
محمد شهبي
في أبريل 2026، أصدر البنك الدولي تقريراً يتجاوز تسعين صفحة بعنوان ” توسيع نطاق الأطلس: النمو والوظائف من أجل مغرب مزدهر”. العنوان رصين، والعنوان الفرعي طموح. والهدف المعلن واضح: مرافقة المغرب في تحقيق أهداف نموذج التنمية الجديد، أي مضاعفة نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول عام 2035، والرفع من نسبة تشغيل النساء إلى 45٪، وإضفاء الطابع الرسمي على 80٪ من العمالة.
على الورق، التشخيص دقيق، والأرقام حديثة (المندوبية السامية للتخطيط، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المرصد المغربي للمقاولات الصغرى والمتوسطة، المديرية العامة للضرائب)، والمحاكاة الماكرو-اقتصادية تعد بمكاسب ملموسة. لكن بمجرد إغلاق التقرير، يراود كل من يعيش أو يعمل أو يقاول في المغرب سؤالٌ واحد: هل هذه الأرقام الـ 1.7 مليون وظيفة إضافية المتوقعة واقعية، أم أنها تمرين نمذجة يغفل، سعياً وراء الوضوح، تعقيدَ الواقع المغربي وتضاريسَه الاجتماعية والاقتصادية؟
لنغص في التفاصيل. بصدق، دون مواربة، ودون تشاؤم.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} ما رصده التقرير بدقة (ولا يمكن تجاهله)
لا يقع التقرير في فخ » كل شيء على ما يرام«. هو يلمس بدقة ما تهمس به إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط ويعيشه المغاربة يومياً:
عجزٌ هيكلي في خلق الوظائف: بين 2000 و2024، خلق المغرب في المتوسط 215 ألف وظيفة أقل سنوياً مما يلزم لتثبيت معدل التشغيل. وهذا العجز انفجر إلى 370 ألفاً سنوياً بين 2020 و2024.
نموٌّ يغديه الإسمنت لا الإنتاجية: منذ 2010، يعتمد 85٪ من النمو على تراكم رأس المال (بنية تحتية، مشاريع عمومية)، بينما تبقى إنتاجية العوامل الكلية دون نقطة مئوية واحدة سنوياً.
سوق عملٌ ينكمش على ذاته: تراجع معدل النشاط من 53.1٪ إلى 43.5٪، ويجمد عند 19٪ لدى النساء، بينما لا يزال القطاع غير المهيكل يستأثر بـ 69.4٪ من الشغل.
دينامية المقاولات خافتة: الشركات الكبيرة تهيمن على المبيعات لكنها أقل إنتاجية في المتوسط من المقاولات الصغرى والمتوسطة. الشركات الناشئة لا تتوسع إلا بثلث حجمها بعد عشر سنوات (مقابل الضعف في فييتنام). والأدهى، بين 2016 و2019، نمت المقاولات الأقل إنتاجية على حساب الأكثر كفاءة، مما قسّم إمكانات نمو الإنتاجية على اثنين.
المناخ يضرب بقوة: بين 2015 و2024، اختفت 1.2 مليون وظيفة قروية بسبب الجفاف المتكرر.
فجوة التكوين-التوظيف تتسع: 43٪ من خريجي التعليم العالي يعملون في مناصب لا تتطلب مؤهلاتهم.
في كل هذه النقاط، لا يفعل البنك الدولي سوى صياغة، بأدوات تحليلية متينة، واقعاً يعيشه المغرب عن كثب. التقرير يربط هذه الظواهر بوضوح ويقترح إطاراً متجانساً من أربع ركائز: أسواق أكثر نجاعة، مقاولات ديناميكية، استثمار عمومي ذي أثر، وتفعيل طاقات الشباب والنساء.
