Catégorie : رآي

  • المفاوضات خدمت وتخدم النظام الإيراني

    نظام مير محمدي

    كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

    لا يمکن التصور بأن الشروط السبعة التي وضعها مجتبى خامنئي ردًا على المقترح الأمريکي والتي إعتبرها النظام وعلى لسان رئيس لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الإيراني، محمد صالح جوكار، تمثل “خطا أحمر” في أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة، لکن وفي الحقيقة فإن هذه الشروط السبعة لا تختلف بشئ من الشروط ال19 التي وضعها قبله علي خامنئي في الأيام الأخيرة من المفاوضات التي أعقبت إعلان الاتفاق النووي للعام 2015، کخطوط حمراء من أجل الموافقة على الاتفاق.

    وکما إن النظام الإيراني مغرم بإثارة الحروب والأزمات ويقوم…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسميات البحر بالألوان

    بقلم : محمد حسيكي

    البحر فضاء مائي شفاف متحرك الموج بالمد، الذي يتصاعد نحو السطح البري، وبالجزر بعد مد حين ميل المد البحري عن موجه، تدور من البحر الأرض دورة فضائية، من مدارين يجريان على الاستواء من مدار شمسي منفصل عن المدار الفضائي، ومدار فضائي متصل بالمدار الشمسي . من الاستهلال إلى الغياب من الأفق .

    وإن تعمر الأرض الأحياء البرية من إنسان وحيوان ونبات، فإن البحر أيضا تتنوع أحياؤه المائية من حركته المتحركة والساكنة، والإنسان يسبح منه على بطنه من حركة متحركة بيديه ورجليه، يتغذى من أسماكه، ويتواصل بين جهات الأرض عبر شواطئه، كما يتخذ له أسماء من البرية، ومن…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المفاوضات أداةٌ لإدارة الأزمات.. النظام الإيراني بين التآكل الداخلي وخيارات الاستقرار والبديل..

    تتشابك القراءة السياسية للمشهد الإيراني بين مظهرين متناقضين؛ مظهر خارجي يستند إلى الدبلوماسية الإقليمية والدولية والمناورات التفاوضية التي توحي بامتلاك طهران لزمام المبادرة وقدرتها على المناورة، ومظهر داخلي يتسم بـ أزمات هيكلية مركبة تفضح هشاشة البنية السياسية والاقتصادية للدولة، وفي هذا السياق يرى مراقبون ومحللون استراتيجيون أن جولات التفاوض المستمرة مع القوى الغربية لا تعكس بالضرورة موقع قوة أو رغبة في صياغة تسويات استراتيجية نهائية بقدر ما تمثل أداة تكتيكية تهدف إلى إدارة الأزمات وكسب الوقت لتأجيل استحقاقات التغيير الداخلي وتخفيف الضغوط…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تصطدم النظرية بحرارة الواقع

    عبد الحق بلفقيه *

    يمكن التمييز بين الباحث أو الأستاذ الجامعي أو المنظّر الدستوري، وبين القاضي الدستوري الممارس، من خلال طبيعة الوظيفة التي يضطلع بها كلٌّ منهما، وكذا من خلال طبيعة علاقتهما بالنصوص والمبادئ الدستورية وبالواقع السياسي والمؤسساتي المتحول.

    فالمنظّر أو الباحث في القانون الدستوري يُفترض فيه أن يكون حارسًا للمبادئ الدستورية ومهندسًا للنظريات والأسس الحاكمة لها، إذ تتمثل وظيفته الجوهرية في بناء المعايير وصياغة النماذج المثالية التي يُفترض أن تؤطر الممارسة السياسية والمؤسساتية. ومن ثمّ، فهو يشتغل داخل فضاء فكري تجريدي، تتقدّم فيه أولوية نقاء الفكرة وانسجام المعيار وتماسك البناء النظري. وتُعدّ نظرية «النظرية الخالصة للقانون» مثالًا بارزًا على هذا التوجّه التجريدي، إذ سعت إلى تأسيس علم قانوني “خالص” ومنفصل عن الاعتبارات السياسية والأخلاقية والدينية والاجتماعية، بما يجعل القانون يُدرس بوصفه نسقًا معياريًا مستقلًا قائمًا بذاته. ولذلك، فإنه يُعنى بمحاكمة الوقائع والأفعال على ضوء المبادئ، لا بمساومتها أو التكيّف معها. ومن هنا، لا يُنتظر منه – من الناحية النظرية – أن يتنازل عن مقتضيات النموذج الدستوري الذي يدافع عنه، لأنه، وهو محاط بكتبه وأوراقه البحثية داخل مكتبه الهادئ، لا يتحرك تحت ضغط إكراهات الواقع السياسي أو حرارة التوازنات المؤسساتية، بل داخل أفق المثال الدستوري الخالص. فوظيفته الأساسية هي الحفاظ على “النقاء المعياري” للنظرية الدستورية، حتى تبقى المبادئ حيّة، ويظل المعيار واضحًا ومرجعيًا وموجّهًا للممارسة.

    أما القاضي الدستوري الممارس، فواقعه مختلف، حتى وإن كان قبل تقلده لمهامه أستاذًا أو باحثًا مشبعًا بالتصورات النظرية ذاتها؛ ذلك أن انتقاله إلى موقع القضاء الدستوري، أي إلى واقع الممارسة، يغيّر طبيعة المعادلة التي يتحرك داخلها. فهو يصبح فاعلًا مؤسساتيًا يشتغل ضمن سياقات سياسية ومؤسساتية واجتماعية معقدة، ويتعامل مع وقائع متغيرة وتوازنات دقيقة، وأحيانًا ضاغطة، تفرض عليه في كثير من الأحيان أن يشتغل بمنطق الممكن لا بمنطق المثال النظري الخالص. ولذلك، فإن وظيفته لا تتمثل في إنتاج المبادئ في صورتها المجردة، وإنما في محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن منها ضمن شروط المرحلة والسياق والإمكان، وفي ظل علاقات قوى وفواعل متعددة ومتداخلة.

    ومن ثم، فإن القاضي الدستوري، باعتباره فاعلًا ممارسًا داخل حقل النظرية الدستورية، لا يُقاس فقط بمدى وفائه النظري للمبدأ، وإنما أيضًا بقدرته على تنزيله تدريجيًا داخل الواقع دون إحداث اختلالات قد تمس استقرار النظام الدستوري أو توازن المؤسسات. ولهذا، فإن اجتهاده قد يتخذ أحيانًا طابعًا تأسيسيًا، سواء من خلال “القرارات المؤسسة إيجابيًا” التي توسّع من مضمون الحقوق والمبادئ الدستورية وتدفع نحو تطويرها، أو من خلال “القرارات المؤسسة سلبيًا” التي تضع حدودًا وضوابط للممارسة السياسية والتشريعية بما يحفظ التوازن الدستوري العام.

    وعليه، يمكن القول إن الباحث أو الأستاذ أو المنظّر الدستوري يطمح – من حيث المبدأ – إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام الكامل بين المبادئ الدستورية والواقع، لأنه يشتغل بمنطق المثال والمعيار، بينما قد لا يستطيع القاضي الدستوري الممارس سوى تحقيق نسبة متفاوتة من هذا المثال، قد تتقدم أو تتراجع بحسب طبيعة المرحلة والسياق والتوازنات القائمة. غير أن هذه النسبة المتغيرة لا تعني بالضرورة فشلًا أو تنازلًا سلبيًا عن المبادئ، بل قد تعبّر عن محاولة واقعية لتوسيع دائرة الدستورية داخل حدود الممكن السياسي والمؤسساتي.

    وهنا يمكن القول إن القاضي الدستوري يشتغل في منطقةٍ وسطى دقيقة، تقع بين المثال الدستوري ومنطق الممكن، وبين حدود المثالي وإكراهات الممارسة، وبين سلطان المعيار النظري وحدود الواقع السياسي والمؤسساتي. فإذا كان المنظّر أو الباحث أو الأستاذ الدستوري يقوم بتصميم الفكرة الدستورية وحراسة نقائها المعياري، فإن القاضي الدستوري يجد نفسه مطالبًا بـ“مفاوضة الواقع” أكثر من الاكتفاء بترديد المثال. فهو ينتقل من عالم الفكرة المجردة إلى تعقيد الممارسة، ومن المثال الدستوري الخالص إلى الواقعية القضائية التي تفرضها توازنات المؤسسات وإكراهات السياق.

