سامي المودني
أتاح لي برنامج الزيارات الرفيعة للاتحاد الأوروبي(EUVP) ، الذي شاركت فيه خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 12 دجنبر 2025، فرصة نادرة للنفاذ إلى الكيفية التي تبنى بها المواقف داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفهم منطق اشتغالها في تدبير علاقاتها مع الشركاء، وفي مقدمتهم المغرب. وقد شكلت اللقاءات التي جمعتني بمسؤولين داخل المفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي، وجهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي (EEAS)، مناسبة لكشف طبقات متعددة من التفكير الأوروبي، بعضها معلن وبعضها غير مصرح به، لكنها تلتقي جميعا عند معادلة مركزية: العلاقة مع المغرب تدار بمنطق معياري دقيق، يحضر فيه احترام حقوق الإنسان كمؤشر لقياس الشراكة، وكآلية لإعادة ضبط موازين الشراكة في لحظات التفاوض.
تقدير أوروبي للاستقرار المغربي
وكان لافتا أن أغلب المسؤولين الأوروبيين الذين التقيت بهم لا ينظرون إلى المغرب بوصفه حالة أزمة في ملف حقوق الإنسان. بل على العكس، يسود داخل عدد من الدوائر الأوروبية تقدير واضح للاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة، وللأشواط التي قطعتها في البناء المؤسساتي والإصلاحات الدستورية والتشريعية. وينظر إلى المغرب، مقارنة بجواره الإقليمي، كبلد يتمتع بوجود تماسك مؤسساتي يسمح بتدبير الاختلافات دون الانزلاق نحو الفوضى أو الانغلاق. ولهذا، يعتبر بعض المسؤولين الأوروبيين أن ملف حقوق الإنسان “ليس حاضرا بقوة” في الأجندة الأوروبية تجاه الرباط، ليس لغيابه، بل لأن السياق المغربي يفرض مقاربة أقل حدة مما هو معمول به مع دول أخرى.
غير أن هذا التقدير الإيجابي لا يعني بأي حال رفع المغرب من دائرة التقييم. فخلال عدد من النقاشات، كان واضحا أن الاتحاد الأوروبي يحتفظ بحق “الإنذار المبكر”، كلما اعتبر أن هناك اختلالات أو تجاوزات قد تسجل بين الفينة والأخرى. ويجري التعامل مع هذه الحالات باعتبارها غير ممنهجة، لكنها مع ذلك تدرج ضمن منطق المراقبة المستمرة الذي يحكم علاقة بروكسيل بجوارها الجنوبي. فالمغرب، من وجهة نظر أوروبية، شريك متقدم، لكن هذه الصفة لا تفهم فقط كامتياز سياسي أو اقتصادي، بل كالتزام دائم بالانسجام مع المنظومة القيمية التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي، وهي منظومة حقوق الانسان باعتبارها كونية وشاملة.
ويبرز هنا بوضوح أن “الوضع المتقدم”، الذي حصل عليه المغرب سنة 2008، لم يعد مجرد إطار للتعاون، بل أصبح أداة معيارية تستخدم لتقويم الأداء التشريعي والسياسي. فالشراكة المتقدمة، في العقل الأوروبي، تعني شريكا مطالبا بالارتقاء الدائم إلى مستوى هذه الصفة، خصوصا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وحرية التعبير، واستقلالية المؤسسات. وهذا ما يفسر استمرار حضور هذا الملف في خلفية العلاقة، حتى في الفترات التي تطغى فيها ملفات أخرى أكثر إلحاحا.
المغرب والاتحاد الأوروبي والمعايير البيئية
غير أن المنطق المعياري الأوروبي لا يقتصر على البعد الحقوقي وحده. فإلى جانب حقوق الإنسان، يبرز تدريجيا بعد معياري جديد آخذ في الترسخ داخل السياسات الأوروبية، يتمثل في المعايير البيئية والانتقال الأخضر. إذ يتجه الاتحاد الأوروبي إلى إدماج أدوات مثل آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) ضمن سياسته التجارية، بما يجعل احترام المعايير البيئية جزءا من “المسطرة المعيارية” التي تقاس بها جودة الشراكات. وهذا التطور مرشح لأن ينعكس مستقبلا على العلاقة مع المغرب، ليس فقط من زاوية الامتثال التقني، بل باعتباره عنصرا جديدا لإعادة تعريف شروط النفاذ إلى السوق الأوروبية، وتوسيع مجال التفاوض من الحقوق السياسية إلى الاستدامة البيئية والانتقال الطاقي.
