Étiquette : 50

  • 27 قتيلا و 3105 جريحا حصيلة حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال الأسبوع المنصرم

    لقي 27 شخصا مصرعهم وأصيب 3105 آخرون بجروح، إصابات 116 منهم بليغة، في 2243 حادثة سير سجلت داخل المناطق الحضرية خلال الأسبوع الممتد من 27 أبريل الماضي إلى 3 ماي الجاري.

    وعزا بلاغ للمديرية العامة للأمن الوطني الأسباب الرئيسية المؤدية إلى وقوع هذه الحوادث، حسب ترتيبها، إلى عدم انتباه السائقين، وعدم احترام حق الأسبقية، والسرعة المفرطة، وعدم انتباه الراجلين، وعدم ترك مسافة الأمان، وعدم التحكم، وتغيير الاتجاه بدون إشارة، وتغيير الاتجاه غير المسموح به، وعدم احترام الوقوف المفروض بعلامة “قف”، والسير في الاتجاه الممنوع، والسير في يسار الطريق، وعدم احترام الوقوف المفروض بضوء التشوير الأحمر، والسياقة في حالة سكر، والتجاوز المعيب.

    وبخصوص عمليات المراقبة والزجر في ميدان السير والجولان، أوضح المصدر ذاته أن مصالح الأمن تمكنت من تسجيل 50 ألفا و184 مخالفة، وإنجاز 8006 محاضر أحيلت على النيابة العامة، واستخلاص 42 ألفا و178 غرامة صلحية.

    وأشار البلاغ إلى أن المبلغ المتحصل عليه بلغ 9 ملايين و430 ألفا و150 درهما، فيما بلغ عدد العربات الموضوعة بالمحجز البلدي 5169 عربة، وعدد الوثائق المسحوبة 8006 وثائق، وعدد المركبات التي خضعت للتوقيف 509 مركبات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بمشاركة أزيد من 200 رياضي من 50 دولة… جائزة الرياض للقوى تشعل المنافسة

    تستعد العاصمة السعودية الرياض لاحتضان النسخة الأولى من الجائزة الكبرى لألعاب القوى لسنة 2026، في حدث رياضي دولي مرتقب سيقام يومي 15 و16 ماي الجاري، على ملعب جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، بمشاركة نخبة من أبرز العدائين والرياضيين من مختلف أنحاء العالم.

    وبحسب الجهة المنظمة، يرتقب أن يعرف هذا الموعد مشاركة أزيد من 200 رياضي يمثلون أكثر من 50 دولة، سيتنافسون في 31 سباقا ومسابقة متنوعة، للرجال والسيدات، في تظاهرة تعد الأولى من نوعها في المملكة، وتعكس طموحها المتزايد لتعزيز حضورها على الساحة الرياضية الدولية.

    وأضاف المصدر ذاته، أن هذه الجائزة الكبرى تندرج ضمن رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى ترسيخ مكانة المملكة كوجهة عالمية لاستضافة التظاهرات الكبرى، من خلال تطوير البنيات التحتية الرياضية واستقطاب المنافسات الدولية، إلى جانب دعم المواهب المحلية وتمكينها من الاحتكاك بأبرز نجوم ألعاب القوى.

    وتابع أنه من المنتظر أن تقدم هذه التظاهرة تجربة تنظيمية متكاملة تستجيب للمعايير الدولية، سواء على مستوى الجوانب التقنية أو الجماهيرية، حيث يتوقع حضور جماهيري كبير لمتابعة المنافسات، التي ستشمل أيضا جولات برونزية وتحديات عالمية تمنح المشاركين نقاطا مهمة في التصنيف الدولي، وتفتح أمامهم آفاق التأهل إلى البطولات الكبرى.

    ولا تقتصر أهداف هذا الحدث على الجانب الرياضي فقط، بل تمتد لتشمل أبعادا استراتيجية واقتصادية، من خلال تعزيز التعاون الدولي في المجال الرياضي، وتنشيط السياحة الرياضية، بما ينسجم مع توجه المملكة نحو تنويع اقتصادها وتعزيز إشعاعها العالمي.

    ويشكل تنظيم هذه الجائزة خطوة تمهيدية لإطلاق دوري النخبة السعودي لألعاب القوى المرتقب سنة 2027، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تطوير هذه الرياضة إقليمياً، وخلق بيئة تنافسية قوية تدعم بروز أبطال قادرين على التألق قاريا وعالمياً.

    وبهذا، تكرس جائزة الرياض الكبرى لألعاب القوى 2026 نفسها كمنعطف مهم في مسار تطوير الرياضة بالمملكة، وخطوة إضافية نحو ترسيخ موقعها كأحد أبرز مراكز تنظيم التظاهرات الرياضية الدولية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هكذا نجح الجيش في اكتساح القارة الإفريقية

    خالد الجزولي

    يعود الجيش الملكي لكرة القدم إلى نهائي المسابقة الإفريقية الأولى على مستوى الأندية «دوري الأبطال»، لأول مرة في تاريخه منذ 42 سنة، أي منذ تتويجه بلقب المنافسة عام 1985 تحت المسمى القديم «كأس إفريقيا للأندية البطلة»، حيث كان بلغ النهائي بعد مشاركة رابعة على التوالي، إذ اكتفى في النسختين الأوليين بالأدوار التمهيدية، ثم غادر المسابقة الماضية في دور الربع، قبل أن يصل إلى النهائي في النسخة الحالية، بحثا عن اللقب القاري وضمان المشاركة في «مونديال» الأندية ممثلا وحيدا لكرة القدم المغربية.

    مسار استثنائي لـ«العساكر» رفقة الأبطال

    قدم الجيش الملكي مسارا مميزا في دوري أبطال إفريقيا للموسم الكروي الحالي، حيث أبان عن شخصية قوية وانضباط تكتيكي واضح منذ الدور التمهيدي، مرورا بدور المجموعات ثم دور ربع النهائي القاري ووصول إلى دور نصف النهائي الملغوم ونجاحه في بلوغ المباراة النهائية.

    ونجح الفريق العسكري في تجاوز منافسين من العيار الثقيل، معتمدا على توازن كبير بين الصلابة الدفاعية والفعالية الهجومية، ما جعله أحد أبرز المرشحين، منذ الأدوار المتقدمة، للذهاب إلى أبعد نقطة من المسابقة، حيث تجاوز نادي ريال دي بانجول الغامبي في الدور التمهيدي الأول، ثم عبر الدور التمهيدي الثاني على حساب نادي حوريا كوناكري الغيني، قبل أن ينتقل إلى دور المجموعات، الذي أنهاه في مركز الوصافة عن المجموعة الثانية برصيد تسع نقاط، جمعها من فوزين وثلاثة تعادلات، مقابل تلقيه هزيمة واحدة، خلف نادي الأهلي المصري المتصدر، فيما جاء يانغ أفريكانز التنزاني ثالثا متقدما على شبيبة القبايل الجزائري متذيل الترتيب، ثم تجاوز فريق الجيش، في مرحلة ربع النهائي، نظيره بيراميدز المصري، حامل لقب النسخة الماضية، قبل أن يواصل المسار نحو النهائي متجاوزا مواطنه نهضة بركان في نصف النهائي.

    ويعكس الإنجاز الكبير، الذي حققه الفريق العسكري، نجاحه على مستوى إعادة الهيكلة وتعزيز التركيبة البشرية، سواء من خلال التعاقدات أو الاستثمار في التكوين، علما أن الاستقرار التقني ساهم بدوره في منح «العساكر» هوية واضحة مكنت الفريق من مجاراة أقوى الأندية الإفريقية والتفوق عليها في محطات حاسمة، علما أنه عزز تركيبته البشرية، الصيف الماضي، بمجموعة من اللاعبين من ذوي الخبرة في المباريات الدولية والمنافسات القارية، على غرار أحمد رضا التكناوتي، الذي سبق له بلوغ نهائي دوري الأبطال مرتين في مسيرته، وتوج باللقب مرة واحدة سنة 2022 مع الوداد الرياضي، إضافة إلى اللاعبين يونس عبد الحميد، مروان لوداني ومحسن بوريكة وآخرين، وبات الجيش الملكي أمام فرصة ذهبية لكتابة فصل جديد في تاريخه، واستعادة مكانته بين كبار القارة، رغم صعوبة المهمة أمام ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي.

    أرقام مميزة لمشاركة الجيش إفريقيا

    بلغ الجيش الملكي نهائي دوري أبطال إفريقيا للمرة الثانية في تاريخه، ليصبح، بالتالي، ثالث فريق مغربي يبلغ النهائي في المسابقة الأقوى إفريقيا بعد الوداد الرياضي (5 مرات) والرجاء الرياضي (3 مرات). وخاض الفريق العسكري مسارا مميزا، حيث حقق، من أصل 14 مباراة (بدءا من الدور التمهيدي الأول إلى نصف نهائي الأبطال)، 8 انتصارات و4 تعادلات مقابل هزيمتين اثنتين.

    وكشفت معطيات صادرة عن تقرير نشره الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، «كاف»، عن القوة الدفاعية التي يتميز بها فريق الجيش، باعتباره أكثر الأندية حفاظًا على نظافة شباكه خلال المسابقة بخمس مباريات «كلين شيت»، معادلاً رقم نادي ستاد مالي، في مؤشر واضح على توازن الفريق وانضباطه التكتيكي، وكشفت الأرقام عن حسن تدبير فريق الجيش في تعامله مع المباريات خارج قواعده، بعدما تلقى هزيمتين خلال مسار المنافسة، كانت الأولى عن أولى مباريات الدور التمهيدي ضد بانجول الغامبي بهدف والثانية ضد مواطنه نهضة بركان عن إياب نصف النهائي بهدف.

    وعلى مستوى الإنجازات الفردية، واصل المهاجم أحمد حمودان تألقه، بعدما سجل هدفين في آخر ثلاث مباريات، متجاوزا حصيلته السابقة التي لم تتعدَّ هدفًا واحدًا في أول 14 ظهورًا له في المسابقة، في حين بصم خالد آيت أورخان على أداء متميز، ما جعل كرسي البدلاء سلاحًا مهمًا يخدم مصالح الجيش الملكي خلال الموسم الجاري، فيما نجح الحارس رضا التكناوتي في تقديم أرقام جيدة، بتصديه لـ25 لمحاولة حقيقية للتسجيل، واعتُبر الأفضل في المسابقة بمعدل تصديات ناجحة بلغ 83 بالمائة، ما يعكس أفضلية واضحة للجيش الملكي على صعيدي المجموعة والفرديات، ما ساعده في بلوغ النهائي.

    عين «العساكر» على 6 ملايين دولار

    يراهن الجيش الملكي لكرة القدم على خبرة لاعبيه والروح المعنوية العالية داخل مجموعته، لكسب رهان نهائي دوري أبطال إفريقيا، عندما يواجه منافسه ماميلودي صن داونز الجنوب إفريقي، أملا في الحصول على اللقب القاري ومنحة مالية دسمة من قبل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، «كاف»، الذي رفع من قيمة الجوائز المالية لمسابقات الأندية الإفريقية لموسم 2025-2026، حيث بلغت الجائزة المالية لبطل دوري أبطال إفريقيا 6 ملايين دولار، بعدما ضمن الفريق العسكري حصته، على التوالي، من 1.2 مليون دولار المخصصة للمتأهل إلى نصف النهائي، ومن قبل 900 ألف دولار المخصصة للأندية الأربعة المتأهلة إلى دور ربع النهائي، وأمن كذلك الحصول على مليوني دولار قيمة الجائزة المخصصة للوصيف، إلا أن طموحه لا يقف عند هذا الحد وبات يبحث، بشغف كبير، عن التتويج باللقب القاري.

    وحقق الجيش الملكي مداخيل مالية مهمة منذ رفع قرار الإيقاف بشأن جماهيره وأنصاره وعودته إلى معقله الحقيقي ملعب مولاي عبد الله بالرباط، وتحديدا في مباراة نهضة بركان برسم ذهاب نصف نهائي دوري أبطال إفريقيا، إذ، بفضل الإقبال الجماهيري الكبير، بيعت أكثر من 50 ألف تذكرة بأسعار مختلفة تراوحت ما بين 70 و2000 درهم، وكان ممكنا أن يكون العدد أكثر لو استُغل الطابق العلوي للجهة الشمالية المخصصة للزوار، والتي تتسع لأكثر من 10 آلاف مشجع، علما أن الحضور الجماهيري الخاص بإياب النهائي القاري، مرشح ليكون قياسيا ويوازي طموح كل مكونات الفريق العسكري وكرة القدم المغربية، وذلك لتقديم الدعم والمساندة لـ«العساكر» وحثهم على بذل مجهودات مضاعفة، أملا في الإبقاء على الكأس القارية بالعاصمة الرباط.

    «الفيفا» يحفز الجيش على بلوغ «الموندياليتو»

    خص الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» الجيش الملكي بإشادة واضحة عقب تأهله إلى نهائي دوري أبطال إفريقيا، معتبرا أن الفريق قدم مسارا استثنائيا تميز بطول النفس وتوالي الإنجازات على امتداد المنافسة.

    وأوضح تقرير «الفيفا» أن «العساكر» بلغوا الحلم القاري بعد مسار طويل ومليء بالإثارة، نجحوا خلاله في تجاوز أدوار تمهيدية صعبة، قبل أن يفرضوا أنفسهم بين كبار القارة، معتبرا بلوغ النهائي انعكاسا لقوة المجموعة وقدرتها على التعامل مع مختلف السيناريوهات، داخل الميدان وخارجه. ونوه «الفيفا» بصلابة الفريق في المواعد الكبرى، مشيرا إلى قدرته على مقارعة أندية ذات باع طويل في المسابقة، مع الحفاظ على توازن واضح بين النزعة الهجومية والانضباط التكتيكي، ما مكّنه من بلوغ المشهد الختامي بعد غياب طويل امتد لعقود، مضيفا أن الفريق يقف اليوم على بعد خطوة من كتابة صفحة جديدة في تاريخه، في نهائي سيجمعه بماميلودي صن داونز، في مواجهة مرتقبة ستحدد بطل القارة وتفتح أمام الفائز أبواب المشاركة في كأس العالم للأندية.

    تجدر الإشارة إلى أن الجيش الملكي يعد من بين أكثر الفرق المغربية تتويجًا بالألقاب، برصيد 31 لقبًا رسميًا، منها 29 لقبًا محليًا (13 في الدوري المغربي و12 كأسا للعرش (رقم قياسي) و4 مرات كأس السوبر المغربي)، وعلى المستوى القاري حقق الفريق لقبين، إذ كان أول فريق مغربي يحقق لقبًا قاريًا بعد فوزه بدوري أبطال إفريقيا 1985، وأول فريق عربي يتوج بلقب كأس الكونفدرالية الإفريقية 2005، علما أنه استطاع الوصول إلى نهائيات كل المسابقات التي شارك فيها.

