لم يكن أشد المتفائلين في المغرب يحلم بوصول أسود الأطلس لما وصلوا إليه في مونديال قطر 2002، وجعلوا العالم يتحدث عنهم، خصوصا في ظل الظروف التي رافقت استعداد المنتخب الوطني لهذه البطولة، بعد إقالة الناخب الوطني السابق، وحيد خليلوزيتش وتعويضه بالإطار المغربي “مول النية” وليد الركراكي، على بعد أشهر قليلة على انطلاق المونديال.
يجمع المغاربة على أن المنتخب الوطني حقق أكثر ما كان مرجوا منه، بل وجعلنا في لحظة من اللحظات نتحدث عن التتويج باللقب، ومقارعة أعتى المدارس الكروية في العالم، بعدما كنا في الدورات الماضية نتحدث فقط على مشاركة مشرفة.
وإلى جانب هذه النتيجة المشرفة للمنتخب الوطني في مونديال قطر، والذي يسعى للحصول على الرتبة الثالثة، عند مواجهته لمنتخب كرواتيا في مباراة الترتيب يوم السبت المقبل، فإن أسود الأطلس حققوا نتائج أخرى ومكاسب عديدة، من خلال ترويج صورة المغرب بشكل إيجابي، وإظهار ثقافة وأصالة ومبادئ المغرب والمغاربة للعالم أجمع وبعبارة أخرى، “أسود الأطلس قالوا للعالم ها هو المغرب وها كيفاش دايرين المغاربة”.
الركراكي “ديرو النية” وقوة الإيمان
لم تكن تصريحات الناخب الوطني وليد الركراكي، عابرة ومجرد كلام فقط، بل كانت تحمل في طياتها معاني الإيمان الصادق والعمل بالنية الخالصة، فالأعمال بالنيات، وإذا غابت النية التي هي إحدى ركائز التوكل على الله، غاب الحظ وغاب التوفيق من الله.
فتصريحات وليد الركراكي التي أدلى بها في إحدى الندوات الصحفية، كانت مصدر إلهام للمغاربة وجعلت العالم يتساءل من تكون هذه النية التي يوصي مدرب المغرب شعب بلاده للتحلي بها، خصوصا وأنه كان يرددها دائما، وهي العبارة التي استحضرها المغاربة في كل مباراة الأسود، خصوصا عندما كانت العارضة أو القائم ينقذان المنتخب من هدف محقق، كيف لا وهو من قال لهم “ديروا النية، الكرة غاتضرب البوطو وتخرج”.

الأسود قدوة للأجيال القادمة: السجود داخل الملعب وعناق الوالدين والزوجات
لم يكن سجود لاعبي المنتخب الوطني عند تسجيل أي هدف في المونديال أو بعد تحقيق الفوز، إشارات وصور فقط، بل كان يحمل في طياته رسائل كثيرة وكبيرة، خصوصا وأن هؤلاء اللاعبين جلهم ولدوا وترعرعوا في بيئة غربية، لكن هذا لم يمنعهم من التشبث بدينهم وعقيدتهم والقيم السمحة، ما جعل صورهم مصدر فخر واعتزاز للمغاربة والعرب والمسلمين في كل أنحاء العالم، خصوصا وأن أنظار الصحف والقنوات العالمية كانت تتابع مبارياتهم.

مشهد توجه أسود الأطلس صوب أمهاتهم وآبائهم عند نهاية كل مباراة، ومعانقتهم ومشاركة الفرحة معهم، لم يكن مشهدا مألوفا لدى الصحافة العالمية وجماهير المنتخبات الأوروبية والأمريكية والآسيوية، فهذه المبادرة ابتدعتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لما لها من أثر كبير وإيحابي على نفسية اللاعبين، لكنها أيضا كانت بمثابة رسائل قوية للعالم، أننا نحن المسلمون والعرب والأفارقة، لدينا ارتباط كبير بالوالدين، ونجاحاتنا مرتبطة بهم، فالناخب الوطني، وليد الركراكي عندما كان يقول في تصريحاته حتى قبل أن يتولى تدريب المنتخب “تهلاو فوالديكم” لم يكن يتحدث من فراغ، لعلمه بفضل الوالدين علينا ومكانتهم في ديننا وثقافتنا وقيمنا.
ولعل من بين ما ساهم في نجاح المنتخب الوطني أيضا هو تصرفات لاعبيه عند نهاية كل مباراة، من خلال تقبيل رؤوس أمهاتهم وزوجاتهم واصطحاب أبنائهم إلى الملعب لمشاركة الاحتفال معهم وتوثيق هاته اللحظات التي ستجعل أبناءهم من الجيل القادم يفتخرون ببلدهم ووطنهم.




احتفال ورقصة بوفال مع والدته داخل الملعب
كانت رقصة عفوية ولحظة شارك فيها لاعب حقق إنجازا كبيرا بفوزه على البرتغال ومروره لنصف نهائي كأس العالم مع منتخبه، في سابقة كروية عند العرب والأفارقة، ليتناقل إعلام العالم بعد ذلك صورة وفيديو تلك اللحظة، صورة أثارت انتباه العالم، لأم عاشت وأنجبت أولادها بدولة غربية، ومع ذلك متشبثة باللباس التقليدي المغربي “الجلباب والفولار” وبالقيم الدينية السمحة.
لقد كانت رسالة قوية للعالم، وجهها سفيان بوفال ووالدته برقصتهما الجميلة، مفادها “أننا نحن المغاربة حتى وإن عشنا وكبرنا وأنجبنا أبناءنا وسط بيئة مخالفة لبيئتنا، لا نتخلى على ثقافتنا ومبادئنا وقيمنا، نحن أبناء دولة بتاريخ عريق، نحن لا نسمح بطمس هويتنا رغم مغادرتنا لأرض وطننا، لأن الوطن في قلوبنا، وتقاليده وثقافته وهويته متجدرة فينا”.

