Catégorie : رآي

  • اِسْتِفْزَازُ التَّفَاهَةِ .. !

    صالح أيت خزانة

    تعيش بعض الصالونات الفكرانية، في هذه الأيام، على هامش اهتمامات المغاربة، وانشغالاتهم، بل على هامش التاريخ، والجغرافيا، والحياة. فقد انبرت أصوات من داخل الفكر(السوسيولوجيا)، تعالج انتظارات المغاربة من زاوية “اللامفكر فيه”، لتوهمنا بأن مشاكل المغاربة، ليست مع الشغل، أو الخبز، أو الصحة، ولا حتى مع الديمقراطية، وحقوق الإنسان،… ولكن مشاكل المغاربة مع فروجهم. ولا بد من إيجاد حلول لها، ولكن ليس من خلال مشاريع للتنمية، أو من خلال رؤى استراتيجية، اقتصادية واجتماعية، ولكن من خلال تحرير علاقاتهم الجنسانية، وتمكينهم من استراق المتعة المتاحة، من المثلية، ومن العلاقات الرضائية بين الذكور والإناث،…. فهذا ما سيحقق خبزهم، وشغلهم، وصحتهم، ويقيهم من أمراض الكبت، والتطرف، والظلامية التي يٌشَرْعِنُ لها الدين حينما يحرم العلاقات الرضائية، خارج مؤسسة الزواج، ويشرعن لها القانون حينما يجرم هكذا علاقات، ويعاقب عليها!.

    إذن، مشكلتكم أيها المغاربة، وجدناها. تحرروا من مكبوتاتكم الجنسية، وناضلوا من أجل إسقاط عصا الدين والقانون؛ ستتحرر حياتكم، وتتحقق انتظاراتكم في الصحة، والشغل، والتنمية، والديمقراطية،.. يقول لكم السياسي التائه، والسوسيولوجي التافه !! .

    ليس غرضنا، هاهنا، أن نرد بالدين والقانون، ولا حتى بالعقل والمنطق، على تفاهات، لأسماء مغمورة في سجل معارف المغاربة؛ فنقيم لها وزنا، ونحن نعلم أنها من أجل “البوز” انبرت تخالف دين المغاربة، وحضارتهم، وتقاليدهم، والتزاماتهم الاجتماعية، وقوانين بلادهم، بعد أن فشلت في تدبير ما أُؤْتُمِنت عليه. فكان السهل عندها هو الإثارة، للفت الأنظار، وإيجاد مواقع ذكر وسط الناس، ولوعن طريق اللعنات. ولكن غرضنا أن ننعى على من تساقط على عقبه يرد في حماسة منقطعة النظير على من ضل به سبيل الحق، وظن أن في مخالفة نواميس الكون، وسنن الله في خلقه، خلاصا لهذه الأمة؛ فانطلق يرد بشراسة، وكأن دين الأمة، وقانون البلاد سيتبخران  بصيحة خرقاء من تافهين وتافهات، غايتهم إثارة الانتباه، لكسب شيء من الاعتبار، بعد أن فقدوه في سوق المدافعة والتدافع من أجل الانعتاق، والتنمية، والكرامة.

    لقد قرأنا ردودا على هذه الإثارات، فكانت عبارة عن صواعق من لُعَب عاشوراء، تتساقط لتحدث أصواتا دون آثار، مما زاد في الهياج الفارغ للمُدَّعين، وأعطاهم ذكرا بعد غمور، وتحول الرد إلى ظلم مبين، وهجوم على الحريات الفردية التي كفلها الدستور، والقانون، بل والدين،… وأصبح من استفز أخلاق المغاربة، ووعيهم الجمعي الديني، معتدىً على حقه في التعبير، وعلى حرية الناس في العيش كما يرغبون، ولو على خلاف ما تواضع عليه المغاربة، في علاقاتهم الاجتماعية التي ينظمها القانون، ويؤطر روحها الدين. فكانت زوبعة مقصودة الإثارة، وكان لهم ما أرادوا بعد أن التقطت مصيدتهم (الإثارة)، جماعة من متعصبي الفكر، و حراس المعبد، يردون، في بلاهة، بثمار على حجارة، كما القرود على أغصان الأشجار المثمرة؛ سواء بسواء !!.

    فلا الذين استفَزُّوا وأثاروا الخصوم بلغوا شيئا مما أمِلوا، ولا الذين استُفِزُّوا وانبرَوا يردون، في جوقة طفولية، على تفاهات ، هي  لدى أصحاب العقول، مرثية ضائعة، ما استطاعوا أن يحركوا من راكد الهوس العلماني شيئا . فكلا الفريقان سقط في فخ الشرود، والتهافت،  في وقتٍ حاجة المغاربة إلى الأهم، والأنفع؛ أبلغُ، وألحُّ.

    لقد ران زمانٌ على الصراع الإيديولوجي بين خصوم اللعبة السياسية، ظننا أنه قد انتهى إلى الأبد، وحسبنا، في بلاهة سياسية، ربما، أن القوم قد ترفَّعوا عن مواطن الخلاف غير المنضبط إلى عقل وسياسة واجتماع، وقد استقر الصراع على أرض المشاريع والبرامج، والعقبى لمن يقدم أحسن، ويقترح أفضل، من أجل حياة المغاربة المعيشية؛ صحة، وتعليما، وشغلا، وحقوقا سياسية واقتصادية،… لكن يظهر أننا نعيش الوهم. فلا زال البعض يحنون إلى الصراع البائد، ويستدعونه كلما أعوزتهم ساحة العطاء المفيد، أن يقدموا شيئا للمغاربة، ينتشل انتظاراتهم من درك الملل، إلى فضاء الأمل.

    فكلما تحرك الخصم الأيديولوجي نحو ساحة العطاء المفيد، كلما أثار خصمُه “ما لا علاقة”، وأحدث حَواليْهِ ضجيجا، ليُلفت الانتباه، ويشغل القوم بالتفاهة، ويكسب من الناس ما قد يفرمل اندفاع الطيبين نحو العُلى، والتَّمَكُّن. وقد يحدث أن تُجارَى تفاهاتهم، وتشغل بعض الطيبين العقلاء، إلى حين. ليتحقق المقصود الخبيث لإياهم. وهو ما يحدث هذه الأيام.

    أجل، سيخطئ كل من جارى هذه التفاهات، وظن أن الحق الذي معه، كفيل بأن يَتَلَقَّفَ باطل ما عندهم، في مجالٍ الصوابُ فيه حق، والخطأ فيه باطل. وقد نبهنا، في أكثر من مقال سابق، إلى أهداف هذا الفريق، و أرشدنا إلى عدم الالتفات إليه، وعدم إعياء النفس والعقل بالنبش في خلفياته، والبحث عن قواصم للرد عليه، فإن الباطل (ونقصد به، هاهنا، ما خالف إجماع الأمة، وما قره الدين والقانون )، لا أخلاق تؤسس له، ولا منطق يصلح لحواره ومحاججته، لأنه، بكل بساطة، باطل وكفى!!.

    لو كلُّ كلبٍ عوى ألقمتُه حجرًا   ==  لأصبح الصخرُ مثقالاً بدينارِ

    دمتم على وطن.. !!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابنتك في المخيم.. قضايا ووصايا

    الحبيب عكي

    صحيح أن أفضل المخيم ما اجتازه الطفل (ة) على السجية.. دون برمجة (Programmation) ولا وصاية (tutelle) إلا ما كان من رغبته وقناعته، وتلك هي الطريقة المثلى لتكوين شخصيته المتميزة وتفعيل فرادتها عند اتخاذ قراراتها. لكن، وباعتبار الطفل (ة) لا يزال في مرحلة النمو.. واستكمال شخصيته.. وبناء تصوراته وتصرفاته، وباعتبار تعدد المرجعيات التي تقتحم عليه حياته دون استئذان، وهي لا تفتىء تؤثر على اختياراته وتحسم في قراراته، بالإيجاب أو بالسلب أحيانا.. سواء ما كان من المدرسة والشارع والأصدقاء.. أو من الإعلام.. وبعض الثقافة المكتسبة هنا وهناك.. أو من الأقرباء من الكبار والأقران من الصغار، فيستحسن أن يكون للطفل(ة) تفكير مسبق في بعض الأمور والقضايا، وبناء رؤيته المسبقة اتجاهها رفقة الآباء باعتبار مسؤوليتهم التربوية والاستشارية والحمائية اتجاه الأبناء، ودون فرض رأي ولا مصادرة صغر؟.

    ليكن إعدادك لابنتك للمخيم إذن، في إطار مساعدتها على اجتياز مرحلة تخييمية مريحة، لا تشعر فيها بالاضطراب ولا بتضارب المرجعيات وتنازع الوجهات فيما تتعرض له من وضعيات ومواقف، وخير إعدادك لها هو تركيزك معها على المرجعية الفكرية العامة لفهم قضاياها وتحليلها.. فهم وضعياتها واستلهام حلولها، وكذلك على منهجية التفكير السليم والمنطقي للوصول إلى هذه الحلول، وضمن ذلك في مرتبة معينة إمكانية عرض الأمر على المربية في المخيم قصد التشاور والتداول فيه بقدر ما يحصل بينها وبين الطفلة من ثقة؟. أمر آخر أساسي هو إشعار البنت وإفهامها على أنها عند مغادرة البيت فهي حرة في اختياراتها ومسؤولة عن قراراتها، وأنه بقدر ما الصواب يؤدي إلى الخير فإن الخطأ يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وعندها فإن الآخرين لن يتحملوا معنا نتيجة أخطائنا، فلنبتعد عن تقليدهم وعن إدخالهم في قضايانا ما أمكن؟.

    وعموما، فتأطير البنات في المخيم لا يطرح في الغالب إشكالات كبيرة، ولكن بعض الوضعيات تجعلهن ربما كبعض أمهاتهن مغلوبات على أمرهن فلا يدرين كيف يتصرفن أو يتصرفن بعفوية وعاطفة غير محسوبة الخطوات ولا مضمونة المآلات، ومن ذلك بعض القضايا التي رأيتهن يتخبطن فيها وتفقدهن تدبيراتها بعض توازن الشخصية التي جئن إلى المخيم بحثا عن تقويتها، فمثلا:

    هناك حمولة الثقافة الأسرية الثقيلة من عادات وتقاليد.. يصعب فهمها.. قبولها.. فبالأحرى تجاوزها.. والواقع أن في أسرنا الصائب ينبغي تثبيته وغير الصائب وينبغي تغييره بالعودة إلى المرجعيات العقدية والحقوقية السليمة.

    اضطراب بعض المفاهيم الأساسية في حياة الطفل(ة) وبالتالي اضطراب تعامله مع الآخرين.. كالخلط بين الحياء والخجل.. والحق والواجب. والجرأة والوقاحة.. والحيلة والخبث.. والضعف والصبر..، وخير الأمور أوسطها: ” لا صلبا فيكسر المرء ولا رطبا فيعصر”؟.

    ظهور العديد من مظاهر الفقر العاطفي الذي يعاني منه الأطفال بشكل عام وبشكل مهول، فيتمظهر بالتباهي وتحسيس الآخرين بالدونية.. والأنانية وحب السيطرة على كل شيء.. والتطلع المبكر إلى عالم الكبيرات واختصار الأنوثة والقبول في كل ذلك.. اللباس.. الموضة.. التزين(ماكياج).. التسريحات.. آخر صيحات الهواتف وأبهضها؟.

