مركزية المختص التربوي في ظل الإصلاحات التربوية الجديدة بالمغرب – من النصوص إلى التمكين الفعلي

Écrit par

dans

عزيز الوصيف

ملخص

يشهد النظام التربوي المغربي تحولاً بنيوياً عميقاً تجلى في صدور المرسوم رقم 2.24.140 (23 فبراير 2024) الذي أعاد هيكلة الموظفين إلى خمس هيئات، وجعل من إطار المختص التربوي أحد الأطر الأساسية ضمن هيئة التربية والتعليم (المادة 10). كما تزامن هذا التحول مع إطلاق خارطة الطريق 2022-2026 الرامية إلى “مدرسة عمومية ذات جودة”، وبرامج طموحة مثل “إعداديات الريادة” (المذكرة 138×24) ومشروع المؤسسة المندمج (المذكرة 014-24)، واستراتيجية الأنشطة الموازية كأحد المكونات الأساسية للإصلاح. يستعرض هذا المقال الإطار القانوني والمرجعي للمختص التربوي، محدداً مهامه المركزية في المواكبة التربوية والتوثيق، والإشراف على المختبرات والمكتبات، والمشاركة في الأنشطة التربوية والموازية (المادة 15 من المرسوم 2.24.140). كما يبرز المقال موقع المختص التربوي داخل منظومة مشروع المؤسسة وفلسفة التقييم الذاتي (دليل الحياة المدرسية)، ويناقش ضرورة التمكين الفعلي للمختصين عبر التكوين المستمر، والتقييم المبني على الأثر، والانخراط في البرامج الإصلاحية الكبرى. ويخلص إلى دعوة صريحة لصناع القرار من أجل استثمار حقيقي في هذه السلك المهني الناشئ.

في إطار تنزيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 والقانون الإطار 51.17، صادقت الحكومة المغربية على خارطة طريق 2022-2026 التي تركز على ثلاثة أهداف استراتيجية: مضاعفة نسبة المتعلمين المتحكمين في التعلمات الأساس، تقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الأنشطة الموازية لتشمل نصف عدد التلاميذ. وتتجسد هذه الأهداف في 12 التزاماً ملموساً و20 برنامجاً تحويلياً (الإطار الإجرائي 2024-2025).

وفي صميم هذه الدينامية الإصلاحية، جاء المرسوم رقم 2.24.140 ليعيد تعريف هوية ومهام المختص التربوي، منتقلاً به من منطق “الملحق التربوي” إلى “الموظف” صاحب وظيفة قارة ضمن هيئة التربية والتعليم. وهذا التحول القانوني لم يكن اعتباطياً، بل جاء ليلبي حاجة ملحة للمدرسة العمومية إلى مختصين قادرين على المواكبة، والتوثيق، والإشراف التقني، والتنشيط التربوي، في وقت تتجه فيه السياسات التربوية نحو اللامركزية، ومشروع المؤسسة، والتدبير بالنتائج.

يهدف هذا المقال إلى تحليل مركزية المختص التربوي في ضوء المراجع المرفقة (المرسوم 2.24.140، دليل الحياة المدرسية، خارطة الطريق، المذكرتين 014-24 و138×24، الإطار الإجرائي) مع تقديم دعوة مبنية على الأدلة من أجل تمكين حقيقي لهذه الفئة المهنية.

أولاً: المختص التربوي في التشريع الجديد – هوية لا غموض فيها

تخلص المادة 9 من المرسوم 2.24.140 إلى أن الموظفين يتكونون من خمس هيئات، من بينها هيئة التربية والتعليم. وتنص المادة 10 على أن هذه الهيئة تتألف من: أطر التدريس، إطار مستشار في التوجيه التربوي، إطار مختص تربوي، وإطار مختص اجتماعي. وبذلك، تكتسب هذه الفئة هوية قانونية مستقلة لا يمكن الخلط بينها وبين هيئة الإدارة التربوية والتدبير أو هيئة التفتيش.

أما المادة 13 فتنص على أن إطار المختص التربوي يتكون من ثلاث درجات: الثانية، الأولى، الممتازة. وهذا التدرج يفتح آفاقاً للترقي المهني وفق شروط محددة في المادة 50 (الاختيار أو امتحان الكفاءة المهنية).

المادة 15 هي جوهر المختص التربوي، وتنص على مهامه الأربع:

1. المواكبة التربوية والتوثيق.
2. الإشراف على المختبرات المدرسية.
3. الإشراف على المكتبات المدرسية.
4. المشاركة في الأنشطة التربوية والأنشطة الموازية المتعلقة بالمجال التربوي.

