في عمق جبال الأطلس المتوسط، حيث تتشابك جذور الأرض مع ترانيم الزمن، تنبعث روح أصيلة من خلال فتاة شابة تتحدى قيود الواقع وتعيد للحكاية الأمازيغية بريقها.
شابة أمازيغية، ذات العشرين ربيعا، ليست مجرد طالبة جامعية في المعهد العالي للمسرح والتنشيط الثقافي بالرباط، بل هي صوت الأجداد الذي يرن في كل حركة من حركات فرقة أحيدوس التي تقودها، أول مايسترا نسائية في منطقة بوقشمير.
بدأت رحلتها الفنية منذ كانت في الحادية عشرة من عمرها، باحثة عن مكان في عالم يهيمن عليه الرجال، مجابهة بالصعاب والانتقادات الحادة، لكنها وجدت في فن أحيدوس ملاذا لهويتها وذاكرة شعبها. بين رقصات وتقاليد متجذرة، تصنع سناء بصمتها بشجاعة المرأة القروية التي تصر على أن صوتها له مكان في سماء الفن والثقافة.
في هذا الحوار مع جريدة “العمق” تفتح قائدة فرقة أحيدوس أبواب تجربتها لتسرد قصة الألم والفرح، المعاناة والنجاح، موجهة رسالة لكل فتاة شابة في القرى المغربية بأن” لا تخافي أن ترفعي صوتك، فالفن هو هوية، والهوية هي الحياة”.
ومن هذا المنطلق، تقدم جريدة “العمق” هذا اللقاء لتسليط الضوء على قصة ملهمة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الجذور والطموح، مؤكدة أن إرادة الإنسان قادرة على تغيير الواقع وبناء مستقبل مشرق.
وفيما يلي نص الحوار كاملا:
كيف تودين تقديم نفسك لجمهورك؟
أنا سناء جدوبي، شابة أمازيغية قروية، أصولي من منطقة بوقشمير قرب مدينة أولماس. أبلغ من العمر 20 سنة، وأنا طالبة جامعية في المعهد العالي للمسرح والتنشيط الثقافي بالرباط. بدأت مساري الفني كقائدة فرقة أحيدوس، وأعتبر أول عنصر نسوي يدخل هذا المجال بهذه الصيغة، وكان ذلك في سن الحادية عشرة. البداية كانت رفقة عمي الأكبر، الأستاذ أحمد جدوبي، رئيس جمعية “أزماون بوقشمير”، والذي أعتبره أستاذي الأول ومصدر إلهامي، فقد علمني الكثير من المعرفة والفن. هو الآخر بدأ مسيرته في سن صغيرة، لا تتجاوز الثانية عشرة، ونجح في الجمع بين الفن والعلم.
كيف توفقين بين الفن والدراسة؟ ج: حاولت دائمًا أن أجمع بينهما بجد ومثابرة، لأن الفن بالنسبة لي ليس مجرد هواية، بل أحيدوس تراث لا مادي نحس فيه بروح الأجداد، وأنا كشابة متشبثة بأصولي لا أريد لهذا الفن أن يندثر. رغم حبي للفن، كانت الدراسة دائمًا من أولوياتي. وأغتنم الفرصة لأشكر كل أساتذتي، من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية.
كيف كانت انطلاقتك الأولى مع فن أحيدوس؟
ج: كما قلت، بدأت في سن الحادية عشرة، خلال حفل خطوبة عائلي. وكما جرت العادة، كان هناك عرض لأحيدوس. رافقت عمي الأكبر داخل الدائرة وكنت أقلده في الحركات. أعجب بأدائي وراوده أن أكون مايسترو إلى جانبه، فطلب من أسرتي السماح لي بذلك، وكانت الانطلاقة سنة 2016. أول عرض رسمي كان سنة 2017 في مهرجان “ملكة جمال حب الملوك” بمدينة صفرو.
هل واجهتِ انتقادات أو صعوبات في هذه المسيرة؟
نعم، تلقيت العديد من الانتقادات القاسية، ومررت بأزمات نفسية. كان البعض يناديني بـ”الشيخة”، وهي كلمة قدحية في مجتمعنا، رغم أن معناها الأصلي نبيل. مع الوقت والتجارب، فهمت أن “الشيخة” كلمة عظيمة في الأصل، تشير إلى المرأة الحكيمة والضابطة لفنها. الحل كان أن أتصالح مع ذاتي، لأني أقدم فنا محترما بأصالته في الكلمة واللباس والحضور. عائلتي محافظة، خاصة والدتي التي عارضت الأمر في البداية لأنها نشأت في محيط ذكوري، لكنها اليوم تساندني. أما والدي، فكان دائم الدعم، وكانت وصيته الدائمة: “لا تتركي دراستك مهما كان”، ولهذا أواصل تعليمي من أجلي ومن أجله.
كيف كان تفاعل الجمهور مع قيادتك لفرقة أحيدوس؟
التفاعل كان متفاوتا، فبعضهم تقبل الفكرة، وآخرون رفضوها. لكن إذا رجع الناس إلى جذورهم، سيجدون أن المرأة الأمازيغية كانت دائما حاضرة بقوة، حتى في الحكم. نحن شعب نحترم المرأة ونقدر دورها في الحياة والفن.
هل فكرت في التراجع عن المسار الفني؟
نعم، في سنة 2021، راودتني فكرة التراجع لأسباب شخصية وأخرى فنية، خصوصًا بسبب قسوة نظرة المجتمع. لكنني بطبيعتي لا أبدأ شيئا وأتخلى عنه. كنت دائما أساند نفسي بنفسي. أعلم أن هذه أصولي، ولا يمكنني خيانتها. من يخون أصوله لا هوية له. دائمًا كنت أردد: “أكون أو لا أكون”.
ما رسالتك للفتيات القرويات؟
رسالتي لكل فتاة قروية أن تعبر عن موهبتها بكل فخر، لكن في حدود الاحترام. لا يجب أن تتخذ الموهبة وسيلة لأشياء أخرى، بل أداة لإثبات etالذات وصناعة بصمة خاصة في كل مجال. وأهم شيء أن تكون الدراسة أولى الأولويات، وأن تحاول الجمع بين الفن والعلم.
هل تلقيت أي دعم مؤسساتي خلال مسيرتك؟
منذ أن بدأت كقائدة فرقة أحيدوس، لم أتلقّ أي دعم شخصي من مؤسسة ثقافية. لكن فرقة “أزماون بوقشمير” التي يقودها المايسترو أحمد جدوبي فازت بجائزة الرقص الجماعي بمنطقة عين اللوح سنة 2019. كما تم تكريمي سنة 2023 من قبل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط. غير ذلك، لا يوجد دعم يذكر.
ما طموحاتك الفنية والشخصية؟
أسّست فرقة شبابية باسم “أحيدوس ثيفسا” بهدف الحفاظ على التراث الأمازيغي اللامادي بصيغة شبابية، ونأمل أن يستمر هذا المشروع مع الأجيال القادمة. على المستوى الشخصي، أتابع تكويني الأكاديمي في المعهد العالي للمسرح، وأطمح أن أصبح مخرجة، لأن مجال الإخراج يحتاج لمبدعين أمازيغ حقيقيين.
دافع الكاتب والسيناريست المصري محمد هشام عبية عن حق الممارسة الفنية في وضع اليد على “المعطى التاريخي بحرية والتصرف فيه لغايات إبداعية خالصة”، معتبراً أن “الأعمال الدرامية التي تتناول التاريخ لا تحرص على النقل الحرفي للمجريات كما كانت، لأن العملية تبتغي صناعة عمل درامي، لا وثيقة أكاديمية”، كما أن “البناء التاريخي، في كثير من الأحيان، يكون مملاً وبلا مقومات درامية”.
وتطرّق عبية في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية أيضاً إلى مسألة المراهنات الإلكترونية التي تناولها مسلسل “منتهي الصلاحية” (2025)، معبّراً عن “إعجابه بالتجربة المغربية التي تنظّم هذا الحق من خلال هيئة رسمية، مع تسجيل توجّه نحو المراهنات الإلكترونية غير القانونية”، مبرزاً أنه “عند عودته إلى مصر سيطرح ما عاينه في المغرب للنقاش”.