    إتقان الأعمال المنزلية والأعمال الفنية.. وهذا أمر طبيعي، ربما بحكم الاستئناس بالأمهات وما حبا الله بناتهن من أصوات جميلة ومشاعر مرهفة.. ولكن في المخيم هناك أشياء كثيرة وأهم لا بد أن يسجلن فيها تفوقهن كذلك، وقد لا يفعلن؟.

    بعض الإناث وكأنهن مثل بعض الذكور.. ليس في طريقة اللباس والكلام والعادات والاهتمام فحسب، ولكن أيضا في عدم الحرص على الممتلكات الخاصة.. ولا ترتيبها.. ولا الحفاظ عليها.. مما قد يسبب في ضياعها أو سرقتها، وإن بشكل غير مقصود؟.

    وضعيات محرجة وغريبة:
    هناك بنات يسبحن بلباس السباحة.. وبنات يسبحن بلباسهن.. وبنات لا يسبحن إطلاقا ولو مرة واحدة خلال المرحلة التخييمية ككل، تعلق الأمر بالشاطئ أو بالمسبح؟.
    بنات محجبات وغير محجبات، يسرحن شعرهن بأنفسهن.. وأخريات بمساعدة زميلاتهن و مؤطراتهن.. وأخريات لم يحللن شعرهن المخبل ولو مرة واحدة طيلة المرحلة.. وقيل ربما بوصية من أمهاتهن؟.
    بنات يحافظن على الصلاة في وقتها ومع الجماعة.. وبنات يبقين يجمعنها إلى الليل كأنهن في الدراسة.. وبنات لا يصلين ولو ركعة واحدة طيلة المرحلة.. ولو حتى صلاة الجمعة؟.
    بنات يحترمن المرافق الصحية الخاصة بهن والخاصة بالذكور.. ولكن يفتقدن إلى آداب الاستئذان والمرافقة عند الذهاب إلى مراقد الذكور وخيامهم لقضاء غرض ما، أو ربما لأن الأمر عندهن يتم جهارا نهارا، فلا داعي؟.
    بنات بقدر ما يكون لديهن إقبال وانشراح في الأعمال والورشات المشتركة، بقدر ما يتركن كل ذلك في الورشات فحسب، ولا يجعلن له امتدادا خارجها مهما كانت الظروف والدواعي؟.
    بنات يخرجن بصداقات مختلطة.. وبنات بصداقات من جنسهن.. وبنات بصفر صداقة ذكور، ويعتبرن ذلك تحرشا قد يستمر ما بعد المخيم، على شكل مكالمات ودردشات وتبادل زيارات وخدمات؟.
    بنات يأكلن كل شيء في المخيم.. وبنات يعفن ويمتنعن عن بعض المأكولات.. وبنات لا يكدن يأكلن أي شيء غير “السقاطة” رغم محاولات المؤطرين و المؤطرات إثنائهن عن ذلك دون جدوى؟.
    بنات وكأنهن مقاولات ورجالات أعمال.. لا يتوقفن من المكالمات مع أسرهن وكأنهن لسن في المخيم.. (رغم جمع الهواتف عموما)، وبنات لا يهاتفنها إلا لماما وكأنهن معهن في المنزل ولم يغادرنه إلى أي شيء؟.
    بنات يشتكين من كل شيء إلى مربياتهن وربما إلى رئيس الجماعة أو مدير المخيم، ولا يقبلن من التأديب ما يستحقن، وبنات لا يشتكين من أي شيء، وإذا ما حدث لهن شيء فسرعان ما يتمكن من حله وتجاوزه بأنفسهن؟.
    بنات يكدن يأتين على مصروف جيبهن من الأيام الأولى للمخيم فيفلسن أخره، وبنات يقتصدن بجد ويوفرن الكثير لخرجة التسوق وشراء الهدايا، وربما يوفرن أو يقرضن غيرهن؟.
    بنات لدهين وعي بحيضهن وطوارئهن وخاصة اليافعات.. وبنات ليس لديهن أي وعي بذلك، ويصدمن إذا ما صادفنه، وبعد الاستئناس وتجاوز الصدمة، قد لا يمنعهن ذلك الطارئ من ممارسة أي نشاط حتى الصلاة؟.
    بنات يفزن بجوائز التشجيع والاستحقاق في المسابقات والابداعات.. وأخرى في السلوكيات والشخصيات المثالية ويفتخرن، فبأي جائزة تريد أنت أن تفوز ابنتك، ولأي جائزة ساهمت في إعدادها وكسبها؟.

    هذه بعض دواخل المجتمع التخييمي، تظل العديد من إشكالاته محط برنامج الجماعة المخيمة ككل، تسدد وتقارب نحو أوسط الأمور وأصوبها، ويبقى من مسؤولية المربي والمربية – بالدرجة الأولى – ضرورة الوعي بها.. والاجتهاد في مواكبتها وحلها.. بمشاركة زملائه وأبناء فرقته طبعا، هؤلاء الأبناء الذين كلما سبق إليهم بعض الوعي بمثل هذه الوضعيات.. كان العمل على حلها سهلا وتجاوزها ممكنا.. وفي مصلحتهم قبل غيرهم ثم في مصلحة المخيم والجماعة كلها؟. وهذا الوعي أرى أن للآباء والأمهات دور كبير في غرسه وتحسيس أبنائهم وبناتهم به، ليس تحملا لمسؤوليتهم وإعدادا لأبنائهم لمخيم ناجح فقط، بل كأسلوب حياة حواري دائم يمنحهم النضج المطلوب والشخصية المندمجة بشكل أفضل؟.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التعديل الحكومي بين تنبؤات الصحافة الفرنسية وتقاليد الدولة المغربية

    عبد العالي عبد ربي

    منذ أن تنبأت مجلة جون أفريك الفرنسية بتعديل وزاري قريب، حددت المستهدفين منه في كل من وزير العدل ووزير التعليم العالي المنتميان لحزب الأصالة والمعاصرة، أصبح الشغل الشاغل الوحيد الأوحد لوسائل الإعلام عندنا، بمختلف تلاوينها وأشكالها وانتماءاتها، مهللة بهذا الصيد الثمين الذي صادته صحافة ماما فرنسا. فأصبح هم المتدخلين والمحللين؛ وما أكثرهم، هو الكشف عن خبايا مزعومة في الخبر، والغوص في تفاصيله، وتفسيره وتأويله، وربما التنبؤ بمزيد من ضحايا هذا التعديل المنتظر. وأصبح الكل لا ينتظر سوى التوقيت الذي سيتم به تنزيله. بل منهم اعتمادا على ما تم نشره، وضع سيناريوهات باحتمال سقوط وجوه أخرى، والأنكى من ذلك في السيناريوهات التي تنبأت بدخول أطراف أخرى الحكومة لم تمنحها صناديق الاقتراع تلك الإمكانية.

    وهكذا فقد ربط البعض التعديل بغضبة ملكية محتملة نزلت على رأس الوزيرين المستهدفين. وهو ما جعل معاول التنقيب والبحث تغوص في أعماق التاريخ البعيد للرجلين، متحدثة مرة عن تسريب تسجيل صوتي للأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وزير العدل انتقص فيه من قيمة العدالة باحتمال معالجة قضايا بطرق غير تلك المتعارف عليها، كما لم يسلم زميله في الحزب من الإشارة إلى ملفات فساد محتملة سبق أن أثارتها بعض المنابر الإعلامية. لكن الغريب في كل هذا وذاك أن لا أحد من المحللين والمفسرين والمهللين والمتحدثين المفوهين تساءل عن صحة الخبر ومصداقيته، في وقته ردده الجميع على أنه الكلام الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، لم لا؟ والخبر نشرته صحافة ماما فرنسا، دون استحضار لا صيغته التي ورد عليها الخبر في المجلة المذكورة، ولا سوابق الصحافة الفرنسية في إخلافها الموعد في مناسبات مماثلة سابقة، ولا حتى الظرفية المطبوعة بتوتر العلاقات بعد إصرار فرنسا على رفض منح التأشيرات لعدد من المغاربة. هذه الأمور، وغيرها جعلنا نخرج ببعض الملاحظات، نجملها في الآتي:

    غلب النقل على تناول الصحافة المغربية لهذا الخبر، وذلك بالاكتفاء بما أوردته المجلة من معطيات، دون التساؤل عن صحة ما تم نشره، علما أن من أهم مبادئ العمل الصحفي، التأكد بما وصل الإعلامي من أخبار من مصادرها الطبيعية، وهو أمر إن تم، كان سيغني الخبر بمعطيات لم يوردها المصدر الأول. ولعل ما يدفع إلى هذا الاتجاه، هو الصيغة التي أوردته المجلة الفرنسية من إغفال للإشارة لمصدر الخبر، والاكتفاء بالإشارة إلى “معلوماتنا” وهي صيغة أبعد ما تكون من المهنية، أو على الأقل، تدفع إلى الشك في صحة الخبر.

    ومما يدفع إلى التشكيك في محتوى الخبر، ربطه باجتماع سري جمع رئيس الحكومة بمستشار الملك. فكيف نتحدث عن اجتماع سري سُربت نتائجه؟ فعن أية سرية تتحدث المجلة؟ إلا إذا كان الأمر يتعلق إما بضرب في مصداقية الرجلين وهما رجلي دولة يحترمان تقاليد التعاطي مع اللقاءات التي تُعقد بعيدا عن أعين الكاميرات، أو بضرب من تحت الحزام؟

    التجربة أبانت أن مثل هذه القضايا المرتبط بالسيادة الوطنية، لا يتم الإخبار بها إلا عبر وسائل الإعلام الرسمية. فحين تجد غيابا تاما لخبر التعديل المحتمل في قصاصات وكالة المغرب العربي للأنباء، ولا في الإذاعة الوطنية ولا على شاشة الأولى، فلا يمكن التعامل مع الخبر على أنه صحيح. وقد يقول قائل إن وسائل الإعلام الرسمية تقدم الخبر بعد وقوعه، وأن باقي الوسائل اعتماد على وسائلها الخاصة وقربها من مطبخ القرارات يجعلها تتنبأ بالأمر قبل حدوثه، لهؤلاء نشير إلى سوابق نفس المجلة حين تنبأت بتعديلين في عهد حكومة بنكيران، ومن بعده العثماني، فأخلفت موعدها بتحقيق سبق صحفي، وذلك أنها لم تدرك أن “الدولة المغربية لها منطقها وتقاليدها في تدبير التعديلات الحكومية… التي … قد يتم التراجع عنها حين يتوقع الإعلام حدوثها بالتفاصيل” كما أشار المحلل عمر الشرقاوي في تدوينة له..

    إقرأ الخبر من مصدره

  • البوليس بين “الهيبة” و”السيبة”

    عزيز لعويسي

    لايمكن مهما تعمقت بؤرة الاختلاف، إلا الاتفاق أن العبث بلغ مداه والتهور تجاوز منتهاه، في ظل ما وصلت إليه منظومة القيم والأخلاق من تراجع يدور في فلك الإفلاس، وفي هذا الصدد، لسنا ملزمين لفض بكرة هذا العبث أو اقتحام خلوة ذاك التهور، مادامت مشاهد الانحطاط بكل تمظهراته، باتت الطابع المميز لواقع اجتماعي لم يعد بيته يسر الناظرين.