النقاط العمياء (حين تصطدم النمذجة بالواقع)
هنا بالضبط تظهر حدود التقرير. تقرير البنك الدولي، بحكم طبيعته، تمرينٌ تلخيصي وإسقاطي. يميل إلى معاملة المؤسسات كمنفّذ عقلاني، والإصلاحات كمفاتيح تُقلب، والأسواق كآليات تتكيف بمجرد توفير «الحوافز الصحيحة». الواقع المغربي أكثر خشونة.
1-القطاع غير المهيكل ليس مجرد مشكلة “ضغط ضريبي”
يحدد التقرير بدقة العبء الضريبي على الأجور الدنيا وجمود قانون الشغل كعائقين أمام الرسمية. لكن لملايين المغاربة، عدم الرسمية هو أولاً استراتيجية بقاء، لا تحسيناً محاسبياً. إضفاء الرسمية دون ضمان ولوج فعلي للتمويل، وحماية اجتماعية ذات مصداقية، وعدالة تجارية سريعة، هو دفع الهشّين نحو هشاشة قانونية، لا نحو الرخاء. التقرير يلمح إلى ذلك لكنه لا يغوص في البعد الاجتماعي والمجالي لهذه الظاهرة.
2- النساء لسن “متغير تعديل” للناتج الداخلي
التشخيص حول النساء سليم: أعراف اجتماعية، نقص في دور الحضانة، مواصلات غير آمنة، تحيز في التوظيف، تركيز في قطاعات منخفضة الإنتاجية. لكن الحلول المقترحة (تعديل قانون الشغل، حوافز، حصص في مجالس الإدارة) تستهين بـ عمق المشكلة الهيكلي. لا تُسدّ فجوة 50 نقطة مئوية في المشاركة بقرارات وزارية أو منشورات. المطلوب دور حضانة عامة وخاصة بأسعار معقولة، خطوط نقل موثوقة في الضواحي، مكافحة حقيقية للتحرش، والأهم: الوقت. التقرير يعالج النوع كرافعة ماكرو اقتصادية. في المغرب، هو أولاً ورش مجتمعي.
3-تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة لا يزال سراباً إدارياً
البنك يلاحظ أن الائتمان تستأثر به الشركات الكبرى والمؤسسات العمومية، بينما تصطدم الشركات الناشئة بعدم تناسق المعلومات، وضمانات عقارية، ومديونيات متعثرة تشلّ الميزانيات. التوصيات تقنية ووجيهة (سجل الضمانات المنقولة، سوق ثانوية للديون المتعثرة، التمويل المفتوح، التكنولوجيا المالية). لكنها تفترض إرادة سياسية لكسر الريع وإعادة توجيه الائتمان نحو خالقي الوظائف، لا حاملي الضمانات. الجهاز البنكي المغربي، وإن كان مستقراً، لا يزال محافظاً هيكلياً. تغيير ذلك يحتاج أكثر من إصلاحات تنظيمية: يحتاج تغييراً في الثقافة المالية.
4- نزيف الكفاءات ووهْم الوظيفة العمومية
التقرير يذكر الهجرة ويقترح برامج هجرة دائرية وصندوقاً للجالية. هذا وجيه، لكنه لا يجيب على سؤال أوسع: لماذا لا يزال قطاع الدولة يُرى من قبل كثير من الخريجين كالملاذ الوحيد «المستقر» و«الكريم»؟ التقرير يشير إلى فائض التأهيل، لكنه لا يعالج بما يكفي العقد الاجتماعي الضمني الذي يجعل الدولة مشغّلاً أخيراً. طالما لا يقدم القطاع الخاص مساراً مهنياً متوقعاً، وأجراً لائقاً، وحراكاً داخلياً حقيقياً، سيستمر الأفضل في المغادرة، أو الاصطفاف لاجتياز المباريات.