وقال الأديب المصري: “مسألة تنظيم الأنشطة التي تُعدّ غير مشروعة أو غير محبّبة جديرة بالدراسة”، مشيراً إلى أن “تنظيمها قد يُسهم في إخراجها من الظل إلى النور، ويُساعدنا على التعامل معها بشكل مباشر وشفاف”، تفادياً لـ”الكوارث التي صارت ترتبط بالموضوع، على غرار السرقة والانتحار وغيرها من الآفات الخطيرة”.
نص الحوار: يمكننا الشروع في الحوار انطلاقًا من العمل الجديد الذي تشتغل عليه، وهو تحويل رواية “دم على نهد”، الصادرة سنة 1996 للإعلامي والكاتب إبراهيم عيسى، إلى عمل درامي، بعد عدة محاولات سابقة لم تنجح. لماذا تتولّى القيام بهذه المهمة؟
دعني أشير إلى نقطة أساسية، هي أننا نتعاون في تحويل الرواية إلى نص عمل درامي أنا وكاتب السيناريو المصري المخضرم وائل حمدي. وبالإضافة إلى ذلك تربطني علاقة مهنية وإنسانية قوية بالإعلامي والكاتب إبراهيم عيسى، فقد عملنا معًا لمدة عشر سنوات في جريدتي الدستور والتحرير المصريتين.
لكن، عقب عرض مسلسل في كل أسبوع يوم جمعة سنة 2020 وقع التواصل بيني وبين عيسى؛ لفت نظري إلى رواية “دم على نهد”، وأشعرتُه بأنها رواية جميلة، وقد أثارت انتباهي منذ سنوات… أخذتها، وكان معي وائل حمدي، فشرعنا في التحرك في رحلة إنتاجها. وكان إبراهيم عيسى يقول دائمًا إن حظ هذه الرواية كان سيئًا، لأنها، بالفعل، تعرضت لمحاولات إنتاج كثيرة منذ منتصف التسعينيات لكنها لم تُوفّق. لكننا نأمل أن تنجح هذه المرة كي نراها قريبًا على الشاشة.
قرأت الرواية منذ صدورها أواخر التسعينيات، وقد أثارت إعجابي بحكم جرأتها الشديدة في ما يتعلق بالمحتوى الاجتماعي والسياسي. انخرطنا في المشروع، ونحن نكتب السيناريو منذ أزيد من أربع سنوات، لكن هذا العام سنبدأ التصوير.
حاولنا كذلك الحفاظ، في السيناريو، على الروح الأساسية للعمل، لأنها رواية شديدة الجرأة. بالطبع أجرينا بعض المواءمات الضرورية المرتبطة بتحويل العمل من متن أدبي إلى نص درامي.
الرواية أثارت جدلًا منذ صدورها، وتضمّنت انتقادات للأجهزة الأمنية في مصر وغيرها. أثناء التحويل إلى سيناريو هل سيتم الحفاظ على هذا “اللّب الاحتجاجي” أم إن “الضرورة الفنية” ستقتضي التصرّف في بعض مضامينها “الحادّة”؟
كما تعلم تدور أحداث الرواية في التسعينيات، لكن عندما بدأنا، حمدي وأنا، العمل عليها، قمنا بتحريك زمن الأحداث قليلاً؛ لن تدور بهذا المعنى في العقد الأخير من القرن الماضي. وأود أن أترك هذه النقطة مفاجأة للجمهور كي يكتشفها بنفسه، لكنها، بالتأكيد، لن تظلّ كما هي في الرواية الأصلية.
مع ذلك حافظنا على جوهر الرواية، لأن قوتها تكمن في روحها، وجرأتها، وقدرتها على اختراق مناطق غير مألوفة في الرواية العربية عمومًا، والرواية المصرية على وجه الخصوص. كما أن هذه النوعية من المواضيع نادرًا ما تُعرض على الشاشة بشكل واضح. لكننا نأمل الاستفادة من كون المسلسل سيُعرض على منصة تتيح عادةً مساحة أوسع لطرح موضوعات جريئة، مقارنة بالتلفزيون أو حتى السينما.
ندرك تمامًا أن تحويل الرواية إلى سيناريو هو عملية معقدة. وكما يقول كبار كتّاب السيناريو “تحويل الرواية إلى سيناريو كأنك تحوّل برتقالة إلى تفاحة”. لذلك كنا مضطرين لإجراء بعض التعديلات المرتبطة بطبيعة الفن الذي نكتبه. لم نأخذ الرواية كما هي، أجرينا تعديلات ضرورية، لكننا حرصنا على الحفاظ على اللب والروح في قوتها وعنفوانها وجرأتها، ونأمل أن تجد صدىً إيجابيًا لدى كافة الألوان المجتمعية والسياسية.
يُحيلنا الجواب، ربّما، على قضية الرقابة، وهي مسألة حاضرة في مختلف مناطق شمال إفريقيا والشرق الأوسط بدرجات متفاوتة. لكن ما واجهتَه مرّة أن البعضَ طالب بمنع أعمال ألّفتَها من العرض، ألا تخلق لديك الرقابة المجتمعية رقابة ذاتية تُشوّش على “حقيقة الفن”؟
أنا أقول دائمًا إن الرقابة الاجتماعية في كثير من الأحيان أشد قسوة من رقابة المؤسسات. لكن الكاتب، وبشكل عام، سواء في الأدب أو الصحافة أو السيناريو، إذا وضع أمام عينيه باستمرار هاجس الرقابة وتلقي الجمهور فلن يكتب حرفًا. عندما نكتب لا بد أن نكتب بثقة واطمئنان، لا بيدٍ مرتجفة أو مرتعشة. وبحكم خلفيتي الصحافية، فأنا ممارس لعقد ونصف ومازلت، أعلم، كما يعرف أغلب الصحافيين، كيف نلامس الخطوط الحمراء دونما إحداث اختراق فيها.
في النهاية تبقى المعادلة دائمًا: هل أريد الدخول في صدام، أم أريد تمرير المشروع الذي أكتبه؟ شخصيًا، أرغب في أن يرى المشروع النور، سواء كان نصًا أو رواية أو سيناريو. لذلك هناك مساحة للمواءمات، لا التنازلات، يمكن أن أقبل بها، فقط من أجل أن يتم إنجاز العمل.
مع ذلك أنا مؤمن تمامًا بأنني، ككاتب سيناريو، أستطيع التداول في كل القضايا، ربما بلا استثناء، حتى تلك التي تحمل محاذير اجتماعية أو سياسية أو دينية. لكن السؤال: كيف نقدّم هذه القضايا؟ هل نقدّمها بطريقة استفزازية؟ أم نطرحها بأسلوب إنساني يلامس هموم المشاهد؟ وإذا شعر المشاهد بأن ما يراه جزء من حياته أو من حياة أشخاص مقربين منه فلن يصدر عليه أحكامًا متسرعة، بل سيتماهى مع الشخصيات، وقد يجد نفسه متورطًا عاطفيًا في ما يراه، ويفكر: ماذا لو كنت مكانه؟.
لهذا أرى أن هذه المعركة، بين المبدع والرقابة، هي معركة أبدية وأزلية، لن تنتهي أبدًا. سواء كانت الرقابة في شكل سلطة، أو جهاز رقابي، أو رقابة مجتمعية، فإن الخوف منها لن يدفعنا إلى الأمام. لكن إيجاد حلول بديلة، ومواءمات ذكية، هو السبيل الحقيقي لخوض هذه المعركة بلا أي تفريط في الروح الإبداعية.
يوجد أيضًا تحدٍّ واجهتَه في “رسالة الإمام” (2023) الذي تعقّبتَ فيه حياة الإمام الشافعي. هذا العمل الذي ألّفته جرى انتقاده بشدّة لكونه “تضمّن أخطاء تاريخية”. بالنسبة إليك أين ينتهي المعطى التاريخي ليفسح المجال لـ”التصرّف الفني”؟
سآخذ من سؤالك منطلقًا لأقول إن الفن لابد أن يتصرف في المعطى التاريخي. فالتاريخ، في كثير من الأحيان، قد يكون مملًا ويفتقر إلى التصاعد الدرامي الجذاب؛ وهذا، مثلًا، ما يجعل بعض أبنائنا في المدارس ينفرون من دراسة التاريخ إذا قُدِّم لهم كمجموعة من التقارير الجافة، بلا سرد، ولا حبكة، ولا إثارة.
