يستعد المغرب، خلال ربيع سنة 2026، لاحتضان واحدة من أضخم المناورات العسكرية متعددة الجنسيات في القارة الإفريقية، ويتعلق الأمر بتمرين “African Lion 2026” الذي تقوده الولايات المتحدة بشراكة وثيقة مع القوات المسلحة الملكية. هذا التمرين، الذي أصبح موعداً سنوياً قاراً منذ أزيد من عقدين، يتجاوز هذه السنة طابعه التدريبي التقليدي ليشكّل مختبراً ميدانياً لاختبار عقيدة أمريكية جديدة في القتال البري، قوامها الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة في شكل أسراب، والروبوتات العسكرية، وأنظمة القيادة الشبكية.
ووفق المعطيات المتوفرة، ستُجرى نسخة 2026 من “الأسد الإفريقي” في الفترة الممتدة من 20 أبريل إلى 8 ماي، بعدد من المناطق المغربية، من بينها طانطان، وأكادير، وتارودانت، والقنيطرة، وبنجرير، ما يعكس الامتداد الجغرافي الواسع للتمرين وتنوع البيئات العملياتية المختبرة، من الساحل إلى العمق القاري.
ويمثل المغرب في هذا السياق شريكاً محورياً، ليس فقط من حيث الاستضافة، بل أيضاً على مستوى التخطيط والتنفيذ المشترك. إذ تشارك القوات المسلحة الملكية بشكل فعّال في جميع مراحل الإعداد، بما يعزز موقعها كفاعل مركزي في الترتيبات الأمنية الإقليمية، ويكرّس مكانة المملكة كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في شمال إفريقيا.
من الجانب الأمريكي، تشرف على التخطيط والقيادة قيادة المهام البرية الأمريكية لأوروبا الجنوبية وإفريقيا (SETAF-AF)، التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (USAFRICOM). وتضطلع هذه البنية بدور أساسي في تنسيق انتشار القوات البرية الأمريكية بالقارة، خاصة في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتزايد الاهتمام الأمريكي بإفريقيا كمجال تنافس استراتيجي.
وستشارك في هذه النسخة، على وجه الخصوص، اللواء 173 المحمول جواً، المعروف بلقب “Sky Soldiers”، والذي يُعد من أكثر الوحدات الأمريكية جاهزية وانتشاراً السريع. ويُنتظر أن تختبر هذه الوحدة، إلى جانب نظيراتها المغربية والدولية، مفاهيم قتالية جديدة تقوم على الدمج بين الإنسان والآلة، وعلى الاستخدام المكثف للتقنيات الرقمية في إدارة المعركة واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي.
وكانت مدينة أكادير قد احتضنت، ما بين 8 و12 دجنبر 2025، اجتماع التخطيط المتوسط (Mid Planning Event)، الذي جمع أزيد من 250 مخططاً عسكرياً وممثلاً عن مؤسسات دفاعية وصناعية، إلى جانب ضباط من القوات المسلحة الملكية. وقد خُصص هذا الاجتماع لوضع اللمسات الأخيرة على السيناريوهات العملياتية والترتيبات اللوجستية، تمهيداً لإطلاق أكبر تمرين عسكري بالقارة الإفريقية.
ويُعد قلب تمرين “African Lion 2026” عبارة عن تمرين قيادة وأركان واسع النطاق، يهدف إلى اختبار قدرة قيادة SETAF-AF على إدارة عمليات معقدة متعددة الجنسيات، في بيئة تتسم بالتشويش المعلوماتي، والتهديدات غير المتكافئة، وتسارع وتيرة المعركة.
وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى “الأسد الإفريقي 2026” كمجرد مناورة عسكرية، بل كرسالة استراتيجية مزدوجة: من جهة، تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات الأمريكية وشركائها، وعلى رأسهم المغرب؛ ومن جهة أخرى، استشراف ملامح الحروب البرية المستقبلية، حيث تتداخل التكنولوجيا المتقدمة مع القرار العسكري، في سياق أمني عالمي شديد التقلب.