    ومن هنا، فإن جوهر وظيفة القاضي الدستوري لا يكمن فقط في الوفاء الحرفي للنظرية، بل في قدرته على تحقيق نوع من التوفيق الدقيق بين نقاء المعيار وإكراه الواقع، وبين وفاء النظرية وحدود الممكن السياسي. فنجاح القاضي الدستوري لا يُقاس فقط بمدى تشبثه بالمبدأ في صورته المثالية، وإنما أيضًا بقدرته على حماية الفكرة الدستورية وتطويرها تدريجيًا داخل واقع متغير، دون التفريط في جوهرها أو الاصطدام بما قد يهدد استقرار النظام الدستوري وتوازن المؤسسات.

    وبذلك، فالعلاقة بين المنظّر الدستوري والقاضي الدستوري ليست علاقة تعارض أو تناقض، بل علاقة تكامل وظيفي ومعرفي: فالأول يحافظ على نقاء الفكرة الدستورية ويؤسس أفقها المعياري، بينما يسعى الثاني إلى ترجمتها تدريجيًا داخل الواقع، وفق ما تسمح به شروط الممارسة وحدود الممكن.

    * أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الزيارة الملكية إلى فرنسا: إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي بين الرباط وباريس

    المصطفى قاسمي

    تشكل الزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها جلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا محطة مفصلية في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، ليس فقط من زاوية البروتوكول الدبلوماسي، بل باعتبارها لحظة لإعادة بناء شراكة استراتيجية عميقة بين دولتين ارتبطتا لعقود بروابط سياسية واقتصادية وثقافية معقدة ومتداخلة.

    لقد مرت العلاقات بين الرباط وباريس خلال السنوات الأخيرة بمرحلة اتسمت بنوع من البرود السياسي وسوء الفهم المتبادل، في سياق تحولات دولية وإقليمية متسارعة أعادت رسم أولويات القوى التقليدية والمتوسطة على حد سواء. غير أن إدراك الطرفين لعمق المصالح المشتركة جعل من الضروري الانتقال من منطق التدبير الظرفي للخلافات إلى منطق إعادة التأسيس الاستراتيجي للعلاقة الثنائية.

    في الجانب الفرنسي، تبدو النخبة السياسية والاقتصادية مدركة أكثر من أي وقت مضى للتحول البنيوي الذي يشهده المغرب تحت القيادة الملكية الرشيدة. فالمملكة لم تعد مجرد شريك تقليدي لفرنسا في شمال إفريقيا، بل أصبحت قوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية تنموية واضحة، وموقعًا جيو-استراتيجيًا بالغ الأهمية يربط أوروبا بإفريقيا الأطلسية وعمق الساحل الإفريقي.

    كما أن باريس تدرك أن الحفاظ على المغرب كحليف أول في المنطقة لم يعد خيارًا مرتبطًا بالإرث التاريخي فقط، بل ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الجيوسياسية الجديدة، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الدولية على النفوذ الاقتصادي والأمني في إفريقيا والمتوسط.

    أما في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، فإن الموقف الفرنسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعكس تحولا عميقًا في الرؤية السياسية الفرنسية تجاه هذا النزاع الإقليمي. وقد جاء هذا التطور بعد مواقف مماثلة عبرت عنها قوى أوروبية كبرى، وفي مقدمتها إسبانيا، بما يؤكد تنامي القناعة الدولية بواقعية المقاربة المغربية وجديتها ومصداقيتها.

    وفي المقابل، تتابع الجزائر هذه التحولات الإقليمية والدولية بكثير من القلق الاستراتيجي، ليس فقط بسبب تراجع الأطروحات التقليدية المرتبطة بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وإنما أيضًا بسبب التحولات العميقة التي تعرفها موازين القوة الدبلوماسية في المنطقة المغاربية. فالدعم الدولي المتزايد للموقف المغربي يعيد فتح النقاش الأكاديمي والتاريخي حول العديد من القضايا المرتبطة بإرث الحدود والجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا.

    وفي هذا السياق، يظل موضوع الصحراء الشرقية حاضرًا داخل بعض الأدبيات التاريخية والوثائق الأرشيفية التي تناولت الامتدادات التاريخية للمجال المغربي قبل الحقبة الاستعمارية. غير أن المملكة المغربية أبانت، عبر تاريخها الدبلوماسي الحديث، عن التزام واضح بمنطق الحكمة الاستراتيجية واحترام الشرعية الدولية واعتماد الحوار والتعاون الإقليمي كمدخل أساسي للاستقرار والتنمية المشتركة.

    لقد استطاع المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أن يؤسس لنموذج دبلوماسي متوازن يجمع بين الدفاع الصارم عن المصالح العليا للوطن وبين اعتماد رؤية عقلانية بعيدة المدى تقوم على الشراكة والتعاون جنوب-جنوب والانفتاح الاقتصادي المتعدد الأبعاد.

    ومن هذا المنطلق، فإن الزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا لا يمكن اختزالها في بعدها البروتوكولي أو الثنائي فقط، بل تمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة تموقع المغرب داخل التوازنات الدولية الكبرى، باعتباره فاعلًا إقليميًا مستقرا، وشريكًا موثوقًا للقوى العالمية، وصاحب مشروع حضاري وتنموي متكامل تقوده المؤسسة الملكية برؤية استراتيجية متبصرة.

    إنها زيارة تعكس مكانة المغرب الجديدة في العالم، وتؤكد أن المملكة أصبحت اليوم قوة إقليمية وازنة، قادرة على فرض احترامها الاستراتيجي والدبلوماسي، بفضل حكمة قيادتها، وصلابة مؤسساتها، ووضوح رؤيتها المستقبلية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “الاستقرار الاستراتيجي البناء”… كإطار جديد للعلاقات الأمريكية-الصينية: قراءة تحليلية

    عزالدين سر

    جاءت زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة إلى الصين لتكشف عن تحول عميق في العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، والتي مرت بعدة مراحل من الشد والجدب، خلال أكثر من نصف قرن، استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيات مختلفة، بين ما هو اقتصادي وعسكري ودفاعي وتجاري، تراوحت بين الفشل والنجاح المحدود، وتبقى أهمها “استراتيجية الاحتواء” (Containment Strategy) التي حالت دون تمدد الصين في محيطها الإقليمي، إضافة إلى “استراتيجية الغموض الاستراتيجي” (Strategic Ambiguity Strategy) في ملف تايوان من خلال منع ضم الصين لتايوان، وتني هذه الأخيرة عن الاستقلال.

    فرغم كل المحاولات الاستراتيجية المتعددة المستويات التي وظفتها واشنطن، نجحت بيجين في أن تصبح قوة اقتصادية وتجارية، تقف ندا للند أمام القوة الأمريكية، التي أدركت أن الصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة يمكن احتواؤها أو الحد من توسعها عبر الأدوات التقليدية التي استُخدمت سابقاً مع الاتحاد السوفيتي، كما يرى ذلك “هنري كيسنجر” (Henry Kissinger) فإن العلاقة مع الصين يجب أن تدار وفق مبدأ التوازن لا المواجهة، مع عدم جعل الصين عدوا مفترضا بل شريكاً تجارياً، كما يرى كذلك، أن الصراع الأمريكي الصيني لا يمكن أن يصل إلى مستوى الصراع والتنافس الصفري، إذ لا يمكن احتواء الصين كما تم احتواء الاتحاد السوفيتي، لأن الأولى، تمثل حضارة ضاربة جدورها في التاريخ، ولها اقتصاد مؤثر على المستوى العالمي، وقدرة تكنولوجية في تصاعد مهم، والثانية، هي مجموعة جمهوريات جمعتها الإيديولوجية المتمثلة في الاتحاد السوفياتي.

    وكرد على مختلف الاستراتيجيات التي نهجتها واشنطن مند عقود في علاقاتها مع الصين، فقد وضع الرئيس الصيني لأول مرة العلاقة بين البلدين، في إطارها الجديد، عندما وصفها ب”الاستقرار الاستراتيجي البناء” (Constructive strategic stability)، وذلك لمنع أي خطوة أمريكية فيما يتعلق بملف تايوان، والرسوم الجمركية، والنزاعات الإقليمية، والقيود التكنولوجية، هذا الإطار الجديد يشكل تحولا مهما عن مصطلح “المنافسة الاستراتيجية” (Strategic Competition) الذي استخدمه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

    ويقوم “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، باعتباره الإطار الجديد للعلاقات الصينية الأمريكية، على أربع دعامات، منها الاستقرار الإيجابي القائم على التعاون، والاستقرار السليم القائم على التنافس المنضبط، والاستقرار الطبيعي القائم على التحكم في الخلافات، والاستقرار المستدام القائم على التطلع نحو السلام. هذا التموضع الجديد، سيسمح للقوتين من تدبير جميع التوترات التي يمكن أن تخرج عن السيطرة، وسيجعل من الاستقرار بمثابة الوضع الطبيعي في تلك العلاقات، التي تطال تداعياتها مختلف دول العالم.