هذه المهام تجعل المختص التربوي فاعلاً محورياً في تنزيل ثلاثة من الالتزامات الـ12 لخارطة الطريق: الالتزام 3 (تتبع ومواكبة فردية للتلاميذ)، الالتزام 12 (أنشطة موازية ورياضية)، وأيضاً الالتزام 9 (مؤسسات مجهزة بالوسائل الرقمية) من خلال الإشراف على المكتبات والمختبرات كفضاءات رقمية

ثانياً: المختص التربوي في دليل الحياة المدرسية – التكامل مع الأنشطة ومشروع المؤسسة

يُعرِّف دليل الحياة المدرسية (صفحة 9) الحياة المدرسية بأنها “الحياة التي يعيشها المتعلمون في جميع الأوقات والأماكن المدرسية، قصد تربيتهم باعتماد جميع الأنشطة التربوية والتكوينية المبرمجة”. ويؤكد الدليل (صفحة 17-18) أن مشروع المؤسسة هو “الإطار المنهجي الموجه لجهود جميع الفاعلين التربويين”، و”الآلية العملية الضرورية لتنظيم وتفعيل مختلف الإجراءات التدبيرية والتربوية”.

المختص التربوي، بمهامه المذكورة في المادة 15، هو ركن أساسي في تنزيل مشروع المؤسسة، خاصة في محاوره الثلاثة (التلميذ، الأستاذ، المؤسسة). فهو يساهم في المواكبة الفردية للتلاميذ (معالجة صعوبات التعلم)، تأطير الأندية التربوية (صفحة 86-91 من الدليل)، تنشيط المكتبات والمختبرات (صفحة 74-75 من الدليل)، والمساهمة في الأنشطة الثقافية والفنية والإبداعية (صفحة 38-46 من الدليل).

كما أن الدليل (صفحة 58-62) يخصص فصلاً للموارد البشرية والمادية والمالية، ويشير إلى دور جمعية دعم مدرسة النجاح في تمويل الأنشطة، مما يقتضي من المختص التربوي أن يكون طرفاً فاعلاً في التعبئة الاجتماعية والشراكات، وهي مهمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالتمكين والتفويض ودعم القيادة المدرسية.

ثالثاً: برنامج “إعداديات الريادة” – مختص تربوي شريك أساسي

تحدد المذكرة 138×24 (18 مارس 2024) شروط تنزيل برنامج “إعداديات الريادة” برسم الموسم الدراسي 2025/2024، والذي يهدف إلى إحداث “دينامية جديدة يقودها الفاعلون في هذه المؤسسات”. وتنص المذكرة على أنه في إطار هذا البرنامج، يتم:
– تكوين مستشاري التوجيه والمختصين الاجتماعيين على المواكبة الشخصية (صفحة 2، الجدول الزمني – أبريل 2024).
– تفعيل خلايا اليقظة لتحديد التلاميذ المعرضين للهدر المدرسي (الجدول نفسه).
– إطلاق عرض الأنشطة الموازية والرياضية وتحديد الأساتذة المشرفين على أساس تطوعي.

أين موقع المختص التربوي هنا؟ في غياب نص صريح يذكره، فإن المواكبة التربوية والتوثيق، والإشراف على المكتبات والمختبرات، والمشاركة في الأنشطة التربوية، كلها تجعل المختص التربوي مرشحاً طبيعياً ليكون عضواً في: خلايا اليقظة، أندية الأنشطة الموازية، وأيضاً في لجان التتبع والتقييم. ولكن غياب ذكره صراحة؟!؟ في المذكرة يثير إشكالية
– التهميش التنظيمي الذي تتعرض له هذه الفئة بالرغم من مركزيتها القانونية.

هذا الغياب يطرح بقوة الحاجة إلى التمكين: فالمختص التربوي لن يؤدي دوره في إعداديات الريادة إلا إذا تم:
– تعيينه كلاعب رسمي في فرق القيادة (لجنة القيادة كما في المذكرة 014-24).
– تخصيص حصص تكوينية له حول مقاربات التدريس وفق المستوى المناسب )TaRL( والتدريس الناجع والمواكبة النفسية والاجتماعية.
– إدراجه في المنظومة المعلوماتية “مسار” ضمن مكون الأنشطة الموازية (كما هو موثق في دليل الاستعمال للمدير – الصفحات 6-8 من مكون الأنشطة الموازية).