    ويعتبر الفريق العسكري من أعرق الفرق العربية والإفريقية، ويحظى بالتفاف جماهيري شعبي خاص، حيث شكل بنجاحاته قاعدة جماهيرية كبيرة وصيتًا قاريًا وعالميًا، باعتباره قطبا من الأقطاب الكروية الثلاثة الكبيرة بالمغرب إلى جانب منافسيه الوداد والرجاء الرياضيين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « الباييس »: جولة مفاوضات جديدة بشأن القرار 2797 بواشنطن الشهر الجاري

    العلم الإلكترونية – الرباط
     

    كشفت صحيفة الباييس الإسبانية، عن جولة مفاوضات جديدة تجمع مجدداً أطراف النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية بواشنطن خلال الشهر الجاري، مبرزة أن الدبلوماسية الأمريكية فعلت، تزامناً مع جهود تسريع المسار السياسي الأممي، وساطة مباشرة بين المغرب والجزائر، إلى جانب ضغوط دبلوماسية مكثفة، في محاولة للتوصل إلى حل سياسي سريع لملف الصحراء، حيث توجه وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، كريستوفر لاندو، إلى الجزائر الثلاثاء الماضي، قبل أن يلتقي في اليوم التالي في الرباط مع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة.

    الباييس أفادت، في مقال تحليلي صدر أول أمس الاثنين، أن الدبلوماسي الأمريكي ناقش مع الرئيس الجزائري تطورات العملية السياسية، قبل أن يعلن الأربعاء الماضي في الرباط أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق حل سلمي في غضون فترة زمنية معقولة لنزاع طال أمده بشكل غير مقبول، محذراً بأن الوضع لا يمكن أن ينتظر 50 عاماً أخرى.

    الصحيفة الإسبانية ذكرت بأن مجلس الأمن الدولي استعرض، خلال الأسبوع الأخير من أبريل، حصيلة عمل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو)، التي أُنشئت قبل نحو 35 عاماً، في إطار ما وصف بـ »الاستعراض الاستراتيجي » لمهامها، تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن مستقبلها قبل موعد تجديد ولايتها نهاية أكتوبر المقبل، وفي إطار التنزيل الناجع لمقتضيات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي تم تبنيه بالإجماع، والذي كرس « مخطط الحكم الذاتي الحقيقي » باعتباره الآلية « الأكثر جدوى » للتوصل إلى حل سياسي للنزاع حول المستعمرة الإسبانية السابقة.

    في ذات السياق، تؤكد الباييس، حسب مصادرها، أن الأمم المتحدة، بإيعاز من واشنطن، تتجه نحو تقليص تعداد أفراد بعثة المينورسو بشكل كبير وخفض تكاليف تسييرها، التي بلغت 68 مليون دولار العام الماضي.

    مقال الباييس أبرز أنه، عشية اجتماع مجلس الأمن الأخير بشأن مستقبل المينورسو، التقى مستشار الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في واشنطن مع رئيس بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (مينورسو)، ألكسندر إيفانكو، حيث جدد بولس، الذي باشر بدوره وساطة مباشرة بين الرباط والجزائر، موقف الولايات المتحدة المؤيد لـ »حل سياسي مقبول من أطراف النزاع »، قائم على خطة الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، كما هو منصوص عليه في قرار مجلس الأمن رقم 2797.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخور: ممارسات مهينة تجهز على كرامة الرحل… و”الشناقة” والغلاء يمصان دمهم (حوار)

    جمال أمدوري

    عبر لحسن الخور، الفاعل المدني المدافع عن قضايا الرحل، عن تشاؤم واضح تجاه مستقبل هذه المهنة، مؤكدا أنه “لا ينصح أحدا بها” رغم أنها إرث عائلي امتد عبر الأجيال، مضيفا أن سنوات الجفاف الطويلة، وتدهور الظروف المعيشية، إلى جانب ما وصفه بسوء المعاملة والضغوط الإدارية، جعلت ممارسة الرعي “مهمة شاقة وغير إنسانية أحيانا”، رغم التحسن النسبي الذي عرفته بعض المراعي بفعل التساقطات الأخيرة. واعتبر أن الوضع الحالي لا يعكس أي جاذبية للشباب، بل يدفعهم نحو الهجرة إلى المدن أو البحث عن بدائل مهنية أكثر استقرارا.

    وأضاف الخور في حوار مطول مع جريدة “العمق” أن الإكراهات لا تقتصر على الجانب الطبيعي فقط، بل تمتد إلى اختلالات بنيوية مرتبطة بالدعم العمومي، والتنقل، وارتفاع التكاليف، فضلاً عن تعقيدات الاستفادة من البرامج الموجهة للكسابة، مشيرا إلى أن الرحل يعيشون بين ضغط الغلاء وهيمنة الوسطاء وصعوبات إدارية تعرقل الاستفادة من التلقيح والدعم، ما يجعل استمرار هذه المهنة، في نظره، “أمرا غير مضمون العواقب”، موضحا أن ما يدفع بعض الرحل للاستمرار ليس ظروف المهنة، بل ارتباطهم العائلي والتقليدي بها، في وقت تتزايد فيه الأصوات داخل الوسط الرعوي التي تعتبر أن هذه المهنة لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل الحالي.

    الحوار الكامل:

    استبشر الجميع خيرا بالتساقطات المطرية الأخيرة؛ كيف انعكس هذا “الفرج” على معنوياتكم كرحل وعلى حالة القطيع؟
    بحكم أنني من الرعاة الرحل، يمكنني القول إننا، والحمد لله، استبشرنا خيرا بالتساقطات المطرية التي عرفها المغرب هذه السنة، والتي كان لها أثر إيجابي على الغطاء النباتي. صحيح أن مناطق الجنوب الشرقي، كما تعلمون، لم تستفد بالشكل الكافي من هذه التساقطات، ولا يزال الجفاف قائما بها، وهو ما نلمسه بشكل مباشر في تنقلاتنا اليومية بحثا عن الكلأ. هذه السنة، والحمد لله، تنقلنا بين عدة مناطق؛ حيث انتقلنا إلى الصحراء، وزرنا بوجدور، ثم عدنا إلى جهة سوس. ويمكن القول إن الكلأ متوفر بشكل كبير. أما حالة القطيع، فهي، والحمد لله، في وضع جيد وعلى أحسن حال، رغم الإكراهات المرتبطة بندرة الموارد في بعض المناطق.

    رغم أن مشكل الجفاف بدأ يخف حدة بفضل الأمطار، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. هل تعتقد أن هذه التساقطات كافية لتعويض سنوات القحط الماضية أم أن “الكسيبة” لا تزال في مرحلة النقاهة؟
    نعم كما أشرت إلى ذلك، فإن حالة القطيع لا تزال في مرحلة نقاهة. فسبع سنوات من الجفاف ليست بالأمر الهين، وقد أثرت بشكل كبير على وضعية القطيع، رغم المجهودات التي بذلتها الدولة، سواء فيما يتعلق بتوفير الأعلاف أو برامج التلقيح. ومع ذلك، يبقى هناك إشكال نواجهه نحن، كرحل، يتمثل في صعوبة الاستفادة من حملات التلقيح في بعض المناطق التي نمر بها. فمثلا، منذ شهر مارس انطلقت الحملة الوطنية لتلقيح القطيع ضد مرض الجدري وبعض الأمراض الأخرى، لكن في هذه المناطق لا يتم تلقيح قطعاننا، ما يضطرنا إلى الانتظار إلى حين التنقل إلى مناطق أخرى من أجل الاستفادة من هذه الخدمات. وهذا الوضع يطرح تحديات حقيقية بالنسبة لنا، خاصة في ظل تنقلاتنا المستمرة وارتباطنا بالمجالات الرعوية.

    باعتباركم رحلا، هل تجدون صعوبة في الاستفادة من الدعم المباشر (الذي رصدت له الدولة ميزانية ضخمة لعامي 2025 و2026) بسبب طبيعة تنقلكم المستمر؟ وهل “نظام الترقيم” الحالي ينصف الراعي الذي يتنقل بين الأقاليم؟
    بالنسبة لنا كرحل، يمكنني القول إن نسبة المستفيدين من البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع الوطني تصل تقريبا إلى 80 في المئة. غير أن جزءا من هؤلاء لم يستفد من المبالغ كاملة، في حين أن حوالي 20 في المئة، أو أكثر، لم يستفد إطلاقا، لا من الشطر الأول ولا من الشطر الثاني. سبب هذا الوضع، في نظرنا، يعود أساسا إلى تعقيدات إدارية لا تراعي طبيعة عيش الرحل وتنقلاتهم المستمرة. فالمسؤولون يشترطون، مثلا، أن يبقى الكساب في نفس الجماعة أو القيادة التي أنجز فيها الإحصاء، من أجل استكمال الإجراءات، كعملية “الترقيم بوضع حلقة في الأذن” والمرور أمام اللجنة للاستفادة من الشطر الثاني.

    لكن هذا شرط يتعارض مع واقعنا كرحل، إذ نحن نتنقل حسب توفر الماء والكلأ، حيثما نزل الغيث نرتحل. أعطيك مثالا: هناك رحل قاموا بالإحصاء في قيادة أمسمرير، ثم انتقلوا إلى مناطق أخرى مثل الرشيدية، لكنهم لم يتمكنوا من استكمال الإجراءات هناك، وطُلب منهم العودة إلى أمسمرير. فهل يعقل أن يجبر الكساب الرحل على نقل قطيعه لمسافات طويلة فقط من أجل استكمال إجراء إداري؟ نفس الإشكال يطرحه رحل آخرون أجروا الإحصاء في مناطق الغرب أو دكالة أو عبدة، ثم انتقلوا إلى الصحراء، ولم يتمكنوا من الاستفادة بسبب نفس الشروط. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول توحيد الإدارة وتبسيط المساطر: هل نحن أمام إدارة واحدة تراعي خصوصيات جميع المواطنين، أم أمام ممارسات مختلفة تعقد الولوج إلى الدعم؟ من المفروض أن تتم رقمنة المعطيات وتعميمها مركزيا، بحيث يتمكن الكساب من استكمال إجراءاته أينما حل وارتحل، دون الحاجة للعودة إلى نقطة البداية.

    في البداية، رحبنا بهذا البرنامج باعتباره مبادرة ملكية مهمة تعترف بقيمة الكساب ودوره، لكن للأسف، طريقة تنزيله على أرض الواقع من طرف بعض المسؤولين لم تكن في المستوى المطلوب. وأقول هذا الكلام وأنا أتحمل مسؤوليتي، لأننا نعيش هذه الإكراهات يوميا. فليس من المنطقي، مثلا، أن أكون متواجدا حاليا في تيزنيت حيث الظروف مناسبة والكلأ متوفر، ثم يتم إجباري على العودة إلى مناطق باردة كـ “تلمي”، فقط من أجل المرور أمام لجنة. الحل، في نظرنا، هو أن تنتقل اللجان أو تفوض الصلاحيات محليا، حتى يتمكن الرحل من استكمال الإجراءات في أماكن تواجدهم، بما يضمن العدالة والنجاعة في الاستفادة من هذا البرنامج.

     هذا البرنامج يهدف بالأساس إلى “إعادة تشكيل القطيع الوطني” عبر تشجيع الحفاظ على الإناث؛ من وجهة نظرك كشاب ممارس، هل المبالغ المرصودة كافية لإقناع الكساب بعدم بيع إناث القطيع في ظل إغراءات أسعار اللحوم المرتفعة بالأسواق؟
    بالنسبة للبرنامج، يمكن القول إنه في الأصل برنامج جيد، لكن الإشكال يكمن في طريقة تنزيله على أرض الواقع. فهو يحتاج أن ينفذ وفق الأهداف والتوجيهات التي وضع من أجلها، وبالروح التي أطلق بها، حتى يستفيد منه جميع الكسابين كما ينبغي. لكن، كما أشرت سابقا، هناك نسبة مهمة من الرحل، قد تصل إلى 20 أو 30 في المئة، لم تستفد إطلاقا من هذا الدعم. ومن جهة أخرى، من المهم التوضيح أن الكساب ليس مسؤولا عن غلاء أسعار اللحوم. فالمشكل الحقيقي، في نظرنا، مرتبط بالوسطاء أو “الشناقة” الذين يستفيدون بشكل أكبر من هذا الوضع، إلى جانب بعض المتدخلين في سلسلة التوزيع. على سبيل المثال، هنا في سوس، يصل ثمن الجدي إلى حوالي 2800 درهم، والخروف إلى نحو 2400 درهم، في حين أن الكساب يبيع الجدي بأثمنة تتراوح بين 1400 و1600 درهم.

    وهذا يوضح أن الكساب لا يستفيد من ارتفاع الأسعار، بل يحمل فقط المسؤولية أمام الرأي العام. أما بخصوص كفاية الدعم، فيمكن القول إنه غير كاف إطلاقا، بالنظر إلى حجم التكاليف التي يتحملها الكساب الرحل. فمصاريف التنقل وحدها مرتفعة جدا؛ إذ قد تصل تكلفة نقل القطيع إلى حوالي مليون سنتيم في رحلة واحدة، ثم مئة ألف سنتيم في تنقل آخر، ومئة وعشرين ألف سنتيم في رحلة إضافية، دون احتساب باقي المصاريف. إلى جانب ذلك، هناك مشكل كبير في اليد العاملة، حيث أصبح من الصعب إيجاد من يرعى القطيع، رغم أن الأجور تتراوح بين 3000 و4000 درهم، ومع ذلك لا يتوفر العمال. كما أن الأعلاف عرفت ارتفاعا كبيرا في الأسعار، خاصة بعد تقليص أو توقف توزيع الأعلاف المدعمة، حيث سجلت بعض المواد زيادات قد تصل إلى 60 في المئة، مثل النخالة والشعير. وفي هذا السياق، يرى عدد كبير من الكسابين الرحل أن توفير الأعلاف المدعمة بشكل منتظم قد يكون أكثر نجاعة من الدعم المالي المباشر، لأن هذا الأخير يستفيد منه بالأساس موردو الأعلاف وقطاع النقل، في حين يبقى الكساب هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

    بعيدا عن الدعم المالي المباشر، هل استفدتم من عملية توزيع الشعير المدعم والأعلاف المركبة بالشكل الكافي خلال هذه الفترة؟ وكيف تقيم جودة هذه الأعلاف وتأثيرها على صحة القطيع؟
    الدولة لم تعد توفر الأعلاف المدعمة كما في السابق؛ فلا الأعلاف المركبة المدعمة متوفرة، ولا الشعير المدعم، وهو ما أثر بشكل مباشر على الكسابين. تم تعويض ذلك بدعم مالي، لكن هذا الخيار لم يحقق النتائج المرجوة.