    وإذا كان لامفر من إعطاء المثال وإثبات الدليل، فيكفي قولا أن الشرطة التي يفترض أن توفر الحماية للمواطنين وتقوي فيهم الإحساس بالأمن والاستقرار والطمأنينة، لم تعد عناصرها تسلم من نيران الوقاحة وأيادي العنف والانفلات، وسط حالة من الفرجة، لا تغيب فيها فقط، الحلول الناجعة من جانب صناع القرار السياسي والقضائي والأمني والحقوقي، حماية لموظفي الشرطة مما بات يطالهم من تجاوزات واعتداءات بمناسبة ممارسة واجبهم المهني، بل وتشجع “الصعاليك” والخارجين عن سلطة القانون، على التمادي في إنتاج المزيد من العبث وإفراز ما هو متاح وممكن من التهور والتفسخ والانحلال.

    مناسبة هذا الكلام، العنف الذي طال قبل أيام، شرطي مرور بالدار البيضاء أثناء مزاولة مهامه الاعتيادية بالشارع العام، من قبل شخص “صعلوك”، لم يجد حرجا أو حياء في محاولة تعريض الشرطي للضرب والجرح باستعمال عصا طويلة، وقد وثق هذا الحادث من خلال شريط فيديو قصير تم تداوله على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، يظهر شخصين، أحدهما يمتطي دراجة نارية مشكوك في أمرها، والثاني يواجه شرطي مرور بزيه الرسمي بواسطة عصا، في الوقت الذي اكتفى فيه الشرطي “المغلوب على أمره” بالمرواغة، تفاديا لإصابته.

    المشهد الدرامي الذي كانت الدارالبيضاء مسرحا له، تزامن تقريبا مع حادث مماثل بمدينة الحسيمة، وبين المشهدين المؤلمين، تم التموقع في صلب واقع سوسيومجالي “مأسوف عليه”، يفرض دق جرس الإنذار أكثر من أي وقت مضى، لأن شيوع ثقافة تحدي الشرطة والجرأة في تعريض موظفاتها وموظفيها إلى الاعتداءات اللفظية والجسدية أثناء ممارسة وظائفهم الاعتيادية بالشارع العام بدون خجل أو حياء أو خوف، معناه أن سيل “السيبة” بلغ الزبى، وجليد “الهيبة” آخذ في الذوبان الصامت، في ظل الارتفاع المقلق لحرارة التهور والعبث والانفلات.

    واقع لايفرض فقط، دق جرس الإنذار، بل والتنديد العلني بكل الممارسات “اللامسؤولة” أو “الهمجية” على الأصح، التي تستهدف الشرطيين بمناسبة ممارسة مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، لما لها من مساس جسيم بصورة الأمن الوطني ومن تأثير على صورة المؤسسة الشرطية في المجتمع، ومن تبخيس واضح لما تضطلع به من مهام جسام، في سبيل فرض النظام العام وما يرتبط به من أمن وصحة وسكينة، ومن تكريس لثقافة الإحساس بانعدام الأمن لدى المواطنات والمواطنين، وهذه الممارسات لابد من التصدي لها بما يلزم من الجدية والحزم، لكبح جماح ما تنتجه شوارعنا من “متهورين” و”صعاليك” و”خارجين عن القانون”، حرصا على قوة الدولة ومكانة ورمزية أجهزتها ومؤسساتها.

    وإذا كانت مسؤولية الحرص على “الهيبة” ملقاة على المؤسسة الشرطية ذاتها، التي لابد لها من المضي قدما في اتجاه حماية أمن وسلامة منتسبيها بمناسبة ممارسة مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، عبر آليات “الجدية” و”الصرامة” في التصدي لكل التجاوزات والاعتداءات احتراما لسلطة القانون، فهي أيضا مسؤولية السلطة المعنية بأمر التشريع، التي لابد لها أن تجتهد في تقديم حلول تشريعية “مبتكرة”، قادرة على إنتاج قواعد قانونية صارمة “تحمي” الشرطيين في الشارع العام في ظل اشتداد درجة حرارة “السيبة”، وتوفر لهم مناخا مهنيا ملائما، يسمح بتحمل المسؤوليات الأمنية كاملة، بعيدا عن مفردات “الخوف” أو “التردد” أو “التراجع” .

    بالعودة إلى ما وقع لشرطي الدار البيضاء وزميله بالحسيمة، قد يقول قائل أن الشرطيين كان لهما أن ينتقلا إلى مستوى الصرامة والقوة دفاعا عن النفس ولو تطلب ذلك إشهار السلاح الوظيفي أو استعماله عند الاقتضاء، بدل التعامل مع الموقف بطريقة سلبية حاملة لمشاعر الخوف والتردد، بكل ما لذلك من مساس بصورة الشرطة ورمزيتها، ومن تبنى أو يتبنى هذا الطرح، نثير انتباهه أن الكثير من الشرطيين، تنتابهم مشاعر القلق والتوجس والتردد والحيطة والحذر أثناء التدخلات، خاصة في الحالات التي تكون مقرونة بنوع من التحدي والمقاومة والعنف وعدم الامتثال من جانب بعض الأشخاص المشتبه في ارتكابهم لأعمال إجرامية، حيث يحسبون ألف حساب، قبل الإقدام على أي تدخل، قد ينتهي وراء القضبان أو بالعقوبة الإدارية، في ظل التعقيدات التي تعتري عملية استعمال السلاح الوظيفي في حالة الدفاع الشرعي، والضبابية التي تحوم حول المطاردة البوليسية بالشارع العام، وهذا الواقع المهني، يقتضي كما تمت الإشارة إلى ذلك، الرهان على “التشريع”، من أجل تنزيل جيل جديد من القوانين الشرطية، قادرة على توفير الحماية اللازمة للشرطيين، تقطع مع مشاعر التردد أو الخوف أو التراجع أو الخضوع، في ظل شيوع ثقافة “السيبة” وما يرتبط بها من عبث وتهور وانحراف.

    وإذا كان الشق التشريعي أمرا لا محيد عنه، فإن الرهان على الوسائل والتقنيات الحديثة والبديلة، بات ضرورة ملحة أمام جائحة السيبة الآخذة في التمدد والانتشار، وفي هذه الإطار، فإذا كانت المديرية العامة للأمن الوطني، قد بادرت قبل أسابيع، إلى اعتماد منظومة جديدة ومتطورة من الأسلحة والمعدات الوظيفية، موجهة للاستعمال من قبل موظفي الشرطة في حالات التوقيف المقرونة بالمقاومة وعدم الامتثال من قبل المشتبه في تورطهم في اقتراف جرائم، فإنها مطالبة باستعجال تعميم هذه المنظومة الجديدة على جميع الفرق والدوريات العاملة بالشارع العام، لما لها من دور في التقليل من حالات استعمال السلاح الوظيفي، وإتاحة وسائل بديلة، من شأنها تمكين الشرطيين من التوقيع على تدخلات أمنية ناجعة وفاعلة، في الحالات الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، وضمان المحافظة على سلامة الشرطة والمواطنين على حد سواء.

    وعلى غرار السلاح الوظيفي، فإن “الوسائل البديلة” المعتمدة، لابد أن تكون مؤطرة قانونا، من حيث ظروف وحالات الاستعمال، حتى لا تتحول إلى وسائل بديلة للتجاوز أو الشطط أو المساس بالحريات، وإذ نثمن النفس الإصلاحي والتحديثي للمديرية العامة للأمن الوطني وما وصلت إليه من إشعاع إقليمي ودولي، نثير الانتباه، إلى أن موظفي الشرطة، بقدر ما هم في حاجة إلى الحماية على مستوى القوانين والوسائل والمعدات الحديثة والتكوينات المستمرة، فهم أيضا في حاجة إلى الحماية الاجتماعية والنفسية والمادية، لأن القوانين والوسائل والمعدات وحدها لاتكفي، ما لم يحضر الاستقرار الاجتماعي والنفسي والمادي والوظيفي، في ظل منظومة أمنية، مبنية على قواعد الحكامة الأمنية الجيدة.

    مع الإشارة في خاتمة المقال، أن ما بات يطال الشرطيين من تجاوز بمناسبة ممارسة مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، ما هو إلا جزء لايتجزأ من منظومة مجتمعية متناقضة، تعيش أزمة قيم وأخلاق، أطلقت وتطلق العنان لممارسات العبث والتفاهة والسخافة والانحطاط والانحراف والعنف والجريمة، وإذا كانت الحلول الممكنة تمر عبر تجويد القوانين والنهوض بالأوضاع الوظيفية والاجتماعية والنفسية لموظفي الشرطة، فهذا المرور وحده، لن يكبح جماح العبث والتهور والانحطاط، ما لم تحضر إرادة سياسية حقيقية، تروم النهوض بأوضاع منظومة التربية والتكوين وإعادة الاعتبار للأطر الإدارية والتربوية بعيدا عن إصلاح “المساحيق”، وما لم تتحمل مؤسسات التنشئة الاجتماعية أدوارها كاملة، في التربية والتأطير والتوجيه وغرس قيم المواطنة الحقة وما يرتبط بها من مسؤولية وانضباط والتزام ونكران للذات.

    ولايمكن أن نختم، دون توجيه البوصلة نحو “المواطنين” الذين يكتفون بلعب دور “الكومبارس” في الحالات التي يتعرض فيها موظفو الشرطة إلى خطر المواجهة والاعتداء أثناء التدخلات بالشارع العام، وهذا الموقف السلبي غير مقبول إطلاقا، لأن “الشرطة المواطنة” لايمكن البتة بلوغها، إلا بوجود مواطنين “متضامنين” و”متعاونين”، بل و”شركاء” في “أمن” يعد شأنا مجتمعيا ومسؤولية أفراد وجماعات، أما بعض الجمعيات المدافعة عن “حقوق الإنسان” والتي غالبا ما تستعرض العضلات في قضايا الحريات الفردية، وتوزع صكوك التنديد في الحالات التي يقع فيها “الشرطيون” في خانة “التجاوز” بمناسبة أداء مهامهم الاعتيادية بالشارع العام، فنراها تبلع اللسان وتتوارى عن الأنظار في حالات العنف الذي يطال الشرطيين شأنهم في ذلك شأن المدرسين، وبازدواجية مواقفها، فهذه الجمعيات تساهم بقصد أو بدونه، في التطبيع مع بات يهدد لحمتنا الوطنية من عبث وتفاهة وسخافة وانحطاط، وتكرس مفهوما لحقوق الإنسان، مقرونا بالاسترزاق والمصالح والمنافع والمكاسب، عسى أن تتحمل هذه الجمعيات مسؤولياتها المواطنة في النهوض الحقيقي بثقافة حقوق الإنسان، والارتقاء بثقافة الالتزام والنظام والاحترام …

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شريط “ستة أشهر ويوم”.. فصاحة الصورة وبلاغة التقنية 

