استراتيجيًا، فمنذ مؤتمر COP22 بمراكش سنة 2016، وُضعت أسس رؤية طموحة للتحول البيئي، واليوم تظهر نتائجها في مشاريع كبرى للنقل المستدام والطاقة النظيفة وإدارة الموارد.

    في هذا السياق، التقت جريدة “مدار21” الإلكترونية بالدكتور لوكا بروسّا، رئيس قسم العلاقات الخارجية بالأمم المتحدة، للحديث عن تقييمه لجهود المملكة، وأدوار المنظمة الأممية في دعم قدراتها، وكيفية جعل سياسات الاقتصاد الأخضر أكثر عدالة وشمولاً في مواجهة التغيرات المناخية.

    في الواقع، مستقبل الاقتصاد الأخضر يعتمد على عوامل عديدة، وأنا سعيد جدًا بوجودي في المغرب، لأن المملكة كانت واحدة من الدول الإفريقية التي قادت حركة الانتقال نحو هذا النموذج.

    أتذكر جيدًا أنني كنت هنا قبل نحو عشر سنوات خلال مؤتمر COP22 بمراكش سنة 2016، وجلست حينها مع بعض وزراء مغاربة ومع أفراد من العائلة الملكية، وناقشنا الرؤية المستقبلية للانتقال الأخضر.

    اليوم، وبعد عقد من الزمن، أرى أن هذه الرؤية قد بدأت تؤتي ثمارها. المغرب نفّذ مشاريع عديدة في مجال الاقتصاد الأخضر، وفتح أوراشًا جديدة في النقل المستدام، وهو قطاع حيوي في بلد واسع المساحة مثل المغرب.

    أستطيع أن أقول إن مؤتمر COP22 شكّل لحظة فارقة في مسار تنفيذ اتفاق باريس، والمغرب لا يزال إلى اليوم في موقع الريادة على مستوى الاقتصاديات الخضراء.

    الأمم المتحدة منخرطة بشكل واسع في المغرب. فخلال المنتدى الإقليمي، استمعنا إلى المنسق المقيم للأمم المتحدة وهو يقدّم أمثلة عديدة على الشراكات الجارية بيننا وبين المؤسسات المغربية، إذ تلعب الأمم المتحدة دورًا تنسيقيًا في الكثير من الأنشطة. وأؤكد أن المفاوضات تظل أساسية لتحويل ما يُقرَّر في مؤتمراتنا إلى واقع ملموس.

    مكاتبنا في المغرب، وفي بون حيث أعمل، وكذلك في نيويورك، كلها على اتصال دائم لدعم هذا المسار.

    نحن مقبلون على مؤتمر الأطراف (COP30) الذي سيركّز على “المساهمات المحددة وطنيًا” (NDC)، وهي التزامات كل دولة لضمان البقاء على مسار 1.5 درجة مئوية.

    ومن أجل ذلك، نحرص على أن نكون حاضرين ليس فقط على الأرض لدعم المشاريع، ولكن أيضًا لمواكبة المغرب على مستوى الإطار المؤسساتي والقانوني الذي يحتاجه لتنفيذ اتفاق باريس بكفاءة.

    هذا سؤال بالغ الأهمية، لأنه يتعلق بجوهر العدالة المناخية، والهشاشة لا تخص المغرب فقط، لكنها واقع عالمي، غير أنني أعتقد أن المملكة تتقدم بسرعة نحو حلول أكثر صلابة.

    القضية ترتبط بالبنية التحتية أساسًا. سمعنا في المنتدى الإقليمي عن أفكار جديدة في النقل الأخضر وعن تقدم في الطاقات المتجددة، لكن لا قيمة لكل ذلك إذا لم تُهيَّأ البنى التحتية الضرورية.

    من السهل الحديث عن مئات الحافلات الكهربائية، لكن من دون طرق مجهزة لن نحقق الأثر المرجو.. الأمر نفسه بالنسبة للطاقة المتجددة، إذا لم يتم تحديث شبكات الربط الكهربائي، سنهدر جزءًا كبيرًا منها، وينطبق ذلك أيضًا على الماء الذي يمثل ملفًا حيويًا في مناطق عديدة من المغرب.

    دور الأمم المتحدة هنا يتجاوز تقديم النصائح المباشرة، فنحن نخلق أيضًا فضاءات للنقاش، مثل هذا المؤتمر، حيث تُتبادل الخبرات وتُبنى الشراكات. على سبيل المثال، استمعنا اليوم لتجارب رائدة من هيئة دبي للكهرباء والماء، وهذه الخبرات يمكن نقلها إلى أرض الواقع في المغرب.

    علينا أن نسرّع وتيرة الحلول المناخية، لأن تغير المناخ يتفاقم، والضرر الأكبر يقع على الفئات الهشة. ومن هنا تأتي أهمية العمل المشترك لزيادة الطموح وتكثيف الجهود في الاقتصاد الأخضر ليكون أكثر شمولًا وإنصافًا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الجالية المغربية تتذمر من غلاء المعيشة بالمغرب وسط ارتفاع الأسعار وغياب المراقبة

    العرائش نيوز: تحقيق خاص

    عبر عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج عن استيائهم الشديد من الارتفاع الصاروخي الذي شهدته أسعار مختلف المواد والخدمات خلال عطلتهم الصيفية بالمغرب. حيث اصطدموا بواقع اقتصادي صعب يتسم بارتفاع كبير في تكلفة المعيشة، وغياب شبه تام للمراقبة.

    من أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى تكاليف التنقل، مرورا بالمطاعم والمقاهي، وأيضا الكراء والعقار، لم تسلم أي خدمة من لهيب الأسعار. يقول محمد، مهاجر مغربي مقيم في بلجيكا، في تصريح

    للعرائش نيوز: “تفاجأنا بزيادات خيالية في كل شيء، حتى زجاجة الماء المعدني عرفت زيادة في ثمنها، ناهيك…

    إقرأ الخبر من مصدره