من هنا أرى أن دور الفنان أو الكاتب أو المبدع حين يتناول مسألة تاريخية يُفترض أن يتعاطى مع الموضوع من جانبين: أولًا عليه أن يضع الحدث في إطاره الزمني والتاريخي الصحيح، وثانيًا من حقه أن يُعمِل خياله، لأن ما نقدمه في النهاية عمل فني إبداعي، وليس عملا توثيقيا، ولا رسالة ماجستير أو دكتوراه. وبالتالي فإن دور الفنان يختلف عن دور المؤرخ أو الأكاديمي.
لكن، في المقابل، لا يصح، على سبيل المثال، أن أكتب مسلسلًا تدور أحداثه في زمن الإمام الشافعي ثم أستحضر أدوات الزمن المعاصر لزرعها فيه. يجب توخي الدقة التاريخية في العناصر الأساسية التي تشكل المسلسل، مثل شكل البيئة الاجتماعية في تلك الفترة، وطبيعة الصراع السياسي، والتفاصيل اليومية لحياة الناس، والواقع الاقتصادي حينها.
أما في ما يتعلق بتفاعل الأبطال مع بعضهم، أو تفاعل الشخصية الرئيسية، الإمام الشافعي مثلًا، مع شخصيات أخرى، فقد كنت مضطرًا في “رسالة الإمام” إلى ابتكار شخصيات ليست لها أصول حقيقية في الوثائق التاريخية، فقط لأجل تفعيل وتطوير البناء الدرامي؛ وذلك أمر طبيعي لأننا في النهاية نصنع عملًا دراميًا، لا وثيقة تاريخية. نحن نستوحي الأحداث من التاريخ، لكننا لا ننقله حرفيًا.
من التاريخ إلى الزمن الراهن… نودّ أن نتطرّق إلى عملك الأخير “منتهي الصلاحية”، الذي عُرض في الموسم الرمضاني، ويتناول المراهنات الإلكترونية. لقد لقي المسلسل ترحيبًا في المغرب، بحكم التقاطعات بين مصر والمغرب، مع أن الأخير يُنظّم شقًّا من الموضوع. ما تعليقك؟
في الحقيقة، وصول المسلسل إلى المغرب كان بمثابة جائزة عظيمة لكل فريق العمل، خاصة أنه كُتب ونُفذ في وقت ضيق، وفي ظل ظروف إنتاجية مرتبطة بموسم العرض الرمضاني في مصر، الذي يُعد موعدًا مقدسًا هناك. لذلك كان العمل مكثفًا ومُنهكًا إلى حدّ كبير. ورغم هذه الظروف حصد المسلسل نجاحًا لافتا في مصر، ومازال من أوائل الأعمال المصرية، وربما العربية، التي تناولت قضية المراهنات الإلكترونية بشكل واضح وصريح حتى الآن.
في المغرب كانت ردود الفعل مفاجئة جدًا بالنسبة لي، سواء على مستوى نسب المشاهدة أو التفاعل الكبير مع المسلسل، خاصة عندما زرت البلد لأول مرة. وما أثار انتباهي أن التجربة المغربية هنا لها خصوصيتها في ما يتعلق بموضوع المراهنات؛ ففي مصر المراهنات ممنوعة تمامًا بحكم القانون، بينما اكتشفت في المغرب أن هناك مؤسسة تنظم النشاط.
وبالتالي سألت أصدقائي وزملائي من المغرب: إذا كانت هناك وسيلة شرعية للمراهنة، فلماذا يظهر هذا الاتجاه نحو المراهنات الإلكترونية غير القانونية؟ ومن خلال النقاش فهمت أن الوسيلة الشرعية تمنع من هم دون 18 أو 16 سنة من المراهنة، كما تشترط الذهاب إلى أماكن مخصصة. أما التطبيقات الإلكترونية فهي تتيح المراهنة من خلال الهاتف المحمول دون الحاجة إلى كشف الهوية أو السن. وهذه المشكلة موجودة في مصر. عدد كبير من المراهنين هم من المراهقين وصغار السن.
أعتقد أن التجربة المغربية بالفعل لها طابع خاص، ورغم وجود هيئة تنظيمية رسمية مازال هناك توجه نحو المراهنات الإلكترونية غير القانونية. وعند عودتي إلى مصر سأطرح ما عاينته في المغرب للنقاش، لأن مسألة تنظيم الأنشطة التي تُعد غير مشروعة أو غير محببة جديرة بالدراسة؛ فتنظيمها قد يُسهم في إخراجها من الظل إلى النور، ويُساعدنا على التعامل معها بشكل مباشر وشفاف.
بطبيعة الحال ستظل هناك تجاوزات دائمًا، وسيبقى هناك من يحاول التحايل على الأنظمة القانونية، لكن المهم هو إيجاد مقاربات ذكية لتنظيم تلك الأنشطة. والأهم بالنسبة لي أن المسلسل وصل إلى المغرب، لأن الموضوع، كما عُرض في مصر، قد يكون أكثر عنفًا هناك، حيث تطور الأمر إلى حدّ وقوع جرائم قتل وسرقة، بل وحتى حالات انتحار.
في هذا العمل تطرح قضية سجالية للنقاش، غير أن ما يُلاحظ أنّ ثمّة خيطًا دقيقًا يربط بين مختلف الأعمال الدرامية التي اشتغلتَ عليها، من خلال حضور مواضيع مثيرة، كالإرهاب (بطلوع الروح)، والعنف الجنسي في السياق الزوجي (60 دقيقة)، وتأجير الأرحام (صلة رحم)، إلخ. تبدو الخلفية الصحافية حاضرة في ما تقوم بتأليفه…
بلا شك، أعتقد أن الصحافة تمس كل شيء تقريبًا. لهذا فإن أغلب تفكيري يتجه تلقائيًا نحو القضايا التي تحمل طابعًا تحقيقيًا أو استقصائيًا، وتثير أسئلة ومناقشات. ومع ذلك، أنا أؤمن بأن الفن، بطبيعته، ليس مطلوبًا منه دائمًا أن يحمل رسالة كبرى أو يناقش قضايا عظيمة؛ فأن يكون العمل الفني ممتعًا، وجيد الصنع، فهذه رسالة بحد ذاتها.
لكن بحكم تكويني الصحفي، وميلي الشخصي، ومراقبتي المستمرة للمجتمع المصري، وأحيانًا للمجتمع العربي بقدر ما أستطيع، أجد نفسي مشدودًا إلى هذه القضايا، خاصة أنها، في جوهرها، مليئة بالدراما. فكل قضية من تلك القضايا خلفها ألف قصة تستحق أن تُروى، وألف شخصية تستحق أن تظهر على الشاشة.
لا أرى القضية فقط كموضوع مجرد، بل أراها من خلال البشر الذين يقفون وراءها. وهؤلاء البشر، بطبيعتهم، يحملون دراما إنسانية غنية. ولذلك أستطيع أن أقول إن الشخصيتين اللتين تسكنانني – الصحفي، وكاتب السيناريو – تعملان معًا، وتتفاعلان، ويقود هذا التفاعل إلى النتيجة النهائية التي تظهر في العمل الفني.
وكيف تفسّر، مثلًا، أنك طرحتَ قضية حسّاسة وشائكة في “صلة رحم” (2024) دون أن يُحدِث الأمرُ تصادمًا مع الجمهور، كما يحدث عادة أثناء تناول قضايا مسكوتٍ عنها؟
في الحقيقة هذا ما تجلّى بوضوح في مسلسل “صلة الرحم”، وربما كان يحمل جزءًا من تراكم الخبرة والتجربة في أعمال سابقة. كنت مدركًا تمامًا أنني أخوض في منطقة حساسة، وربما حقل ألغام لا غبار عليه، لأن مجرد طرح هذه القضية في إحدى الحلقات كان كفيلاً بأن يُنظر إلينا باعتبارنا نروّج لشيء جدلي، مثير ومزعج.