    الكبير الداديسي

    عدت في تلك الليلة من رمضان إلى البيت استلقيت أمام التلفاز أبحث عن لحظة استمتاع وإفادة … شدني شريط تلفزي مغربي بالقناة الثانية، وقفتْ فيه البطلة تعترف لثلاثة أشخاص أمامها قائلة (عندي سرطان في مراحله النهائية تعبت من الأدوية وهذا الداء الخبيث لا يزيد إلا انتشارا بذاتي … الطبيب أخبرني أنني لن أعيش إلا ستة أشهر وها أنذا أعيش يوما بعدها… زياد خديجة أتوسل إليكم إن حصل لي مكروه اعتنوا بإبراهيم عاملوه كأخ لكم … هيا ساعدوني على وضع الأواني بالسيارة) وما كدت أعدل جلستي لمتابعة باقي الأحداث حتى فاجأني آخر مشهد في الشريط يُظهر البطلين والطفل زياد داخل سيارة في جو عائلي مع بزوغ أشعة شمس تزرع أملا في طريق هذه العائلة… عرفت من جينيريك النهاية أن الأمر يتعلق بشريط (ستة أشهر ويوم) للمخرج عبد السلام الكلاعي… من يومها لم يغب عن ذهني ذلك المشهد وعشت أمنّـي النفس بفرصة تتيح لي مشاهدة الشريط كاملا ولي قناعة أنه سيحتفي باللغة ما دام اختيار كلمة “أشهر” في العنوان بدل “شهور” تنم عن اختيار واع بأهمية التمييز بين جمع القلة (أشهر) وبين جمع الكثرة (شهور)…  وكبرت الأمنية أكثر لما عرفت في ما بعد أن الشريط حصد ثلاث جوائز هي الجائزة الكبرى وجائزة الإخراج وجائزة التشخيص ذكورا في مسابقة مهرجان مكناس للدراما التلفزية…

    وتحققت تلك الأمنية لما أعادت القناة الثانية عرض الشريط ليلة السبت 14 غشت 2022، وأسعفني الوقت لأنقطع عن العالم زهاء ساعة ونصف حملني فيها الشريط إلى عوالمه، وما أن طلع جينيريك النهاية أمامي من جديد حتى وجدتني أنزوي إلى حاسوبي الشخصي أدون ملاحظات عسى أشارك القراء والمهتمين بالسينما والدراما المغربية بعض من تلك الملاحظات في هذا المقال….

    “ستة أشهر ويوم” تحفة تلفزية للمخرج المغربي عبد السلام الكلاعي صدرت سنة 2021 إنتاج القناة الثانية، بعد عدد من الأعمال تشكل ريبرتوارا متنوعا  لهذا المخرج  يجمع بين المسرح والأفلام السينمائية القصيرة والطويلة، والأشرطة التلفزية والمسلسلات، مما بوّأته لأن يكون فاعلا سينيماتوعرافيا له وزنه بالمغرب…

    يحكي شريط “ستة أشهر ويوم”  حكاية مركزية تحوم حولها حكايات فرعية تكملها، تتلخص الحكاية البؤرية في قصة شابين خريجي مدرسة الفنون الجميلة بتطوان  تزوجا عن حب، استقرا بمدينة العرائش يعيشان من مشروعهما الشخصي يبيعان فيه ما ينتجانه من أوان خزفية ولوحات تشكيلية، وقبل أن يرزقا بأبناء، تكتشف هدى إصابتها بداء السرطان وقد استشرى في جسدها، ليحدد لها الطبيب أمد حياة لا يتجاوز ستة أشهر كأقصى، تعيش خلاها معاناة أمام استحالة إجراء  عملية جراحية بعد أن تفشى الداء في الجسد، وصعوبة الاعتماد على العلاج الكيماوي لتكاليفه الباهظة بالنسبة لسيدة لا تسفيد من أي تغطية صحية وترفض بيع منزلها خوفا من تشريد زوجها إبراهيم، ورغم ما تعانيه من ألم  أصبح همّها الأول التفكير في كيف سيعيش هذا الزوج بعد وفاتها وهو الآخر  يعاني اضطراب التوحد…

    تداري هدى ألمها وتسعى عبر كل السبل الممكنة عسى تضمن لإبراهيم حياة مستقرة قبل رحيلها… ولما باءت كل محاولاتها بالفشل تسلحت بالأمل واستطاعت رغم كل المصاعب والآلام والعراقيل أن تعيش يوما إضافيا بعد تلك المدة التي حددها لها الطبيب كحد أقصى. خلال هذه الرحلة نسج المؤلف والمخرج لهذين الزوجين علاقات متباينة بين السلب والإيجاب مع شخصيات وأسر ومؤسسات نجحت في تشخيص الأحداث وتوهيم المتلقي بواقعيتها، وقد شخصت أحداث هذا الشريط ثلة من الممثلين على رأسهم أمين الناجي في دور إبراهيم، جليلة التلمسي في دور هدى، نسرين الراضي في دورة خديجة، الخنساء الشهموني في دورة صفية مراد حميمو في دور الدركي، زكرياء عاطفي في دور الجار السكير، سامي الكلاعي في دور الطفل زياد إضافة إلى ممثلين آخرين…

    ومن تلك العلاقات التي ربطت هدى وإبراهيم بالآخرين نكتفي بالإشارة إلى:

    – العلاقة بأسرة صفية زوجة والد إبراهيم الشيخ الكسيح المريض الذي لا يغادر فراشه تزوحها وهو في الخمسينيات من عمره ابنةَ 18 سنة، وها هو قد تجاوز السبعين وهي في منتصف الثلاثينيات من عمرها لم يعد لها من هدف سوى انتظار وفاته لترث شيئا يعوضها تضحيتها بشبابها معه… وهو مما خيب أمل هدى في الاطمئنان على إبراهيم إن هي أوكلت لصفية أمر رعايته.

    – العلاقة مع خديجة الشابة ابنة32 سنة عازبة تشتغل في ورشة البطلين اقترحت عليها هدى الزواج من إبراهيم لتطمئن عليه وتضمن له من يرعاه لكن خديجة هي الأخرى خيبت أفق انتظار هدى…

    – العلاقة بعائلة الطفل زياد حيث رب الأسرة سكير يعنف الطفل، ولا يحترم حرمة الأسرة مما أجبر الأم على الهروب مع عشيقها وترك الطفل فريسة عدوانية الأب، لم يجد من يخفف من معاناته سوى حضن أسرة هدى وزوجها اللذان كانا يشجعانه على الدراسة ويصقلان موهبته في الرسم…

    – العلاقة مع مؤسسة الرعاية الاجتماعية، ذهبت إليها هدى عسى تضمن سريرا يستقبل زوجها بعد وفاتها، لتعود منها خائبة بعدما كشفت الكاميرا ما يعاينه نزلاء هذه المؤسسة من إهمال ومن لا مبالاة المشرفين على تدبير أمورها…

    وعلى الرغم من كل تلك الخيبات التي صفعت البطلة وكادت تفقدها الثقة في كل من وما يحيط بها، فللشريط رسالة أمل  تنقل المتفرج من واقع متعفن مرفوض لتبشره بغد مشرق منشود (افتتح الشريط بمشهد جنائزي وانتهى بسفر مع بزوغ شمس الصباح وتطلع لغد أفضل)

    أما من الناحية التقنية فالشريط يقوم على تقنيات سينيماتوغرافية وأليات تفهم جيدا دلالة حركة الصورة، وصورة الحركة مما جعل منه شريطا مشحونا يتجاوز دور الوسيط البصري، إلى نظام تواصلي يفرض على المتلقي التفاعل معه، لما  يحمله من رسائل، وما يثيره من مشاعر، حيث الصورة تخاطبنا كلغة تحتم على المتلقي الرقي لفهم لغة التصوير -التي تتجاوز العلامة الكلمية اللفظية – لما لها من قدرة على الإيهام البليغ بالواقع، وخلق علاقة مباشرة مع المتلقي ما دامت تخاطب العين، تؤثر فيه وينسى الشاشة أمامه فيلج بطواعية عالمَ أحلام ، وينخرط في كذبة فنية متفق عليها تفقده ذاته وتحرر لا شعوره من الكوابح العرفية، فيتعاطف ويشفق ويبكي… مع شخصيات يعرف جيدا أنها تمثل…

    إن شريط ستة أشهر ويوم” للمخرج عبد السلام الكلاعي وإن كان يتناص مع عدد من الأشرطة، ويتقاطع معها في بعض الأحداث والرسائل، فلمشروع الكلاعي من خلال ها الشريط خصائص كثيرة تفرده  سنكتفي في ها المقال بعشر ملاحظات سريعة عسى يغنيها من تابع الشريط:

    1 – الارتباط الوثيق بمدينة العرائش، وهي خاصية تميز عددا من أعماله الفنية، فقد نجح  في هذا الشريط بواسطة الكاميرا الترويج للمنتوج المحلي  في الصناعة التقليدية (الخزف ) والصناعة الميكانيكية (سيارة داسيا لودجي)  وتسويق جمالية مدينة العرائش كقبلة سياحية من حيث ثقافتها كرأسمال لا مادي (الخزف، سلوك أهلها وتضامنهم في السراء والضراء، التكافل في العزاء، الفروسية…) أو من حيث حضارتها المادية (الأقواس ،الأبواب ،النوافذ ،الحدائق، المقابر، المقاهي، الكورنيش…) وغير ذلك من المظاهر الحضارية والثقافية  التي تنماز بها العرائش فكان الشريط على ما يتضمنه من مآسي فسحة سياحية ماتعة بجمالية مدينة ضاربة في القدم تقدم لوحة تختزل ثقافة وحضارة الغرب الإسلامي (الأندلس والمغرب) …

    2 –  تسليط الضوء على اضطراب نفسي قلما وقفت عليه السينما، نقصد  التوحد كاضطراب نفسي تُؤثر على قدرة الفرد في الاتصال مع المحيطين به وفي تطوير علاقات متبادلة معهم، مما يفرض تعاملا خاص مع الشخص المصاب بهذا الاضطراب، وهو ما نجح الشريط في تشخيصه بمهنية عالية، إذ استطاع إبراهيم تحت إدارة المخرج ترجمتها بدوام الحركة والحركات المتكررة، والدوران في دوائر، والتلويح باليدين. مع إتقان تشخيص حساسيته المفرطة للصوت والضوء واللمس… وهو ما خلق متاعب لهدى التي كادت أن تفقده في إحدى نوباته لما هيجه صوت منبهات السيارات وسط المدينة… ورغم ما يبدو على صاحب هذا الاضطراب النفسي من هدوء فقد يخرج عن سكينته كلما حدث تغير في وثيرة حياته أو شعر باحتقار أو تهديد، كما حدث عند دفاع إبراهيم عن زوجته في حادثة كاد يقتل فيها جاره السكير لكماً… هذه المشاهد وغيرها تبين بجلاء إحاطة كاتب النص، المخرج والممثل بخصوصية هذا الاضطراب وإلا لما نجح الشريط في توصيل الرسالة …

    3 – التركيز على أهمية اليدين في تشخيص اضطراب التوحد، وقد تجلى هذا التركيز في مشاهد كثيرة تم ال(mooz) فيها على يدي إبراهيم  وهو يوظفهما في اللمس ، في الرسم، في التفتيش عن الأشياء، في ترتيب الأغراض في نظافة الجسد وتنظيف المحيط… ويكفي الوقوف عند مشهد ردة فعله إبراهيم تجاه صوت قطرات الصنبور التي أفقدته التركيز في إتمام إحدى اللوحات، لتتضح رمزية الصورة وبلاغتها وهي ترصد تفاعل يديه مع الصنبور رصد  يصعب تصويره باللغة مهما كانت بلاغتها….