حمل العلم الفلسطيني بعد كل فوز
لم تكن أيضا صور حمل علم دولة فلسطين من طرف لاعبي المنتخب الوطني بعد كل انتصار، لتمر مرور الكرام دون أن نقف عندها، وأن نبرز للعالم بأننا دولة وشعبا لم ولن نتخلى يوما عن القضية الفلسطينية، كما حاول ويحاول أعداؤنا الترويج لذلك، بعدما أعاد المغرب إحياء علاقاته مع إسرائيل.
فالملك محمد السادس وفي يوم الإعلان عن إعادة إحياء المغرب لعلاقاته مع إسرائيل، اتصل بالرئيس الفلسطيني وأخبره بأن موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ثابت لا يتغير. وقد ورثه عن والده المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني، مؤكدا جلالته للرئيس الفلسطيني بأن المغرب الذي يضع القضية الفلسطينية في صدارة انشغالاته، لن يتخلى أبدا عن دوره في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأنه سيظل كما كان دائما، ملكا وحكومة وشعبا، إلى جانب أشقائنا الفلسطينيين، وسيواصل انخراطه البناء من أجل إقرار سلام عادل ودائم بمنطقة الشرق الأوسط.

أكاديمية محمد السادس لكرة القدم
كشف مونديال قطر للعالم، أن ما قام به المغرب ويقوم به في مجال الرياضة وبالضبط كرة القدم، بدأ يعطي ثماره وينتج لاعبين قادرين على مقارعة كبار أساطير كرة القدم في العالم، يكفي فقط توفير ظروف التكوين الجيد لهم وعلى أعلى مستوى، ومواكبتهم وتأطيرهم.
فاللاعب الشاب الذي تألق في البطولة، عز الدين أوناحي والمهاجم يوسف النصيري تلقوا تكوينهم في أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، والعالم كله شاهد كيف أشاد المدرب واللاعب السابق لإسبانيا، لويس إنريكي، بأوناحي وتساءل من “أين أتى هذا اللاعب رقم 8″، ونحن نقول له بأنه أتى من أكاديمية تتواجد بالمغرب بمعايير عالمية، وفي المستقبل القريب سيتخرج منها لاعبون كبار، أكيد سيعيدون إنجاز الأسود وسيجعلوننا نطمح للفوز بكأس العالم وليس للمشاركة فقط.

الإجماع العربي
لم يكن المغرب بحاجة لعقد قمة فاشلة أو لبروباغندا إعلامية قذرة من أجل أن يجمع شمل العرب، لأنه يتوفر على قوة ناعمة استطاعت أن توحد العرب وأن تخرجهم للشوارع وتنسيهم مرارة الظروف التي يعيشونها في بلدانهم التي تعيش الصراعات الطائفية والتطاحنات من أجل السلطة.
لقد كانت مشاهد خروج شعوب كل الدول العربية للشارع بعد نهاية مباريات الأسود، رسالة للعالم مفادها، أن المغرب هو الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تجمع شمل الشعوب العربية وتوحد صفوفهم وكلمتهم، بدون حملات إعلامية خبيثة وقذرة، ودون شيطنة كما يفعل الكابرانات وأبواقهم الإعلامية.

فرح بغزة والضفة الغربية وفرح بتل أبيب
لقد استطاع أسود الأطلس بإنجازهم ببطولة كأس العالم بقطر 2022، إخراج الشعب الفلسطيني للاحتفال في شوارع الضفة الغربية وغزة، ونجحوا كذلك في إخراج الإسرائيليين بتل أبيب، محققين بذلك إجماعا عليهم من طرف الفلسطينيين والإسرائيليين، في سابقة أثارت انتباه العالم الذي تيقن بأن المغرب دولة جامعة وغير مفرقة، دولة للسلم والسلام والمحبة.
إن الرسالة التي وجهها المغرب للعالم عبر أسود الأطلس، في علاقة إنجازهم بالأفراح التي شهدتها فلسطين وإسرائيل في نفس الوقت، بعيدا عن لغة الحرب وصوت السلاح، هي أن أي مبادرة قادمة وحقيقية بعيدة عن الاتجار بمعاناة الفلسطينيين وقضيتهم، من أجل تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فستكون على أرض المغرب الطيبة.

من حق المغاربة اليوم أن يفتخروا بهذا المنتخب بمدرب وطني ولاعبين وطنيين وطاقم وطني يحبون بلدهم وقاتلوا من أجل رفع اسمه في محفل دولي، تابعه العالم، نعم من حقهم أن يفتخروا بهذا المنتخب “قوة المغرب الناعمة”، لأنه أظهر للعالم من هم المغاربة، وكيف أننا نحافظ على ثقافتنا وقيمنا وتقاليدنا رغم بعدنا عن حضن الوطن، وكيف أن العولمة لم تستطع طمس هويتنا، التي هي رأسمالنا الحقيقي، وكذا أظهر للعالم أننا محبوبون ونحظى باحترام وتقدير وحب دول العالم، والتاريخ سيسجل بأحرف من ذهب أن المغرب وحّد العرب وأخرج شعوبهم فرحا للشوارع، وجعلهم في لحظة من اللحظات يحلمون بالفوز بكأس العالم بعدما كانوا يشاهدونه فقط.