رابعاً: مشروع المؤسسة المندمج – المختص التربوي في جوهر الحكامة

تنص المذكرة الوزارية 014-24 (بتاريخ 6 فبراير 2024) على أن مشروع المؤسسة المندمج هو “مجموع عمليات تنظيمية وتربوية وتدبيرية متكاملة ومنسجمة تتم برمجتها من طرف المؤسسة التعليمية وفق ميزانية مرصودة لبلوغ أهداف تربوية”. وتعتمد المذكرة منهجية DEPART (التشخيص، التخطيط، البرمجة، العمل، التقييم).

المختص التربوي، في هذا السياق، ليس مجرد منفذ، بل هو شريك في التشخيص (رصد الصعوبات والحاجيات)، شريك في التخطيط (بلورة مشروع المؤسسة)، مساهم في التنفيذ (المواكبة والأنشطة)، ومساهم في التقييم (التوثيق والتقارير). كما أن معايير التقييم الذاتي للمؤسسة (الملحق 1 من المذكرة 014-24، صفحة 7-12) تتضمن بنوداً تتعلق بـ:
– 3.4: توفير برامج للدعم الاجتماعي والصحي والنفسي.
– 4.5: توفير جلسات الإنصات والمواكبة للتلاميذ.
– 5.2: التواصل مع أولياء الأمور حول الغياب والسلوك.

هذه البنود هي ميدان طبيعي للمختص التربوي. غير أن المذكرة لم تذكر المختص التربوي صراحةً ضمن بنيات الحكامة (لجنة القيادة بالمؤسسة، اللجنة الإقليمية، اللجنة الجهوية – صفحة 4-5)، وهذا فجوة قانونية وتنظيمية يجب معالجتها من أجل تمكين المختصين.

خامساً: نظام التقييم والترقي – حافز للتمكين

تنص المادة 53 من المرسوم 2.24.140 على أن المختص التربوي يخضع لتقييم سنوي يتمحور حول: تنفيذ المهام، جودة الممارسات المهنية بما فيها استثمار التكوين المستمر، الالتزام بالضوابط المهنية، والانخراط في تنزيل مشروع المؤسسة. وتنص المادة 50 على أن الترقية من درجة إلى الدرجة الموالية تتم عن طريق الاختيار بنسب تصل إلى 36% (من الثانية إلى الأولى) و14% (من الأولى إلى الممتازة)، مع اعتماد النقطة المهنية المستمدة من تقييم الأداء.

هذا النظام يخلق منافسة إيجابية تشجع المختصين على التمكين الذاتي. لكن التمكين الذاتي وحده لا يكفي؛ بل يحتاج إلى:
– تكوين مستمر فعلي (ولفظي) ينص عليه البرنامج 15 من الإطار الإجرائي (صفحة 148-154) حول التنمية المهنية للأطر.
– مواكبة من المفتشين والمشرفين وفقاً للـ البرنامج 16 حول التكوين الأساس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين (صفحة 157-164).
– إتاحة فرص متكافئة للمختصين للاستفادة من عرض التكوين الموجه أصلاً للأساتذة والمفتشين.

سادساً: الحاجة إلى التمكين – دعوة مبنية على الأدلة

انطلاقاً مما سبق، يمكن تحديد أوجه القصور التي تعيق مركزية المختص التربوي:
1. غياب الذكر الصريح في بعض النصوص الإجرائية الرئيسية (كالمذكرة 138×24 والمذكرة 014-24).
2. ضعف التكوين الخاص بالمختصين في البرامج الإصلاحية الجديدة (مقاربات TaRL، التدريس الناجع، الأنشطة الموازية، اليقظة المدرسية).
3. عدم وضوح آليات الإشراف على المختصين في إطار مشروع المؤسسة والحكامة.
4. غياب نظام معلوماتي خاص بتوثيق المواكبة التربوية (بينما توجد منصة “مسار” للتدريس والتقييم).

وفي مقابل ذلك، هناك مؤشرات أمل:
– البرنامج 4 من الإطار الإجرائي (صفحة 44-57) حول الأنشطة الموازية، والذي يعتمد جمعيات “Têtes de réseaux” لمنح تكوين إشهادي للمنشطين، وهذه الجمعيات يمكن أن تكون شريكاً قوياً في تكوين المختصين.
– البرنامج 13 حول التربية الدامجة (صفحة 135-145)، وهو مجال حيوي يمكن للمختص التربوي أن يلعب فيه دوراً كبيراً في قاعات الموارد والتأهيل والدعم.
– البرنامج 5 حول ظروف الاستقبال بالمؤسسات (صفحة 60-78) والذي يتضمن تجهيز المختبرات والمكتبات، وهو من صميم مهام المختص التربوي.