    4 – هيمنة بلاغة الصمت وتعبيرية الإيجاز على لغة الحوار في الشريط، مما يعكس مهنية كاتب الحوار وسعيه إلى إثارة العقل وتحريك ذهن المتفرج، فكثيرة هي المشاهد التي كانت خالية من الكلام ودون حوار، ومشاهد أخرى كانت بها لغة مقتضبة وكلمات قليلة مشحونة بمعان كثيرة، مما أحال بعض الجمل التي تلفظ بها الممثلون إلى حِكم، أكيد سيظل رنينها يتكرر في أذن المتلقي بعد نهاية الشريط ويكفي أن نقدم هذه الأمثلة القليلة دليلا:  (وحدها أمي كانت تعرف الكلام معي وحدها) (اليد التي ترسم لا  تضرب) (الناس لا يحبون إلا الذين يشبهونهم) (الذي يضربك يا حفصة لا يستحقك) (ضوء الشمس يمنح الحياة للطبيعة) (الأشياء الجميلة يجب أن نراها بقلوبنا وليس بعيوننا فقط)…

    5  لعل من أهم العلامات الفارقة الدالة في هذا الشريط حضور الفنون التشكيلية  كفنون بصرية تستهدف إبداع أشكال مجسمة (الخزف) أو  صورا على سطح (الرسم) ، وعدم اعتبار تلك الفنون عناصر تكميلية للمادة التي يحكيها الشريط، إذ سعى شريط “ستة اشهر  ويوم” إلى جعل الرسم والخزف بؤرة مركزية في الشريط يولد أحداثا ويساهم في تطوير أحداث، يسمو بالبطلين عن مستنقعات الواقع،  وكأن الفنون التشكيلية هي أساس العلاقة القوية بين البطلين، فالزوجة تقدر موهبة زوجها وهو ما جعلها مستعدة لفعل المستحيل من أجل راحته، ويكون بذلك التشكيل وسيلة للترفع والتسامي، وتفجير الموهبة  والتخلص من الضغط الذي يمارس على الفنان، ويسمو به فوق قتامة الواقع وهو ما عبرت عنه هدى لما أهداها إبراهيم صورة لها : (دائما ترسمني أحسن من الواقع)

    6 –  كان تكرار بعض المشاهد بطرق مختلفة إحدى علامات الجمال في شريط (ستة أشهر ويوم) كما تجلى في تكرار الجنائز ، تكرار الذهاب إلى المخبزة ،تكرار الذهاب إلى ورشة الخزف، تكرار الدخول والخروج من الباب…. وكل ذلك من مظاهر الحياة تأكيدا على التعود، وخدمة لاضطراب التوحد الذي يعانيه البطل، دون أن يشعر المتلقي بأن هذا التكرار يفقد شيئا من تطور الأحداث أو من جمالية الشريط، فقد يتساءل المتفرج مثلا ما سر تكرار شراء الخبز من المخبزة، وتكرار الجنائز؟ لكن سرعان ما يتبدد هذا التساؤل عندما نرى العبرة من ذلك التكرار في اختفاء الرجل الذي اعتادت هدى رؤيته قرب المخبزة كل يوم وهي تنتظر أجلها… كما كان اختيار آخر مشهد حول جنازة للحديث عن جنازة زوج وزوجته كانا يحبان بعضهما وتوفيا في نفس اليوم بعد 65 سنة زواج وحب بحق أهمية رسالة يمكن أن يبلعها التكرار…

    7 –  وهناك نقطة أخرى مضيئة بقوة في الشريط لا يختلف حولها اثنان تتعلق بالكاستينغ واختيار الممثل الأكثر ملاءمة للدور، وهنا لا بد من الإشادة بالكاستينغ ديريكتور السيد سمير بوتكورة (وهو الدور الذي لا ينتبه له النقاد في العادة ) على الاختيار الجيد للممثلين الذين اندمجوا مع الأدوار المنسوبة مهما كان الدور ثانويا، لدرجة يعتقد المتابع للشريط أنه لا يمكن لغير هؤلاء الممثلين أداء تلك الأدوار، إذ كان كل ممثل يوحي بأن الدور من حياته ولا يمثله، يتجلى ذلك في ملامحه حركاته تصرفاته نظراته طريقة كلامه لم تترك إدارة المخرج شيئا للصدفة  كل شيء يدل في الشخصية يشد المتلقي إليه فيتعاطف معه أو يحقد عليه… فبالقدر الذي تعاطف به المتفرجون مع هدى حتى كاد أغلبهم يقتنع أنها فعلا مصابة بالسرطان، بنفس القدر تفاعلوا مع زكريا عاطفي وحقدوا عليه لما فعله بأسرته حتى اعتقدوا أنه سكير شرير ليس مجرد نشخص للدور…

    8 – كان للطبيعة حضور لافت في الشريط، طبعا لانقصد هنا الطبيعة بمعناها الفلسفي العام (كل ماهو غريزي وبيولوجي ومشترك بين الإنسان و الحيوان، والذي يقابل  مفهوم الثقافة الدال على ما هو مكتسب من معارف ومعتقدات و أنماط عيش مختلفة. وإنما نقتصر في الطبيعة على المناظر الطبيعة التي شكلت فضاء للتصوير الخارجي، (وإن كانت الطبيعة في الذات الإنسانية بالشريط تستحق دراسة خاصة) كما أننا سنتجنب الوقوف على فضاءات الطبيعية داخل المدينة (حدائق كورنيش..) لأن الإنسان تدخل فيها وهيئها وفق رغباته، ربما لذلك لم تثر شيئا في إبراهيم ولم تحرك مشاعره، مثل الطبيعة العذراء سواء بعناصرها الحية كما تجلى في تفاعله مع الحصان فما أن رأى الحصان بجانب نخلات باسقة يحرك رأسه صعودا وهبوطا حتى لبّـى النداء في تجاوب عاطفي بينهما، ليتم  تغيير الكادراج وتكيبر (mooz) الصورة في مشهد قائم على التوازي بين البطل والحصان لا يفسده إلا من لا يتوق الفن بتدخل صاحب الحصان… أو الطبيعة بعناصره الجامدة كالأشجار والغابات والشمس والبحر… وعلى الرغم من كون العرائش مدينة بحرية بامتياز ولأن البحر يصدر صوتا قد يكون  عنصر تشويش على المصاب باضطراب التوحد فقد شكلت الغابة متنفسا حقيقيا للبطل. هكذا كان من أطول مشاهد الشريط، مشهد يعكس حلول الذات الإنسانية في الطبيعة ومشاركتها الهموم والأحاسيس هو مشهد البطل والطفل في مشهد غابوي  (مشهد ممتد على أزيد من ثلاثة دقائق) يتم فيه المقارنة بين الإنسان والأشجار ، ويتم الاستماع لصوت الشجر ومخاطبته عندما لا يجد البشر من يستمع إليه…

    9 –  الجانب القيمي في شريط (ستة اشهر ويوم) حاضر بقوة من خلال عدد من القيم الإنسانية  التي لا مسها، حتى ليكاد كل مشهد يقارب قيمة إنسانية ما…  وتبقى قيمة الحق في الاختلاف والعيش المشترك، والتنازل عن الأنانية وقبول الآخر كما هو التيمة المهيمنة على ما يعالجه الشريط، بالتنصيص على حق أولئك الذين ينظر إليهم العقل الجمعي على أنهم مختلفون إما لإعاقة جسدية أو ذهنية فيهمشهم ليعيشوا عزلة أبدية مهما كانت مواهبهم وقدراتهم، ليضعنا الشريط أمام إشكالية واضحة : أين نحن من ذوي الهمم وكلٌ منا معاق من جانب ما؟

    فعلى الرغم من كون إبراهيم فنانا تشكيليا قليل الكلام لا ينطق إلا حكمة، يحب الحياة ويحب النظافة متفوق في دارسته وكان الأول على دفعته، يحب زوجته ولم يصدر منه أي فعل مشين ضد الإنسان أو ضد الطبيعة ولا أي سلوك عنيف إلا إذا كان دفاعا عن النفس… فإن الكل ينظر إليه نظرة احتقار فقط لأنه مختلف عن الجميع…

    لذلك كان يجد راحته في الطبيعة ويتمنى لو كان الإنسان مثل الأشجار يقول في إحدى حواراته: (لا شجرة تشبه الأخرى ، كل شجرة من نوع خاص… ومع ذلك الأشجار تتعايش مع بعضها ليس مثل الناس الذين لا يتعايشون إلا مع من يشبههم  ومن لا يشبههم يعيش حياته دون أصدقاء ) وفعلا عاش إبراهيم (ومثله في الواقع كثيرون) معزولا مهمشا، يقصد الطبيعة التي تفهمه يقول للطفل زياد ( الأشجار تتكلم… عندما كنت في مثل سنك، كنت كل يوم آتي إلى هنا وأسمع ما تقوله الأشجار …) (يحضن جذع شجرة ويطلب من الطفل فعل الشيء نفسه ويسأله هل تسمعها …) لعل أهم الرسائل التي تيغيى المخرج إيصالها للمتلقي هي الدعوة إلى الإيمان بالحق في الاختلاف وحق الآخرين في العيش المشترك ونبذ الظلم والكراهية والحقد عسى نعيش في مجتمع يتسع للجميع، وتتاح فيه  الفرص حسب الكفاءات مع الدعوة إلى تقدير من يحبنا قبل ضياعه منا كما فقدت حفصة زوجها الذي كانت تعيش معه على مضض وقبلت بزوج يعنفها

    10 –  نقطة أخيرة لا تخطئها العين، وهي إيجابية المرأة، فبخلاف عدد من الأشرطة التي  تقدم صورة سالبة عن المرأة (عاهرة، خادمة، معنفة، مطلقة ،أمية… ) إن شريط (ستة اشهر ويوم) يقدم صورة إيجابية عن المرأة الصبورة القانعة المضحية والفاعلة… هكذا قدم كل النساء إيجابيات: (صفية ضحت بشبابها مع مسن تعتني به لا تخونه قانعة بقدرها… خديجة شابة عاملة طموحة مخلصة لخطيبها  وعلى نفس الصورة قدم الشريط كل النساء من بائعات الخبز وزبائن الورشة التي كانت واحدة منهن خريجة مدرسة الفنون الجميلة تقدر الفن والفنانين…  وتبقى البطلة هدى نموذج للمرأة الإيجابية المتعلمة القوية العاملة القائدة… تحمل في حوانها جبالا من الهموم دون أن يؤثر ذلك على عملها ولا على علاقاتها الاجتماعية… تُوثِر زوجها على نفسها … وحتى في مقر رعاية المسنين ظهر كل الرجال بصورة سالبة  سواء كمرضى أو كمسؤولين لا يقدرون المسؤولية فيما كانت صورة المرأة بهذه المؤسسة الصورة الإيجابية الوحيدة تجيد الإنصات لا تتجاوز الصلاحيات المسموح بها…

    أمام هذه الصورة الإيجابية للمرأة ظهر الرجال وإن كانوا نماذج لما هو في المجتمع أقل إيجابية فتوزعوا في الشريط بين الرجل المتسلط الذي يضرب ابنه، والرجل المريض المقعد (والد إبراهيم، الشاف المدني بدار العجزة، الرجل المقعد أمام المخبزة … ليكون الرجل الإيجابي الوحيد إلى جانب البطل هو الطفل زياد الذي يعشق الرسم ويحب الحياة ولا يعرف قلبه حقدا أو ضعينة في إشارة إلى عقد الأمل على الأجيال القادمة لبناء مجتمع يتسع للجميع

    في الختام نقول إن شريط ستة أشهر ويوم شريط يتوفر على كل مقومات النجاح سواء في موضوعه وما يقاربه من تيمات اجتماعية، أو في جوانبه التقنية مما لا يتسع المجال للوقوف عندها كلها سواء على مستوى التصوير والإخراج والمونتاج الماكياج والملابس، والصوت دون نسيان مناسبة الموسيقى التصويرية للمشاهدة مما أضفى على الشريط مسحة رومانسية تحببه للنفوس، وتترك هامشا للمتلقي لبناء موقفه من القضايا المعروضة عليه مثل تعنيف الأطفال والنساء، تهميش ذوي الهمم… وهو ما يفسر نسب المشاهدة العالية التي حققها الشريط.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جنيرالات الجزائر يستقبلون رئيسا شكك في وجود بلدهم 

    سعيد الغماز

    خلال ترشحه لرئاسة فرنسا عام 2017، قام ماكرون بزيارة للجزائر للظهور أمام الفرنسيين كرجل دولة قادر على رئاسة فرنسا. خلال هذه الزيارة قام ماكرون بتوزيع تصريحات جعلت جنيرالات الجزائر يعتقدون أن العلاقات الجزائرية الفرنسية ستدخل منعطفا جديدا، يصب في مصلحة الجزائر ويُقوي موقفها العدائي للوحدة الترابية للمملكة المغربية. لكن بعد انتخابه رئيسا لفرنسا، لم يقع شيء من هذا وحصد حكام الجزائر كل الخيبات بعد أن اكتشفوا أن ماكرون استغلهم فقط في حملته الانتخابية. الأمر الذي انعكس سلبا على العلاقات بين البلدين.