لذلك كان لا بد من تمهيد إنساني للقضية. أردت أن أقدّم هذه القصة الحساسة من خلال حكاية إنسانية بسيطة، تلامس أغلبية الناس، وتدفعهم للتفاعل والتفكير. هذا ما حدث، فقد وصلتني رسائل كثيرة بعد عرض المسلسل، ومن بينها واحدة كانت من أقوى ما تلقيت، تحدثت عن جدال دار داخل أسرة مصرية بسيطة حول موضوع الإجهاض، وهو أحد الخطوط الدرامية في المسلسل، حيث كان لديهم موقف حاسم وصارم ضده؛ لكن حين تابعوا حالة إنسانية معينة عُرضت ضمن الأحداث بدؤوا يعيدون النظر. صار النقاش يدور حول ضرورة التفكير في كل حالة على حدة، بدلًا من إطلاق حكم عام، بدؤوا يتساءلون: هل من العدل أن نحرّم الإجهاض مطلقًا؟ ألا توجد حالات يمكن أن يكون فيها الإجهاض إنقاذًا لحياة امرأة، أو حمايتها من مأساة اجتماعية أو نفسية؟ وهنا شعرت بأن العمل أصاب هدفه الحقيقي.
“صلة رحم” لم يتوقف فقط عند قضية تأجير الأرحام، بل وضع اليد أيضًا على موضوع الإيقاف الإرادي للحمل، وهي مسألة شديدة الحساسية في مصر، وربما في أغلب المجتمعات العربية. ومع ذلك أدهشني أن هذا المسلسل، وربما يكون الوحيد من بين ما كتبت، لم يواجه أي هجوم أو نقد فكري أو مجتمعي يرفض الطرح، باستثناء بعض الملاحظات الفنية المعتادة، وهذا في حد ذاته اعتبرته نجاحًا كبيرًا.
تمكّنا من تمرير قضايا شائكة دون افتعال صدام. ما أطمح إليه هو إثارة التفكير، لا إثارة الجدل. أريد دفع الناس لإعادة النظر في أفكارهم الراسخة، ليتساءلوا: هل هذه القناعات تستحق الثبات؟ أليس من الممكن أن تكون هناك أفكار أخرى أكثر استحقاقًا للتأمل والنقاش؟.
هذا هو، في نظري، الهدف الأسمى من الكتابة، والفن، والإبداع: أن نوقظ القلق المشروع، وأن نُشعر القارئ أو المشاهد بأن الحقيقة قد لا تكون دائمًا ما نؤمن به، بل قد تكون هناك حقيقة أخرى، خارج إطارنا الشخصي، تنتظر من يراها.
ربما تحدثنا بما يكفي عن بعض أعمالك… يهمنا كذلك أن نعرف وجهة نظرك بخصوص التطور الذي تُبصم عليه بعض الأعمال الدرامية المغربية، إن كنتَ مواكبًا…
الواقع أنني حريص على متابعة بعض الإنتاجات المغربية، وخصوصًا الأفلام؛ شاهدتها في المهرجانات التي تُقام في مصر، مثل مهرجان القاهرة السينمائي أو مهرجان الجونة. وقد شاهدت بالفعل عددًا من الأعمال التي أثارت اهتمامي وكتبت عنها. تابعت النقاش الذي رافق مسلسل “الدم المشروك” الذي كتبته مواطنة مصرية. وأنا أؤمن إيمانًا حقيقيًا بأن كل مجتمع يستحق أن يتحدث عن نفسه، ويطرح أفكاره وقضاياه الدرامية.
لكنني لا أخفي أنني خلال وجودي في المغرب في هذه الفترة حرصت على مشاهدة كل ما يمكنني متابعته، لأن لدي رغبة دائمة في ألا يقتصر عملي على مصر فقط، بل أطمح إلى أن تكون لي أعمال درامية في مجتمعات عربية أخرى أحبها، خاصة تلك التي تواجه ظروفًا قريبة من واقع المجتمع المصري. بالطبع لن تكون لدي المعرفة الكاملة والدقيقة بالتفاصيل، لكنني مهتم جدًا بأن أكتب شيئًا يمس المجتمع المغربي، أو يكون لي اتصال بعمل درامي له علاقة بالثقافة المغربية، لأن هذا في حد ذاته وسيلة لفهم أعمق لهذا المجتمع.
من خلال الصحف والمجلات والمواقع التي أتابعها، مثل هسبريس، أكتشف أن هناك قضايا حقيقية في المغرب تتحمّل الانتقال إلى الصيغة الدرامية. لكنني لا أملك، في المقابل، معرفة كافية بالبيئة الإنتاجية في المغرب. أعي أن البلد المغاربي يُعد وجهة مهمة جدًا لإنتاج العديد من الأفلام الأجنبية، لكنني لا أعرف تفاصيل إنتاج الدراما المحلية بشكل دقيق. وربما تمثل هذه الزيارة فرصة استكشاف بالنسبة لي.
كما قلتَ لدينا تجربة كتابة السيناريست المصرية هاجر إسماعيل للمسلسل المغربي الدم المشروك. هل يمكن أن نراك متعاونا مع مخرجين أو منتجين مغاربة؟
أنا متحمس جدًا حقيقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات التي أحب أن أكتب عنها. هذا كان شعورًا نظريًا في البداية، لكن عندما زرت المغرب وقمت بجولة في الرباط، والدار البيضاء، وطنجة، اكتشفت أن البلد يمتلك إمكانيات ضخمة لكتابة عشرات المسلسلات الدرامية. توجد أحداث وشخصيات تستحق أن تُسرد في أعمال من هذا النوع. المجتمع المغربي بكل تنوعه وأحداثه يستحق عرضا يليق به.
بالطبع هذا يفتح لي بابًا حقيقيًا للحماس والإبداع في مثل هذه المشاريع، لكنني في الوقت نفسه لا أملك فكرة واضحة حول دورة الإنتاج المحلية في المغرب. ومع ذلك، من حيث الفكرة، أنا متحمس. ويمكن تنفيذ هذا النوع من المشاريع بالتعاون مع كتّاب مغاربة. يستحيل أن أكتب مسلسلًا عن المغرب وأنا لست مقيمًا فيه، لكنني مستعد للتعاون مع مغاربة، والمشاركة في الإنتاج المحلي لضمان تقديم عمل درامي يتناسب مع الثقافة المحلية والهموم التي تنتعش فيها.
أكد هشام العماري، الرئيس الجديد لنادي قضاة المغرب، أنه سيعمل، بمعية المكتب التنفيذي، على التحصين الاقتصادي والاجتماعي للقضاة، باعتباره مدخلا أساسيا من مداخل تعزيز استقلالية القضاة وضمان نزاهتهم.
وسجل العماري، الذي خلف عبد الرزاق الجباري على رأس النادي، أنه سيعمل من خلال رئاسة هذه الهيئة المدنية على دعم استقلال السلطة القضائية ودعم نزاهة القضاء وتخليقه وتعزيز ثقة المتقاضين في القضاء.
كيف تلقيت انتخابك من لدن زملائك القاضيات والقضاة رئيسا على رأس نادي قضاة المغرب؟
بداية، نشكركم على تواصلكم معنا وتسليط الضوء على جمعية نادي قضاة المغرب. بالنسبة لنا فقد تلقينا حدث انتخابنا رئيسا لهذا النادي بكل فخر واعتزاز. لذا، أتقدم بالشكر لكل أعضاء نادي قضاة المغرب الذين حضروا إنجاحا لمجريات الجمع العام السادس لهذه الجمعية المهنية القضائية المواطنة، والذين وضعوا ثقتهم في شخصي وفي أعضاء المكتب التنفيذي والمجلس الوطني.
ونتمنى أن نكون عند حسن ظنهم، وأن يكون التوفيق حليفنا في تحقيق أهداف الجمعية المسطرة في قانونها الأساسي وبلورة مبادئها وأفكارها.
ما هي أبرز الملفات التي ستعملون على الترافع عليها في ولايتكم؟
سنشتغل في نادي قضاة المغرب، في إطار الاستمرارية، على نهج الأجهزة المسيرة السابقة التي وضعت خطوطا كبرى للعمل.. تتمحور أساسا حول دعم استقلال السلطة القضائية، ودعم نزاهة القضاء وتخليقه، وتعزيز ثقة المتقاضين في القضاء، في انسجام مع عمل باقي الفاعلين في مجال العدالة عموما والقضاء على وجه الخصوص.