    فبمجرد حصول الكسابين على هذا الدعم، شهدت أسعار الأعلاف في السوق ارتفاعا كبيرا، حيث استغل بعض الموردين هذا الوضع، لترتفع الأسعار بشكل ملحوظ. فبعدما كانت الأثمنة في مستوى معقول خلال فترة توفر الأعلاف المدعمة، أصبحت اليوم مرتفعة بشكل كبير، إذ سجلت بعض أنواع الأعلاف زيادات تتراوح بين 50 و60 في المئة مقارنة بالسابق. وبالتالي، يجد الكساب نفسه أمام وضع صعب: دعم مالي محدود من جهة، وارتفاع كبير في تكاليف العلف من جهة أخرى، مما يضعف قدرته على الاستمرار ويزيد من الأعباء اليومية المرتبطة بتربية القطيع.

    يشتكي العديد من الكسابة من سطوة “الشناقة”؛ كيف يواجه الرعاة الرحل هؤلاء الذين يستغلون حاجة الراعي ويتحكمون في الأثمنة قبل وصولها للمستهلك؟
    إن مسألة “الشناقة” لم تعد تقتصر فقط على قطاع تربية الماشية، بل أصبحت ظاهرة أوسع تشمل عدة مجالات، وهو ما يجعلها مشكلا حقيقيا ومعقدا. صحيح أن دور الوسيط بين الكساب والمستهلك موجود منذ زمن، وكان له دور في نقل الماشية من الضيعات إلى الأسواق ثم إلى المدن والمجازر، لكن ما تغير في السنوات الأخيرة هو ارتفاع مستوى الجشع لدى بعض هذه الفئة، حيث أصبحت الممارسات تتجاوز حدود المعقول. ففي السابق، كان الوسيط يشتغل في إطار توازن معين داخل السوق، أما اليوم فقد أصبحت المضاربات والمبالغة في هوامش الربح تؤثر بشكل كبير على الأسعار، وهو ما ينعكس سلبا على كل من الكساب والمستهلك على حد سواء. بعبارة أخرى، وجود الوسيط ليس هو المشكل في حد ذاته، بل طريقة تدخله في السوق حاليا، والتي اتسمت في الآونة الأخيرة بقدر كبير من الجشع والمبالغة، مما جعل هذه الظاهرة تتفاقم وتخرج عن إطارها الطبيعي.

    بالرغم من تحسن الحالة الجوية، لا تزال أسعار الأعلاف (النخالة، الشعير، وغيرها) مرتفعة؛ كيف تدبرون ميزانية العلف في ظل هذا الغلاء، وهل تجدون أن الدعم المخصص يصل إلى الراعي الحقيقي في الفيافي؟
    أقول بكل صراحة إن الإشكال اليوم تفاقم وأصبح واضحا وملموسا على عدة مستويات. هناك انطباع عام بأن المراقبة داخل الأسواق قد تراجعت، وأصبح كل طرف يحدد الأسعار وفق ما يراه مناسبا، سواء تعلق الأمر بالمواشي أو اللحوم أو الأعلاف. في تقديري، ينبغي أن يكون دور الحكومة أكثر حضورا في ضبط السوق ومراقبة الأسعار، إذ نلاحظ تفاوتا كبيرا بين الباعة؛ فقد نجد فرقا ملحوظا في أسعار اللحوم بين جزار وآخر، وكذلك بين موردي الأعلاف.

    على سبيل المثال، ارتفع ثمن النخالة بشكل كبير، بعد أن كان في متناول الكساب، ليصل اليوم إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالسابق. كما شهدت الأعلاف عموما زيادات مهمة، تبرر أحيانا بعوامل مختلفة، لكن النتيجة واحدة: الكساب هو المتضرر الأول، والمواطن كذلك يتأثر بارتفاع الأسعار. ونحن لسنا ضد أن يقتني المواطن الأضحية بثمن مناسب، بل على العكس، نتمنى أن تكون في متناول الجميع، لكن يجب أن يتحقق توازن عادل بين مختلف المتدخلين. إضافة إلى ذلك، ارتفعت تكاليف النقل بشكل ملحوظ، إذ إن الرحلات التي كانت لا تتجاوز كلفتها 3500 درهم، أصبحت اليوم تصل إلى حوالي 6000 درهم أو أكثر، وهو ما يزيد من الأعباء على الكساب. خلاصة القول، إن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها ارتفاع التكاليف، واختلال توازن السوق، وضعف المراقبة. والحل، في نظرنا، يكمن في تعزيز آليات المراقبة وتنظيم السوق بما يضمن الإنصاف للكساب، ويحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للمواطن.

     هل تضطرون أحيانا لبيع جزء من قطيعكم بأثمنة بخسة فقط لتوفير العلف للجزء المتبقي؟
    أود أن أوضح أن هذا هو المنطق الذي نعمل به نحن الرحل في إدارة القطيع. فمثلا، إذا كان لدي حوالي 150 رأسا من الأغنام، فإنني عادة أخصص حوالي خمسين رأسا للتضحية والإعلاف، بحيث أتمكن من المحافظة على الـ 100 رأس المتبقية وإعالتها بشكل مستمر، مع تغطية جميع المصاريف المرتبطة بالأعلاف والنقل والأدوية وغيرها. والحمد لله، في الآونة الأخيرة، ومع تأسيس فرع الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، أصبحنا نستفيد من تسهيلات كبيرة، خاصة في ما يتعلق بالأدوية. فالجمعية أصبحت تتحمل جزءا من تكاليف العلاج، ما يقلل العبء المالي علينا، كما أن بعض الحملات التي تقوم بها وزارة الفلاحة عبر الوكالات الوطنية لـ “أونصا” تلعب دورا مهما في دعم الكسابين. لكن، رغم هذه الجهود، يبقى المشكل الأكبر في تكلفة الأعلاف والنقل والصرفيات الأخرى.

    فالناس، عند رؤيتهم أن الكساب لديه 150 أو 200 رأس، يقدرون الأمر بشكل مبالغ فيه، ظنا منهم أن قيمته تبلغ 40 أو 50 مليون، بينما الواقع مختلف تماما. فبعد سنوات الجفاف والارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، يكون العائد محدودا، ولا يغطي إلا جزءا صغيرا من التكاليف الفعلية، والحمد لله على كل حال. الخلاصة، هي أن الكساب يعيش ضغوطا كبيرة بسبب التكاليف المرتفعة والاستثمارات المتواصلة للحفاظ على القطيع، خاصة بعد سنوات الجفاف الطويلة، وهذا ما يجعل إدارة القطيع مهمة شاقة بالفعل.

    بصفتكم “رحل”، التنقل هو قدركم اليومي؛ ما هي الصعوبات اللوجستية التي تواجهونها أثناء شحن المواشي والتنقل بين المناطق (تكلفة الشاحنات، ترخيص التنقل، والاعتراضات التي قد تواجهونها)؟
    ما حدث هذا العام يمثل تحديا كبيرا للرحل والكسابة. فالدولة أصدرت القانون 113.13 المتعلق بتنظيم الترحال الرعوي واستغلال المراعي والمراسيم التنظيمية المرتبطة به، لكنها لم تقم بتوفير كل التدابير اللازمة لتطبيقه بشكل عملي، مثل تنظيم المراعي وإتاحة الموارد الضرورية للكسابة، مثل الماء والأعلاف. المشكل الأعظم يكمن في رخص التنقل؛ فالقوانين الدولية تعطي الحق في حرية التنقل، لكن التطبيق العملي يفرض قيودا تعيق حياة الرحل. على سبيل المثال، إذا أراد الكساب التنقل بقطيعه، يجد نفسه مضطرا للذهاب من إدارة إلى أخرى، ومن جماعة إلى قيادة، ومن دائرة إلى مركز الاستثمار الفلاحي، وفي كل مكان يقال له “ليس اختصاصنا”، حتى يصل إلى الغرفة الجهوية، ويظل يقذف بين الجهات دون حل فعلي. القانون نفسه مأخوذ عن تجارب أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا، لكن التطبيق هنا مختلف تماما، وهو يشكل جريمة بحق الرحل والكسابة، وسيكون سببا رئيسيا في اندثار الماشية وتهديد مهنة الترحال. فالقانون يلزم الدولة بتوفير المراعي والمياه والأعلاف، لكن على أرض الواقع، لا يوجد أي شيء من ذلك، ويكتفي المسؤولون بفرض الغرامات على من لا يحمل رخصة، تصل أحيانا إلى 4 ملايين سنتيم.

    مثال، إذا أردت الانتقال إلى قلعة أمكونة، يرفضون منحك الرخصة بحجة تفادي احتكاكات مع السكان، في حين كان بالإمكان إدارة الأمور عبر الأعراف المحلية كما كان الحال في السابق، وكانت الأمور تدار بشكل جيد. فترة كورونا أضرت بالقطيع الوطني، وهذا القانون سيواصل الإضرار به. هذا العام، استطاع البعض الاستفادة من الدعم والاحتفاظ بالقطيع، لكن في العام المقبل، وبدون دعم، سيتعرض القطيع للخطر، وسيضطر الكساب لبيعه أو ذبحه. الأسباب كلها مرتبطة بتصرفات بعض المسؤولين الذين يعرقلون عمل الرحل، يهاجمونهم، يقتحمون خيامهم، ويأخذون قطعانهم بشاحنات جمع النفايات، ويستعملون القوة من المقدم والدرك والشيوخ وعناصر السلطة الأخرى، مما يجعل هذه المهنة صعبة للغاية ويهدد استمرارها.

    في ظل غلاء المحروقات، كيف أصبحت تكلفة “الترحال” اليوم مقارنة بالسنوات الماضية؟ وهل أصبح الاستقرار في مكان واحد خيارا يراودكم؟
    غلاء المحروقات زاد الطين بلة بالنسبة للرحل والكسابة. فمثلا، كانت تكلفة التنقل إلى تيزنيت تتراوح بين 3000 و4000 درهم، أما الآن فقد ارتفعت إلى حوالي 6000 درهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود. رغم أننا نخبر أصحاب الشاحنات أن الحكومة منحت دعما للمهنيين، إلا أنهم يرفضون نقلنا بأسعار معقولة، ويصرون على أن 3000 أو 3500 درهم لا تكفي لتغطية مصاريف الطريق. وعندما لا يعجب الكساب بهذا الثمن، يطلب منه البحث عن شاحنة أخرى، ما يفرض عليه القبول بالأغلى. والسبب في ذلك هو أن الجميع يريد العودة إلى مكان إحصاء ماشيتهم للاستفادة من الدعم، وهو ما يجعل الكساب مضطرا للذهاب إلى الأماكن التي تم فيها ترقيم قطيعه، سواء في تنغير أو سوس أو طاطا، رغم أنه من الممكن أن تقوم الدولة بإحصاء القطيع في مكان تواجده الحالي وصرف الدعم له مباشرة، دون الحاجة للتنقل لمسافات بعيدة. نتيجة لذلك، يستغل أصحاب الشاحنات الوضع ويرفعون الأسعار، وهذا ينعكس بدوره على أسعار المواشي في الأسواق. فالكبش الذي كنت أبيعه سابقا بـ 3000 درهم، سأضطر الآن لبيعه بـ 3500 درهم، والمتضرر النهائي هو المواطن الذي يتحمل هذه الزيادة.

    بصفتك شابا يمثل صوت الرعاة الرحل، ما هي المطالب الآنية التي ترفعها للجهات المسؤولة؟
    أتحسر صراحة على ما سأقوله، لأن هذه المهنة لا أنصح بها أحدا، رغم أنني مارستها وورثتها عن آبائي وأجدادي، وتنقلت بها في ربوع المملكة، وتعاملت مع جميع الإدارات وكل أصناف المسؤولين. لكن للأسف، بعد كل الجهود والمطالب والصراخ، لم نجد الاستجابة المطلوبة. المطلب الأساسي هو مساعدة الرحل للاستفادة من دعم الكسابة. فمن غير المعقول أن أتنقل بمصاريف تصل إلى 6000 درهم مع قطيعي فقط للاستفادة من الدعم في تنغير، خاصة وأننا أبناء تنغير وتم ترقيم قطيعنا هناك. هل تتعامل الإدارة بقانون موحد يغطي كل المغرب، أم أن كل إدارة لها قواعدها الخاصة؟ هذا التفاوت يرهقنا كرحل، ويجعلنا نضطر لنقل قطعاننا من جديد والبدء من الصفر فقط للحصول على الدعم. مثلا، يوم الأحد المقبل سأضطر لنقل قطيعي إلى تنغير، وفور وصولي سأبدأ من جديد في توفير العلف من شعير وفصة، رغم أن الطقس في منطقتنا بارد جدا، ويصل أحيانا إلى درجتين تحت الصفر، وكل ذلك فقط لأن المسؤولين قالوا إنه إذا لم نذهب فلن نستفيد من الدعم. أقول لهم: نحن في مغرب واحد، سلموا لنا الاستمارة وسنقوم بملئها وتسليمها حيث نتواجد. أمر آخر، يجب على الدولة الاستمرار في توفير الأعلاف المدعمة، لأنه إذا تخلت عن ذلك، سيتضرر القطيع من جديد. فالكسابة غير قادرين على مواجهة الغلاء الكبير في سوق الأعلاف بالمغرب، وما لم يتم دعمهم، ستصبح المهنة صعبة جدا وستتعرض القطعان للضرر.