    وخلال حملته الانتخابية للظفر بولاية ثانية، استقبل ماكرون في خطوة استفزازية، الجنود الجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي في حرب التحرير. لم يكتف الرئيس الفرنسي بهذا الاستفزاز للجزائر، بل صرح خلال هذا اللقاء أن الجزائر لم تكن موجودة قبل الاستعمار الفرنسي لها سنة 1830. هكذا إذا، تجرأ ماكرون على استعمال الجزائر مرة أخرى وكيفما يحلو له في حملته الانتخابية لكسب أصوات اليمين المتطرف. وبعد انتخابه رئيسا لفرنسا لولاية ثانية، دأب الرئيس الفرنسي على توظيف علاقة بلاده مع الجزائر بما يخدم مصالح فرنسا على حساب مصالح الشعب الجزائري.

    بعد كل هذا الاستهتار بالنظام الجزائري، يقوم الرئيس الفرنسي بزيارة للجزائر من أجل تأمين الغاز للفرنسيين خلال فصل الشتاء علما أن فرنسا لم تقدم أي اعتذارا للشعب الجزائري على تصريحات رئيسها. هكذا إذا بدت فرنسا تتعامل مع نظام عسكري ضعيف لا يبحث سوى على زيارة رؤساء الدول ليثبت للجزائريين أنه نظام لا يعاني من عزلة إقليمية ودولية.

    لو تحلى جنيرالات الجزائر بحِكمة العاهل المغربي، وحَكَّموا لغة العقل التي دعاهم إليها ملك المغرب، لكانوا في أفضل حال ولكان موقعهم الإقليمي أكثر قوة، لا تستطيع معه فرنسا التطاول على الجزائر كما تفعل الآن. العداء المفرط لحكام الجزائر اتجاه المغرب لم يجني منه هؤلاء سوى خيبة الأمل التي أضعفت موقفهم إقليميا ودوليا، رغم الأموال الكثيرة التي يصرفونها وهي أموال يحتاجها الشعب الجزائري. إذا كانت استراتيجية العداء التي ينهجها حكام الجزائر لتصدير أزمتهم الداخلية قد أضعفت بلادهم إقليميا ودوليا، فإن استراتيجية اليد الممدودة، والاهتمام بالمشاكل الداخلية، قد جعلت من المغرب قوة إقليمية وديبلوماسية صاعدة دوليا. هذا الأمر يتجلى بكل وضوح في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 63 لثورة الملك والشعب والذي جاء فيه:” لذا ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن تُوضح مواقفها، وتُراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”.

    قوة الديبلوماسية المغربية المبنية على اليد الممدودة والبناء الداخلي، جعلت المغرب يسير نحو كسب رهان وحدته الترابية ويُقوي موقعه في المنتظم الدولي. لذلك نقول بأن جنيرالات الجزائر، لم يبق أمامهم من خيار سوى نهج ديبلوماسية جديدة ووضع يد الجزائر في يد المغرب لكسب رهان خدمة مصالح بلدهم. وإلا، فإن مُنحنى السقوط والمزيد من الضعف هو مآل الافراط في العدوانية ضد المغرب، وهو ما سيجعل حكام الجزائر في أسوء ضعف في تاريخ البلاد سيجعل من الجزائرلقمة سائغة في يد أصحاب المصالح.

    وما زيارة ماكرون المقبلة للجزائر رغم أنه شكك في وجودها قبل الاستعمار الفرنسي، واستغل الجزائر في حملاته الانتخابية، إلا بداية السقوط إن لم يتدارك حكام الجزائر الأمر قبل فوات الأوان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “لو كان يطيحو لحيوط”.. سمفونية بصرية ستكسب صفة الديمومة الفنية

    الحبيب ناصري

    حينما تصيبك شظايا جماليات الصورة

    قبل أن تطيح الحيوط

    منذ مشاهدتي لأعماله السينمائية الأولى، أحسست أنني أمام مخرج سينمائي مغربي، يتقن لعبة الحكي السينمائي، بلغة بصرية سلسة وجذابة وإنسانية، “تأسرك” طيلة عمله السينمائي المقدم. حكيم بلعباس، صوت سينمائي مغربي إنساني آت إلى السينما من بابها “الشرعي”. لم يقفز بالمظل ليعتدي على حرمة المعرفة السينمائية الجمالية، كما فعل ويفعل العديدون، وبإيعاز من “بياعين عايشه” كما نقول في ثقافتنا الشعبية المغربية.

    حينما تنبش في ذاكرته المكانية والعائلية والثقافية والعلمية واللغوية، الخ، تجد أنه خلاصة “حتمية” لما هو عليه اليوم. ما كان عليه إلا أن يكون سينمائيا وبامتياز. تربى في حضن أسرة شعبية متعددة الأفراد ومنها تشرب العديد من الثقافات الشعبية، زد على هذا كونه سليل دروب مدينة بجعد ذات البعد الروحي/الصوفي والشعبي، دون نسيان كونه تربى في قاعة سينمائية، لاسيما وأبوه كان يملك قاعة سينمائية بمدينة أبي الجعد. طبعا، وهو عاشق للغة الجمال والفنون. متحكم في أربع لغات (حسب علمي المتواضع) وبكل ما تحمله حمولاتها الثقافية والفنية والإنسانية الباطنية. العربية والفرنسية والانجليزية واللغة العامية المغربية الشعبية. إذ أعتبر شخصيا، تحكمه في خبايا اللغة العامية المغربية الشعبية، من العوامل الرئيسية التي خصبت مخياله وبصيرته ومخزونه البصري السينمائي الشعبي والانساني، وهو ما جعله، ومن خلالها، يصول ويجول في بقية اللغات الأخرى وما تحمله من حلم وجمال وقيم إنسانية.

    وفق هذه العناصر السابقة والمختزلة، من الممكن القول، إن حكيم بلعباس، صوت سينمائي محلي/شعبي/ إنساني. مميزات ثلاثية أكسبته صفة إنسانية/عالمية أفلامه. لأنه أدرك أن أجمل طريقة للوصول إلى العالمية، أن تحكي واقعك باعتباره تخييلا جميلا، لا أن تحكي تخييلك باعتباره واقعا (وبس).

    كلما اقتربت من عوالم حكيم بلعباس السينمائية، تضمن لنفسك التماهي بعوالم إنسانية جميلة. توقف زمنك الشخصي، وتستحضر ما كنت عليه سابقا. أعماله جذابة وسلسة وتدغدغك في عمقك وتجعلك تحت رحم شرطه الانساني الذي يحف ويلف كل أعماله. هي أعمال، وبجانب أخرى قليلة جدا لبضعة مخرجين آخرين، ما قدمته السينما المغربية لنفسها لتكون صورة عن هذا الانسان المغربي الذي له محليته وخصوصيته في فهمه لذاته وللآخر وللعالم ككل.

    وفق ما سبق، من الممكن قراءة أعمال حكيم بلعباس. سينمائي نحت لنفسه أسلوبه الخاص في التعبير الفني والجمالي والبصري. فهو يشبه نفسه ولا غير. من هنا تستحضرني قولة عباس محمود العقا رحمه الله، حينما قال ما معناه، كن أنت ولا تكن غيرك ولا تطمس نفسك. أفلامه، سنؤرخ بها وجودنا الثقافي المغربي الشعبي. فماذا لو لم يكن هذا المخرج وبضعة مخرجين مغاربة قلائل؟. ربما لبقينا أيتاما تنهشنا الرداءة التي تحيط بنا هنا وهناك؟.

    حينما عرض فيلمه الجديد “لو كان يطيحو لحيوط”، حجزت لنفسي مقعدا أمام الشاشة الكبرى. هكذا هم المخرجون الذين يمارسون عليك وبلغة الفن والجمال، “سلطتهم” البصرية، ليجعلوك، تحضر لمشاهدة أعمالهم. وهذا ما كان فعلا.

    منذ الحكاية الأولى (الفيلم عبارة عن ثمان عشرة حكاية)، تشعر أنك بين يدي زمن طفولي. أو على الأقل بين زمن لم يعد معاشا اليوم. رائحة الطفولة والماضي بين يديك. في نقد زمن الطفولة، هو زمن فلسفي وجداني شعري، الخ، يجعل من يحتمي به، راغبا في البوح وقول لا لزمن الحاضر، حيث الرداءة عنوان كبير له. حاضر بضع وضبع الحياة. هو هروب مرغوب فيه، بل عبره يتمدد الحلم وحلاوته حد جعلنا نتماهى بالفيلم، وتكون النتيجة أن هذا الفيلم هو ملك جماعي إنساني لأجيال محددة.
    “حيوط” عديدة، أسقطها، المخرج فينا ونحن نتابع عمله الجديد هذا. سلمنا لزمن الطفولة/الماضي ودهاليزه وجعلنا نقترب من سؤال الموت/الحياة. هذه هي الأفلام التي تحمل في جوفها حلاوة شبيهة بحلاوة العسل الحر. لا تشبع منه ومن رائحته وفوائده، مقابل العسل الاصطناعي المغشوش الذي كلما تناولت منه القليل جعلك تصاب ب”سريرة” وبالتالي تصبح مهددا في سلامة حياتك، وهو ما تفعله الكثير من الأيادي التي اعتدت على خطاب الصورة، في زمن تكنولوجي وفر تقنياته للجميع.