هل ترون أن ملف التحصين الاقتصادي للقضاة يعد السبيل الأنجع لضمان استقلالية القضاة ونزاهة القضاء؟
طبعا، ملف التحصين الاقتصادي والاجتماعي يوجد من ضمن الأولويات، ويندرج ضمن ملفات أخرى تصب جميعا في دعم الضمانات التي من شأنها أن تعزز استقلال القضاة ونزاهتهم وحيادهم وأمنهم واستقرارهم. وكل هذا سينعكس على تحقيق أهداف الأمن القضائي للمتقاضين.
بالنسبة للمقاربة التشاركية، كيف ستتعاملون مع عدم إشراككم في إعداد مشاريع القوانين؛ من قبيل مشروع قانون المسطرة الجنائية وغيره؟
إن نادي قضاة المغرب لم يتخلَّ يوما عن تفعيل دوره الاقتراحي، وكان حريصا على المبادرة في طرح أفكاره الإصلاحية إن بشكل رسمي ومباشر أو بشكل غير مباشر، وخاصة عن طريق نشر تقاريره ومذكراته. إن التشاركية مبدأ دستوري لا ينحصر في شكل معين، وإن كنا نأمل من جميع الجهات التي لها صلة بمجال العدالة أن تفعل مبدأ التشاركية بالشكل الذي لا يفرغه من محتواه؛ فالتشاركية مبدأ ديمقراطي داعم لقيم الشفافية، ويساهم في تنشيط النقاش المجتمعي وإشراك الجميع في إبداء وجهة نظره مع الاحتكام في الأخير للآليات الديمقراطية واحترام مبدأ فصل السلط في ظل المرونة التي تقتضي التعاون بين السلطات وليس الفصل المطلق.
وفيما يتعلق بمشروع قانون المسطرة الجنائية، فنادي قضاة المغرب على استعداد لإبداء وجهة نظره حوله، خاصة فيما يتعلق بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة وضمان حريات المواطنين بما لا يتعارض مع واجبات التحفظ والحياد التي تقتضيها الطبيعة القضائية لجمعيتنا المهنية.
ولا إشكال لديه في التعاون مع آليات المؤسسة التشريعية في سبيل تجويد النص القانوني وضمان صياغة تشريعية واضحة وسليمة تساهم في خلق التوازن المنشود بين قرينة البراءة وحقوق الدفاع وفي الوقت نفسه حماية المجتمع من الجريمة وإيقاع العقوبات المناسبة تحقيقا للردع الخاص والعام وتنزيل أهداف السياسات الجنائية كل من موقعه ومن زاوية اختصاصه وتدخله.
أكد كريم زيدان، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، أن انخراطه في الحياة السياسية كان خطوة واعية هدفها رد الجميل للوطن، موضحا أن دخوله هذا المجال جاء انطلاقاً من رغبته في الجمع بين تكوينه الأكاديمي والمهنية التي اكتسبها في بلد الهجرة، مع خدمة وطنه الأم.
وقال زيدان إن فكرة العودة إلى المغرب كانت تراوده دائما، خاصة بعد سنوات من التكوين والعمل في ألمانيا، إذ قرر في عام 2007، رفقة مجموعة من الكفاءات المغربية المقيمة هناك، تأسيس شبكة الكفاءات المغربية بألمانيا، مشيرا إلى أن هذه المبادرة جاءت بعد أن أدركوا حجم الاستثمار الذي قدمه المغرب في تكوينهم لأكثر من 18 سنة قبل أن ينتقلوا إلى ألمانيا لمواصلة دراستهم وتطوير مهاراتهم لمدة تراوحت بين 6 وثماني سنوات أو أكثر.
وأضاف زيدان، خلال حلوله ضيفا على برنامج “مع يوسف بلهيسي” الذي بث أمس الأحد على منصات جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن التحويلات المالية التي يرسلونها لدعم أسرهم لم تكن كافية لرد الجميل للوطن، مما دفعه ورفاقه من المهاجرين المغاربة بألمانيا، إلى التفكير في وسائل أخرى تساهم في تحقيق هذا الهدف”، مضيفا “ومن هنا، جاءت فكرة إنشاء شبكة لمغاربة ألمانيا تسعى إلى نقل المعرفة والخبرة إلى المغرب، مع الحرص على الدفاع عن المصالح العليا للبلاد، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية”.
وعن انخراطه في حزب التجمع الوطني للأحرار، أوضح زيدان أن هذا القرار جاء نتيجة لتجارب عملية سابقة، حيث تمكنت الشبكة التي كان يترأسها من تنفيذ مشاريع تنموية في المغرب، لا سيما في المناطق النائية، مثل مشاريع توفير المياه بالطاقة الشمسية، مؤكدا أن دخوله عالم السياسة، واختياره لحزب الأحرار تحديداً، كان بهدف تسهيل إنجاز هذه المشاريع وتحقيق أثر أكبر على أرض الواقع، لافتا إلى أن العمل السياسي مكنه من تحويل أفكاره إلى خطوات عملية تتجاوز إمكانيات المجتمع المدني.
وتحدث زيدان عن الصعوبات التي واجهته في مسيرته، مشيراً إلى أن التجربة السياسية رغم تحدياتها، لا تقارن بصعوبة الهجرة الأولى والسفر إلى المجهول ومحاولة الاندماج في مجتمع جديد، وأضاف قائلاً: “لا توجد تجربة أصعب من تلك الفترة الأولى في الهجرة،. لكن الدخول إلى السياسة كان بالنسبة لي أحسن تجربة في حياتي، وأنا فخور بها وممتن لها”، مشددا على أن السياسة بالنسبة له وسيلة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، خاصة عندما تنطلق من رغبة صادقة في خدمة الوطن والوفاء له.
قال الراغب حرمة الله، رئيس المجلس الجماعي لمدينة الداخلة، إن 80 في المئة من برامج إعادة تأهيل البينات التحتية على مستوى جماعة الداخلة تمت بشكل كامل، مُؤكداً أن هذه المشاريع تهم شبكة الصرف الصحي ومشاريع محطات معالجة المياه العادمة وأيضا إعادة تهيئة شبكة الماء الصالح للشرب وشبكة الإنارة العمومية.
وأضاف حرمة الله، في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن ميناء الداخلة هو مشروع يفتح الجهة على العالم من خلال المحيط الأطلسي، خصوصاً أننا نتحدث عن مجموعة من الخطوط البحرية التي سيتم فتحها لا مع أوروبا ولا أيضا مع القارات الأمريكية والعمق الإفريقي، وهو ما يؤكد الزخم التنموي الذي تعيشه الجهة.
وفي ما يتعلق بالدينامية الإقتصادية والتنموية التي تعرفها الجهات الجنوبية للملكة بعد توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، أوضح المسؤول الجماعي أن زيارة السفير الفرنسي لجهة الداخلة وادي الذهب واكبتها زيارة أكثر من 60 شركة فرنسية، مؤكداً أن هذا ما يدعم المسار الاقتصادي والتنموي للجهة.
وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:
الزائر لمدينة الداخلة يلاحظ أنها مفتوحة على أوراش تنموية متعددة، ونحن تقريبا في نصف الولاية الجماعية، أين وصلت دينامية تنزيل البرامج والمخططات التي أشرفتم على إطلاقها أو مواكبتها؟.. وأي طموح لما تبقى من عمر الولاية؟
بعد الانتخابات التشريعية والجماعية في 8 من شتنبر 2021 قمنا كمجلس جماعي بمدينة الداخلة بعمل برنامج عمل والذي يأتي في إطار القوانين التنظيمية للجماعة الترابية والتي تفرض عليها أن تقوم بإنجاز برنامج عمل الذي سيسطر برنامجها على مدى المدة الانتدابية من عام 2021 حتى عام 2027، يعني على طول المدة الانتدابية للمجلس الجماعي.
هذا البرنامج عمل يتناول بالدرجة الأولى المشاكل التي تعاني منها الجماعة بشكل عام والأمور ذات الأولوية التي يجب أن تتطور وتعاد هيكلتها بشكل عام, وفي هذا الصدد قمنا بعمل مجموعة من البرامج الكبيرة التي تهم بداية كل ما يتعلق بشبكات الصرف الصحي إعادة استعمال المياه العادمة وأيضا إعادة تهيئة شبكة الماء الصالح للشرب وأيضا شبكة الإنارة العمومية.