الهجرة هاجس بروكسيل الأول
ومن بين الملفات التي تفرض نفسها بقوة في العلاقة مع الرباط، يبرز ملف الهجرة باعتباره الهاجس الأول لدى الاتحاد الأوروبي. فمن الواضح أن مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي تعيش ضغطا داخليا متزايدا بسبب تدفقات الهجرة غير النظامية، وما تفرزه من توترات سياسية واجتماعية داخل الدول الأعضاء.
وفي هذا السياق، ينظر إلى المغرب كشريك لا غنى عنه في ضبط الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، واستباق الأزمات الإقليمية. هذا الدور يمنح الرباط هامشا تفاوضيا مهما، ويجعلها فاعلا مركزيا في الاستراتيجية الأوروبية الجديدة للهجرة، بما ينعكس مباشرة على موازين القوة داخل الشراكة الثنائية.
وتتداخل هذه العناصر وهي الاستقرار السياسي، الدور المحوري في ملف الهجرة، التقدم المؤسسي، والحضور الاقتصادي المتنامي، في إنتاج مقاربة أوروبية مزدوجة تجاه المغرب: خطاب إيجابي يعترف بخصوصية النموذج المغربي، يقابله توظيف حذر للملف الحقوقي كآلية ضبط في لحظات التوتر أو إعادة التفاوض. وهي ازدواجية لا تعكس بالضرورة تناقضا، بقدر ما تعكس براغماتية أوروبية تسعى إلى الموازنة بين القيم والمصالح.
الاتحاد الأوروبي: فضاء متعدد الأصوات
يجب التأكيد في ذات السياق، على أن الاتحاد الأوروبي ليس كتلة صماء، بل فضاء مؤسساتي متعدد الأصوات. فهناك فرق ملحوظ بين البيروقراطية الرزينة للمفوضية الأوروبية، التي تميل إلى مقاربة هادئة وبراغماتية تراكم الملفات وتدير الشراكات على المدى المتوسط والطويل، مع حرص واضح على الاستقرار والتوازن، وبين البرلمان الأوروبي الذي يظهر في كثير من الأحيان كـ”مسرح سياسي” صاخب، تتحكم فيه حسابات داخلية، وحساسيات إيديولوجية، وضغوط لوبيات، ما يجعل ملف حقوق الإنسان أحيانا أداة للمواجهة الرمزية أو للتعبئة السياسية أكثر منه أداة تدبير مؤسساتي.
ورغم هذا التباين، فإن إدارة ملف حقوق الإنسان لا تتم فقط عبر المواقف العلنية أو القرارات السياسية، بل من خلال آليات مؤسساتية منظمة. فقد أكدت اللقاءات مع مسؤولين معنيين بالعلاقات الخارجية واللجان المختصة أن المغرب يظل من بين الدول التي يجري معها الاتحاد الأوروبي حوارا رسميا ومغلقا حول حقوق الإنسان، وفق خطوط توجيهية دقيقة. وينظر إلى هذه الحوارات كفضاء مفضل لمعالجة الملفات بشكل توافقي بعيدا عن منطق الضغط الإعلامي، وهو ما يعكس اعترافا أوروبيا بخصوصية الحالة المغربية، وبأهمية الحفاظ على توازن دقيق بين الشراكة والمصالح.
التضليل يعيد تعريف الشراكات
في المقابل، لا ينفصل النقاش الحقوقي الأوروبي عن التحولات العميقة التي يعرفها الفضاء العمومي الرقمي. فقد كشفت اللقاءات التي أجريتها والمتعلقة بمحاربة التضليل الإعلامي عن قلق أوروبي متزايد من استخدام المعلومات كسلاح استراتيجي، خاصة في سياق الحرب الروسية – الأوكرانية.