    هناك موجة هجرة كبيرة للشباب من “الرحل” نحو المدن أو العمل المأجور؛ ما الذي يدفع لحسن لخور للتمسك بمهنة الأجداد رغم كل هذه المعاناة؟
    والدتي فقط هي السبب الوحيد الذي يجعلني أتمسك بهذه الحرفة، لأن هذه المهنة تعرضنا فيها لممارسات مهينة وغير إنسانية لا يمكن تصورها. نحن كرحل في المغرب نتعرض للاضطهاد والحكرة، حتى في أرض أجدادنا التي فديناها بدمائهم، حيث يتم احتقارنا من طرف المسؤولين الذين كنا نظن أنهم سيحموننا. نتعرض للإهانة من قبل بعض القياد والدرك، بممارسات لا تمت للإنسانية بصلة. فمثلا، يأتي قائد ويهجم على خيام الرحل التي تضم نساء وأطفالا صغارا، ويقوم بتمزيقها ويقذف بها في شاحنات نقل النفايات، ويصدح بكلام ناب لا يحتمل سماعه حتى في الشارع. هذا مسؤول مفروض أن يتحدث معك باحترام ويوفر لك الأمن، ويخاطبك بلغة المسؤول ولغة الإدارة، لكن للأسف هذا هو الواقع الذي نعيشه. حتى عناصر المياه والغابات، ما إن تجدك ترعى غنمك في الغابة تقوم هي الأخرى بفرض غرامات على الرحل تصل إلى 5 ملايين سنتيم، وبهذه الممارسات كرهونا في هذه الحرفة تماما. لهذا أنا لا أنصح أحدا بممارسة مهنة الترحال أو الرعي. عندما ألتقي بالشباب في منطقتي، أنصحهم دائما بعدم السير على خطى آبائهم في هذه المهنة، لأننا عانينا الكثير، ولا أريد لهم أن يعانوا كما عانينا نحن. من الأفضل لهم أن يمارسوا مهنا أخرى، حتى لو كانت بأجور متواضعة، حفاظا على كرامتهم وحياتهم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الصرع المبكر عند الأطفال


    رشيدة العلوي كمال
    الصرع المبكر عند الأطفال والصعوبات اللغوية

    الصرع (Epilepsy) مرض دماغي يتميز بميل إلى الإصابة بنوبات صرعية، ويتم تشخيصه عندما يصاب الشخص بنوبتين غير مبررتين تفصل بينهما أكثر من 24 ساعة، أو بنوبة واحدة غير مبررة بالإضافة إلى خطر تكرار الحدوث بنسبة 60٪ على الأقل بعد نوبتين غير مبررتين على مدى 10 سنوات (Fisher et al., 2014). النوبات التي كانت تسمى سابقا “جزئية” أو “صغيرة” صارت حاليا تسمى نوبات “بؤرية” (“focal” seizures)، والتي قد تحافظ على الوعي أو تضعفه. ومن ثم، تصنف هذه النوبات على أنها نوبات واعية أو مصحوبة بضعف في الوعي. يمكن أن تبدأ النوبات البؤرية بحركة أو بدون حركة ويمكن أن تتطور من بؤرية إلى نوبات توترية – اختلاجية في الجانبين (bilateral tonic-clonic) (Fisher et al., 2017). يشمل الصرع البؤري الاضطرابات أحادية البؤرة ومتعددة البؤر والنوبات التي تصيب نصف الدماغ.

    والصرع المحدود ذاتيا مع نوبات مركزية صدغية (SeLECTS)، المعروف سابقا باسم الصرع الحميد في مرحلة الطفولة مع نوبات مركزية صدغية (BECTS) أو الصرع الرولاندي (Rolandic epilepsy)، هو صرع بؤري مع مسببات وراثية مفترضة. يشكل هذا النوع من الصرع حوالي 6-7٪ من جميع حالات الصرع في مرحلة الطفولة. يتراوح عمر ظهور المرض بين 3 و14 عاما، مع ذروة في عمر 7 سنوات. يعد معدل الإصابة لدى الذكور أعلى بـ 1. 48 مرة منه عند الإناث. ويمكن أن تلاحظنوبات حموية (febrile seizures) لدى 5٪ إلى 15٪ من المرضى. عادة ما يحدث الشفاء من الصرع المحدود ذاتيا في مرحلة البلوغ، ولكن هناك أدلة على استمرار النوبات حتى سن 18 عاما. وقد أشارت الرابطة الدولية للصرع (ILAE) إلى استبدال مصطلح “حميد” (benign) بمصطلح “ذاتي التحديد” (self-limited) أو “يستجيب للعلاج الدوائي”، مما يحدد احتمالية أن تتلاشى المتلازمة تلقائيا أو أن يتم السيطرة عليها من خلال العلاج المضاد للصرع المناسب. كما اعتُبر الأطفال والمراهقون المصابون بالصرع المحدود ذاتيا متعافين إذا كانوا مصابين بمتلازمة صرع مرتبطة بالعمر وتجاوزوا السن المحدد أو إذا استمروا خالين من النوبات لمدة تتراوح ما بين 2-5 سنوات على الأقل تحت العلاج الدوائي (فيشر وغيره (2014) Fisher et alوسبيكيو وغيره (2022) Specchio et al). أثناء الصرع النشط، يمكن أن تحدث عيوب سلوكية وإدراكية كبيرة، ولكنها غالبا ما تزول مع تراجع النوبات. وتكون النوبات بؤرية وقصيرة (أقل من 2 إلى 3 دقائق) وتحدث بشكل متقطع، حيث يعاني معظم الأطفال من أقل من 10 نوبات خلال مسار المرض. تحدث النوبات أثناء النوم في 80% إلى 90% من المرضى، وتُلاحظ أثناء اليقظة فيما يصل إلى 20% من الحالات(كارنيكا- أكواديلو ديفيد (2023) .(Garnica-Agudelo David وأظهرت العديد منالدراسات إمكان ملاحظة صعوبات معرفية قبل ظهور الصرع، خاصة في الانتباه واللغة والوظائف التنفيذية. كما أبرزت التطورات في مجال التصوير العصبي تغيرات في شبكات اللغة والشبكات الحسية الحركية، والانتباه، والشبكات الاجتماعية في دماغ المصاب بالصرع، بالإضافة إلى التشوهات البنيوية، مما يؤثر على هذه الوظائف على المدى الطويل، بسبب النوبات المركزية الصدغية الحادة (centrotemporal spikes)، المصاحبة له أو بدون نوبات في وقت يكون فيه دماغ الأطفال في مرحلة النمو (بريمشاند أنجي وويم توبس (2018) Premchand Angie and Wim Tops).

    وقد وثق عدد كبير من الدراسات صعوبات تعلم محددة ونواقص عامة في القراءة والتهجية والكتابة والحساب ومهارات الوعي الصوتي لدى الأطفال المصابينبهذا النوع من الصرع وخلصت بعض الدراسات مثل (Overvliet et al) عند البحث في 15 حالة لهؤلاء الأطفال الذين أعادوا السنة الدراسية أو تلقوا علاجا للنطق في الماضي إلى أن ضعف اللغة المبكر قد يكون مؤشرا على تشخيص الصرع. كما اقترح البعض أن نقاط الضعف الفونولوجي والضعف في “اللوحة البصرية المكانية” (visuospatial sketchpad) هي أحد مكونات الذاكرة العاملة التي تسهم في صعوبات القراءة والتهجية. ومن ذلك وجد بيتشينيلي وغيره Piccinelli et al أن 50٪ من النشاط الصرعي في تخطيط كهربية الدماغ أثناء النوم يرتبط ارتباطا وثيقا بصعوبات تعلم محددة، خاصة عند اقترانه ببداية مبكرة (< 8 سنوات). وفي دراسة أجراها إيبوس وغيره Ebus et al وجد هؤلاء الباحثون علاقة بين معدل الذكاء اللفظي وأداء القراءة ومقدار النوبات الليلية في مجموعة من 26 طفلا مصابين بالصرع المحدود ذاتيا أو الصرع الحميد. كما توصل مونجوز وغيره Monjauze et al إلى أن الأطفال المصابين بنوبات صرع أحادية الجانب، في الجانب الأيمن (right-sided focus)، والتي استغرقت مدة طويلة، حصلوا على أسوأ النتائج في القراءة والتهجية وما هو صرفي- نحوي. أيضا اكتشف بابافاسيليو وغيره Papavasiliou et al أن مشاكل اللغة المكتوبة الشديدة كانت أكثر شيوعا لدى الأطفال الذين يعانون من نوبات أكثر تكرارا ومدة أطول في الصرع (بريمشاند أنجي وويم توبس (2018)Premchand Angie and Wim Tops). وبغض النظر عن هذه الصعوبات الدراسية، تتأثر عناصر اللغة الاستقبالية والتعبيرية بأشكال مختلفة، حيث وجد يوركيفيتشينيه وغيرهJurkevičienė et al علاقة بين الظهور المبكر والنتائج اللغوية في مجموعة كبيرة من 61 طفلا مصابا بالصرع المحدود ذاتيا. وكان الخلل اللفظي الوظيفي أشد حدة عند الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 6 سنوات. وإضافة إلى ما تقدم، اقترح بيدوين وغيره Bedoin et al أن الصرع المحدود ذاتيا يمكن أن يكون لهفي سن مبكرة، آثار مزعجة على عملية نضج المعالجة الفونولوجية، والتي تعتبر مهمة بالنسبة للغة الاستقبالية. كما درس ريفا وغيرهRiva et al أطفالا يعانون من بؤرة نشطة، خضعوا لعدة اختبارات لغوية مصممة لقياس الطلاقة الصوتية (phonemic fluency) والتذكر اللفظي للمعرفة الدلالية، والفهم المعجمي، فأظهرت النتائج أنهميعانون من عجز لغوي خفيف. كما أشارت دراسات سابقة إلى أن الصرع الرولاندي (Rolandic epilepsy) يغير الترابط الوظيفي بين شبكات اللغة والحركة سواء في حالة الراحة أو أثناء مهام توليد الكلمات. مما يؤكد حدوث تغيرات وظيفية وبنيوية في التشريح العصبي لدماغ المصابين بالصرع. ومع ذلك، فإن التشوهات في شبكات الدماغ المختلفة، حتى خارج المناطق المركزية الصدغية، كانت واضحة أيضا(بريمشاند أنجي وويم توبس (2018) Premchand Angie and Wim Tops).

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وإضافة إلى ما تقدم، اعتبر الصرع أحد الأعراض العديدة في عدد من متلازمات النمو المختلفة لدى الأطفال، إذ يعاني ما بين 30 و40% من الأطفال المصابين بالصرع من التخلف الذهني (شتيفنبورغ (1997) Steffenburg). ومن بين الأطفال المصابين بالتوحد، يعاني 33٪ منهم من الصرع (دانييلسون وغيره (2005) Danielsson et al). وفي الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، يعاني 40٪ منهم من الصرع. يوجد الصرع أيضا مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وهو أكثر شيوعا بـ 3-7 مرات لدى الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه مقارنة بالأطفال العاديين (ريينيو-هابتي سيلاسي غونيلا (2010) Rejnö-Habte Selassie Gunilla).

    وختاما، يبدو أن الأطفال المصابين بالصرع المحدود ذاتيا أو ما كان يسمى الصرع الحميد يعانون من مشاكل أكاديمية في مرحلة مبكرة. وهذا يشير إلى اضطرابات مصاحبة تتراوح بين الصرع وصعوبات التعلم المحددة (مثل عسر القراءة). كما يبدو أن اللغة الاستقبالية (المفردات، الدلالات، أو السمع) هي الحلقة الأضعف. يحدث هذا الصرع الحميد بشكل رئيسي أثناء النوم، مما يجعل من الصعب تحديد العمر الدقيق الذي يحدث فيه. (بريمشاند أنجي وويم توبس (2018) Premchand Angie and Wim Tops). وهذا يفسر سبب ظهور مشاكل التعلم قبل تشخيص الصرع، خاصة عندما يحدث ذلك أثناء المرحلة الحرجة لنمو اللغة. أما الدراسة التي أنجزها إيوم وغيره Eom et al حول آثار العلاج بالتمارين الرياضية على أطفال مصابين بالصرع في مرحلة الطفولة- كانوا يعانون من مشاكل سلوكية كبيرة- فأظهرتلديهم بعد الانتهاء من هذا البرنامج، تحسنات في المزاج والاكتئاب والمشاكل الاجتماعية. كما تحسن الأطفال في بعض جوانب الانتباه والوظائف التنفيذية. واقترحوا أن هذه العلاجات يمكن أن تساعد في تحسين تقدير الذات والاندماج الاجتماعي، وتجويد نوعية حياتهم.

    -جامعة محمد الخامس- الرباط

    إقرأ الخبر من مصدره

  • معرض الكتاب


    إدريس القري
    حين يحتفل المغرب بالكتاب وينسى سياسة القراءة

    افتتح المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط أبوابه هذه السنة في لحظة رمزية قوية، فقد أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل تنظيم الدورة الحادية والثلاثين بفضاء OLM السويسي ما بين 30 أبريل و10 ماي 2026، وجعلت فرنسا ضيف شرف كما احتفت بابن بطوطة، وربطت الدورة باختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026. يضيف هذا التزامن إلى معرض هذه السنة هالة دولية لا يستهان بها، فحين تختار اليونسكو مدينة ما عاصمة للكتاب، فإنها لا تمنحها وساما فقط، بل تختبر قدرتها على تحويل الكتاب من زينة موسمية إلى حق يومي في المعرفة. وقد قال الوزير إن الرؤية تروم إخراج القراءة من “الجدران المغلقة” إلى الحدائق والمقاهي والساحات، وجعل الثقافة قطاعا منتجا للثروة وفرص الشغل.

    يحق للمغرب الفرح ببعض ما تحقق. فقد كشفت معطيات الدورة عن مشاركة 890 عارضا من 60 بلدا، وعن عرض أكثر من 130 ألف عنوان، وعن تنظيم أكثر من 200 فعالية بمشاركة 720 ضيفا من المغرب والخارج. ([الجزيرة نت][3]) كما يحسن المعرض حين يكرم بائعي الكتب المستعملة، أولئك الذين صنعوا، بصمت الفقر ونبل الظل، جزءا من ذاكرة القراءة المغربية. ويحسن أيضا حين يجعل ابن بطوطة علامة على الرحلة بوصفها معرفة، لا سياحة في الأمكنة فقط. فالكتاب لا يكتفي بأن يصف العالم، إنه يدرّب الإنسان على أن يسكنه بوعي. لذلك قال “فرنسيس بيكون” في عبارة صارت مرآة للحداثة: “المعرفة قوة”، لكن القوة هنا لا تعني السيطرة وحدها، بل تعني القدرة على الفهم، والاختيار، ومقاومة التفاهة.

    غير أن الاحتفال بالكتاب لا يعفي من مساءلة سياسة الكتاب. ينجح المعرض في جمع الناشرين والقراء والفضوليين لكنه لا ينجح، وحده، في بناء مجتمع قارئ. يضيء المعرض الواجهة عشرة أيام، لكنه يترك المدن والقرى بعد طي خيامه، في عتمة مكتبات جد قليلة وكتب مهملة، ومدارس لا تجعل القراءة شهوة يومية، وإعلاما عموميا لا يمنح الثقافة إلا فتاتا من برمجته. هنا ينبغي أن نغادر البلاغ الرسمي إلى السؤال السوسيولوجي: هل نملك معرضا للكتاب، وهل نملك سياسة وطنية للقراءة؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    تكشف أرقام النشر بعض التحسن، لكنها تكشف أيضا هشاشة البنية. فقد أعلنت المكتبة الوطنية أن مجموع العناوين الصادرة سنة 2025 بلغ 7143 عنوانا، بارتفاع يقارب 6 في المائة مقارنة بسنة 2024. يبدو الرقم إيجابيا لكنه يظل ضعيفا حين نقيسه بعدد السكان وبحجم الجامعة وبعدد المؤسسات التعليمية، وكذبلك بما ينبغي أن تنتجه دولة تريد أن تجعل الثقافة رافعة للتنمية. تزداد الصورة وضوحا حين نقرأ معطيات مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود التي تحدثت عن 3613 إصدارا في مجالات الأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية خلال سنتي 2024-2025، أي إن قلب الإنتاج الفكري لا يزال محدودا قياسا بحاجات المجتمع إلى الفهم والنقد والخيال.