    فالصراع والتنافس بين القوتين، أضحى استراتيجي وتكنولوجي واقتصادي أكثر منه إيديولوجي، فالصين تعمل باستراتيجية طويلة النفس، تقوم على التوسع الاقتصادي الهادئ، وتعزيز النفوذ الجيوسياسي، من خلال مبادرة “الحزام والطريق” (Belt and Road Initiative)، و”منظمة شنغهاي للتعاون” (SCO) وتجمع البريكس (BRICS)، وكذلك التخلي التدريجي عن اعتماد الدولار الأمريكي، وتعويضه بالعملة الصينية اليوان (Chinese Yuan) في المبادلات التجارية الدولية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فتعمل باستراتيجية الحسم السريع، ولهذا بدأت في الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة إدارة التوازن الاستراتيجي، بما يحفظ تفوقها الدولي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

    ومن بين الملفات الإقليمية والدولية التي تستأثر باهتمام القوتين النوويتين، ملف تايوان والنزاع الأمريكي الإيراني والتوتر بمضيق هرمز، والأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى القضايا التجارية والاستثمارية بين البلدين، وكذلك التكنولوجيا والمعادن النادرة والرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات.

    الملف الإيراني والتوتر بمضيق هرمز:

    بعد السيطرة على النفط الفنزويلي، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على النفط الإيراني والتحكم في مضيق هرمز، باعتباره ممرا حيويا للطاقة والتجارة، فالصين تستورد عبره نحو 80% من احتياجاتها المتعلقة بالطاقة، منها نحو 5.4 ملايين برميل نفط من إيران ودول الخليج، وتمر من خلاله 60% من تجارتها البحرية، واستمرار إغلاق هذا المضيق باعتباره شريان اقتصادي عالمي، يشكل تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني، كما امتدت تداعياته لمختلف دول العالم، إضافة إلى الأسمدة والمعادن النادرة، التي تمر منه، علما أن تغيير مسار الملاحة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وكذلك المضاربات، مع العلم أن ارتفاع الأسعار لا يتأثر فقط بتوقف وتعطيل الإمدادات، بل بمجرد التنبؤ بحدوث اضطراب على مستوى العرض والطلب.

    ولاعتبار الصين الدولة الأكثر قدرة على التأثير في الموقف الإيراني، ربما وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى طلب تعاون بيجين من أجل احتواء التصعيد في الشرق الأوسط، من خلال هذه الزيارة، باعتبار الصين الشريان الاقتصادي الأهم للنظام الإيراني، من خلال الدعم التقني والعسكري، والمالي من وراء شرائها للنفط الإيراني، في ظل العقوبات الغربية، فضلا عن التقارب السياسي والثقافي الذي يجعل النموذج الصيني أقل إثارة للحساسية الإيرانية مقارنة بالنموذج الغربي. ما وفر لطهران موارد مالية ساعدتها على الصمود اقتصاديا، وهي نفس الاستراتيجية التي اعتمدتها الصين للحصول على المزيد من الطاقة الروسية، ما منح موسكو قدرة أكبر في مواجهة تلك العقوبات الغربية المفروضة عليها، وتمويل حربها في أوكرانيا.

    فهل توظف الصين ملف التعاون في مضيق هرمز كورقة تفاوضية مع واشنطن في ما يتعلق بملف تايوان، خاصة بعد صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة وتايوان؟

    تايوان وأزمة الرقائق الإلكترونية:

    في خضم هذا الصراع تبرز تايوان، كفاعل مهم في التوازنات الدولية الراهنة، والتي تحولت إلى شريان استراتيجي، من خلال التحكم بجزء مهم من الاقتصاد الرقمي على المستوى العالمي، بوجود أكبر شركة عالمية “تي إس إم سي” (TSMC) لإنتاج الرقائق الإلكترونية المتطورة، بأكثر من 60%، منها 90% أكثر تطورا، والتي تدخل في الصناعات العسكرية وتكنولوجيا الجيل الخامس، بما فيها الذكاء الاصطناعي والطائرات الحربية، والسيارات الكهربائية والذاتية القيادة.

    لهذه الاعتبارات ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن أي سيطرة محتملة للصين على تايوان، ستشكل تهديدا مباشرا للتفوق الأمريكي-الأوروبي في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة المستقبلية، في المقابل فإن بيجين تعتبر قضية تايوان، تمس جوهر السيادة الوطنية ووحدة الدولة الصينية، وتنظر للدعم الأمريكي للجزيرة بمثابة محاولة استراتيجية لتطويق ومنع صعود الصين كقوة أولى عالميا، دون الانجرار إلى حرب مباشرة، ستكون لها كلفة اقتصادية وعسكرية ضخمة على العالم بأسره، لذلك تسعى واشنطن إلى بناء توازن دقيق يقوم على احتواء المنافسة ومنع تحولها إلى صدام مفتوح، كما أشار لذلك “هنري كيسنجر”، بضرورة إدارة ملف تايوان بحذر شديد وأن أي خطأ يشوب هذا الملف المعقد سيفضي بالنتيجة إلى حرب نووية لا يمكن إيقافها، وكل هذا يوحي إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت بأن الصين باتت تعد قطب عالمي، لا يمكن إيقافه مهما فعلت، بالتالي يجب التعامل معها بوصفها شريكا تجاريا واستراتيجيا.

    الصراع على المعادن النادرة:

    فالصراع الأمريكي الصيني لم يعد يقتصر على الرقائق الإلكترونية، بل امتد إلى حرب المعادن النادرة، التي أصبحت تمثل العمود الفقري لصناعات المستقبل، كالبطاريات والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، وتقنيات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الطاقات المتجددة. وتسيطر الصين على معظم تلك المعادن النادرة، وأيضا على سلاسل التوريد والتكرير والمعالجة الصناعية، وهو ما منحها ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، أصبحت توظفها في مواجهة الضغوط الغربية كما جاء ذلك في تقرير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS) الأخير، الذي يؤكد هيمنة الصين الشبه كاملة على سلاسل القيمة المرتبطة بالمواد الخام الحرجة، والتحكم الانتقائي في الصادرات وتقييد التراخيص، التي تستعملها في جمع المعطيات المتعلقة بشبكة الصناعات الغربية، بالمقابل فالولايات المتحدة الأمريكية حسب ما جاء في التقرير الاستراتيجي للأمن القومي لسنة 2025، تضع الطاقة في قلب مشروعها لاستعادة التفوق الاقتصادي والصناعي، وتعزيز قدرتها على الردع، داخليا لإعادة التصنيع، ودعم الطبقة الوسطى، والحفاظ على التفوق التكنولوجي، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية المستهلكة بشكل كبير للطاقة، وخارجيا بوصفها أداة نفوذ دولي، حيث يعاد توظيف صادرات الطاقة الأمريكية لتعميق الشراكات مع الحلفاء، وتقليص اعتمادهم على الخصوم، ومنعهم من السيطرة على أسواق الطاقة أو استخدام الموارد كسلاح سياسي ولا سيما في أوروبا وآسيا.

    مستقبل العلاقات في ظل التطورات الجيوسياسية

    في ظل التطورات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وبحر الصين الجنوبي وأمريكا اللاتينية، وسيطرة الولايات المتحدة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة العالمية، ومع اعتماد الصين في تدفقات الطاقة والتجارة الدولية على تلك الممرات والمناطق، فإن هذا التشابك يجعل من الصعب على أي طرف تجاهل الآخر أو السعي إلى عزله بالكامل، كما أكد ذلك الزعيم الصيني، عندما وصف الزيارة بأنها “تاريخية”، قائلاً إن “النهضة العظيمة للأمة الصينية” وشعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” يمكن أن يمضيا جنباً إلى جنب، وأضاف أن العلاقات الصينية الأمريكية هي “أهم علاقات ثنائية في العالم”، لأنها تمس رفاه البلدين، البالغ عدد سكانهما 1.7 مليار نسمة، ومصالح أكثر من 8 مليارات شخص في العالم.