وينظر اليوم إلى الفضاء الرقمي باعتباره ساحة صراع حقيقية، تستهدف الثقة في المؤسسات، وتغذي الاستقطاب، وتؤثر في العمليات الانتخابية. وقد قدمت خلال هذه اللقاءات معطيات دقيقة تظهر حجم التحدي، من بينها أن أكثر من ربع الأوروبيين يتعرضون بشكل يومي أو شبه يومي لمعلومات مضللة، وأن نسبة الذين يتحققون من صحة الأخبار لا تتجاوز 18 في المائة.
هذا الانشغال الأوروبي بالتضليل لا يبقى معزولا عن الشراكة مع المغرب. بل أصبح تقييم الشركاء يشمل أيضا قدرتهم على تحصين المجال العام، وجودة إعلامهم، ونجاعة آلياتهم في مواجهة الأخبار الزائفة. وهو ما يفتح أمام الرباط مجالا جديدا للتعاون، قائما على تقاطع المصالح في حماية الاستقرار.
المغرب شريك لا غنى عنه
في هذا السياق المعقد، يبدو أن المغرب يدير علاقته المعيارية مع الاتحاد الأوروبي بمقاربة مزدوجة: دفاع واضح عن السيادة ورفض أي منطق وصاية، مقابل انخراط في الحوار الحقوقي باعتباره فرصة لتحسين الممارسات وتصحيح الصور النمطية. وهذه القدرة على الجمع بين منطق السيادة ومنطق الإصلاح تظل إحدى نقاط قوة الدبلوماسية المغربية في محيط إقليمي مضطرب.
ويبقى أن الاتحاد الأوروبي نفسه لا يتحدث بصوت واحد. فداخل مؤسساته تتعايش رؤى مختلفة: من يعتبر المغرب شريكا مستقرا ينبغي عدم إثقاله بانتظارات معيارية مبالغ فيها، ومن يتبنى مقاربة أكثر صرامة ترى أن التقدم الاقتصادي والاستراتيجي يجب أن يوازيه تقدم حقوقي مماثل. غير أن ما يجمع هذه الرؤى، رغم اختلافها، هو الاعتراف بأن المغرب فاعل لا غنى عنه في استقرار جنوب المتوسط، وأن الملفات الكبرى من التجارة إلى الطاقة، ومن الهجرة إلى الأمن ومحاربة الإرهاب، لا يمكن تدبيرها دون المملكة المغربية.
إن ما تكشفه التجربة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي هو أن العلاقات المغربية – الأوروبية انتقلت من شراكة تقنية إلى علاقة تفاوضية معيارية، تتقاطع فيها القيم مع المصالح. وفي هذا السياق، لم تعد حقوق الإنسان مجرد مبدأ أخلاقي، بل عنصرا من عناصر القوة الناعمة الأوروبية. وفي المقابل، أصبح المغرب يتعامل مع هذا البعد بثقة أكبر، لا كمتلق للمعايير، بل كشريك يفاوض حولها، ويعيد تأطيرها بما ينسجم مع خصوصيته السيادية.
وفي نهاية المطاف، يظل مستقبل “الوضع المتقدم” وتطويره مستقبلا رهينا بقدرة الطرفين على تحويل حقوق الإنسان من مصدر توتر إلى فضاء تعاون مؤسسي ناضج، قائم على الثقة والاحترام وفهم السياقات. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يبحث عن شراكة قائمة على الاستقرار، فإن المغرب يقدم نموذجا واقعيا لإمكانية الجمع بين الإصلاح والسيادة، وبين الانفتاح والمصلحة الوطنية. وهنا تحديدا يتبلور الرهان الحقيقي: شراكة استراتيجية قادرة على تجاوز منطق الضغط الظرفي، وبناء قواعد تعاون جديدة تعكس العمق الذي بلغته العلاقة المغربية – الأوروبية.
* صحافي وباحث في الإعلام وحقوق الإنسان