هذا برنامج كبير كانت جماعة الداخلة في حاجة كبيرة له والذي تم إلى حدود اليوم إنجاز 80 في المئة المشاريع المرتبطة به على أرض الواقع، بشراكة مع القطاعات الوصية والتي ساهمت معنا لنقوم بتنزيل هذا الورش الكبير وهو ما يدخل أيضا يدخل في إطار تحسين البنيات التحتية لمدينة الداخلية.
المشروع الآخر له علاقة بأسواق القرب والذي اشتغلنا عليه بعد الانتخابات التي بوأتنا رئاسة المجلس وبشراكة مع وزارة الفلاحة والصيد البحري خصوصاً في ما يتعلق بتمويل إنجاز مشاريع جماعة الداخلية. وهذا المشروع يتضمن خمسة أسواق القرب في جميع أحياء المدينة بالإضافة إلى مشروع كبير ومهم وهو إعادة تهيئة وتأهيل سوق الجملة للخضر والفواكه والذي سيكون لديه تأثير جد إيجابي على القدرة الشرائية للساكنة من خلال خلق جودة التنافسية الاقتصادية بين تجار الخضر والفواكه بمدينة الداخلة.
في ما يتعلق بسوق المواشي، الذي يعتبر هو الآخر سوق مهمة، والذي ستنطلق فيه الأشغال في القريب العاجل والذي سيكون داخل المشاريع السوسيو اقتصادية التي تساهم دائما في تخفيض تكلفة السلع والمواد الغذائية على المواطنين.
وهذا مشروع جد مهم اشتغلنا فيه على أساس ضمان التنمية المجالية داخل جميع أحياء المدينة بدون تمييز وسيكون لجميع أحياء المدينة أسواق القرب مزودة بالمشتريات بشكل يومي.
في موضوع متصل بالعرض الفلاحي، يطرح دائماً سؤال هنا بالداخلة حول إشكالية الماء، هل يمكن لمشروع تحلية ماء البحر أن يجيب عن هذه التخوفات التي تؤرق بال المواطنين؟
بالطبع، مدينة الداخلة كانت تعتمد على المياه الجوفية. وفي نفس الوقت، كانت هناك مشكلة شبكات التوزيع على مستوى المدينة التي بفضل برنامج الجماعة بخصوص الماء الصالح للشرب، الذي تم إنجاز 80 في المئة من مراحله تجاوزنا مشكل الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب على الساكنة، والتي لم تعد قائمة اليوم بتوفر ساكنة الداخلة على المياه الصالح للشرب 24 ساعة على 24 ساعة.
في مدينة الداخلة، التطور العمراني وتزايد عدد الساكنة ضاعف من الطلب على الماء الصالح للشرب. وفي نفس الوقت هناك محطة تحلية مياه البحر والتي تعتبر من بين المشاريع الاستراتيجية ذات الأهمية القصوى من خلال الرهان عليها في تزويد الموارد الكافية من أجل سقي 5 آلاف هكتاراً من المساحات المزروعة.
ومن خلال محطة تحلية المياه سيتم تزويد مدينة الداخلة وحتى المراكز الصاعدة المجاورة لها بالموارد المائي التي تكفيها، والتي وصلت فيها الأِشغال إلى مستوى متقدم بشكل كبير، حيث سيتم توزيع هذه الموارد من خلال محطة ضخ مياه صالحة للشرب للساكنة والتي أعطى الملك محمد السادس إنطلاقة أشغالها سنة 2017.
والمشكلة التي كانت تعاني منها جهة الداخلة وادي الذهب هو توفرها على أراضي صالحة للزراعة وأراضي فلاحية بامتياز. وهو ما يؤكده توفر هذه المدينة على 14 ضيعة فلاحية بإنتاج كبير لدرجة أن المنتجات الفلاحية لمدينة الداخلة أصبحت ذات سمعة عالمية من ناحية الجودة، بما في ذلك الطماطم والبطيخ الأصفر لمدينة الداخلة وغيرها من المنتوجات الفلاحية التي أصبحت ذات سمعة كبيرة على الصعيد العالمي.
بشكل أدق، فالمشكل كان مطروحا على مستوى المياه الصالحة للشرب، بحكم أن أخر تقارير الحوض المائية حول الفرشة المائية أكدت أن جميع ضيعات فلاحية تعتمد على الفرشة المائية والفرشات الجوفية لكي يتم سقي هذه المساحات المزروعة، ولكن اليوم سيصبح هذا المشروع الكيبر للتحلية هو المزود الأساسي من مياه السقي لهذه الضيعات الفلاحية، والتي سيكون لها دور كبير في سقي الأراضي الفلاحية الكبيرة، خصوصاً أننا نتحدث عن مشروع مندمج كبير يسع 5 آلاف هكتاراً مسقية من محطة تحلية الماء.
وهذه المحطة مزودة أيضا بالطاقة الكهربائية النظيفة من خلال محطة للطاقة الريحية التي ستكون مزودة بالطاقة الكهربائية النظيفة لهذه المحطة لتحلية ماء البحر، التي سيتم من خلالها سقي المساحات الزراعية والضيعات الفلاحية وتزويد مدينة الداخلية والقرى والجماعات الصاعدة
بالنظر إلى كل ما تحدثتم حوله من مشاريع تنموية وأوراش كبيرة في مجال الماء الصالح للشرب ومياه السقي، هل يمكن أن نعتبر أن الداخلة تحولت إلى منصة لتصدير الخضر والفواكه خصوصاً للدول الإفريقية وبشكل أخص لموريتانيا؟
إن الموقع الجغرافي والجيوـ استراتيجي لجهة الداخلة واد الذهب وفي إطار الاستراتيجية الملكية المبنية على منطق جنوب جنوب، وفي إطار الانفتاح الاقتصادي للمملكة المغربية على عمقها الإفريقي من خلال المعبر الحدودي بالكركارات، لكونه المعبر الوحيد الذي يوفر الانسيابية وحركية السلع والمواد الغذائية لا من أوروبا في اتجاه البلدان الإفريقية جنوب الصحراء ولا أيضا المنتوجات المصنوعة في المملكة المغربية.
وفي هذا الصدد، يمكن أن نتكلم عن منتوجات مثل الحليب ومشتقاته والأرز وجميع المنتجات الغذائية التي يمكن أن تصدر نحو الأسواق الإفريقية، بالإضافة إلى الأسماك من سواحل الداخلة التي يتم عبرها تزويد مجموعة من البلدان الإفريقية.
واليوم، ووفق آخر الإحصائيات، كانت تقريبا 45 ألف شاحنة توجهت نحو الأسواق الإفريقية عبر المركز الحدودي الكركرات، وهو ما يعطي نظرة واضحة حول انسيابية المواد الغذائية بشكل عام وانتقال الخضر الفواكه إلى الدول الإفريقية.
وبهذه الـ5 آلاف هكتاراً من خلال خلق هذه المساحات الزراعية الكبيرة ستتم المساهمة في ضمان الأمن الغذائي للبلدان الإفريقية، وحتى بفضل المبادرة الأطلسية التي أعطى انطلاقتها الملك محمد السادس من خلال الانفتاح على البلدان الإفريقية عن طريق ميناء الداخلة الأطلسي، والذي سيكون لديه دور كبير وجد هام في إطار انفتاح المملكة المغربية وجهة الداخل والذهب على عمقها الإفريقي.
بالعودة إلى حديثنا عن مشاريع البنيات التحتية، يمكن أن نتحدث عن مشروع ضخم يجعل من الداخلة محوراً تجارياً ليس فقط على المستوى الإقليمي أو الإفريقي فقط، وإنما على المستوى العالمي، وأتحدث هنا عن ميناء الداخلة، ما الذي يمكن أن تقدمه كمعطيات عن هذا المشروع الاستراتيجي؟
المشروع الكبير للميناء الداخلة الأطلسي هو مشروع ملكي كبير أعطى انطلاقه الملك محمد السادس بكلفة مليار و200 مليون دولار والتي تساوي 12 مليار دولار درهم، وهو مبلغ كبير لمشروع ضخم اختار الملك أن يتم على مستوى جهة الداخل واد الذهب، الشيء الذي يبين الدور الاستراتيجي والكبير والمكانة الخاصة الذي يوليها الملك لهذه الجهة من الأقاليم الجنوبية.
