الخط : A- A+
في واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في تدبير الشأن العمراني بمدينة مراكش، تعود إلى الواجهة قضية الترخيص الممنوح سنة 2013 لإنجاز مشروع تجاري بمحاذاة الأسوار التاريخية للمدينة، داخل نطاق يُفترض قانوناً أنه محمي بشكل صارم وغير قابل للبناء.


الملف لا يثير فقط تساؤلات تقنية أو إدارية، بل يلامس جوهر دولة القانون: هل يمكن فعلاً تجاوز مقتضيات ظهير تاريخي منشور بالجريدة الرسمية عبر محضر اجتماع إداري؟ وهل جميع المواطنين سواسية أمام قواعد التعمير، أم أن هناك استثناءات تُفصّل حسب النفوذ؟

ظهير واضح… وتطبيق ملتبس
عاد قسم التحقيق والاستطلاع بموقع “برلمان.كوم” إلى وثائق متعددة ومتنوعة، منها ما هو قديم ومنها ما هو جديد، وذلك قصد التنقيب في مضامينها، وكشف أسرار وخبايا ما يقع في المدينة الحمراء. فمنذ سنة 1914، نص ظهير شريف على إحداث منطقة حماية بعرض 250 متراً حول الأسوار التاريخية لمراكش، يمنع داخلها أي بناء قد يمس بالقيمة التراثية والبصرية لهذا الموروث العمراني الفريد. هذا النص ليس مجرد توجيه إداري، بل قاعدة قانونية ملزمة لا يمكن تعديلها إلا بنص مماثل في القوة القانونية.
لكن، في سنة 2013، تم الترخيص لمشروع “قيسارية” ومحلات تجارية داخل هذه المنطقة، بناءً على ما قيل إنه “تأويل استثنائي” أو تقليص لنطاق الحماية إلى 73 متراً فقط وبالتالي التنكيل بمضامين الظهير علما أن مغرب العهد الحالي هو أكثر حرصا على الآثار والتراث من مغرب فترة الحماية. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من يملك سلطة تقليص نطاق حدده ظهير ملكي علما أن الظهير لا يمكن تعديله وإلغاؤه إلا بظهير؟



محضر اجتماع مريب يلغي مضامين ظهير بكل هيبته وقوته القانونية؟؟؟
توصل موقع “برلمان.كوم” بمعطيات ووثائق يتم تداولها في المحيط المراكشي، تشير إلى أن هذا “الاستثناء” استند إلى محضر اجتماع مؤرخ في 8 نونبر 2013، ترأسه مسؤول بوزارة الثقافة. والأخطر من ذلك حسب مصادر “برلمان.كوم” ليس فقط مضمون المحضر، بل طبيعته: وثيقة إدارية داخلية، يُقال إنها كُتبت بخط اليد، تم التعامل معها وكأنها تعلو على نص قانوني منشور.
الأكثر إثارة للانتباه هو حضور أحد أفراد عائلة المستفيدين من المشروع داخل هذا الاجتماع. وهنا يبرز تساؤل مقلق: كيف يُسمح لطرف ذي مصلحة مباشرة بالمشاركة في نقاش إداري يُفترض أنه محايد؟ وهل كان هذا الامتياز متاحاً لباقي المواطنين الذين رُفضت مشاريعهم بسبب نفس القيود القانونية؟

تضارب المصالح… ظل ثقيل على القرار
وبينما يتساءل “برلمان.كوم” عن سر صمت هيئات الحكامة ومؤسسات النزاهة والفرق الرلمانية للمعارضة ورئيس الحكومة نفسه، فإن هذا الترخيص تزامن أثناء صدوره مع تولي إحدى المستفيدات رئاسة مجلس جماعة مراكش آنذاك، وهي مؤسسة محورية في منح التراخيص العمرانية. هذا التداخل بين المسؤولية السياسية والمصلحة الخاصة يفتح الباب واسعاً أمام شبهة تضارب المصالح.
هل تم التعامل مع هذا الملف بنفس المعايير التي تُطبق على عموم المواطنين؟ أم أن النفوذ السياسي لعب دوراً في “تليين” النصوص الصارمة؟
في سياق يعرف فيه المجال العمراني تشدداً كبيراً تجاه مشاريع بسيطة لمواطنين عاديين، يبدو هذا الملف وكأنه استثناء يكرس منطق “قانونين”: واحد يُطبق بصرامة، وآخر يُؤوّل بمرونة.
حين تصبح القاعدة قابلة للتفاوض
جوهر الإشكال لا يكمن فقط في مشروع تجاري، بل في سابقة خطيرة: تحويل نص قانوني حمائي إلى مادة قابلة للتأويل حسب الظروف. فإذا كان بالإمكان تقليص نطاق حماية الأسوار عبر اجتماع إداري، فما الذي يمنع مستقبلاً من تجاوز قوانين أخرى بنفس الطريقة؟
إن مبدأ تدرج القواعد القانونية واضح: لا يمكن لقرار إداري أن يُلغي أو يُعدل مقتضى قانوني أعلى. وأي خروج عن هذا المبدأ يضع شرعية القرارات المتخذة موضع شك.
أسئلة تنتظر أجوبة
هذا الملف يطرح سلسلة من الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها:
- من المسؤول عن اتخاذ قرار تقليص نطاق الحماية؟
- ما الأساس القانوني الحقيقي لهذا القرار؟
- هل تم احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص؟
- ولماذا لم يُفتح نقاش عمومي حول موضوع يمس تراث مدينة بكاملها؟
خلاصة: ما بين حماية التراث وحماية الثقة
ليست القضية مجرد نزاع إداري أو جدل قانوني بل ان القضية تعني مؤسسات البحث ومؤسسات للمجتمع المدني والمنظمات الوطنية المعنية بالتراث والحضارة،، بل اختبار حقيقي لمدى احترام المؤسسات لقواعد دولة القانون. فحين يتعلق الأمر بالتراث، لا يكون الرهان فقط على الحجر، بل على الثقة أيضاً.
الثقة في أن القانون يُطبق على الجميع… أو لا يُطبق.
وإلى أن تتضح الصورة بشكل رسمي، سيظل هذا الملف نموذجاً صارخاً للأسئلة التي يطرحها المواطنون حول العدالة المجالية، وشفافية القرار، وحدود السلطة في مواجهة القانون.