    تفضح القراءة، أكثر من النشر، عمق الأزمة. لا أستعمل هنا الرقم الشائع عن “عدد الصفحات” دون حذر، لأنه يتداول غالبا بلا سند إحصائي مقنع، لكن حتى المؤشرات الأحدث لا تمنحنا عزاء كبيرا. فقد وضع مؤشر منشور سنة 2024 المغرب في المرتبة 92 عالميا، بمتوسط 67 ساعة قراءة سنويا، أي نحو 2.97 كتاب فقط للفرد في السنة. وقديمة هي العبارة التي تقول إن العربي لا يقرأ إلا “ربع صفحة” سنويا، وهي عبارة صادمة ومتداولة منذ سنوات، لكنها تصلح اليوم أكثر كجرس إنذار لا كرقم نهائي. ليست المشكلة أن المغربي يقرأ قليلا فقط، بل إنها تكمن في كون بنية حياته اليومية كلها تدفعه كي لا يقرأ: وقت العمل مرهق والمدرسة لا تغري والتلفزة تستهلك الوعي والهاتف يحول الانتباه إلى رماد.

    تفضح المكتبات العمومية الوجه الأكثر قسوة في المسألة. فقد أشار تقرير صحفي إلى أن المغرب لا يتوفر إلا على 0.46 مكتبة لكل 50 ألف نسمة، بينما تُنسب إلى معايير اليونسكو توصية بتوفير مكتبة عمومية لكل تجمع عمراني يتجاوز 5 آلاف شخص. وقد سبق أن صرح مسؤولون بأن المغرب يتوفر على نحو 609 مكتبات عمومية باختلاف انتماءاتها، منها 331 ساهمت الوزارة في إحداثها، مع الاعتراف بأن العدد يظل غير كاف هنا تسقط كل البلاغة، لأن من لا يجد مكتبة قريبة من بيته لا يمكن أن نحاسبه أخلاقيا على عدم القراءة. قال بورخيس: “تخيلت الفردوس دائما على هيئة مكتبة”. لكن الفردوس، في السياسة الثقافية لا يبنى بالاستعارة، بل يبنى بالميزانية والتخطيط والحي والرف والكرسي والإنارة والكتاب المفتوح أمام طفل لا يملك ثمنه.

    تطرح تكلفة المعرض سؤالا أكثر إزعاجا. فقد تحدثت صحافة وطنية، استنادا إلى معطيات الصفقات، عن تقدير تكلفة تنظيم دورة 2025 بحوالي 45.5 مليون درهم، أي أكثر من 4.5 مليارات سنتيم. لا تعني الإشارة إلى هذا الرقم رفض تنظيم المعرض، فالمعرض ضروري، ويحتاج إلى تجهيز وأمن ولوجستيك وفضاءات عرض. لكن السؤال الضي يظل قائما هو:
    لماذا نصرف كل سنة مبالغ كبيرة على خيام وتجهيزات مؤقتة تُنصب ثم تُفكك، ولا نبني، في الرباط أو الدار البيضاء، مركبا ثقافيا دائما للمعارض الدولية، يستقبل الكتاب والفن والصناعات الثقافية طوال السنة؟ لماذا نفضل اقتصاد الحدث على اقتصاد الأثر؟ ولماذا ننجز ما يراه الجمهور عشرة أيام، ولا نبني ما يغير علاقته بالقراءة عشر سنوات؟

    يبدو السبب عميقا لا تقنيا فقط. لقد ورثت سياستنا الثقافية عادة الاحتفال أكثر مما بنت عادة التراكم. تحب الإدارة الثقافية الصورة والمنصة والميكروفون والضيف والشريط الافتتاحي والممرات التي تتزاحم فيها الكاميرات. لكنها لا تحب كثيرا العمل البطيء: تكوين القراء وحماية المؤلف وتقوية الناشر ودعم المكتبات الخاصة، وإنشاء مكتبات عمومية في كل مدينة كبيرة ومتوسطة وصغيرة وإدخال الكتاب إلى التلفزة يوميا وتحويل القراءة إلى شأن وطني لا إلى هواية نخبوية. قال غرامشي: “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة”، فهل يليق بنا أن نتشاءم بعقل أمام الأرقام وأن نتفاءل بإرادة حين نقترح البدائل؟

    كان من الأجدر أن يجعل كل معرض للكتاب موعدا إنجازات ملموسة ودائمة وذات تأثير استراتيجي من قبيل:

    افتتاح سلسلة مكتبات جديدة

    فضاءات قراءة ونقاش في المدن والأحياء

    افتتاح مائة مكتبة مدرسية جديدة،

    خمسين مكتبة جماعية،

    صندوق وطني لاقتناء الكتاب المغربي،

    برنامج تلفزي يومي للكتاب،

    آلية شفافة لحماية حقوق المؤلف،

    تحفيزات جبائية للمكتبات الخاصة،

    دعم جدي للترجمة والنشر الرقمي.

    وكان من الأجدر أن يرى المواطن، إلى جانب الأروقة، خريطة وطنية تقول له: هنا سنفتح مكتبة، هنا سنقيم نادي قراءة، هنا سنعيد الحياة إلى دار ثقافة.

    أما أن يتحول بعض الفضاء العام إلى طبل وملصقات وشباب يحملون إعلانات تتلفت عيونهم إلى المارة أكثر مما تلتفت إلى الكتاب، فذلك يلخص المأساة الصغيرة:

    نستعمل جسد الدعاية لنعلن عن روح المعرفة ونحتفي بالكتاب كما نحتفي بمنتج استهلاكي، ثم نستغرب ألا تنتصر القراءة.

    كتب طه حسين في معنى قريب أن التعليم كالماء والهواء، ويجب أن نقول اليوم إن القراءة، في مجتمع معاصر، ليست ترفا بل شرط مواطنة. فالمواطن الذي لا يقرأ لا يفقد متعة الأدب فقط، بل يفقد أدوات فهم السياسة والاقتصاد والدين والصورة والخطاب والخديعة.

    من أجل ذلك، نرجو حماية المعرض من نفسه. نتمنى تطويره لإخراجه من منطق الفرجة إلى منطق المشروع. ألا نحوله إلى كرنفال موسمي للأسماء نفسها والعناوين نفسها، بل نجعله مختبرا للجرأة الفكرية، ومقياسا لسياسة عمومية جديدة. فحين يكرر المعرض الوجوه والموضوعات، وحين يخاف من المغامرة والابتكار، وحين يرضى بعناوين لا تصدم ولا تفتح ولا تسائل، فإنه يبيع الكتاب دون أن ينتصر للمعرفة. يحتاج المغرب اليوم إلى معرض يقول الحقيقة عن القراءة، لا إلى معرض يغطي ضعفها بالزينة. ويحتاج إلى دولة تعتبر المكتبة بنية تحتية مثل الطريق والمستشفى والمدرسة، لأن الشعوب لا تعبر إلى المستقبل بالطرقات وحدها، بل تعبر إليه أيضا بالصفحات التي تعلمها كيف ترى الطريق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بركة يؤكد ربط 51% من العالم القروي بالماء وانتقادات لضعف الربط الفردي

    أكد وزير التجهيز والماء نزار بركة أن نسبة الربط الفردي بالماء الصالح للشرب في العالم القروي بلغت أزيد من 51 في المئة، غير أن هذه الأرقام لم تحجب انتقادات عدد من النواب الذين نبهوا إلى استمرار ضعف الربط الفردي في مناطق واسعة، خاصة القروية والجبلية، حيث لا تزال آلاف الأسر تعتمد على السقايات والآبار.

    وأورد بركة، خلال جوابه عن أسئلة شفهية، اليوم الإثنين بمجلس النواب، حول تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب وتقدم عملية الربط الفردي، أنه في سنة 2004، أظهرت دراسة أن نسبة الساكنة القروية المستفيدة من الربط الفردي لم تتجاوز 22 في المئة، موضحا أنه في سنة 2010، ارتفعت هذه النسبة إلى 30 في المئة، أما اليوم، فقد تجاوزت 51 في المئة، مفيدا أن حوالي مليون و400 ألف منزل يستفيد من الربط الفردي.

    وأفاد وزير التجهيز أنه بموجب القانون الجديد، فإن المسؤول عن هذا القطاع حاليًا هي الشركات الجهوية متعددة الخدمات، التي ستتولى تدبيره. وقد تم اعتماد هذا التوجه في إطار الجهوية المتقدمة ومن أجل تحقيق التضامن بين المدن والعالم القروي، من أجل توسيع نطاق الاستفادة، وكذا تحسين خدمات الصرف الصحي، خاصة وأن نسبة الولوج إلى هذه الخدمات في العالم القروي لا تتجاوز 10 في المئة، ما يستدعي العمل على تحسين أوضاع الساكنة القروية.

    وأمام الانتقادات البرلمانية، رد بركة بأن الشركات الجهوية متعددة الخدمات حديثة العهد، وهي تمر بمرحلة انتقالية، وسيتم العمل على تقوية قدراتها لتقوم بمهامها على الوجه الأمثل، مضيفا أن المقاربة التي اعتمدتها الوزارة لا تقتصر على الربط فقط، بل تركز أيضًا على ضمان توفر الموارد المائية بشكل مستدام، حتى يستفيد المواطن من الماء بشكل مستمر بعد الربط.

    وفي هذا الإطار، أكد الوزير: “وضعنا برمجة تمتد إلى غاية 2030، تشمل حوالي 11 ألفا و50 دوارا، من بينها مناطق بإقليم تاونات، إلى جانب برمجة إضافية تهم 7890 دوارا”، مفيدا أنه قد رُصد لهذا البرنامج غلاف مالي يناهز 10 مليارات درهم، بشراكة مع وزارة الداخلية، والشركات الجهوية متعددة الخدمات، ووزارة التجهيز والماء.

    ومن جانبه، أكد عزيز الفيدي، النائب البرلماني الاستقلالي، أنه يتعين على المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، وكذا الشركات متعددة الخدمات، القيام بالمهام الموكولة إليها، حتى لا تظل العديد من الأسر في المناطق القروية والجبلية تعتمد على السقايات والآبار للتزود بالماء.

    وأشار النائب إلى مشاكل مرتبطة بتدبير المنشآت المائية بإقليم الصويرة، والتي تؤدي أحيانًا إلى إغلاق بعضها لأشهر، إضافة إلى عدم كفاية الآبار المستعملة لتزويد الساكنة بالماء بشكل منتظم ودون انقطاع، مشيرا إلى أن شبكة توزيع الماء تعاني من ضعف واضح، وعدم قدرتها على ضمان الربط الفردي في عدد من الجماعات، إلى جانب ضعف الصبيب.

    ومن جانبه، لفت نور الدين قشيبل، النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى أنه رغم المجهودات المبذولة والتقدم المسجل في نسب تزويد العالم القروي بالماء، ورغم التساقطات المطرية الأخيرة التي ساهمت في تغذية الفرشة المائية، “لا يزال العالم القروي بعيدًا عن تحقيق أهداف المشروع الملكي الرامي إلى تحقيق العدالة المجالية وضمان الحق في الولوج إلى الماء، في إطار البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027”.

    وشدد قشيبل على أن “توفير الماء الشروب حق وليس هبة، ولا تتحقق الكرامة بالأرقام والتقارير، بل بصنابير تشتغل وخزانات مملوءة، وقرى تنبض بالحياة، ومواطن قروي ينعم بكرامته”، متسائلا “كيف يُعقل أن إقليم تاونات، المحاط بالسدود والوديان، يعاني من العطش، خاصة في فصل الصيف؟ وأين هي العدالة المجالية في هذا السياق؟”، مشددا على أنه هناك ساكنة في قرية بامحمد، وغفساي، وتاونات، والجماعات المجاورة، تبحث عن الماء بين الجبال والسهول، لها ولمواشيها.

    ومن جانبها، أكدت إكرام الحناوي، النائبة البرلمانية عن فريق التقدم والاشتراكية، أنه رغم التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها بلادنا، وامتلاء السدود، لا تزال هناك مفارقة غريبة، حيث توجد مناطق تتوفر على المياه، لكن سكانها لا يجدون ماء للشرب، كما هو الحال بدائرة غفساي بإقليم تاونات، المطلة على سد الوحدة، مشددة على أنه “هناك 12 جماعة، بمراكزها ومؤسساتها التعليمية والاجتماعية، لا تستفيد من الربط الفردي، ولا تزال تعتمد على السقايات”.

    وبدوره أفاد محمد السيمو، النائب البرلماني عن فريق الأحرار، أن إقليم العرائش، ورغم التساقطات الأخيرة، لا تزال هناك اختلالات في مستوى الخدمات، مشيرا إلى أن هناك إشكالات في العلاقة مع شركة التوزيع، وغياب مخاطب واضح، رغم أن حوالي 4000 مستفيد أتموا ملفاتهم وهم في انتظار الربط، ملتمسا تدخل الوزارة العاجل لإيجاد حلول، خاصة في ظل غياب الشركة المعنية عن الميدان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • يونس السكوري: كلفة الحوار الاجتماعي ستقارب 50 مليار درهم سنة 2027

    بمناسبة الاحتفال بعيد الشغل، يقدّم يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، في هذا الحوار مع جريدة “الأخبار”، قراءة شاملة لحصيلة الحكومة في المجالين الاجتماعي والتشغيلي، مستعرضاً بالأرقام حجم المجهودات المبذولة لفائدة الأجراء والموظفين، والتي بلغت كلفتها حوالي 50 مليار درهم في إطار الحوار الاجتماعي، واستفاد منها أزيد من 4,2 ملايين شخص في القطاعين العام والخاص، ويتوقف الوزير عند أبرز المكتسبات المحققة، من زيادات في الأجور، وتحسين الحد الأدنى للدخل، ومراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، كما يسلط الضوء على التحول النوعي الذي عرفه الحوار الاجتماعي، من خلال مأسسته وتوقيع اتفاقات كبرى، وما أفرزه ذلك من إصلاحات تشريعية، أبرزها إخراج قانون الإضراب ومراجعة مدونة الشغل، فضلاً عن إجراءات عملية لتحسين ظروف العمل، من بينها إنصاف فئة حراس الأمن الخاص عبر تقليص ساعات العمل، كما يستعرض الوزير حصيلة مناصب الشغل المحدثة، خلال الولاية الحكومية الحالية.