لذلك، نوجه الدعوات التالية:

أولاً: للمسؤولين والقرارين

– مراجعة كل النصوص الإجرائية (دلائل، مذكرات، أطر مرجعية) لإدراج
– إطار مختص تربوي صراحةً مع تحديد مساهمته في كل برنامج.
– تخصيص محاور تكوينية ضمن البرنامجين 15 و16 خاصة بالمختصين التربويين، تشمل: تقنيات التوثيق، إدارة المكتبات وتصنيفها، صيانة المختبرات، تنشيط الأنشطة الموازية، آليات اليقظة والإنصات.
– ربط المسار المهني للمختص التربوي بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مع منح حوافز ترقية متميزة لمن يحقق نتائج ملموسة في تحسين التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي.
– تزويد المؤسسات التعليمية بعدد كاف من المختصين التربويين وفق حاجياتها (مختبرات، مكتبات، أندية)، وإدماجهم في لوحات القيادة الخاصة بالبرامج الاستعجالية (كرؤية 2030).

ثانياً: للمختصين التربويين أنفسهم

– المبادرة إلى التكوين الذاتي في المهارات الرقمية، والتوثيق الأرشيفي، وتنشيط الفرق.
– تشكيل شبكات مهنية على المستوى الإقليمي والجهوي لتبادل الخبرات والموارد، والمطالبة بحقوقهم المهنية بشكل مؤسس.
– توثيق كل الأنشطة التي يتم إنجازها ورفعها إلى الإدارة والمفتشين، لأن التوثيق هو سلاحك لإثبات الأثر.
– الانخراط بقوة في مشروع المؤسسة، وتقديم مقترحات مكتوبة، وحضور اجتماعات المجالس (مجلس التدبير، المجلس التربوي) بشكل منتظم، والمطالبة بتسجيل مداخلاتهم في المحاضر.
– الاستثمار في العلاقة مع الشركاء (جمعيات المجتمع المدني، الجماعات المحلية، مؤسسة محمد السادس للبيئة، جمعية INJAZ، جمعية “الصغار المبدعون”…) لدعم الأنشطة.

ثالثاً: للمفتشين ورجال التعليم

– اعتبار المختص التربوي شريكاً حقيقي، وإشراكه في الزيارات التأطيرية.
– المساعدة في بناء ملفات مهنية للمختصين تبرز إنجازاتهم وتؤهلهم للترقية.
– نقل المعرفة حول مقاربات التدريس (TaRL، التدريس الصريح) لأن المختص التربوي يحتاجها في المواكبة الفردية.

لقد أفرزت الإصلاحات التربوية الجديدة بالمغرب، بفضل المرسوم 2.24.140 وخارطة الطريق 2022-2026 والمذكرات التطبيقية، إطاراً قانونياً ومرجعياً يجعل من المختص التربوي فاعلاً مركزياً لا غنى عنه. غير أن المركزية القانونية تبقى نظرية إذا لم تواكبها إرادة سياسية للتمكين، وتفعيل حقيقي في النصوص الإجرائية، وتخصيص موارد للتكوين والمواكبة، وإدماج في هياكل الحكامة والقيادة.

إن المدرسة المغربية الجديدة بحاجة ماسة إلى مختصين تربويين مؤهلين، مُمَكّنين، ومُحفّزين، قادرين على تحويل القوانين إلى أثر ملموس في حياة التلاميذ. الفرصة سانحة اليوم لاستثمار هذه السلك المهني الواعد، فلا نضيِّعْها بالتهميش أو الإهمال.

المراجع المعتمدة

1. المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 13 شعبان 1445 هـ (23 فبراير 2024) بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية – الجريدة الرسمية عدد 7277.
2. خارطة طريق 2022-2026: من أجل مدرسة عمومية ذات جودة (وثيقة وزارة التربية الوطنية).
3. دليل الحياة المدرسية – وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (مديرية الحياة المدرسية).
4. المذكرة الوزارية رقم 138×24 بتاريخ 18 مارس 2024 في شأن تنزيل برنامج “إعداديات الريادة” برسم الموسم الدراسي 2025/2024.
5. المذكرة الوزارية رقم 014-24 بتاريخ 6 فبراير 2024 في شأن مشروع المؤسسة المندمج بمؤسسات التربية والتعليم.
6. الإطار الإجرائي لتنزيل خارطة الطريق 2022-2026 برسم سنتي 2024 و2025 (وزارة التربية الوطنية).
7. مكون الأنشطة الموازية ضمن البرامج التحويلية (دليل الاستعمال لمنظومة “مسار” – خاص بالمدير).
8. القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

إقرأ الخبر من مصدره