5- التنفيذ: الغائب الأكبر عن النماذج
يفترض التقرير تنفيذاً سلساً ومتناسقاً للإصلاحات. في الواقع، إصلاح قانون الشغل يتعثر منذ سنوات، ومجلس المنافسة يفتقر لوسائل التحقيق، والعدالة التجارية بطيئة، والتنسيق بين الوزارات متقطع. البنك يدرك ذلك، لكن نبرته تميل لمعاملة الجهاز الإداري كمسير محايد. كل إصلاح يواجه مصالحاً، وثقلاً إدارياً، وإرثاً تاريخياً. كان على التقرير أن يركّز أكثر على التتابع الزمني وحوكمة التنفيذ، لا فقط على مضمون السياسات.
المغرب بين الاستعجال والواقعية
هل نرمي التقرير؟ قطعاً لا. هو مرآة ضرورية. لكن يجب قراءته بنظارات الميدان. المغرب لا يحتاج لمزيد من الرسوم البيانية أو المحاكاة الماكرو-ضريبية. هو بحاجة إلى إصلاحات متسلسلة، ذكية اجتماعياً، ومفترضة سياسياً.
بضع مسارات لتجذير التقرير في الواقع:
لا للرسمية في الفراغ: ربط كل خطوة نحو الرسمية بولوج ملموس للحماية الاجتماعية، والتمويل، والتكوين، كما تنص خارطة طريق التشغيل 2025، لكن بميزانيات ومؤشرات تتبع علنية.
الاستثمار في “اقتصاد الرعاية”: دور الحضانة، المواصلات الآمنة، التوقيتات المرنة ليست مصاريف اجتماعية. هي استثمارات إنتاجية. التقرير يقول ذلك، لكن يجب ترجمته في قوانين مالية وعقود أداء ترابية.
إعادة توجيه الائتمان، لا تنظيمه فقط: الضمانات المنقولة وأسواق الديون المتعثرة أدوات قوية، لكنها لن تفيد إن واصلت البنوك الإقراض لنفس الفاعلين بدافع العادة أو الخوف من المخاطرة. المطلوب حوافز مستهدفة، شفافية أكبر على المحافظ المالية، ودور نشط لمؤسسات التنمية.
تقبّل أن النمو يُبنى على المدى الطويل: مضاعفة الناتج الفردي بحلول 2035 يتطلب نمواً سنوياً مستداماً يقارب 7٪. التقرير يتوقع 5.4٪ مع الإصلاحات. هذا طموح، لكنه واقعي فقط إن قبلنا أن بعض الإصلاحات (التعليم الأساسي، العدالة التجارية، المنافسة) لا تؤتي أكلها إلا بعد 5 إلى 10 سنوات. الصبر السياسي مورد نادر كالمال.
الخاتمة
هذا التقرير ليس عصا سحرية. هو تشخيص واعٍ، تقني أحياناً أكثر من اللازم، ومتفائل أحياناً أكثر من اللازم بشأن سرعة التنفيذ، لكن لا غنى عنه. المغرب يملك المفاتيح: ماكرو اقتصاد مستقر، بنى تحتية من الطراز العالمي، شباب متعلم، جالية منخرطة، وقطاع تصديري أثبت مرونته.
لكن ما تزال تنقصه تلك الكيمياء التي تحوّل رأس المال إلى إنتاجية، والشهادات إلى وظائف لائقة. البنك الدولي رسم الخريطة. على صناع القرار، والمقاولات، والنقابات، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني، أن يختاروا الطريق، يحددوا الأولويات، والأهم: ألا ينسوا من يمشون بالفعل، على الأقدام، نحو القمة.
الأطلس لن يرتقي وحده. يحتاج إلى زخم، وتماسك، وقبل كل شيء، عقد اجتماعي متجدد لا يُقاس فيه النمو فقط بنقاط في الناتج الداخلي، بل بكرامة العمل، والحراك الحقيقي، والفرص التي لم تعد رهناً بالرمز البريدي أو اسم العائلة.
-باحث في العلوم السياسية
إقرأ الخبر من مصدره