    حاوره: محمد اليوبي

    • بمناسبة الاحتفال بعيد العمال الذي يصادف فاتح ماي من كل سنة، ماذا قدمت الحكومة للموظفين والأجراء؟

    الحكومة قدمت الكثير للموظفين والأجراء ويمكن الاستدلال على ذلك أولا بالأرقام. هذه الإجراءات التي جاءت في إطار الحوار الاجتماعي كلفت ما يقارب 50 مليار درهم على مدى هذه الولاية الحكومية. وهو ما يتجاوز حصيلة عدة ولايات حكومية سابقة. وعندما أقدم هذه المعطيات فإن ذلك يأتي فقط في إطار حق المواطن في أن يكون على علم بالمجهودات المبذولة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

    وتكمن أهمية هذه الإجراءات في كونها تهم أزيد من 4,2 ملايين أجير وموظف في القطاعين العام والخاص (1,25 مليون في القطاع العام و3 ملايين في القطاع الخاص).

    لن أستطيع أن أسرد كل ما تم تحقيقه بالتفاصيل، ولكن يمكن أن أعطيكم نبذة عن أهم ما تم تحقيقه، ففي القطاع العام تم إقرار زيادة عامة في الأجور بقيمة 1.000 درهم صافية شهرياً لفائدة 1.127.842 موظفاً من الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية الذين لم يستفيدوا من مراجعة أجورهم.

    ولقد همت هذه المكتسبات كل القطاعات ومن بينها قطاع التربية الوطنية عبر زيادة عامة في الأجور بلغت 1.500 درهم صافية شهرياً لحوالي 330.000 موظف، بكُلفة إجمالية تجاوزت 18,47 مليار درهم. كما همت قطاعات أخرى من قبيل قطاع الصحة والحماية الاجتماعية وكذلك قطاع التعليم العالي وقطاع الشغل.

    وكنتيجة لهذه الإجراءات فقد ارتفع متوسط الراتب الشهري الصافي في القطاع العام من 8.237 درهماً سنة 2021 إلى 10.600 درهم سنة 2026، أي بزيادة إجمالية تبلغ +28,7 في المائة.. كما تم رفع الحد الأدنى الصافي للأجر من 3.258 درهم إلى 4.500 درهم، أي بزيادة تقارب نسبتها 50 في المائة خلال خمس سنوات. وكذا رفع حصيص الترقية في الدرجة من 33 في المائة إلى 36 في المائة، وإقرار رخصة الأبوة لمدة 15 يوماً مدفوعة الأجر في الوظيفة العمومية.

    في ما يخص القطاع الخاص، فقد تم رفع الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية (SMIG) بنسبة 20 في المائة على مدى الولاية، لينتقل الأجر الشهري الخام من 2.828,71 درهم إلى 3.422,72 درهم ابتداءً من يناير 2026، أي بزيادة تقارب 600 درهم.

    وتم كذلك رفع الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة الفلاحية (SMAG) بنسبة 25 في المائة، لينتقل الأجر الشهري الخام من 1.994,20 درهم إلى 2.533,44 درهم ابتداءً من أبريل 2026، أي بزيادة شهرية تقارب 540 درهم.

    كما تم تخفيض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة من 3240 يوما أي عشر سنوات اشتراك من التأمين الى 1320 يوم أي أربع سنوات، وذلك بأثر رجعي يشمل المؤمن لهم الذين أحيلوا على التقاعد بتاريخ 1 يناير 2023.

    وهمت بعض الإجراءات القطاعين العام والخاص معا من قبيل الرفع من قيمة التعويضات العائلية بالنسبة للأبناء الرابع والخامس والسادس من 36 درهما إلى 100 درهم في الشهر. وكذا مراجعة نظام الضريبة على الدخل وذلك ابتداء من فاتح يناير 2025 بالنسبة للشغيلة في القطاعين العام والخاص والتي وصلت قيمتها إلى 400 درهم بالنسبة للفئات متوسطة الدخل، مع رفع الشريحة المعفاة من 30.000 إلى 40.000 درهم سنوياً، بكُلفة إجمالية تبلغ 7,6 مليارات درهم.

    وفي إطار ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، باشرت الحكومة إصلاحاً هيكلياً غير مسبوق لمنظومة الحماية الاجتماعية.

    • ونحن على مشارف نهاية الولاية الحكومية، ما هي أهم مخرجات الحوار الاجتماعي مع المركزيات النقابية وأرباب العمل؟

    إن أهم مخرجات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية الحكومية تمثلت في الانتقال من منطق الحوار الظرفي إلى منطق المأسسة والاستدامة، من خلال انتظام جولات الحوار والتوقيع على الاتفاقين الاجتماعيين لـ30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024، إضافة إلى الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي.

    وعلى المستوى الملموس، أسفر الحوار الاجتماعي عن مكتسبات اجتماعية غير مسبوقة لفائدة الأجراء في القطاعين العام والخاص، كما مكّن الحوار الاجتماعي من تحقيق تقدم مهم على المستوى التشريعي، خاصة عبر إخراج القانون التنظيمي للإضراب بعد عقود من الانتظار والذي حدد عقوبات قاسية لكل مشغل لا يحترم حقوق المضربين، وإطلاق ورش مراجعة مدونة الشغل، بالإضافة إلى إطلاق ورش مراجعة قانون التكوين المستمر (القانون رقم 60.17)

    إضافة إلى ذلك، أكدت الحكومة على التزامها بتعزيز قدرات مختلف الفاعلين في مجال الحوار الاجتماعي، واتخذت التدابير اللازمة من أجل إطلاق أكاديمية التكوين في مجال الشغل والتشغيل والمناخ الاجتماعي خلال الأسابيع القادمة من سنة 2026، وإحداث المرصد الوطني للحوار الاجتماعي، كأداة للرصد والدعم العلمي للقدرات التفاوضية قبل نهاية شهر يونيو 2026.

    ومن بين النتائج المهمة أيضاً، ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمار، حيث ساهم الحوار المسؤول بين الحكومة والمركزيات النقابية وأرباب العمل في الحفاظ على استقرار المناخ الاجتماعي رغم الظرفية الدولية الصعبة والتحديات الاقتصادية المتتالية.

    والأهم ربما، هو أن الحوار الاجتماعي المغربي أصبح اليوم نموذجاً قائماً على الثقة والتوافق والمسؤولية المشتركة، بدل منطق التوتر والصدام… وهذا في حد ذاته مكسب استراتيجي لبلادنا.

    أما بخصوص هذه السنة فقد تم الاتفاق على تعديل المادة 193 من مدونة الشغل بشكل يقلص عدد ساعات العمل بالنسبة لحراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات وتعديل القانون رقم 60.17 المتعلق بالتكوين المستمر من أجل مراجعة حكامة منظومة بالتكوين المستمر وتمويلها.

    • كم ستبلغ الكلفة المالية لتنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي ؟

    الكلفة الإجمالية التراكمية لمخرجات الحوار الاجتماعي بلغت 49,7 مليار درهم، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الولايات السابقة مجتمعة:

    48,3 مليار درهم: الكلفة الإجمالية للحوار الاجتماعي في نهاية الولاية 2026،

    49,7 مليار درهم: الكلفة المتوقعة في أفق 2027.

    وأؤكد مرة أخرى بأن هذا المجهود هو حق المواطنين علينا وهو رقم مهم بالنظر للإكراهات الاقتصادية المرتبطة بالظرفية الدولية على الخصوص.

    • قمتم بتعديل مدونة الشغل في آخر عمر الولاية الحكومية، ما هي أهم هذه التعديلات؟

    إن تعديل مدونة الشغل لم يكن تعديلاً ظرفياً، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من الحوار الاجتماعي والتشاور مع المركزيات النقابية والمنظمات المهنية للمشغلين، واستجابة لتحولات عميقة يعرفها سوق الشغل المغربي.

    تعديل المادة 193 من مدونة الشغل، المرتبطة بقطاع الحراسة والأمن الخاص، وهو تعديل ذو بعد اجتماعي وإنساني مهم، لأنه يهم فئة يتراوح عددها بين 130 ألف و160 ألف أجير يعملون لصالح مؤسسات تابعة للقطاع العام ومئات الآلاف يعملون في حراسة مؤسسات تابعة للقطاع الخاص.

    فالمقتضيات الحالية كانت تسمح باحتساب جزء من ساعات الحضور على أنها ليست ساعات عمل فعلية، على أساس أن طبيعة العمل تتخللها فترات راحة طويلة، وهو تصور كان مرتبطاً بالحراسة التقليدية قبل سنة 2007.

    لكن بعد صدور القانون رقم 27.06 المنظم لقطاع الحراسة الخاصة ونقل الأموال، أصبحنا أمام مهنة مهيكلة ومؤطرة قانونياً، تفرض حضورا مستمرا، وتكوينا إلزاميا، وترخيصا مهنيا، واحترام ضوابط مهنية صارمة، دون وجود فترات راحة فعلية كما كان في السابق.

    لذلك جاء التعديل من أجل إقرار مبدأ بسيط وواضح: الأجير الذي يشتغل 12 ساعة يجب ألا يُؤدى له على أساس 8 ساعات فقط. ولهذا تم الاتفاق، في إطار الحوار الاجتماعي، على تخفيض مدة العمل اليومية من 12 ساعة إلى 8 ساعات بالنسبة لأجراء شركات الحراسة الخاصة، بما يضمن عدالة أكبر في الأجر ويحسن ظروف العمل ويحفظ الكرامة المهنية لهذه الفئة وبلغة مباشرة رفع هذه الحكرة على هذه الشريحة الواسعة من الشغيلة.

    التوصل لهذا الاتفاق لم يكن سهلا لأن تطبيقه يحمل في طياته مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية والمالية خصوصا على المقاولات والقطاع العام. وفي هذا الإطار أود أن أنوه بالروح الوطنية العالية التي أبان عنها جميع الشركاء الاجتماعيين من حكومة ونقابات ومقاولات من أجل رفع هذا الحيف الكبير على هذه الفئة من المواطنين، كما أن أهمية هذا الإجراء تكمن في قاعدة المستفيدين التي تعد بعشرات الآلاف وهذا الإصلاح يجسد وفاء الحكومة بالتزاماتها الواردة في اتفاق 29 أبريل 2024، ويعكس إرادة حقيقية لجعل الحوار الاجتماعي آلية لإنتاج إصلاحات ملموسة تمس الحياة اليومية للأجراء، وليس فقط إطاراً للنقاش النظري.

    • أنصفتم فئة حراس الأمن الخاص بتخفيض ساعات العمل، لماذا هذه الفئة بالضبط، وكم عدد المستفيدين من هذا الإجراء؟

    لقد حرصت الحكومة على إنصاف فئة حراس الأمن الخاص لأنها تُعد من أكثر الفئات التي تعاني من الهشاشة داخل سوق الشغل، رغم الدور الحيوي الذي تقوم به في حراسة الإدارات والمؤسسات العمومية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والأبناك والمنشآت الصناعية والتجارية.

    فهذا القطاع يشغل، وفق التقديرات المتداولة، ما بين 130 ألفا و160 ألف عون حراسة يشتغلون لصالح مؤسسات تابعة للقطلع العام ومئات الآلاف يعملون لدى مؤسسات تابعة للقطاع الخاص، في حين تشير تقديرات الهيئات النقابية إلى أن العدد الإجمالي للعاملين، بما في ذلك الأنشطة غير المهيكلة، قد يتجاوز مليون حارس أمن. كما يُقدَّر عدد الشركات غير المهيكلة أو غير المصرح بها بحوالي 50 ألف شركة، وهو ما يعكس حجم الاختلالات التي يعرفها القطاع والحاجة الملحة إلى إصلاحه وتنظيمه ومحاربة المنافسة غير المشروعة.

    ومن الأمثلة الدالة على أهمية هذه الفئة، أن حوالي 16 ألف عون حراسة يشتغلون بقطاع التعليم العمومي وحده، إضافة إلى أعداد كبيرة جداً بالمستشفيات والمؤسسات الصحية، فضلاً عن آلاف الأعوان العاملين بالجماعات الترابية وباقي المؤسسات العمومية والقطاع الخاص.

    • بحكم إشرافك على قطاع التشغيل، ما هي في نظرك المواد التي تحتاج إلى مراجعة والتعديل؟

    هناك عدد من المقتضيات التي أرى، بحكم الإشراف على قطاع التشغيل ومتابعة تحولات سوق الشغل، أنها أصبحت تحتاج إلى مراجعة وتحيين حتى تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب والعالم.

    أولاً، هناك مقتضيات مرتبطة بالأشكال الجديدة للعمل، لأن مدونة الشغل الحالية وُضعت في سياق اقتصادي مختلف قبل أكثر من عشرين سنة، بينما اليوم أصبحنا أمام واقع جديد مرتبط بالعمل عن بعد، والمنصات الرقمية، والعمل الحر، والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات تحتاج إلى تأطير قانوني يحمي الحقوق ويضمن المرونة في الوقت نفسه.

    ثانياً، هناك حاجة إلى مراجعة بعض المقتضيات المرتبطة بمدة الشغل وتنظيم الوقت المهني، خاصة في بعض القطاعات التي تعرف خصوصيات مهنية أو تحولات كبيرة، كما هو الحال بالنسبة للعمل الموسمي، بهدف تحقيق توازن أفضل بين الإنتاجية وكرامة الأجير والصحة المهنية.

    ثالثاً، نعتبر أن تعزيز المفاوضة الجماعية والحوار داخل المقاولة أصبح ضرورة، لأن التجارب الدولية أثبتت أن الاستقرار الاجتماعي لا يُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بوجود آليات دائمة للحوار والتفاوض والوساطة داخل فضاءات العمل.

    رابعاً، هناك مقتضيات مرتبطة بتبسيط المساطر وتحسين الأمن القانوني، سواء بالنسبة للأجراء أو للمقاولات، لأن تعقيد بعض الإجراءات يخلق أحياناً نزاعات كان يمكن تفاديها، ويؤثر على جاذبية الاستثمار وإحداث فرص الشغل.

    كما نعتبر أن قضايا الصحة والسلامة المهنية يجب أن تأخذ حيزاً أكبر داخل المنظومة القانونية، خاصة في ظل توسع بعض القطاعات الصناعية والخدماتية وظهور مخاطر مهنية جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والرقمنة.

    وفي المقابل، نحن واعون أن أي مراجعة لمدونة الشغل يجب أن تحافظ على التوازن الدقيق بين حماية الحقوق الاجتماعية وتشجيع الاستثمار والمقاولة، لأن الرهان اليوم ليس فقط حماية من يشتغل، بل أيضاً خلق فرص شغل جديدة للشباب والنساء والفئات الهشة.