    إن الإطار الجديد للعلاقات الأمريكية-الصينية لا يعني نهاية الصراع على قيادة النظام الدولي، بل يشير إلى تحوله من صراع إيديولوجي مباشر إلى تنافس استراتيجي واقتصادي وتكنولوجي طويل الأمد. إنه تنافس تحكمه البراغماتية والواقعية الدولية، فكل طرف يسعى إلى تعظيم مصالحه مع تجنب كلفة المواجهة المباشرة، وهو ما ظهر من خلال استحضار الرئيس الصيني مصطلح “فخ توسيديديس” (Thucydides Trap) بقوله أن السؤال الرئيسي بالنسبة للبلدين هو ما إذا كان بإمكانهما تجنب هذا الفخ، أي الصدام التقليدي بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة تخشى فقدان نفوذها، وهو مفهوم مستوحى من الصراع بين أثينا الصاعدة وإسبرطة المهيمنة في اليونان القديمة.

    وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن الصين تواصل تطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية بوتيرة متسارعة، بنجاحها في بناء آلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUVs)، لإنتاج رقائق أشباه الموصلات المتطورة التي تشغل الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، رغم القيود الغربية المفروضة عليها، والتي ظلت لسنوات محتكرة للرقائق الإلكترونية. ما يجعل من الزيارة الأخيرة بمثابة هدنة مؤقتة ضمن صراع استراتيجي طويل الأمد بين أكبر قوتين اقتصاديتين، خاصة بعد زيارة الرئيس الروسي لبيجين، والتي جاءت مباشرة بعد تلك التي قام بها الرئيس الأمريكي، وقد يشكل مشروع أنبوب الغاز “قوة سيبيريا 2” (Power of Siberia 2 Gas Pipeline) الذي سيربط روسيا بالصين، بديلا استراتيجيا، بعيدا عن الأزمات التي تشهدها المضايق التقليدية، كمضيق هرمز.

    ختاما، فإن “الاستقرار الاستراتيجي البناء”، باعتباره الإطار الجديد للعلاقات الأمريكية – الصينية، يوحي بأن العالم يعيش مرحلة انتقالية تاريخية، تؤشر بإعادة تشكيل موازين القوى، نحو نظام متعدد الأقطاب، ستتضح ملامحه بشكل كبير، في المستقبل القريب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أين ذهبت فلسطين..؟


    محمد بودويك

    في مَعْمَعان ما يجري، في تضارب الأحداث والمصالح والأطماع، واختفاء الطيور بعد احتلال السماء، وانهيار القيم الكونية، والدوس على القوانين الدولية والحقوق الإنسانية. في المزاجية “البرتقالية” التي تنقلب على نفسها ولونها الوهّاج عشرات المرات في اليوم، مستضيفةً لرجال ونساء الإعلام من كل مِلَّةٍ وعِلَّةٍ، مُعَمَّرةً بهم أبهاءَ وأرجاءَ “البيت الأبيض” الذي من فرط بياضه يذكُر بالكفن، حيث تُكَفَّن الحقائق والوقائع الفاقعة، وتضيع المصداقية صباحَ مساءَ، تلك التي تكشف عن هُذاءٍ وهذيان، وظَمَإٍ لا يرتوي إلى البطش والإجرام في حق بلدان لا ذنب لها سوى أنها لم تنبطح لأوامر وإملاءات “البرتقالي”، ولم تهتدِ بهديه، وتخضع لطلباته وجنونه، وفي مقدماتها: ترك إسرائيل، ترك الصهيونية العالمية تفعل ما تريد، تعيث فسادًا في الأرض لتُطَهِّرَها من “الأشرار”، وتحوز ما تبغي وتشتهي من أصغر “بوصة” إلى امتلاك القنبلة النووية؛ لأنها محاطةٌ ومسوَّرةٌ بـ”الهمج” مصاصي الدماء، في ظن ومنطق أمريكا.

    لم يشهد العالم من زمانٍ رئيسًا شرسًا لا يَرْعَوي في الإفتاء والإملاء بالقتل والسَّحْل، والإفناء والإبادة، وتسوية الحضارات المتجذِّرة المُنِيفة بالأرض وبالحجارة في رَمْشة عينٍ.. في أقلَّ ما يأتيه به الهُدْهُدُ من خبرٍ يقين.

    لم يعد خافيًا أن اللوبي الصهيوني وَالِغٌ ومُتَوَغِّلٌ ومُتَغَوِّلٌ في الولايات المتحدة الأمريكية. سيدٌ في البيت الأبيض، وفي الكونغرس الأمريكي والبرلمان، وفي الجامعات، والإعلام والمؤسسات المختلفة، ومديرٌ مُدَبِّرٌ لأهوال التكنولوجيا الماحقة. وإذا كانت الزعامات الرئاسية السابقة هناك تتخذ شيئًا من الحذر والحيطة، استحضارًا لأوقيةٍ من الضمير والإنسانية، وهي تقدّم العلفَ الدَّسِمَ لإسرائيل على مدار زمنية توطينها وإنباتها في خاصرة الشرق الأوسط على حساب شعب عربي هُجِّرَ واقْتُلِعَ وطُوِّحَ به إلى الشتات والضياع، فإن الزعيم الأزعَمَ والأعظم تجاوز كل الأعراف والقيود والحدود في الإفتاء المَرْضِي، والإلغاء السَّرَطاني، والتهديد والوعيد بمحو الشعوب والثقافات والحضارات في وقت وجيز، أوجز من سرعة الصوت.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ويبدو لي أن الهجمة الشرسة على إيران، في خضم المفاوضات التي كانت تجري على قدم وساق، ولَمَّا تَنْتَهِ، برعاية من حكومة سلطنة عُمان، وكانت تقترب من الحل النهائي أو ما يوحي بالحل، كانت بإيعاز من نتنياهو الذي وجد استجابة فورية من زعيم الكون الجديد، في رَمْي بلاد فارس بحجارة من سِجِّيلٍ، بل بما لا يخطر على البال، ولا تترجمه اللغة – لغتنا في الأقل. ولا أستبعد مطلقًا – وتلك بُغْيَةُ اليمين الصهيوني المتطرف – أن يكون الإسراع بالرجم والهَجْم إلهاءَ الرأي العام العربي والعالمي، وإبعادهما عن متابعة ما يجري ويُحيق بأطفالنا ونسائنا وشيوخنا ورجالنا في فلسطين، بالضفة الغربية وقطاع غزة، من مَحْقٍ وسَحْقٍ يوميٍّ بإطلاق عيون المُسَيَّرات القاتلة التي تحصد ظلَّ بل جسدَ وروحَ كل من ارتابت في أمره، واعتبرته مقاومًا أو مساندًا لما بقي من مقاومة. والحال أن أمريكا وإسرائيل، ومن لَفَّ لَفَّهما، نجحا في محاصرة إبلاغات ما يجري في غزة والضفة من تجريف وتجويع وتعطيش وقتل.

    وفي الصور اليتيمة الآن التي تظهر متباعدة في التلفزيونات العربية، ما يُدْمي القلبَ والفؤاد، ونحن نرى أطفالاً عُراةً أو شبه عُراة، حُفاةً يمشون فوق المياه المتجمعة من أمطار دَكَّتْ خيامهم دَكًّا، وأغرقت متاعهم وأشلاءَ أشيائهم، صُفْرَ الوجوه، شاحبيها، مخطوفي الأجساد والبُنيان. وأمهاتٍ ذَبُلْنَ من التحديق في الفراغ، والتحديق في فلذات أكبادهن يَنْهَشُهم السَّغَب، ويُمْحِلُهم العطش والمرض. والحال أن أنظمة عربية بأعيانها تنظر وتراقب المشهد المأساوي الأليم بعيون من زجاج، وقلوب لا دَمَ فيها، وضمير معطَّل. أعينٌ تنظر المجريات وهم على مَرْمَى حَجَرٍ من سماء وأرض فلسطين. فهل ذهبت فلسطين، وأريد للتاريخ والثقافة والحضارة الفلسطينية أن تُوأَدَ وتُقْبَرَ بالنسيان والتناسي، وتَهْجِيجِ الإعلام الموظَّف والمخدوم للتركيز على جهات أخرى وأمصار أخرى، كـ”فنزويلا” و”إيران”، وغدًا: جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، وفي السويد، وكندا، وبناما، وسواها؟ أمْ لم يعد هناك ما يُسمَّى: مجلس أمن، ولا جمعية أمم متحدة، ولا جامعة عربية، ولا إسلامية، ولا.. ولا. لم يعد سوى أعظم العظماء، بل أعْظَمَ العظماء: ترامب البرتقالي، والمجرم النازي نتنياهو؟

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مِنَصّةُ الكَلَامِ


    عبد الفتاح لحجمري
    قبْلَ أن يبدأ التّصْفيق

    في كلِّ مرَّةٍ شَاءَ القَدرُ أن أحضرَ مُؤتمرًا، أكتشفُ أن القدر نفسه يملكُ حسًّا ساخرًا لا بأس به. أدخلُ القاعة فأجدُ المنظمين قد أعدّوا كلّ شيء بعِنَاية: لافتة ضخمة، أسماء لامعة، كلمات ترحيبية، وماءً موضوعًا أمام المتحدثين كما لو أن الحقيقة ستخرج بعد الرّشفة الثالثة. ثمّ تتوَالى العِبَارات كأن المتحدثين يلقون تعاويذ رسمية تكفي وحدها لتحريك الواقع من مكانه. غير أن الواقع، لسوء حظه أو لسوء حظنا، لا يهتز كثيرًا للتصفيق، ولا ينهض لمجرد أن أحدهم ذكره في كلمة افتتاحية، ولا يتحوّل إلى مشروع لأن متحدثًا قال بثقة: “نحن أمام لحظة تاريخية”.