ميناء الداخلة هو مشروع جد هام سيفتح الجهة على العالم من خلال المحيط الأطلسي، خصوصاً أننا نتحدث عن مجموعة من الخطوط البحرية التي سيتم فتحها لا مع أوروبا ولا أيضا مع القارات الأمريكية ولا أيضا مع العمق الإفريقي من خلال مجموعة من الموانئ الإفريقية. وهنا نعود مجددا لنتحدث عن مبادرة الملكية الأطلسية التي من خلالها سيتم ربط المحيط الأطلسي مع مجموعة من الدول المتواجدة في الساحل والتي لا تتوفر على واجهة بحرية على الأطلسي وفي مقدمتها النيجر ومالي وبوركينافاسو وتشاد ومجموعة من الدول الإفريقية.
وهذا يبين أيضا الدور الكبير الذي يقوم به الملك محمد السادس ولاستراتيجية التعاون جنوب جنوب، وذلك من خلال التأكيد أنه حتى التنمية الاقتصادية ليست فقط للمملكة المغربية وحدها، ولكن أيضا تعاون مع إخواننا في الدول الافريقية بحكم أن تنميهم اقتصادياً أو مساعدتهم من خلال هذا ما يتيحه هذا الميناء من خدمات.
وهذا المشروع الكبير سيساهم أيضا في نحقيق تنمية اقتصادية لمعظم البلدان الإفريقية، كما أنه سيبدل الوجه العام لجهة الداخلة واد الذهب من خلال خلقه لفرص شغل كبيرة وجذب استثمارات بشكل هام، بحكم توفر هذا الميناء على منطقة لوجيستيكية بـ1600 هكتار والذي نتوصل بطلبات شركات عالمية من أجل الاستثمار فيه وفي الجماعات المجاورة، وهو ما يأتي في إطار الدينامية التنموية والاستثمارية الكبيرة، وهو ما ستدعمه مضامين الميثاق الوطني من أجل الاستثمار.
هذا الزخم التنموي يأتي في سياق توالي الاعترافات بمغربية الصحراء، أتحدث هنا بشكل أدق عن فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية. هل انعكست هذه الدينامية الدبلوماسية على مستوى الاستثمارات بجهة الداخلة وادي الذهب؟
جهة الداخلة وادي الذهب هي من الجهات التي تتوفر على مجموعة من الموارد الطبيعية التي جعلتها تكون ذات جاذبية خاصة للاستثمار وخاصة في كل ما هو بحري فلاحي وطاقي وحتى في السياحة والصناعة. واليوم لدينا مجموعة من الشركات المختلفة الجنسيات التي لديها استثمارات في جهة الداخلة وادي الذهب.
اليوم نتحدث عن مستثمرين فرنسيين وإسبانيين، بالإضافة إلى شركات دولية متعددة الجنسيات والتي أظهرت اهتمامها بجهة الداخلة وادي الذهب.
وفي وقت قريب، كانت زيارة السفير الفرنسي لجهة الداخلة وادي الذهب قد واكبتها زيارة أكثر من 60 شركة فرنسية التي جاءت إلى المدينة الداخلة عقب زيارة إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية للمملكة المغربية واستقباله من طرف الملك، ما دعم المسار الاقتصادي والتنموي الذي كان في جهة الداخلة وادي الذهب، وهذه الاعترافات الدولية بسيادة المغرب على كامل التراب الوطني والدعم المتواصل لمخطط للحكم الذاتي كحل وحيد لهذا النزاع المفتعل هو أيضاً فرصة بيد هذه الدول من أجل الانفتاح على استثمار أموالها على مستوى الجهة.
والأكيد أن الموقع الاستراتيجي لميناء جهة الداخل وادي الذهب من خلال قدرته على الربط بين أوروبا والمملكة المغربية وعمقها الإفريقي بالإضافة إلى معبر الكركرات، يجعلها تلعب دور جدا مهماً في إنجاح المبادرات الملكية وعلى رأسها المبادرة الملكية الأطلسية وأيضا مبادرة التعاون جنوب جنوب وتطوير البنية التحتية الاقتصادية والاستثمارية لجهة الداخلة وادي الذهب بشكل يجعلها قطب اقتصادي كبير ومهم.
بما أننا نتحدث عن البينة التحتية، هناك أيضا مطار الداخلة الذي يعتبر من المنشآت المهمة على مستوى الجهة. هل يمكن أن نعتبر أننا أمام تحويل المدينة إلى مركز جاذب ليس فقط للسياح وإنما أيضا للمستثمرين؟
بالطبع، إذ لا يستقيم الحديث عن تنمية لأي جهة دون مطارات أو موانئ أو طريق سريع، وهذا ما تتوفر فيه جهة الداخلة على برامج الكبيرة، والتي تدخل في إطار برامج تنمية الأقاليم الجنوبية الذي يتضمن الطريق السريع تزنيت/ الداخلة وتوسيع فضاءات مطار الداخلة وحتى ميناء الداخل الأطلسي.
مطار الداخلة الدولي، هو اليوم من بين المطارات الدولية المهمة جدا، بحكم توفره على رحلتين يوميتين في تجاه الدار البيضاء وخمس رحلات أسبوعية لأكادير ورحلتين للرباط و3 رحلات مباشرة لباريس وفرنسا ورحلتين مباشرتين لمدريد ورحلتين مباشرتين للاس بالماس ولجزر الكاناريا.
وهناك أيضا طلب كبير من أجل الانفتاح على مجموعة من الوجهات العالمية والدولية، وهو ما أستطيع أن أؤكد لكم أن هناك استراتيجيات لدعم هذه الخطوط الجوية التي ستفتح وستكون فرصة إيجابية للمستثمرين خصوصا بين البلدان الأوروبية.
دائما في المجال السياحي، تشتهر الداخلة بكونها وجهة سياحية، ما يجرنا للتساءل حول كفاية بنية الاستقبال لاستيعاب العدد المتزايد للسياح الوافدين على الداخلة؟ وماذا عن استراتيجية توفير خدمات سياحية بأثمنة محفزة؟
مطار الداخلة الدولي هو الداعم والمحرك الأساسي للنشاط السياحي في جهة الداخلة وادي الذهب، حيث إن الداخلة من المدن السياحية التي أصبح عليها إقبال على المستوى الدولي حيث تنظم تظاهرات رياضية كبرى وفي مقدمتها بطولة مولاي الحسن لـ”السورف” و و”الكايتير” التي يتم تنظيمها من طرف الجامعة الملكية للرياضات البحرية، وهناك مجموعة من التظاهرات الرياضية التي يتم تنظيمها الجهة الداخلية وادي الذهب، نتيجة النقل الجوي أولا الذي جعلها وجهة محفزة للسياح بالإضافة إلى البنية التحتية السياحية التي توجد في مدينة الداخلية اليوم مثل الفنادق والمخيمات السياحية وسط المدينة.
ونحن دائما نطمح لبنيات سياحية أكثر، لأنه يتم إضافة مجموعة من الوحدات الفندقية التي لابد من تشجيع مشاريع المستثمرين الذين يعملون في إطار بناء وحدات فندقية تنضاف للوحدات الفندقية ذات جودة عالية التي تتوفر عليها جهة الداخلة وادي الذهب.
بالعودة إلى رهان جهة الداخلة وادي الذهب على الموارد الطاقية لإنجاح عدد من المشاريع التنموية. من هذا المنطلق يمكن أن نطرح سؤالاً حول الجانب الإيكولوجي ودور المجلس الجماعي للحفاظ على التوازن الإيكولوجي، خصوصاً أننا نتكلم على صناعات متعددة.
بكل صراحة، هناك عدد من الإكراهات البيئية التي تعاني منها مدينة الداخلة، لكننا نشتغل على إعادة تأهيل جميع البنيات التحتية وخصوصا شبكات الصرف الصحي والماء الصالح للشرب وإعادة استعمال المياه العادمة.
وفي هذا الصدد، لدينا هنا في مدينة الداخلة دفاتر تحملات مفروضة على مجموعة من الوحدات الفندقية، وخصوصا التي تتواجد بالقرب من خليج الداخلة ولا أيضا الوحدات الصناعية التي توجد في المدينة.