    • دبرتم العديد من جلسات الحوار، كيف كانت الأجواء التي تنعقد فيها هذه الجلسات؟

    بصراحة، ما ميّز جلسات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية هو أنها لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية أو مناسبات لتبادل المواقف الجاهزة، بل كانت فضاءات حقيقية للنقاش الصريح والمسؤول، تُطرح فيها الملفات الاجتماعية الكبرى بكل وضوح، أحياناً بنقاشات صعبة وحادة، لكن دائماً في إطار الاحترام المتبادل والإحساس المشترك بمصلحة الوطن.

    طبعاً، عندما نتحدث عن الأجور أو التقاعد أو مدونة الشغل أو القدرة الشرائية، فمن الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في الرؤى والمواقف، لأن كل طرف يدافع عن انتظارات ومصالح الفئة التي يمثلها. لكن ما كان مهماً هو وجود إرادة جماعية للحفاظ على الحوار وعدم السقوط في منطق القطيعة أو التصعيد.

    وأعتقد أن ما ساعد كثيراً على خلق هذه الأجواء الإيجابية هو عودة الثقة بين مختلف الأطراف، بعد سنوات كان فيها الحوار الاجتماعي يعرف نوعاً من التوتر أو عدم الانتظام. نحن حرصنا على احترام الالتزامات، وعلى الإنصات الحقيقي للمطالب، وعلى اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد الإصلاحات، وهذا خلق دينامية جديدة داخل الحوار.

    كما أن الأجواء كانت في كثير من الأحيان وطنية بامتياز، لأن الجميع كان واعياً بأن الظرفية الدولية والاقتصادية صعبة: تضخم، جفاف، تداعيات الأزمات الدولية… وبالتالي كان هناك إدراك بأن الحفاظ على السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي مسؤولية جماعية.

    وفي الحقيقة، رغم اختلاف المواقع، كانت هناك لحظات يُحس فيها الإنسان أن جميع الأطراف، حكومة ونقابات ومشغلين، يجلسون حول نفس الطاولة ليس فقط للتفاوض، بل أيضاً لحماية التوازن الاجتماعي للبلاد.

    وطبعاً، كانت بعض الجلسات تمتد لساعات طويلة جداً، وأحياناً يكون الاتفاق على فاصلة أو كلمة أصعب من الاتفاق على الفكرة نفسها… لكن هذا جزء طبيعي من أي حوار اجتماعي جدي ومحترم.

    المهم هو أننا جئنا بصيغة جديدة للحوار مفادها استبدال المقايضة marchandage بالمفاوضة négociation وكذلك إعادة المصداقية للحوار الاجتماعي عبر احترام الالتزامات أو “الكلمة” كما نقول بالدارجة.

    • مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، كيف كانت تجربتك في الحكومة وخصوصا أنك تدبر قطاعا فيه الكثير من الحساسيات؟

    كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس، لأنها جمعت بين صعوبة الظرفية وحساسية القطاع في الآن نفسه وتتطلب تمالكا كبيرا للأعصاب.

    فقطاع التشغيل والحوار الاجتماعي ليس قطاعاً تقنياً عادياً، بل هو قطاع يوجد يومياً في قلب انتظارات المواطنين، لأنه يرتبط مباشرة بالشغل، والقدرة الشرائية، والاستقرار الاجتماعي، وكرامة الناس.

    تدبير هذا القطاع بنجاح يتطلب استعدادا للتواصل والحوار، وقدرة على الانفتاح وفهم الآخر كما يتطلب تملكا لمختلف الرهانات عبر قراءة أفقية شاملة لمتطلبات السياسات العمومية.

    منذ بداية الولاية، كنا أمام تحديات كبيرة ومتراكمة: آثار جائحة كوفيد على سوق الشغل، سنوات الجفاف، ارتفاع التضخم، تنامي انتظارات الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، إضافة إلى الملفات الاجتماعية الثقيلة المرتبطة بالأجور والتقاعد ومدونة الشغل والحماية الاجتماعية. وبالتالي، كان علينا أن نشتغل في سياق دقيق يتطلب التوازن بين البعد الاجتماعي والواقعية الاقتصادية.

    صراحة، تدبير هذا القطاع أكد لي أن الحوار ليس فقط آلية للتفاوض، بل هو أيضاً وسيلة لبناء الثقة وتخفيف التوترات وحماية الاستقرار. وكانت هناك لحظات صعبة جداً داخل بعض جولات الحوار الاجتماعي، لأن المطالب كانت كبيرة والإمكانيات ليست دائماً بنفس الحجم، لكن ما ساعد على تجاوز كثير من الصعوبات هو وجود روح وطنية ومسؤولية مشتركة لدى مختلف الأطراف.

    كما أن هذه التجربة أكدت لي أن الإصلاحات الاجتماعية الكبرى لا يمكن أن تُدار بمنطق الشعبوية أو القرارات السهلة، لأن أي قرار غير متوازن قد يؤثر على الاستثمار أو على مناصب الشغل أو على التوازنات المالية للدولة. ولهذا كنا نشتغل دائماً بمنطق البحث عن حلول واقعية ومستدامة، حتى وإن كانت أحياناً تحتاج وقتاً أطول.

    وفي المقابل، كانت هناك أيضاً لحظات اعتزاز حقيقية: عودة انتظام الحوار الاجتماعي، التوقيع على اتفاقات اجتماعية مهمة، تحسين دخل ملايين الأجراء، توسيع الحماية الاجتماعية، وإطلاق إصلاحات كبرى في التشغيل والتكوين المهني وآخرها رفع الحيف على مئات الآلاف من حراس الأمن الخاص.

    وأعتقد أن أهم ما يميز هذه التجربة هو أنها جعلتني أعيش يومياً نبض المجتمع المغربي انتظاراته وآماله. لأنك في هذا القطاع لا تتعامل مع أرقام فقط، بل مع قصص بشرية حقيقية: شاب يبحث عن فرصة، أسرة تنتظر تحسناً في الدخل، مقاولة تحاول الحفاظ على مناصب الشغل، ونقابي يدافع عن فئة اجتماعية يشعر بمسؤولية تجاهها.

    في النهاية، رغم صعوبة المسؤولية وضغطها، يبقى الشعور الأهم هو الإحساس بأنك ساهمت، ولو بجزء بسيط، في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ودفع بعض الأوراش الإصلاحية إلى الأمام… وهذا في حد ذاته شرف ومسؤولية كبيرة.

    • الحكومة قدمت وعودا في برنامجها، بخلق مليون منصب شغل، هل نجحتم في ذلك؟

    يجب التعامل بموضوعية مع موضوع التشغيل، لأن الحكومة عندما تحدثت عن هدف إحداث مليون منصب شغل، كانت تطرح طموحاً استراتيجياً في ظرفية استثنائية اتسمت بتداعيات جائحة كوفيد، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، والتوترات الجيوسياسية التي أثرت على مختلف الاقتصادات، بما فيها الاقتصاد المغربي.

    ورغم هذه التحديات، فإن المؤشرات تُظهر أن سوق الشغل الوطني عرف خلال الفترة 2021-2025 تطوراً إيجابياً ونوعياً، بفضل السياسات العمومية المعتمدة في مجالات إنعاش التشغيل، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ومواكبة المقاولة الوطنية والقطاع الخاص المنظم.

    وتُظهر هذه المعطيات أن الاقتصاد الوطني تمكن، خلال الفترة 2021-2025، من إحداث حوالي 851 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية، خاصة الخدمات والصناعة والبناء والأشغال العمومية، رغم فقدان حوالي 527 ألف منصب بقطاع الفلاحة نتيجة توالي سنوات الجفاف. وقد تمكنت الحكومة من خلق 170,000 منصب شغل سنويا في النشاطات غير الفلاحية في المتوسط مقابل 90 ألف منصب شغل بالنسبة للحكومة السابقة و60 ألف منصب شغل بالنسبة للحكومة الأسبق.

    وخلال سنة 2025 وحدها، عرف سوق الشغل انتعاشاً واضحاً، حيث تم:

    إحداث حوالي 193 ألف منصب شغل صافٍ على الصعيد الوطني، مقابل 82 ألف منصب فقط سنة 2024؛ وإحداث حوالي 233 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية؛ وتقليص فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي إلى 41 ألف منصب فقط، مقابل 137 ألف منصب مفقود سنة 2024.

    كما سجلت مؤشرات جودة التشغيل تحسناً مهماً، حيث ارتفع عدد مناصب الشغل المؤدى عنها بحوالي 809 آلاف منصب خلال الفترة 2021-2025، مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ486 ألف منصب. وخلال سنة 2025 فقط، تم إحداث 249 ألف منصب شغل مؤدى عنه، مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ55 ألف منصب، وهو ما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو شغل أكثر استقراراً وكرامة.

    ويُضاف إلى هذه الدينامية الإيجابية، الدور المهم الذي لعبه ميثاق الاستثمار الجديد في تعزيز إحداث فرص الشغل وتحفيز الاستثمار المنتج. ففي هذا الإطار، تمت المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بأهداف تشغيلية تناهز 245.500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذا الميثاق في تشجيع المبادرة الاستثمارية الوطنية والدولية.

    ومن المؤشرات الإيجابية كذلك، تراجع معدل البطالة من 13,7 في المائة إلى 13 في المائة سنة 2025؛ وانخفاض بطالة حاملي الشهادات من 19,6 في المائة إلى 19,1 في المائة؛ وتراجع البطالة بالوسط الحضري من 16,9 في المائة إلى 16,4 في المائة؛

    كما سجل عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ارتفاعاً بحوالي 740 ألف أجير خلال الفترة 2021-2024، وهو مؤشر مهم على توسع الشغل المهيكل.

    وفي موازاة ذلك، شهدت بلادنا دينامية قوية في مجال الاستثمار والمبادرة المقاولاتية، حيث تم تسجيل رقم قياسي في عدد المقاولات المُحدثة سنة 2025 بلغ 109.644 مقاولة، بارتفاع يفوق 14,6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

    طبعاً، نحن لا ندعي أن إشكالية التشغيل تم حلها بشكل كامل، لأن بطالة الشباب والنساء وحاملي الشهادات ما تزال تشكل تحدياً وطنياً كبيراً، لكن من الإنصاف أيضاً القول إن الحكومة استطاعت، رغم ظرفية صعبة وغير مسبوقة، الحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني وإعادة تحريك سوق الشغل تدريجياً، مع التركيز ليس فقط على عدد المناصب، بل أيضاً على جودة واستدامة فرص الشغل.

    نوافذ

    أهم مخرجات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية الحكومية تمثلت في الانتقال من منطق الحوار الظرفي إلى منطق المأسسة والاستدامة، من خلال انتظام جولات الحوار وتوقيع اتفاقين اجتماعيين إضافة إلى الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي

    من المؤشرات الإيجابية كذلك، تراجع معدل البطالة من 13,7 في المائة إلى 13 في المائة سنة 2025؛ وانخفاض بطالة حاملي الشهادات من 19,6 في المائة إلى 19,1 في المائة؛ وتراجع البطالة بالوسط الحضري من 16,9 في المائة إلى 16,4 في المائة

    شهدت بلادنا دينامية قوية في مجال الاستثمار والمبادرة المقاولاتية، حيث تم تسجيل رقم قياسي في عدد المقاولات المُحدثة سنة 2025 بلغ 109.644 مقاولة، بارتفاع يفوق 14,6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مركزية المختص التربوي في ظل الإصلاحات التربوية الجديدة بالمغرب – من النصوص إلى التمكين الفعلي

    عزيز الوصيف

    ملخص

    يشهد النظام التربوي المغربي تحولاً بنيوياً عميقاً تجلى في صدور المرسوم رقم 2.24.140 (23 فبراير 2024) الذي أعاد هيكلة الموظفين إلى خمس هيئات، وجعل من إطار المختص التربوي أحد الأطر الأساسية ضمن هيئة التربية والتعليم (المادة 10). كما تزامن هذا التحول مع إطلاق خارطة الطريق 2022-2026 الرامية إلى “مدرسة عمومية ذات جودة”، وبرامج طموحة مثل “إعداديات الريادة” (المذكرة 138×24) ومشروع المؤسسة المندمج (المذكرة 014-24)، واستراتيجية الأنشطة الموازية كأحد المكونات الأساسية للإصلاح. يستعرض هذا المقال الإطار القانوني والمرجعي للمختص التربوي، محدداً مهامه المركزية في المواكبة التربوية والتوثيق، والإشراف على المختبرات والمكتبات، والمشاركة في الأنشطة التربوية والموازية (المادة 15 من المرسوم 2.24.140). كما يبرز المقال موقع المختص التربوي داخل منظومة مشروع المؤسسة وفلسفة التقييم الذاتي (دليل الحياة المدرسية)، ويناقش ضرورة التمكين الفعلي للمختصين عبر التكوين المستمر، والتقييم المبني على الأثر، والانخراط في البرامج الإصلاحية الكبرى. ويخلص إلى دعوة صريحة لصناع القرار من أجل استثمار حقيقي في هذه السلك المهني الناشئ.

    في إطار تنزيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 والقانون الإطار 51.17، صادقت الحكومة المغربية على خارطة طريق 2022-2026 التي تركز على ثلاثة أهداف استراتيجية: مضاعفة نسبة المتعلمين المتحكمين في التعلمات الأساس، تقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الأنشطة الموازية لتشمل نصف عدد التلاميذ. وتتجسد هذه الأهداف في 12 التزاماً ملموساً و20 برنامجاً تحويلياً (الإطار الإجرائي 2024-2025).

    وفي صميم هذه الدينامية الإصلاحية، جاء المرسوم رقم 2.24.140 ليعيد تعريف هوية ومهام المختص التربوي، منتقلاً به من منطق “الملحق التربوي” إلى “الموظف” صاحب وظيفة قارة ضمن هيئة التربية والتعليم. وهذا التحول القانوني لم يكن اعتباطياً، بل جاء ليلبي حاجة ملحة للمدرسة العمومية إلى مختصين قادرين على المواكبة، والتوثيق، والإشراف التقني، والتنشيط التربوي، في وقت تتجه فيه السياسات التربوية نحو اللامركزية، ومشروع المؤسسة، والتدبير بالنتائج.

    يهدف هذا المقال إلى تحليل مركزية المختص التربوي في ضوء المراجع المرفقة (المرسوم 2.24.140، دليل الحياة المدرسية، خارطة الطريق، المذكرتين 014-24 و138×24، الإطار الإجرائي) مع تقديم دعوة مبنية على الأدلة من أجل تمكين حقيقي لهذه الفئة المهنية.