    ثمان عشرة حكاية منفصلة ومترابطة في الوقت نفسه. موضوعات متعددة تجمعها ثنائية الموت/الحياة، أو العدم/الوجود، أو الألم/الأمل. شخوص الفيلم، العديد منها أناس عاديون، بل هناك شخوص آخرون كالمكان والزمن والألبسة والموسيقى والنور والضوء. لنجمع كل هذا في كون الصورة كانت سيدة الفيلم. خطاب بصري شعري جمالي، يجعلك تجمع رجليك الممدة احتراما لمن أبدع هذا العمل. بل تجعلك تعتز بكونك أمام عمل فني بصري جمالي إنساني، ينتشلك من زمن الترامي على حرمة السينما، في زمن تفريخ “المخرجين” دون امتلاكهم لحس بصري ولا نظري ولا فلسفي ولا جمالي، وفي زمن السطو على الفنون، لأن العصر عصر التفاهات، و”قتل” “الشرعية” الفنية لتوليد “الخراب” الفني في أفق “قتل” ما تبقى فينا من حس نبيل. ومن، هنا، تسهيل بيعنا لمن لا يرغب في أن نحافظ عل خصوبة ذاكرتنا الانسانية التي وحدها تحمينا من ذل “عولمة”، همها الأول والأخير تعليب الحياة وبيعها وانتشال كل الجذور/العروق المتبقية في الإنسان كإنسان.

    طيلة حكايات هذا الفيلم، تشعر بنفسك أنك بين ممرات وجدانية ومكانية وزمنية وفنية، بناها صاحبها بلغة الجمال. بناها، ليعلن فينا وبنا ولنا بأن الحياة تكمن في تلك التفاصيل البسيطة، والصغيرة التي قد تخرج من أفواه أمهاتنا أو جداتنا أو جيراننا أو من خلال أفواه البسطاء الذين يعيشون في الهامش. هامش به من الممكن خلخلة وجداننا، ليدفعنا نعيد السؤال، ماذا لو مات ما تبقى منها فينا؟.

    المكان في هذا الفيلم، لم يكن مجرد مكان. بل كان ولوحده شامخا يسائلنا في صمت كيف هي أمكنة اليوم ؟. واطرح السؤال نفسه على زمن الفيلم وشخوصه وألبسته ونظراته ورقصاته الجريحة وصمته وموسيقاه وحمقه وموته وحياته. ألم أقل إن أعمال حكيم بلعباس، تمنحنا كنقاد، حلاوة التأويل، وتجعلنا ننجذب بل ونجذب، بدورنا، على إيقاعاتها، كما جذبت الأم في عرس بنتها حينما علمت بموت أمها، فتداخلت صورة الموت بالحياة (تلبس الفرح بالحزن) في مشهد هز كيان المتفرج.

    لو كان يطيحو لحيوط، حبة ضمن عقد ينظمه صاحبه، كما ينظم الرواي الشعبي حكاياته، أو كما كانت تنظم جدتي رحمها الله، عقيقها بشكل منتظم، حيث قيمة الحبة الواحدة ليست في ذاتها بل حينما تنتهي من نظم عقيقها، ليسر الناظرين في الأخير، وتتهافت عليه الحفيدات ليضعنه في عنقهن ويتباهين به في مناسبات عديدة.
    يبقى صوت حكيم بلعباس السينمائي، صوتا كسب لنفسه قيمته الجمالية المستمدة من حكايات البسطاء. حكايات بصرية، تجعلك تخرج من السؤال هل نحن أمام فيلم وثائقي أم روائي؟. وليكون الجواب، نحن أمام فيلم جميل لحكيم بلعباس.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حدودنا الوطنية… بين مطالبنا المشروعة و هواجس الجيران.

    بقلم : يونس التايب

    تعتبر المملكة المغربية ثاني أقدم مملكة في العالم. ذلك ما أعاد التأكيد عليه موقع أمريكي كبير يهتم بالتاريخ، نشر خرائط توضح تمدد جغرافية الدولة المغربية عبر القرون. و من دون شك، أن المعطيات بهذا الشأن ثابتة و عليها آلاف المستندات في أرشيف الديبلوماسية الإسبانية و الفرنسية و البريطانية و الروسية و الألمانية و الإيطالية و البرتغالية و الأمريكية و الصينية. كما أن هنالك من المراجع و المستندات التاريخية، الموجودة في مكتبات المعاهد و الجامعات الكبرى عبر العالم، ما يكفي لمن أراد تعميق معرفته بجغرافيا و تاريخ الأمة المغربية.

    و دون حاجة للعودة إلى تاريخ 4000 سنة مضت، تبين المعطيات التاريخية لمرحلة ما بعد الفتح الإسلامي كيف أن منطقة شمال إفريقيا ظلت مقسمة بين الخلافة الأموية و العباسية و العثمانية في الشرق، و بين الخلافة المرابطية و الموحدية و المرينية و السعدية و العلوية في المغرب. و منطقة الجزائر لم تخرج عن هذا الإطار، حيث ظلت جزءا من تراب الدولة المغربية لمدة 5 قرون، خلال حكم المرابطين والموحدين والمرينيين، بين سنوات 1060 و 1465. و في فترة حكم السعديين، تمددت الخلافة العثمانية من جهة الشرق إلى حدود تلمسان، حيث أوقفها المجاهدون المغاربة بعد هزمهم لجيوش إسطنبول في معركة واد اللبن الشهيرة، لتصبح منطقة الجزائر تابعة للعثمانيين لمدة تقارب 400 سنة، إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي و تفاوض مع ممثلي الأيالة العثمانية ليخلوا السبيل بأقل الخسائر الممكنة. حينها أصبحت الجزائر مقاطعة فرنسية، و ظلت كذلك لمدة 132 سنة.

    هذه الحقيقة التاريخية ثابتة و يعرفها العالم كله، و قد سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن تحدث عن ذلك قبل أشهر، متسائلا باستنكار : “هل كان هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟”. ليجيب أنه “كان هناك استعمار قبل الاستعمار الفرنسي” للجزائر، في إشارة لفترة التواجد العثماني بين عامي 1514 و1830م. و أضاف : “أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماما الدور الذي لعبته في الجزائر، والهيمنة التي مارستها، وشرح أن الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون، وهو أمر يصدقه الجزائريون”.

    طبعا، لم يشر الرئيس ماكرون لمرحلة ما قبل تواجد العثمانيين في الجزائر، لأنها لم تكن فترة استعمار، بل كانت مرحلة تعتبر فيها منطقة الجزائر جزءا أصيلا من الإمبراطورية المغربية، و حال سكانها كحال سكان شنقيط و سكان شمال مالي و سكان طنجة و الراشيدية و العيون و غيرها من مناطق و جهات المغرب.

    بالنسبة إلينا كمغاربة، كما الحال بالنسبة للأتراك، لا يمكن إلا أن ننظر إلى المراحل التاريخية البعيدة لأمتنا، باعتزاز كبير نظرا لما تعكسه من مجد تليد و ملاحم العزة و النصر دفاعا عن البلاد و العباد. و لا يمكن إلا أن نأسف لكون ذلك التاريخ يشكل مصدر قلق كبير و عامل إحباط نفسي لجيراننا الذين عجزوا عن التعاطي معه كما هو، دون عقد نفسية تفسد عليهم حاضرهم و تدفعهم إلى حالة اكتئاب جماعي لاشعوري تحت وطئة إحساس بنقص حضاري يدفعهم لمعاداة أنفسهم و ظلم بعضهم البعض، و الإساءة إلى محيطهم الجيوسياسي و ظلم أهله.

    قد أتفهم أن قوة معطيات التاريخ المغربي الذي يقاس بالقرون، قد تكون أكبر من أن تستوعبها عقول اكتشفت الجغرافيا قبل 60 سنة فقط. لكن، ماذا عسانا نفعل لتهوين الأمر على المتضررين من حقائق التاريخ؟ لا شيء، لأن الأمر يتجاونا، و لا يمكن العودة 4000 سنة إلى الوراء لتغيير ما جرى. تماما كما لا يمكننا أن نغير ما هو موثق حول ديناميكية التحرر التي أفرزت ثورة الملك والشعب من أجل استقلال المملكة المغربية في الخمسينات، و أفرزت حرب التحرير الوطني التي أسقطت الوضع الإداري للجزائر كمقاطعة فرنسية، بعد استفتاء شعبي قرره الرئيس شارل دوكول، و نشأت في أعقابه الجمهورية الجزائرية في بداية ستينيات القرن الماضي.

    و إذا كان صحيحا أنني لا أعيب على جيراننا أنهم عجزوا عن تقبل حقيقة أن أجدادهم كانوا تحت حكم امبراطوريات مختلفة لقرون، إلا أنني أعيب عليهم أنهم تركوا هذه العقدة الحضارية تنسيهم أنهم كانوا إلى جانب باقي سكان باقي ولايات الإمبراطورية المغربية، إخوة في الدين و الانتماء، عرضهم من عرضنا، دماءهم محرمة مصانة كدمائنا، علماءنا علماءهم و فقهاءهم فقهاءنا، و بيننا بيع و شراء و تجارة و فلاحة و مصاهرات، و في أعناق الجميع بيعة لسلاطين المغرب في فاس و مراكش و الرباط.

    و للأسف الشديد، حتى بعد أن وهب الله لجيراننا نعمة البترول و الغاز، لم تتغير نظرتهم لأنفسهم و لم يساعدهم ذلك على رفع هممهم و تسجيل حضور جيوستراتيجي مهم في الزمن الحالي، كان المفروض أن يعوض نقص الثقة و يساعدهم على قبول حقائق التاريخ كما هي لأنها إرث مشترك لنا جميعا، و لا حاجة إلى تزويره أو افتراء محطات خيالية لم يعشها أحد، كما سمعنا ذلك، قبل أزيد من سنة، من فخامة رئيس الجمهورية الجزائرية و هو يقول أن متحف المجاهد في العاصمة الجزائرية يتحوي على “مسدسات قديمة كان قد أهداها الرئيس جورج واشنطن إلى الأمير عبد القادر الجزائري”، و العالم يعرف أن الأمير عبد القادر، رحمة الله عليه، لم يكن قد وُلد عند وفاة الرئيس جورج واشنطن في 14 دجنبر 1799، بل ولد حتى شتنبر 1808.

    أتمنى أن يستوعب جيراننا أنه لا أحد يلام لأن تاريخه الوطني انطلق على يد مستعمر غاشم أفسد الواقع الجغرافي الذي وجده في شمال إفريقيا، و اعتدى على أمة عمرها بالقرون، و تطاول على رموزها و نكل برجالاتها معتمدا على قوته العسكرية الغاشمة و منظومته الأخلاقية الفاسدة التي تبيح له قتل الشعوب و سرقة ثرواتها. كما أتمنى أن يستوعب الجيران أن المملكة المغربية، منذ الاستقلال، لم تسع إلى تصحيح كل الأخطاء التي ارتكبها الاستعمار، بل ركزت نضالها التحرري، سياسيا و ديبلوماسيا و عسكريا، على استرجاع أراضي المغرب من طنجة إلى لكويرة، عبر مراحل و في حدود ما يمكن تصحيحه من كوارث استعمارية.

    و هنا، لابد من الإشارة إلى أن بلادنا سلكت تلك الطريق لوعيها بأن الأخطاء الاستعمارية لم تستهدف المغرب وحده، بل همت دولا و مجتمعات في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، و أنه في ظل منظومة العلاقات الدولية التي تشكلت بقرار من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، تم ترسيم حدود كل دولة وطنية Etat Nation على الشكل القائم، و ترسخ بذلك مسخ جغرافي فرضته مصالح قوى الاستعمار و إرادتها في استدامة بؤر صراع بين الدول التي استقلت عنها.