    مؤتمراتُنا التي تنتهي عند بابِ القَاعة

    تبدأ بعض مؤتمراتنا كما تبدأ العروض المسرحية الفاخرة: أضواء محسوبة، منصة أنيقة، لافتة ضخمة، كلمات معلقة في الهواء مثل: التنمية المستدامة، الابتكار، الشراكات، التحول الرقمي، الاقتصاد المعرفي. كل شيء يوحي بأن حدثًا استثنائيًا سيقع. غير أن المتابع الحصيف يكتشف سريعًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل المؤتمر، وإنما في نجاحه الشكلي؛ نجاح يلمع في الصور، ويخفت في الواقع، ويغادر القاعة قبل أن يبدأ السؤال الجادّ. لذلك، في كثير من مؤتمراتنا، لا تنطلق الحكاية من سؤال علمي واضح، ولا من أزمة تنتظر حلًا، ولا من مشروع يبحث عن شركاء حقيقيين. تنطلق من الملصق. ملصق أنيق، عنوان ضخم، شعار مؤسسة، اسم راعٍ رسمي، وبعض أسماء يعرف أصحابها بعضهم منذ ندوات سابقة وصفت هي الأخرى نفسها بالواعدة، والناجحة، والفاتحة لآفاق جديدة.

    ثم يأتي يوم الافتتاح. القاعة مضاءة، الكراسي مصطفة، قنينات الماء فوق الطاولات، والميكروفونات تستعد لاستقبال البلاغة. يبدأ التصفيق قبل الفكرة، وتسبق عبارات الشكر أي نقاش، وتستحوذ المجاملات على الوقت، ثم يطلب المنظمون من الباحثين الاختصار لأن البرنامج حافل بالعروض القيّمة. عندها نفهم أن المؤتمر لا يزدحم بالأفكار، وإنما يزدحم بالكلمات الافتتاحية. يتحدث الجميع عن المستقبل كأن المستقبل موظف ينتظر خارج القاعة ليوقع محضر الحضور. نسمع عن ربط الجامعة بالمقاولة، وعن أهمية البحث العلمي، وعن موقع العالم العربي في التحولات الكبرى. كلام واسع، ناصع، مطمئن، يصلح لأي بلد، وأي زمن، وأي موضوع. غيّرْ عنوان الندوة فقط، واتركْ الجُمَل كما هي؛ ستُؤدي مهمّتها الخطابية بكفاءة عالية. غير أن السّؤال الذي يربك هذه الطمأنينة يبقى بسيطًا وقاسيًا: ماذا يحدث بعد التصفيق؟ هل خرج طالبٌ بفكرة تغني بحثهُ؟ هل وقّعت جامعة اتفاقًا قابلًا للتنفيذ؟ هل انتقل بحث واحد من رفوف المختبر إلى مصنع؟ هل تحولت مداخلة إلى برنامج تكوين، أو حلٍّ ميداني، أو سِياسة عُمومية؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} حين تتحول المعرفة إلى مناسبة بروتوكولية

    لا نعاني من نقص في المؤتمرات. نعاني من وفرةٍ لا تتركُ أثرًا. لدينا لجان علمية، ولجان تنظيمية، ولجان استقبال، ولجان تواصل، ونادرًا ما نجد لجنة واحدة تعود بعد ستة أشهر لتسأل: ماذا تحقَّق؟ من نفذ؟ من تابع؟ من تعثر؟ من حاسب؟ نعرف كيف نفتتح بالترحيب، ونعرف كيف ننهي بالشكر، ونفشل غالبًا في تحويل ما بينهما إلى فِعْل. لذلك تنتهي مؤتمرات كثيرة قبل أن تبدأ. تنتهي حين يتحول هدفها من إنتاج المعرفة إلى إنتاج الحَدث، ومن مساءلة الواقع إلى تزيين الواجهة. بعد ذلك تأتي اللحظة المقدسة في كل مؤتمر: الصُّورة الجماعية. تلك اللقطة التي لا يترك لها أحد مجالًا للفشل. يُعَدِّلُ المشاركون ستراتهم، يرتّب المنظمون الصفوف، يعود الغائبون من استراحة القهوة، يرفع الواقفون في الخلف رؤوسهم، ويبتسم الجالسون في الأمام كأنهم خرجوا لتوِّهِم من معركة ناجحة ضد التَّخلف العلمي. لا توثق الصورة الإنجاز دائمًا؛ كثيرًا ما تُعوّض غيَابه. في الصورة، يتساوى من أعدَّ بحثًا جادًا مع من حضر نِصْف جَلسة، ومن ناقش فكرة مع من انتظر شهادة المُشاركة، ومن جاء ليبني شراكة مع من جاء ليظهر في المنشور. الجميع شركاء في النّجاح البَصري. لا أحد يسأل: ماذا أنجزتم؟ يكفي أن يرى المتابع الوجوه مصطفة أمام اللافتة ليطمئن أن شيئًا كبيرًا قد حدث. ثم تبدأ دورة الحياة الرقمية للمؤتمر. ينشر فريق التواصل الصورة على الصفحة الرسمية، فتنهال تعليقات من نوع: “هنيئًا”، “مزيدًا من التألق”، “نشاط متميز”، “إشعاع أكاديمي مشرف”. عبارات تبارك الشكل أكثر مما تحتفي بالفكرة، وتحتفي بالظهور أكثر مما تسأل عن الأثر. ينتقل المؤتمر من القاعة إلى المنشور، ومن المنشور إلى ذاكرة قصيرة، ثم يختفي تحت صور مؤتمر آخر، بوجوه متقاربة، وشعارات متشابهة، ووعود مألوفة. ولا يكتمل هذا الطقس دُون البيان الختامي. هناك، يعلن المنظمون أن الندوة شكلت مناسبة مهمة لتبادل الخبرات، ودعت إلى تعزيز التعاون، وفتحت آفاقًا واعدة، وأكدت ضرورة تفعيل الشراكات. عبارات ناعمة، مطمئنة، لا تجرح أحدًا ولا تلزم أحدًا. تشبه قهوة الاستراحة: يستهلكها الحاضرون بسُرعة، تترك أثرًا خفيفًا، ثم تختفي.

    والأطرف أن هذه الخلاصات تتحدث بنبرة المنتصرين: “اختتمت الندوة أشغالها بالتأكيد على أهمية…” كأن التأكيد إنجاز قائم بذاته، وكأن قول الشيء يعادل فعله، وكأن التنمية المستدامة تنتظر جملة رنانة كي تتحقق. نكتب: تعزيز التعاون، دعم الشراكات، فتح الآفاق، خدمة التنمية المستدامة. نكتب كل شيء، ولا نلتزم بشيء. نفتح باب المستقبل بعبارة إنشائية أنيقة، لا بخطة عمل، ولا بميزانية، ولا بمؤشرات قياس.