    أولاً: المختص التربوي في التشريع الجديد – هوية لا غموض فيها

    تخلص المادة 9 من المرسوم 2.24.140 إلى أن الموظفين يتكونون من خمس هيئات، من بينها هيئة التربية والتعليم. وتنص المادة 10 على أن هذه الهيئة تتألف من: أطر التدريس، إطار مستشار في التوجيه التربوي، إطار مختص تربوي، وإطار مختص اجتماعي. وبذلك، تكتسب هذه الفئة هوية قانونية مستقلة لا يمكن الخلط بينها وبين هيئة الإدارة التربوية والتدبير أو هيئة التفتيش.

    أما المادة 13 فتنص على أن إطار المختص التربوي يتكون من ثلاث درجات: الثانية، الأولى، الممتازة. وهذا التدرج يفتح آفاقاً للترقي المهني وفق شروط محددة في المادة 50 (الاختيار أو امتحان الكفاءة المهنية).

    المادة 15 هي جوهر المختص التربوي، وتنص على مهامه الأربع:

    1. المواكبة التربوية والتوثيق.
    2. الإشراف على المختبرات المدرسية.
    3. الإشراف على المكتبات المدرسية.
    4. المشاركة في الأنشطة التربوية والأنشطة الموازية المتعلقة بالمجال التربوي.

    هذه المهام تجعل المختص التربوي فاعلاً محورياً في تنزيل ثلاثة من الالتزامات الـ12 لخارطة الطريق: الالتزام 3 (تتبع ومواكبة فردية للتلاميذ)، الالتزام 12 (أنشطة موازية ورياضية)، وأيضاً الالتزام 9 (مؤسسات مجهزة بالوسائل الرقمية) من خلال الإشراف على المكتبات والمختبرات كفضاءات رقمية

    ثانياً: المختص التربوي في دليل الحياة المدرسية – التكامل مع الأنشطة ومشروع المؤسسة

    يُعرِّف دليل الحياة المدرسية (صفحة 9) الحياة المدرسية بأنها “الحياة التي يعيشها المتعلمون في جميع الأوقات والأماكن المدرسية، قصد تربيتهم باعتماد جميع الأنشطة التربوية والتكوينية المبرمجة”. ويؤكد الدليل (صفحة 17-18) أن مشروع المؤسسة هو “الإطار المنهجي الموجه لجهود جميع الفاعلين التربويين”، و”الآلية العملية الضرورية لتنظيم وتفعيل مختلف الإجراءات التدبيرية والتربوية”.

    المختص التربوي، بمهامه المذكورة في المادة 15، هو ركن أساسي في تنزيل مشروع المؤسسة، خاصة في محاوره الثلاثة (التلميذ، الأستاذ، المؤسسة). فهو يساهم في المواكبة الفردية للتلاميذ (معالجة صعوبات التعلم)، تأطير الأندية التربوية (صفحة 86-91 من الدليل)، تنشيط المكتبات والمختبرات (صفحة 74-75 من الدليل)، والمساهمة في الأنشطة الثقافية والفنية والإبداعية (صفحة 38-46 من الدليل).

    كما أن الدليل (صفحة 58-62) يخصص فصلاً للموارد البشرية والمادية والمالية، ويشير إلى دور جمعية دعم مدرسة النجاح في تمويل الأنشطة، مما يقتضي من المختص التربوي أن يكون طرفاً فاعلاً في التعبئة الاجتماعية والشراكات، وهي مهمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالتمكين والتفويض ودعم القيادة المدرسية.

    ثالثاً: برنامج “إعداديات الريادة” – مختص تربوي شريك أساسي

    تحدد المذكرة 138×24 (18 مارس 2024) شروط تنزيل برنامج “إعداديات الريادة” برسم الموسم الدراسي 2025/2024، والذي يهدف إلى إحداث “دينامية جديدة يقودها الفاعلون في هذه المؤسسات”. وتنص المذكرة على أنه في إطار هذا البرنامج، يتم:
    – تكوين مستشاري التوجيه والمختصين الاجتماعيين على المواكبة الشخصية (صفحة 2، الجدول الزمني – أبريل 2024).
    – تفعيل خلايا اليقظة لتحديد التلاميذ المعرضين للهدر المدرسي (الجدول نفسه).
    – إطلاق عرض الأنشطة الموازية والرياضية وتحديد الأساتذة المشرفين على أساس تطوعي.

    أين موقع المختص التربوي هنا؟ في غياب نص صريح يذكره، فإن المواكبة التربوية والتوثيق، والإشراف على المكتبات والمختبرات، والمشاركة في الأنشطة التربوية، كلها تجعل المختص التربوي مرشحاً طبيعياً ليكون عضواً في: خلايا اليقظة، أندية الأنشطة الموازية، وأيضاً في لجان التتبع والتقييم. ولكن غياب ذكره صراحة؟!؟ في المذكرة يثير إشكالية
    – التهميش التنظيمي الذي تتعرض له هذه الفئة بالرغم من مركزيتها القانونية.

    هذا الغياب يطرح بقوة الحاجة إلى التمكين: فالمختص التربوي لن يؤدي دوره في إعداديات الريادة إلا إذا تم:
    – تعيينه كلاعب رسمي في فرق القيادة (لجنة القيادة كما في المذكرة 014-24).
    – تخصيص حصص تكوينية له حول مقاربات التدريس وفق المستوى المناسب )TaRL( والتدريس الناجع والمواكبة النفسية والاجتماعية.
    – إدراجه في المنظومة المعلوماتية “مسار” ضمن مكون الأنشطة الموازية (كما هو موثق في دليل الاستعمال للمدير – الصفحات 6-8 من مكون الأنشطة الموازية).

    رابعاً: مشروع المؤسسة المندمج – المختص التربوي في جوهر الحكامة

    تنص المذكرة الوزارية 014-24 (بتاريخ 6 فبراير 2024) على أن مشروع المؤسسة المندمج هو “مجموع عمليات تنظيمية وتربوية وتدبيرية متكاملة ومنسجمة تتم برمجتها من طرف المؤسسة التعليمية وفق ميزانية مرصودة لبلوغ أهداف تربوية”. وتعتمد المذكرة منهجية DEPART (التشخيص، التخطيط، البرمجة، العمل، التقييم).

    المختص التربوي، في هذا السياق، ليس مجرد منفذ، بل هو شريك في التشخيص (رصد الصعوبات والحاجيات)، شريك في التخطيط (بلورة مشروع المؤسسة)، مساهم في التنفيذ (المواكبة والأنشطة)، ومساهم في التقييم (التوثيق والتقارير). كما أن معايير التقييم الذاتي للمؤسسة (الملحق 1 من المذكرة 014-24، صفحة 7-12) تتضمن بنوداً تتعلق بـ:
    – 3.4: توفير برامج للدعم الاجتماعي والصحي والنفسي.
    – 4.5: توفير جلسات الإنصات والمواكبة للتلاميذ.
    – 5.2: التواصل مع أولياء الأمور حول الغياب والسلوك.

    هذه البنود هي ميدان طبيعي للمختص التربوي. غير أن المذكرة لم تذكر المختص التربوي صراحةً ضمن بنيات الحكامة (لجنة القيادة بالمؤسسة، اللجنة الإقليمية، اللجنة الجهوية – صفحة 4-5)، وهذا فجوة قانونية وتنظيمية يجب معالجتها من أجل تمكين المختصين.

    خامساً: نظام التقييم والترقي – حافز للتمكين

    تنص المادة 53 من المرسوم 2.24.140 على أن المختص التربوي يخضع لتقييم سنوي يتمحور حول: تنفيذ المهام، جودة الممارسات المهنية بما فيها استثمار التكوين المستمر، الالتزام بالضوابط المهنية، والانخراط في تنزيل مشروع المؤسسة. وتنص المادة 50 على أن الترقية من درجة إلى الدرجة الموالية تتم عن طريق الاختيار بنسب تصل إلى 36% (من الثانية إلى الأولى) و14% (من الأولى إلى الممتازة)، مع اعتماد النقطة المهنية المستمدة من تقييم الأداء.

    هذا النظام يخلق منافسة إيجابية تشجع المختصين على التمكين الذاتي. لكن التمكين الذاتي وحده لا يكفي؛ بل يحتاج إلى:
    – تكوين مستمر فعلي (ولفظي) ينص عليه البرنامج 15 من الإطار الإجرائي (صفحة 148-154) حول التنمية المهنية للأطر.
    – مواكبة من المفتشين والمشرفين وفقاً للـ البرنامج 16 حول التكوين الأساس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين (صفحة 157-164).
    – إتاحة فرص متكافئة للمختصين للاستفادة من عرض التكوين الموجه أصلاً للأساتذة والمفتشين.

    سادساً: الحاجة إلى التمكين – دعوة مبنية على الأدلة

    انطلاقاً مما سبق، يمكن تحديد أوجه القصور التي تعيق مركزية المختص التربوي:
    1. غياب الذكر الصريح في بعض النصوص الإجرائية الرئيسية (كالمذكرة 138×24 والمذكرة 014-24).
    2. ضعف التكوين الخاص بالمختصين في البرامج الإصلاحية الجديدة (مقاربات TaRL، التدريس الناجع، الأنشطة الموازية، اليقظة المدرسية).
    3. عدم وضوح آليات الإشراف على المختصين في إطار مشروع المؤسسة والحكامة.
    4. غياب نظام معلوماتي خاص بتوثيق المواكبة التربوية (بينما توجد منصة “مسار” للتدريس والتقييم).

    وفي مقابل ذلك، هناك مؤشرات أمل:
    – البرنامج 4 من الإطار الإجرائي (صفحة 44-57) حول الأنشطة الموازية، والذي يعتمد جمعيات “Têtes de réseaux” لمنح تكوين إشهادي للمنشطين، وهذه الجمعيات يمكن أن تكون شريكاً قوياً في تكوين المختصين.
    – البرنامج 13 حول التربية الدامجة (صفحة 135-145)، وهو مجال حيوي يمكن للمختص التربوي أن يلعب فيه دوراً كبيراً في قاعات الموارد والتأهيل والدعم.
    – البرنامج 5 حول ظروف الاستقبال بالمؤسسات (صفحة 60-78) والذي يتضمن تجهيز المختبرات والمكتبات، وهو من صميم مهام المختص التربوي.

    لذلك، نوجه الدعوات التالية:

    أولاً: للمسؤولين والقرارين

    – مراجعة كل النصوص الإجرائية (دلائل، مذكرات، أطر مرجعية) لإدراج
    – إطار مختص تربوي صراحةً مع تحديد مساهمته في كل برنامج.
    – تخصيص محاور تكوينية ضمن البرنامجين 15 و16 خاصة بالمختصين التربويين، تشمل: تقنيات التوثيق، إدارة المكتبات وتصنيفها، صيانة المختبرات، تنشيط الأنشطة الموازية، آليات اليقظة والإنصات.
    – ربط المسار المهني للمختص التربوي بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مع منح حوافز ترقية متميزة لمن يحقق نتائج ملموسة في تحسين التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي.
    – تزويد المؤسسات التعليمية بعدد كاف من المختصين التربويين وفق حاجياتها (مختبرات، مكتبات، أندية)، وإدماجهم في لوحات القيادة الخاصة بالبرامج الاستعجالية (كرؤية 2030).

    ثانياً: للمختصين التربويين أنفسهم

    – المبادرة إلى التكوين الذاتي في المهارات الرقمية، والتوثيق الأرشيفي، وتنشيط الفرق.
    – تشكيل شبكات مهنية على المستوى الإقليمي والجهوي لتبادل الخبرات والموارد، والمطالبة بحقوقهم المهنية بشكل مؤسس.
    – توثيق كل الأنشطة التي يتم إنجازها ورفعها إلى الإدارة والمفتشين، لأن التوثيق هو سلاحك لإثبات الأثر.
    – الانخراط بقوة في مشروع المؤسسة، وتقديم مقترحات مكتوبة، وحضور اجتماعات المجالس (مجلس التدبير، المجلس التربوي) بشكل منتظم، والمطالبة بتسجيل مداخلاتهم في المحاضر.
    – الاستثمار في العلاقة مع الشركاء (جمعيات المجتمع المدني، الجماعات المحلية، مؤسسة محمد السادس للبيئة، جمعية INJAZ، جمعية “الصغار المبدعون”…) لدعم الأنشطة.

    ثالثاً: للمفتشين ورجال التعليم

    – اعتبار المختص التربوي شريكاً حقيقي، وإشراكه في الزيارات التأطيرية.
    – المساعدة في بناء ملفات مهنية للمختصين تبرز إنجازاتهم وتؤهلهم للترقية.
    – نقل المعرفة حول مقاربات التدريس (TaRL، التدريس الصريح) لأن المختص التربوي يحتاجها في المواكبة الفردية.

    لقد أفرزت الإصلاحات التربوية الجديدة بالمغرب، بفضل المرسوم 2.24.140 وخارطة الطريق 2022-2026 والمذكرات التطبيقية، إطاراً قانونياً ومرجعياً يجعل من المختص التربوي فاعلاً مركزياً لا غنى عنه. غير أن المركزية القانونية تبقى نظرية إذا لم تواكبها إرادة سياسية للتمكين، وتفعيل حقيقي في النصوص الإجرائية، وتخصيص موارد للتكوين والمواكبة، وإدماج في هياكل الحكامة والقيادة.

    إن المدرسة المغربية الجديدة بحاجة ماسة إلى مختصين تربويين مؤهلين، مُمَكّنين، ومُحفّزين، قادرين على تحويل القوانين إلى أثر ملموس في حياة التلاميذ. الفرصة سانحة اليوم لاستثمار هذه السلك المهني الواعد، فلا نضيِّعْها بالتهميش أو الإهمال.

    المراجع المعتمدة

    1. المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 13 شعبان 1445 هـ (23 فبراير 2024) بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية – الجريدة الرسمية عدد 7277.
    2. خارطة طريق 2022-2026: من أجل مدرسة عمومية ذات جودة (وثيقة وزارة التربية الوطنية).
    3. دليل الحياة المدرسية – وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (مديرية الحياة المدرسية).
    4. المذكرة الوزارية رقم 138×24 بتاريخ 18 مارس 2024 في شأن تنزيل برنامج “إعداديات الريادة” برسم الموسم الدراسي 2025/2024.
    5. المذكرة الوزارية رقم 014-24 بتاريخ 6 فبراير 2024 في شأن مشروع المؤسسة المندمج بمؤسسات التربية والتعليم.
    6. الإطار الإجرائي لتنزيل خارطة الطريق 2022-2026 برسم سنتي 2024 و2025 (وزارة التربية الوطنية).
    7. مكون الأنشطة الموازية ضمن البرامج التحويلية (دليل الاستعمال لمنظومة “مسار” – خاص بالمدير).
    8. القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

    إقرأ الخبر من مصدره