لم يكن جنون أسعار اللحوم وأضاحي العيد في الأسواق المغربية مجرد نتاج صدفة اقتصادية، أو انعكاسا حتميا للجفاف، بل كان عملية ممأسسة ومخططة لتوليد الريع السريع لفائدة فئة من المستوردين الكبار الذين حظوا برعاية وحماية كاملة. ولإثبات هذا التغول المالي الفاحش، تكفي مقارنة أسعار الشراء الحقيقية من الأسواق الأوروبية المصدرة مع تركيبة الدعم العمومي، وسعر البيع النهائي المفروض على المواطن المقهور بناء على استقصاء النائب البرلماني عبدالله بووانو.
فبالاستناد إلى البيانات الرسمية الصادرة عن “بورصة سلامنكا الفلاحية بإسبانيا” بتاريخ 24 يونيو 2024 وإخضاعها لمحاكاة مالية دقيقة وفق المؤشرات التالية:
- سعر صرف مستقر للعملة: 1 يورو = 10.8 دراهم مغربية.
- متوسط وزن الأضحية المعتمد في المحاكاة: 50 كيلوغراما.
- منحة الدعم المباشر الممنوحة من الدولة: 500 درهم عن كل رأس.
- متوسط سعر بيع الأضحية المستوردة للمواطن في الأسواق الكبرى: 67 درهما للكيلوغرام الحي (أي 3350 درهما للأضحية).
نصل إلى التفكيك الاستقصائي الصادم للتكاليف الحقيقية مقابل هوامش الربح الفاحشة.
حددت بورصة “سلامنكا” سعر الكيلوغرام الحي لصنف النعاج بين 0.75 و1.10 يورو كحد أقصى. وبعملية حسابية تكون حوالي 600 درهم هي الكلفة الإجمالية للشراء في إسبانيا.
وحددت البورصة الإسبانية سعر صنف الخرفان الممتازة التي يفوق وزنها 34 كلغ في 3.90 يورو للكيلوغرام الحي. وبعملية حسابية تبلغ كلفة خروف بوزن 50 كلغ حوالي 2106 دراهم.
إلى جانب الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، يستفيد المستورد من الدعم المباشر (500 درهم)، بينما لا تتعدى مصاريف الشحن واللوجستيك والحظيرة نسبة 4% من ثمن الشراء، (أي حوالي 100 درهم للخروف).
التكلفة الفعلية للمستورد = (2106 – 500) + 100.8 = 1706.8 درهم للرأس. في المقابل، عندما تتوجه أسرة مغربية بسيطة لاقتناء هذا الخروف (وزن 50 كلغ) بسعر 67 درهما للكيلوغرام، فإنها تدفع مجبرة3350 درهم.
تكشف المعادلة المالية عن أرقام ريعية مرعبة تؤكد عدم تمرير أي أثر للدعم العمومي للمستهلك:
السيناريو الأول: الأرباح الفاحشة في استيراد “النعاج”:
- تكلفة الشراء من المنشأ: 600 درهم.
- الدعم الحكومي المباشر: 500 درهم.
- التكلفة الصافية التي يدفعها المستورد من ماله الخاص: 600 – 500 = 100 درهم فقط!
- هامش الربح الصافي: عند بيعها في السوق الوطنية بـ 2500 درهم، يكون صافي ربح المستورد: 2500-100= 2400 درهم ربح صاف للرأس الواحدة.
خلاصة الصدمة الأولى: المستورد يغطي 84% من ثمن الشراء عبر أموال الدعم العمومي لدافعي الضرائب، ليحقق عند البيع عائدا استثماريا ريعيا ومضمونا يتجاوز 2500%!
السيناريو الثاني: الأرباح الفاحشة في استيراد “الخرفان”:
- التكلفة الصافية للشراء مع الشحن (بعد خصم الدعم): 1700 درهم.
- ثمن البيع للمواطن: 3350 درهما.
- هامش الربح الصافي: 3350 – 1700 = 1650 درهم ربحا صافيا للرأس الواحدة.
خلاصة الصدمة الثانية: حتى عند استيراد الصنف الأغلى والأجود من الخرفان، يظل هامش الربح الصافي للمستورد يتجاوز 100% من التكلفة الفعلية للاستيراد. وهو ريع صاف، مضمون، ومدعوم من ميزانية الدولة دون مخاطر تجارية.
تثبت هذه الأرقام والعمليات الحسابية، بشكل قاطع لا يقبل التأويل، أن المستوردين والفاعلين الكبار لم يعكسوا قيمة الدعم العمومي والإعفاءات الضريبية الجمركية على ثمن البيع النهائي لخفض الأسعار، بل احتفظوا بها بالكامل في حساباتهم البنكية لتكريس الغلاء ومضاعفة هوامشهم الربحية بعائد استثماري فاق كل الحدود الاقتصادية المنطقية.
هذا العائد الخيالي والمضمون يفسر السرعة والتهافت المريب للعديد من رجال السياسة النافذين (من برلمانيين ورؤساء جماعات ينتمون للأغلبية الحكومية) بالإضافة إلى الشركات غير المتخصصة، لتعديل أنظمتها الأساسية فجأة واقتناص حصة من هذه “الكعكة المليارية”.
لمزيد من التفاصيل الاطلاع على العدد الجديد لأسبوعية “الأيام” في ملف: “كيف تبخر القطيع الوطني في زرائب “فراقشية” الاستيراد”