    المؤتمرات التي تنتهي عند التصفيق لا تبدأُ أصلًا

    لا يحتاج كل مؤتمر إلى ثورة صناعية أو اختراع عالمي. المطلوب أبسط وأشدّ جدِّية: أن نعرف لماذا اجتمعنا، وماذا قرّرنا، ومن سيفعل ماذا، ومتى، وبأي موارد، وكيف سنقيس التقدم. تبدو هذه الأسئلة في بعض مؤتمراتنا كأنها إفساد لأناقة الخطاب، مع أنها تمثل الحد الأدنى من الاحترام للعقل، وللوقت، وللمال، وللناس. لا ينتهي المؤتمر الحقيقي بالتصفيق. يبدأ بعده. يبدأ حين تتحول التوصيات إلى ملفات عمل، والشراكات إلى عقود أو برامج، والبحوث إلى تطبيقات، والنقاشات إلى قرارات. أما المؤتمر الذي يغلق أبوابه عند البيان الختامي، فيظل مناسبة لغوية موسمية، ينتج الارتياح أكثر مما ينتج المعرفة. مشكلتنا لا تكمن في عقد المؤتمرات. تكمن في الخلط بين المؤتمر والإنجاز، بين الحضور والتأثير، بين النية والفعل، بين البيان والخُطة. التصفيق لا يخلق معرفة، والصورة لا تصنع تنمية، والكلمات الكبرى لا تعالج العجز اليومي حين تظل مُعلقة فوق المنصة. قد تنجح مؤتمراتنا أحيانًا لأنها منظمة بإتقان: اللافتات في مكانها، الكراسي في مكانها، الشواهد جاهزة، عبارات الشكر محفوظة، والصورة واضحة. غير أن هذا الإتقان نفسه قد يخفي الفراغ.

    كل شيء يحضر، ما عدا السؤال الحاسم: ماذا بعد؟

    لذلك، قبل أن نعقد مؤتمرًا جديدًا، علينا أن نسأل عن المؤتمر السابق: ماذا تحقق من وعوده؟ من تبنّى توصياته؟ من عرقلها؟ ما الذي دخل مرحلة التنفيذ؟ وما الذي ظل كلامًا أنيقًا في ملف بارد؟ هذه الأسئلة لا تعادي العِلْم، ولا تفسد بهجة اللقاءات، ولا تقلل من قيمة الباحثين. هذه الأسئلة وحدها تحمي المؤتمرات من أن تتحول إلى ديكور مؤسسي جميل، بلا أثر حقيقي.

    لا يفضحُ المؤتمر خُصومه، وإنما يفضحُه اليومُ التالي. في اليوم التالي تختبر الوعود صدقها، وتكشف الصور حدودها، وتظهر قيمة الكلمات أو هشاشتها. وحين لا نجد مشروعًا، ولا متابعة، ولا أثرًا، نعرف أننا لم نكن أمام حدث علمي، وإنما أمام طقس أنيق لإدارة الفراغ. نلتقي، نتكلم، نصفق، نلتقط الصورة، نكتب البيان، ثم نمضي إلى نسيان جديد. وبعد أشهر نعود إلى القاعة نفسها تقريبًا، لنفتح الآفاق نفسها، ونعلن النجاح نفسه، ونُؤجِّل الفعل نفسه.

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب قوة ذكية


    إدريس القري
    في قلب التحولات الدولية: المغرب قوة إقليمية ذكية داخل عالم متعدد الأقطاب تمهيد

    دخل العالم بعمق اليوم مرحلة انتقالية عميقة، تتراجع فيها الأحادية القطبية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، في الوقت الذي تتشكل فيه بالتدريج ملامح نظام دولي أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة والنفوذ. وتدفع هذه التحولات مختلف الدول إلى إعادة تعريف مصالحها وتحالفاتها وأدوارها، داخل بيئة دولية مضطربة تتداخل فيها الحروب والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي والثقافة والصراع على النفوذ.

    وتكشف التطورات التي تعرفها أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن العالم لم يعد يتحرك وفق يقين سياسي واحد أو مركز قيادة أوحد، بل أصبح العالم مفتوحاً اليوم على توازنات جديدة وصراعات مرنة وتحالفات متحركة. وفي قلب هذه التحولات تبرز المملكة المغربية باعتبارها واحدة من أكثر النماذج الإقليمية قدرة على التكيف الذكي مع التحولات الكبرى، دون السقوط في الارتباك أو في التبعية أو في وضعية المغامرة غير المحسوبة.

    يعود ذلك إلى تراكم رؤية استراتيجية طويلة النفس، وإلى اعتماد سياسة خارجية واقعية ومتوازنة، وإلى استثمار ناجحٍ للجغرافيا وللتاريخ وللاستقرار المؤسسي، وإلى الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والأمنية الملكية البعيدة النظر.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} عالم يتغير بسرعة

    تعيش أوروبا منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية الجارية، واحدة من أعقد مراحلها السياسية والاقتصادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد عادت أسئلة الأمن والطاقة والحدود والهوية لتفرض نفسها بقوة على المشروع الأوروبي، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية وخارجية تقلص قدرتها على التحكم المنفرد في مسارات النظام العالمي.

    وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، في الوقت الذي تسعى فيه روسيا إلى إعادة تثبيت حضورها الجيوسياسي، بينما تتحرك قوى أخرى مثل الهند وتركيا والبرازيل والسعودية، من أجل بناء مواقع أكثر استقلالية داخل التوازنات الدولية الجديدة.

    يشير هنري كيسنجر إلى أن “النظام الدولي لا يستقر إلا عندما تنجح القوى الكبرى في بناء توازن قابل للاستمرار” (Henry Kissinger, World Order). كما يؤكد صامويل هنتنغتون أن “الصراعات المقبلة ستكون مرتبطة بالثقافات والهويات بقدر ارتباطها بالمصالح السياسية” (Samuel Huntington, The Clash of Civilizations).

    وتجعل هذه التحولات من الذكاء الاستراتيجي عنصراً حاسماً في بقاء الدول وصعودها، وهو ما تبدو المملكة المغربية واعية به بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة.

    المغرب ومنطق الدولة الهادئة

    تبني المملكة المغربية موقعها الدولي وفق منطق الدولة الهادئة، التي تتحرك بثقة وواقعية بعيداً عن الشعبوية السياسية وعن الخطابات العدائية المتهورة. فهي لا تدخل في صدامات عبثية، ولا تستهلك طاقتها في معارك إعلامية فارغة، بل تركز على بناء التراكمات الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسساتية، التي تضعها على طريق القوى الاقتصادية والسياسية الصاعدة.

    نجحت المملكة المغربية خلال العقد الأخير في تطوير شبكة واسعة من العلاقات الدولية المتوازنة، تجمع بين الشراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والانفتاح على الصين وروسيا والهند وأفريقيا والخليج.

    وتستفيد المملكة المغربية علاوة على ذلك من موقعها الجغرافي الفريد بين أوروبا وأفريقيا والأطلسي والمتوسط، كما تستفيد من استقرارها السياسي ومن قدرتها على لعب أدوار الوساطة والتنسيق الأمني في الهجرة والطاقة.

    ويؤكد برتران بادي أن “الدول الذكية ليست بالضرورة الأقوى عسكرياً، بل الأكثر قدرة على تحويل الجغرافيا والدبلوماسية إلى نفوذ فعلي” (Bertrand Badie, Le Temps des Humiliés). ، لذا تبدو المملكة المغربية اليوم قريبة من هذا النموذج في إدارة علاقاتها الدولية.

    قضية الصحراء المغربية

    تشكل قضية الصحراء المغربية المحور الأساسي داخل العقيدة الدبلوماسية المغربية، وقد شهد هذا الملف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة لصالح الموقف المغربي.

    فقد تمكنت المملكة المغربية من إقناع عدد متزايد من الدول بجدية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما شهدت مدينتا العيون والداخلة افتتاح قنصليات لدول أفريقية وعربية وأجنبية عديدة في دلالة سياسية واضحة على التحول الذي تعرفه المواقف الدولية.

    ويحمل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء أهمية استراتيجية خاصة، بالنظر إلى ثقل الولايات المتحدة داخل النظام الدولي. كما ساهمت الدبلوماسية المغربية في نقل الملف من منطق الجمود إلى منطق المبادرة السياسية والتنموية.

    ويقول الملك محمد السادس: “قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم” (محمد السادس، خطاب ثورة الملك والشعب). يكشف هذا التصور عن مركزية القضية الوطنية داخل الرؤية الاستراتيجية المغربية.

    كما تربط المملكة المغربية بين الدفاع السياسي عن الصحراء وبين الاستثمار الاقتصادي والتنموي داخل الأقاليم الجنوبية، من خلال مشاريع الموانئ والطاقة والبنية التحتية والربط الأفريقي الأطلسي الاستراتيجي.

    الخليج والشرق الأوسط

    تعرف منطقة الخليج والشرق الأوسط، بدورها، تحولات متسارعة بفعل التوترات المرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، وما تخلقه من مخاوف أمنية واقتصادية واستراتيجية كبرى وخطيرة.

    وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تفكير العديد من دول الخليج في طبيعة تحالفاتها التقليدية، وفي حدود الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية. لذلك تتجه هذه الدول نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية.

    تستفيد المملكة المغربية من هذه التحولات عبر تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري والسياسي داخل الفضاء الخليجي، مع الحفاظ على قدر من الاستقلالية في مواقفها الدبلوماسية.