    و في القارات الثلاث، لا توجد دولة كبرى كانت قائمة قبل الحرب العالمية الأولى، لم تشملها أخطاء المستعمرين، و لا يمكن لأي منها أن تعيد عقارب الساعة قرونا إلى الوراء. لذلك، تظل التوترات قائمة بين دول كثيرة ترى حدودها التاريخية في مستويات أبعد بكثير مما تراه الأمم المتحدة و القوى الدولية المسيطرة حاليا.

    و بناء على ذلك، تشكل شبه إجماع دولي على أن الحكمة تقتضي احترام القانون الدولي، و التركيز على شروط استقرار دائم يحترم السيادة الوطنية للدول القائمة، و يمنع حركات الانفصال و الإرهاب و التخريب، و يحقق السلام الدائم بين الشعوب. و في هذا السياق، بالنسبة للمملكة المغربية، الموقف واضح : رسميا نحن لا نريد السير إلى أبعد من الحدود القائمة حاليا، و مطالبنا المشروعة هي احترام سيادة الدولة المغربية على كامل التراب الوطني، و وقف جرائم اعتداء المرتزقة الانفصاليين على أراضينا في الصحراء المغربية، بتمويل من دولة جار. و بموازاة ذلك، نجتهد للمحافظة على تميز النموذج الحضاري المغربي عبر تقوية البناء المؤسساتي و الديمقراطي في بلادنا، و تعزيز المشاركة المواطنة، و ترسيخ حماية حقوق الإنسان، و تشجيع الاعتدال و الانفتاح الثقافي، و تطوير حكامة الشأن العام، و رصد الإمكانيات لمحاربة الفقر و التخلف و محو الأمية و جلب المنافع الاقتصادية للناس، و إبرام شراكات مع كل من يقدر بلادنا و يقف مع مشروعية قضاياها.

    فهل هذه الطموحات المشروعة و الآمال الراقية، أكبر من قدرة جيراننا على فهمها و الانخراط فيها ؟ و كم يلزم تضييعه من سنوات قبل أن يتوقف أعداء المغرب عن حربهم الظالمة ضده؟ أليس بين القوم حكماء يستوعبون أن قضاء 47 سنة في دعم عصابة البوليخاريو الإنفصالية، أي 75% من عمر الدولة الجزائرية، يشكل مصيبة ليس في العالم نظام اقترف مثلها، إذ لا يمكن لعقل سوي إضاعة ثلثي عمر دولة في التحريض ضد دولة جار لا تطالب سوى باحترام وحدتها الترابية و سيادتها الكاملة على أراضيها ؟

    يبقى الأمل قائما بأن يتبلور أفق لنسير في طريق الأخوة و حسن الجوار، و تظهر صحوة ضمير جزائري تخرج المنطقة من دائرة الإضرار بمصالح الشعبين الشقيقين. في اعتقادي، ذلك أفيد بكثير من الخوض في التاريخ بمنطق مغلوط، و استنفار أجهزة دولة بأكملها، بأحزابها و مؤسساتها و جيشها و شيوخها و إعلامها، ضد مواطن مغربي سرد بعض الحقائق التاريخية بعفوية و تلقائية لم تستحضر حساسية و دقة السياق، و لم تبرز بوضوح أن ما كان من وضع مغربي إمبراطوري مغربي في أزمنة مضت، يختلف عن ما تريده بلادنا في الأزمنة الحاضرة و للمستقبل، من علاقات تعاون و تنسيق و احترام لسيادة كل دولة في المنطقة، و تكامل اقتصادي جهوي شامل لدول المغرب الكبير، لجلب النماء و تعويض شعوب المنطقة عن مآسي ديبلوماسية التحريض و تمويل عصابات الانفصال التي ظلم المغرب بسببها ظلما شديدا، و تم تدنيس التاريخ المشترك و الإساءة لذكرى أرواح المجاهدين، و ما عاقبة الظلم إلا سوء مطلق نخشى أن يصيب الظالمين، مصداقا لقوله تعالى : “وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ” (صدق الله العظيم).

    إقرأ الخبر من مصدره

  • رسالة إعتذار للفنان الكبير والقدير الدكتور عادل الميلودي ملهم الأجيال

    ﻧﺨطئ ﺃﺣﻴﺎﻧﺎً ﻭهذﺍ ﻟﻴﺲ ﺑﻌيب ﻓﻨﺤﻦ ﺑﺸﺮ .. لكن ﻋندﻣﺎ ﻧﺨطئ ﻭﻻ ﻧﻌتذﺭ فعندها ﻧﻔقد ﺃﺟﻤﻞ ﻣﺎﻓﻴﻨﺎ.

    في كثير من الأوقات كصحفيين وكتاب ومراسلين واعلاميين، نتسرع في اطلاق الأحكام، وتقديم الدعم الاعلامي، لشباب وشخصيات ومواهب مغمورة، ننقل صوتهم ونتابع تحركاتهم، ونغطي أنشطتهم، فيتحولن بفضلنا لنجوم ساطعة ومشاهير يتصدرون المشهد، لكننا كثيراً مانكتشف بعد فوات الاوان، اننا حولنا اغبياء لشخصيات مؤثرة، نقل بعض التافهين من وسطهم الضيق الى مشاهير السوشيال ميديا، بعضهم اصبح يطلب مقابل مادي من اجل تصوير لقاء معه، رغم انه كان يتوسل الميكروفونات في بداية مساره، والبعض اغرته النجومية فأصبح يمارس عقده النفسية على رجالات الاعلام في الندوات والمؤتمرات ويستعرض عضلاته.

    لكن مؤخراً تفاجأنا بمقطع فيديو متداول على نطاق واسع لمغني شعبي يدعى “عادل الميلودي” وهو يسب الصحافة ويتهمهم بـ “المرقة” وينعثهم بالفساد، لا لشيء إلا أن الصحافة قامت بتغطية مهنية لحادثة إعتداء زوجته على رجال الشرطة، في واقعة هزّت الرأي العام المحلي بالقنيطرة، الميلودي الذي تعود على نجومية الحانات والهتاف باسمه في الملاهي الليلية، اعتقد انه وأسرته من المقدسات، التي لايحق لأحد ان ينقل عيوبها، او ان يقول لهم انتم مخطؤن والقانون فوق الميلودي .

    وبما ان إنتقاد الميلودي والحديث عن خرق زوجته وابنه للقانون، هو أمر مرفوض في نظر “الميلودي” فلا يسعنا الا ان نقدم له الإعتدار، حتى لانكون ابطال احدى اغانيه القادمة، لان الرجل حسب تصريحه في احدى البرامج ” ملي كيتبوق كيبدع ” حفظنا الله واياكم من ابداعه .

    وحتى لانطيل عليكم، اعتذارنا اليوم للميلودي، ليس خوفاً او تملقاً، بل هو إحساس بالذنب، فالرجل وزوجته مهما كانت الأخطاء والجنح التي إرتكبوها، فهم جزء من الموروث الثقافي لبلادنا .

    يكفي ان الميلودي رغم انه من مواليد مدينة الدار البيضاء، الا أنه أمضى سنوات من عمره، وهو يطرب رواد الملاهي الليلية بالقنيطرة، وكم غنى ورقص في الحفلات الخاصة على آنين قرورات الخمر، اليس للرجل فضل كبير في اثراء الموروث الثقافي والشعبي، عن البيئة باغنية ” زيرو ميكة “، وعن قضايا الشباب باغنية “هبالاتو”، اليس الرجل اول من اكتشف نظرية ان العقل البشري، يبدع عندما “يتبوق” اي يدخن المخدرات، اليس للرجل فضل في ترسيخ ثقافة إحترام قانون السير عندما قال، “ولدي يدير ثمنية بطومبيلتو في الشارع وانا نخلص المخالفات”.
    نعتدر اليوم لأننا بكل صدق، ندفع ثمن صعود الأغبياء للطندونس

    عبّر

    إقرأ الخبر من مصدره

  • واقعة سرقة علامة قف … عندما تطال أيادي العبث !!

    محمد منفلوطي _ هبة بريس

    عيب وعار، أن تطل علينا مواقع التواصل الاجتماعي كل صباح، بصور من هنا وهناك، صور توثق لسرقة علامات تشوير، وأخرى تحمل بصمات تخريبية لمرافق عمومية من كراسي الحدائق العمومية وأبواب مكاتب الادارات واتلاف مصابيح الحدائق والمنتزهات…

    من المؤسف، أن تطال أيادي العبث مرافق عمومية وتجهيزات هي في الأصل أنشئت خدمة للعباد والبلاد.

    فبمرور المرء من طريق عمومية، وبمحاذاة مرفق سواء كان مؤسسة تعليمية أو مستشفى أو إدارة أو حديقة عمومية…، إلا ووقعت عيناه على مظاهر ومشاهد بطعم الخزي والعار، لأناس عبثوا وتطاولوا على الممتلكات العامة، بدءا بتكسير الزجاج والكتابات الحائطية وتخريب المصابيح واقتلاع الأشجار، وكأن المرء يحمل في طياته حقدا دفينا يكاد يبديه كلما سنحت له الفرصة بذلك.

    صورة لصاحبها وهو يحمل “علامة قف” بمدينة سلا، الله وحده يعلم مستقرها ومستودعها واتجاهها، مشهد ذكرني في زمن مضى،  وأنا في زيارة لإحدى القرى المثاخمة لمدينة سطات، حين وقعت عيناي على علامة تشوير تحمل عبارة “انتباه منعرج خطير”  صاحبها بلغت به عبقريته مبلغ استعمالها كوعاء لإطعام ماشيته…، دون أن يعي أن فعلته هاته ستكلف آخرين حياتهم وهم في الطرقات.

    صور أخرى، لكراسي عمومية داخل حدائق ومنتزهات،  طالتها أيادي التخريب،  وحُرم من خدماتها ذلك الشيخ الهرم وتلك العجوز المسنة التي أخذ منها الدهر أخذا وساقها المرض وضعف الحيلة،  لاتخاذ مكان بالحديقة لتعيد أنفاسها قبل أن تستأنف مشوارها صوب “قبر حياتها” في انتظار الرحيل الأعظم.

    ظاهرة تخريب المرافق العامة من المعضلات التي عجزت الجهات المسؤولة عن إيقافها رغم الجهود التي تبذل على أكثر من صعيد، الأمر التي يتطلب تكثيف حملات التوعية والتذكير بمضامين القوانين الصارمة التي تفرض ذلك، بالإضافة إلى  ربط جسور التواصل بين كافة المتدخلين بين مختلف المؤسسات وعلى رأسها المؤسسات التعليمية والأمنية والأسرية والدينية  لزرع بذور الوازع الديني والأخلاقي والوطني في النفوس.

    مشاهد وصور كهاته، من شأنها أن تسيء للوطن، ويتخذها البعض من خصوم الوطن ذريعة لتعليق فشلهم…. تعالوا جميعا لنُعلي كلمة الحق خفاقة مفادها كفانا استهتارا، كفانا هروبا إلى الإمام دون تحمل كل واحد منا ولو جزءا من المسؤوليات الملقاة على عاتقه، علينا الاعتراف بأن الأنانية والتطاول وتجاوز القانون قد وصل حدا لا يمكن السكوت عنه،  مما يدعونا جميعا لمراجعة النفس، والعمل كل في مجاله واختصاصاته لمنع تفاقم مثل هكذا مظاهر…

    إقرأ الخبر من مصدره