    كما تظهر المملكة المغربية كدولة مستقرة ومعتدلة، قادرة على بناء التوازنات والحفاظ على قنوات الحوار مع أطراف متعددة، وهو ما يمنحها مكانة متزايدة داخل المنطقة من المنظور الاستراتيجي.

    أفريقيا كأفق استراتيجي

    أدركت المملكة المغربية مبكراً أن أفريقيا ستكون إحدى أهم ساحات النمو والتأثير خلال العقود المقبلة، لذلك جعلت القارة محوراً مركزياً في استراتيجيتها الخارجية.

    عززت المملكة المغربية في هذا السياق حضورها البنكي والاستثماري والطاقي والديني والثقافي، داخل عدد كبير من الدول الأفريقية، كما شكلت عودتها إلى الاتحاد الأفريقي خطوة استراتيجية مهمة في إعادة تموقع المملكة قارياً.

    يحمل مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري، من جهة أخرى، دلالات جيوسياسية واقتصادية كبرى، لأنه يربط غرب أفريقيا بالفضاء الأطلسي والأوروبي، ويمنح المملكة المغربية موقعاً متقدماً داخل خرائط الطاقة المستقبلية.

    ويؤكد جيفري ساكس أن “أفريقيا ستكون أحد أهم فضاءات النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين” (Jeffrey Sachs, The End of Poverty) . تبدو المملكة المغربية واعية بهذا التحول، لذلك فهي تراهن على بناء شراكات طويلة النفس داخل القارة.

    القوة الناعمة

    لا تبني المملكة المغربية نفوذها عبر الاقتصاد والأمن والدبلوماسية فقط، بل إنها تراهن أيضاً على القوة الناعمة من خلال الثقافة والفنون والسياحة والرياضة والتعدد اللغوي والديني.

    وقد ساهمت صورة المملكة المغربية كفضاء للاستقرار والانفتاح في تعزيز جاذبيتها الدولية، كما لعبت المهرجانات الثقافية والسينما والرياضة والسياحة – موازين، مهرجان مراكش الدولي للفيلم، مهرجان فاس للموسيقى الروحية… إنجازات الفرق الوطنية لكرة القدم عالميا … إشعاع مدينة مراكش عالميا …. – دوراً مهماً في بناء حضورها الرمزي.

    يحمل تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال دلالات تتجاوز الرياضة، نحو ترسيخ صورة المملكة المغربية كفاعل متوسطي وأفريقي قادر على التنظيم والانفتاح والاستثمار في المستقبل.

    يقول جوزيف ناي إن “القوة الناعمة تجعل الآخرين يريدون ما تريده أنت دون إكراه مباشر” (Joseph Nye, Soft Power). وتستثمر المملكة المغربية هذا البعد بشكل متزايد ضمن استراتيجيتها الدولية.

    خاتمة

    لا يخلو المسار المغربي من تحديات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية تحتاج إلى إصلاحات عميقة ومتواصلة، غير أن ما يميز التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة هو قدرتها على التفكير الاستراتيجي الطويل النفس، وعلى تحويل الأزمات الدولية إلى فرص لإعادة التموضع والتوسع.

    وتبدو المملكة المغربية اليوم أكثر إدراكاً لحقيقة العالم الجديد الذي يتشكل أمامها، عالم لا يرحم الدول المرتبكة أو المنغلقة أو العاجزة عن التكيف. لذلك تواصل المملكة بناء موقعها الإقليمي والدولي بهدوء وبثقة، مستفيدة من التحولات الدولية بدل الارتهان لها.

    قد لا تصبح المملكة المغربية قوة عظمى بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك فرصاً حقيقية لتصبح قوة إقليمية ذكية ومؤثرة داخل أفريقيا والفضاء المتوسطي والأطلسي، وهي مكانة بدأت ملامحها تتشكل بالفعل داخل النظام العالمي الجديد، من خلال كل المبادرات البنيوية الملكية التي تدخل عقدها الثالث في التغلغل والثبات الاستراتيجي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مأساة نظام الطيبات


    عبدالاله الرضواني
    حين يتحول طبيب إلى دجال غذائي

    ما يحدث اليوم مع ما يسمى بـنظام الطيبات، وليس له من الطيبات الا الاسم، لم يعد مجرد موضة غذائية غريبة أو اجتهاد شخصي قابل للنقاش، بل تحول إلى ظاهرة خطيرة تهدد الصحة العامة بشكل مباشر. نحن أمام خطاب يلبس لباس الحقيقة العلمية المخفية، بينما هو في الواقع خليط من الجهل العلمي، والتناقضات الصارخة، والاستغلال النفسي للمرضى واليائسين.

    يقوم هذا النظام على فكرة عبثية مفادها أن أغلب الأطعمة الأساسية التي يستهلكها البشر منذ قرون أصبحت سموماً يجب التخلص منها. فيمنع أتباعه من استهلاك الدجاج، والبيض، والحليب ومشتقاته، بل وحتى الخضر، بحجة أن الخضر لا تُهضم جيداً وأنها تتلف الأمعاء. ادعاءات تصطدم بشكل مباشر مع عشرات الدراسات السريرية والأبحاث الحديثة في التغذية، التي تؤكد الدور الأساسي للخضر والفواكه والألياف الغذائية في الوقاية من أمراض القلب، والسكري، واضطرابات الجهاز الهضمي، وحتى بعض أنواع السرطان. العالم كله اليوم يتحدث عن أهمية الألياف الغذائية ودورها في تحسين صحة الميكروبيوم المعوي (مجموع الكائنات المجهرية التي تعيش في الأمعاء الغليضة) وتنظيم السكر في الدم وتقليل الالتهابات، بينما يأتي هذا النظام ليقنع الناس بأن السلطة والخضر خطر على الإنسان!

    لكن المفارقة المضحكة، والمبكية في نفس الوقت، أن هذا النظام، الذي يشن حرباً على البيض والخضر والحليب، يسمح في المقابل باستهلاك النوتيلا، والمربى، والسكر، والعصائر التجارية المليئة بالسكر المضاف والمواد المصنعة. أي منطق هذا؟ كيف أصبحت الخضر خبائث، بينما تحولت المنتجات فائقة التصنيع والغنية بالسكر إلى طيبات؟ إنه تناقض يكشف بوضوح أن الأمر لا يتعلق بعلم أو تغذية أو صحة، بل بخطاب شعبوي عاطفي قائم على الصدمة والإثارة ونظريات المؤامرة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    صحيح أن بعض الأشخاص يصرحون بأنهم شعروا بتحسن بعد اتباع هذا النظام، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن النظام صحيح علمياً أو صحي على المدى البعيد. ففي كثير من الحالات، قد يكون الأمر مجرد تأثير الدواء الوهمي (ِEffect Placebo)، وهي ظاهرة معروفة علمياً تجعل الإنسان يشعر بتحسن لأنه مقتنع بأنه وجد العلاج المعجزة. وفي حالات أخرى، قد يكون التحسن حقيقياً لكنه ببساطة ناتج عن استبعاد بعض الأطعمة التي كانت تؤجج أعراضاً معينة لدى بعض الأشخاص، مثل بعض اضطرابات الجهاز الهضمي أو حالات عدم التحمل الغذائي.

    والأكثر إثارة للسخرية هو الكم الهائل من القصص المعجزاتية التي انتشرت حول هذا النظام على مواقع التواصل الاجتماعي. فجأة تجد شخصاً يقول إنه كان يعاني من عرق النسا، والقولون العصبي، وارتجاع المريء، وآلام المفاصل، والصدفية، والسكري، وربما الاكتئاب والأرق وتساقط الشعر أيضاً، وإنه زار عشرات الأطباء لسنوات طويلة دون أي فائدة، وتناول أدوية لا حصر لها بلا نتيجة… ثم، وبقدرة نظام الطيبات الخارقة، اختفت كل هذه الأمراض في أقل من أسبوع، وأصبح إنساناً جديداً. بعض الشهادات بلغت مستوى من المبالغة يكاد يحول الموضوع إلى كوميديا سوداء. فهناك من يتحدث وكأنه اكتشف إكسير الشباب، مدعياً أنه عاد عشرين سنة إلى الوراء، أو أن بشرته أصبحت متوهجة، وطاقته لا تنتهي، وذاكرته خارقة، وحياته انقلبت رأساً على عقب بعد أيام قليلة فقط من اتباع النظام.

    المشكلة أن هذه القصص تُقدَّم للناس وكأنها أدلة علمية، بينما هي في الحقيقة مجرد شهادات فردية عاطفية لا تملك أي قيمة علمية حقيقية. فالتحسن المؤقت، أو التغير النفسي، أو تأثير الحماس الجماعي، أو حتى التقلب الطبيعي لبعض الأمراض المزمنة، كلها أمور معروفة طبياً ويمكن أن تجعل الشخص يعتقد أنه شُفي، خصوصاً عندما يكون مقتنعاً مسبقاً بأنه وجد الحل السحري الذي أخفاه العلماء.

    ولو كانت القصص الشخصية دليلاً علمياً حقيقياً، لكان علينا أن نصدق كل من يدعي أنه شفي بالحجامة، أو بالطاقة، أو بالأحجار، أو بأي خرافة أخرى تجد دائماً من يقسم أنها غيّرت حياته. لكن الطب لا يُبنى على الانبهار والقصص المؤثرة، بل على الدراسات المحكمة، والتجارب السريرية، والنتائج القابلة للتكرار.

    غير أن تحويل هذه الحالات الفردية إلى نظرية صحية شاملة هو قفزة خطيرة وغير علمية. لأن الحل لا يكون بتدمير التوازن الغذائي وإقصاء مجموعات غذائية أساسية بالكامل، مثل الخضر، والحليب ومشتقاته، والبيض، وغيرها من الأغذية الغنية بالبروتينات، والفيتامينات، والمعادن، والألياف. فمثل هذه الحميات الإقصائية قد تؤدي مع الوقت إلى نقص غذائي خطير واضطرابات أكثر تعقيداً من المشكلة الأصلية نفسها.

    وبحكم عملي أستاذاً باحثاً في علوم الطب الحيوي، واشتغالي منذ سنوات على أمراض الأيض مثل السكري، والسمنة، ومرض الكبد الدهني، فقد أثارت انتباهي منذ البداية الأخطاء العلمية الكثيرة التي كان يروج لها المرحوم الدكتور ضياء العوضي. لم تكن مجرد اختلافات بسيطة في الرأي أو اجتهادات قابلة للنقاش، بل أحياناً ادعاءات تناقض بشكل مباشر أبسط المبادئ المعروفة في علم وظائف الأعضاء والاستقلاب.

    من بين أكثر الأمثلة إثارة للصدمة ادعاؤه أن حقن الغلوكوز عبر الوريد لا يرفع مستوى السكر والأنسولين في الدم مقارنة بتناول السكر عن طريق الفم. وهو ادعاء لا أساس له من الصحة علمياً، بل يتعارض مع عقود طويلة من الأبحاث والدراسات السريرية في مجال السكري والاستقلاب. والأدهى أنني لم أحتج سوى بضع دقائق فقط للعثور على عدد كبير من الدراسات العلمية المنشورة التي تدحض هذا الكلام بشكل واضح وصريح.

    فارتفاع السكر في الدم بعد الحقن الوريدي للغلوكوز حقيقة بيولوجية أساسية تُدرَّس لطلبة الطب، بل إن اختبار تحمل الغلوكوز الوريدي (Test de tolérance au glucose par voie intraveineuse) يُستخدم منذ عقود في الأبحاث الطبية لدراسة إفراز الأنسولين ووظيفة خلايا البنكرياس. صحيح أن تناول السكر عن طريق الفم يؤدي عادة إلى إفراز أنسولين أكبر بسبب ما يعرف بتأثير الإنكريتينات (Incretin effect)، هرمونات تنتجها خلايا الأمعاء استجابة للاكل وتحفز انتاج الانسولين، لكن هذا لا يعني إطلاقاً أن الغلوكوز الوريدي لا يرفع السكر أو الأنسولين في الدم، كما تم الترويج له بشكل مضلل.

    المؤسف أن كثيراً من الناس يصدقون مثل هذه الادعاءات فقط لأن شخصاً يتحدث بثقة أمام الكاميرا قالها، دون الرجوع إلى المصادر العلمية أو أهل الاختصاص. والأسوأ أنني سمعت بعض أتباع هذا الخطاب يرددون هذه المعلومات الخاطئة على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها حقائق علمية مطلقة، وهو ما يعكس حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عندما تتحول الثقة العمياء إلى بديل عن العلم والمعرفة.

    الأخطر من ذلك كله أن صاحب هذا النظام، الراحل الدكتور ضياء العوضي، لم يكن مختصاً في التغذية أصلاً، بل طبيب تخدير وإنعاش. وهو تخصص محترم ومهم، لكنه لا يمنح صاحبه سلطة علمية لإعادة كتابة علم التغذية أو نسف عقود من الأبحاث السريرية والتوصيات الصادرة عن أكبر الهيئات الصحية في العالم.

    لكن الكارثة الحقيقية لم تكن فقط في الترويج لحمية غير متوازنة، بل في الخطاب المعادي للطب نفسه. ففي فيديوهات كثيرة، أنكر الدكتور العوضي وجود أمراض معروفة علمياً مثل السرطان، والسكري، والفشل الكلوي، واعتبرها مجرد أعراض أو أوهام ناتجة عن أسلوب الحياة والغذاء. الأخطر أن عدداً كبيراً من أتباعه أعادوا تكرار نفس الكلام على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنهم يرددون عقيدة مقدسة لا تقبل النقاش.

    بل وصل الأمر ببعضهم إلى إعطاء نصائح لمرضى السكري من النوع الأول بالتوقف عن استعمال الأنسولين. وهذه ليست نصيحة غذائية يمكن الاختلاف حولها، بل حكم بالإعدام على هؤلاء المرضى. لأن مريض السكري من النوع الأول لا يستطيع العيش دون أنسولين، والتوقف عنه قد يؤدي خلال ساعات أو أيام إلى الحماض الكيتوني السكري، ثم الغيبوبة، ثم الوفاة.

    وقد خرجت بالفعل شهادات عديدة لأطباء مستعجلات وعناية مركزة في مصر تحدثوا فيها عن حالات غيبوبة ومضاعفات خطيرة ووفيات مرتبطة بتوقف بعض المرضى عن تناول أدويتهم تحت تأثير هذا الخطاب العبثي. وهنا لا يعود الأمر مجرد حرية رأي، بل يتحول إلى تهديد مباشر لحياة البشر.

    لقد نجح الدكتور العوضي في بناء جزء كبير من شعبيته عبر استغلال عقلية المؤامرة المنتشرة في مجتمعاتنا. فقد أقنع كثيرين بأن الطب الحديث كذبة، وأن شركات الأدوية تتآمر على البشر، وأن الأطباء والعلماء يخفون الحقيقة عن الناس. وهذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ فهي السلاح المفضل لكل مروجي العلوم الزائفة عبر العالم، لأن نظرية المؤامرة تمنح الإنسان شعوراً زائفاً بأنه من القلة المستيقظة التي اكتشفت الحقيقة المخفية.

    والمفارقة المؤلمة أن الدكتور العوضي نفسه انتهى إلى مواجهة مشاكل مهنية وقانونية خطيرة بسبب أفكاره وممارساته المناقضة للطب والعلم. فقد تم تجريده من رخصة مزاولة مهنة الطب وتشميع عيادته، وهي خطوة ليست بالأمر الهيّن أبداً في أي نظام طبي أو قانوني. فتجريد طبيب من حق ممارسة المهنة لا يحدث بسبب اختلاف بسيط في الرأي، بل عندما تعتبر الجهات المختصة أن ممارساته تشكل خطراً على المرضى وعلى أخلاقيات المهنة.

    كما أن حالته الصحية ومظهره الجسدي في سنواته الأخيرة أثارا الكثير من التساؤلات، وكان واضحاً من شحوب وجهه ووضعه الصحي المتدهور أن الصورة المثالية التي كان يسوقها عن نظامه الغذائي لم تكن تنعكس حتى على صاحبه.

    إن أخطر ما أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط انتشار المعلومات الزائفة، بل خلق وهماً خطيراً مفاده أن سنوات البحث العلمي والخبرة الطبية يمكن اختصارها في فيديوهات قصيرة مليئة بالصراخ ونظريات المؤامرة.

    نعم، التغذية الحديثة فيها مشاكل، والصناعات الغذائية تتحمل جزءاً من مسؤولية انتشار السمنة والأمراض المزمنة، لكن مواجهة هذه المشاكل لا تكون بالقفز من العلم إلى الخرافة، ولا باستبدال أخصائي التغذية ببائع الوهم.

    إن الفرق بين العلم والدجل بسيط جداً: العلم يراجع نفسه عندما يخطئ… أما الدجل فلا يخطئ أبداً.

    إقرأ الخبر من مصدره