وتتوفر مدينة الداخل أيضا على محطات معالجة المياه العادمة التي دشنها الملك محمد السادس سنة 2016، وهي من المحطات المهمة التي تجعلنا اليوم كجماعة مدينة الداخلة نقوم بإعادة استعمال المياه العادمة في سقي المساحات الخضراء والتي أيضا تعالج مخلفات مياه الصرف الصحي لكي تتم إزالة جميع المواد التي تؤثر على البيئة.
يوجد مشروع آخر مشروع محطة معالجة المياه العادمة الناتجة عن نشاط الوحدات الصناعية التي تتعلق بالسمك، خصوصا الصناعة الغذائية. وهي مخطة في طور الإنجاز ستعالج المياه المستخرجة من هذه الوحدات الصناعية، وهي كلها إجراءات تأتي في إطار المحافظة على البيئة وخصوصا أننا لدينا، الذي يعتبر من أجمل الخلجان على الصعيد العالمي.
سؤالنا الأخير، حول تثمين الثروة الثقافية الصحراوية والحسانية لمدينة الداخلة. كيف يمكن أن نحافظ ونطور في نفس الوقت هذا الكنز الثقافي بهذه المدينة الجميلة؟
بالنسبة لكل ما له علاقة بالتراث الحساني والصناعة التقليدية المحلية، هناك مجموعة من المبادرات الشبابية هنا في جهة الداخلة وادي اللذهب من طرف أبناء المدينة اذلين أسسوا وحدات فندقية ومشاريع صغرى التي تصون الثقافة الحسانية ويمكن للسائح أن يأتي ويتعرف عليها,
وفي هذا الباب، هناك أيضاً مجموعة من المطاعم داخل المدينة التي تقوم بتحضير الأطباق الأصيلة بالإضافة إلى مركب الصناعة التقليدية وهي منشأة جد مهمة من أجل تثمين الصناعة التقليدية المحلية، والتي يمارس فيها مجموعة من الصناع التقليديين حرفاتهم ويوفر لهم نقطة البيع.
وهناك مشروع أيضا دار الصانع الذي تسيره إبنة مدينة الداخلة، وهي دار لها دور كبير في التعريف بالتراث الحساني وتراث جهة الداخلية بشكل عام والذي يمكن للزوار أن يأتوا لزيارته، سواء السياح الأجانب أو المغاربة.
نواكشوط -حاوره أحمد مدياني/ بمساهمة من Marin Daniel Thézard
في منعطف حاسم من تاريخ البنك الإفريقي للتنمية، تتجّه أنظار عدد من عواصم العالم وقارتنا إلى أبيدجان؛ حيث يُحسم، نهاية ماي الجاري، اسم الرئيس الجديد لأهم مؤسسة تمويلية في القارة.
وبينما تُطرح الأسئلة حول تحديات المديونية، وضعف التصنيع، وهشاشة البنى التحتية، برز اسم المرشح الموريتاني، سيدي ولد التاه، كخيار إفريقي راكم تجارب يرى أنها تؤهله لقيادة المؤسسة الإفريقية المالية.
في هذا الحوار الحصري مع « تيلكيل عربي » من نواكشوط بدعوة من الرئاسة الموريتانية، يفتح ولد التاه أوراق حملته ويطرح رؤيته الصريحة لمستقبل البنك، واضعا على الطاولة ملفات الأمن والتنمية، والقروض والإصلاحات، وكأس العالم والماء، ومستقبل الشراكات مع الشمال والجنوب. وبعيدا عن الشعارات، يعرض الرجل خطة مدروسة لتحويل البنك من ممول تقليدي إلى ذراع استراتيجي لتغيير وجه القارة.
كما يجيب بصراحة وبدون لغة الخشب، عن قناعاته ورؤيته تجاه الأوراش المستقبلية التي تنتظر القارة ودولها، أهمها، استضافة المغرب لكأس العالم، ووعده المباشر بمضاعفة تمويل المشاريع المرتبطة به عشرات الأضعاف.
فهل يستطيع رجل خَبِر دهاليز المؤسسات المالية، من نواكشوط إلى الخرطوم وجنيف ودول الخليج الغربي، أن يكون صوت القارة المستقل؟ وهل يستطيع البنك الإفريقي، تحت قيادته، أن يتحوّل من دائن إلى شريك، ومن ممول للهامش إلى حاضن لنهضة إفريقية شاملة؟ وكيف يمكن له تنزيل مشروعه بتحويل القارة الإفريقية لمصنع كبير ينتج القيمة المضافة والتنمية والثروة عوض تصدير ثروتها بأثمان بخسة؟
إعلان ترشحك جاء في وقت متأخر نسبيا مقارنة بباقي المنافسين، هل كان هذا نتيجة حسابات دقيقة مرتبطة بوضعكم المهني، أم جاء استجابة لظروف جديدة رأت فيكم قيمة مضافة في هذا السباق؟
بالفعل، جاء إعلان ترشحي في وقت لاحق مقارنة ببعض المرشحين الآخرين، لكن ذلك كان نتيجة طبيعية لاعتبارات مهنية وليست سياسية أو شخصية. كنت في موقع مسؤولية يفرض عليّ احترام عدد من الالتزامات؛ من بينها الإشراف على استحقاقات إدارية ومالية حساسة؛ مثل المصادقة على الحسابات الختامية، وإطلاق عملية إصدار سندات في الأسواق الدولية، إلى جانب ضمان انتقال سلس داخل المؤسسة التي كنت أديرها. لم يكن من المناسب أن أشرع في حملة انتخابية بينما لا تزال هذه الملفات مفتوحة. لذلك، جاء قراري بعد أن استوفيت الشروط الأخلاقية والتنظيمية التي تتيح لي خوض هذا السباق بثقة واستقلالية.
باعتبارك تسعى لخلافة الدكتور أكينومي أديسينا، الذي قاد البنك لعشر سنوات، كيف تقيّم هذه المرحلة؟ وهل ترى أن لديك رؤية يمكن أن تمتد لعقد جديد بنفس الزخم؟
المؤسسات المالية متعددة الأطراف تُبنى بالتراكم، وكل قيادة تضيف لبنة جديدة في صرحها، وتترك بصمة خاصة في مجالات معينة. الرئيس أديسينا قاد البنك خلال مرحلة مفصلية، وحقق إشعاعا ملحوظا على المستوى الدولي، خاصة عبر استراتيجيته المعروفة بمحاورها الخمسة (High 5s). لا شك أن هناك نجاحات تحققت، لكن هناك أيضا مواطن بحاجة إلى تعزيز وتصويب. رؤيتي تنطلق من هذه الحقيقة: تعزيز ما أنجز، ومعالجة ما تعثر، مع تطوير آليات العمل لتواكب تحولات القارة واحتياجاتها المتسارعة. التحديات أكبر من أي وقت مضى، والبنك مطالب اليوم بأن يكون أكثر جرأة، وفاعلية، وقدرة على تعبئة الموارد واستقطاب الشركاء.
كنت تعتزم تقديم حملتك في أبيدجان، حيث ستُجرى الانتخابات في 29 ماي الجاري. في ظل وجود أربعة مرشحين آخرين، ما الذي تراه يُميزك عنهم ويجعل منك خيارا استراتيجيا لرئاسة البنك الإفريقي للتنمية؟
أكنّ كل التقدير لباقي المرشحين. فهم شخصيات مشهود لها بالكفاءة والخبرة، وأعتقد أننا جميعا نشارك الإرادة الصادقة في النهوض بالبنك الإفريقي للتنمية. لكن ما أعتقد أنه يميزني هو الجاهزية الكاملة للانطلاق منذ اليوم الأول. بفضل تجربتي التي تمتد لسنوات في رئاسة المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا، أدرك تماما ديناميكيات العمل داخل المؤسسات المالية الإقليمية، ولست في حاجة إلى فترة تعلّم أو تمهيد.
كما أن شبكتي الواسعة من العلاقات مع الفاعلين الدوليين والإقليميين، والتي بُنيت خلال مسيرتي في الحكومة الموريتانية وفي العمل التنموي الميداني، تشكل رصيدا مهما يمكن تعبئته لصالح البنك. لقد زرت معظم دول القارة، وشاركت في تقييم مشاريع تنموية ميدانية، وكنت حاضرا في لجان الإقراض وفي مجالس محافظي كبريات المؤسسات المالية؛ مثل البنك الدولي، والبنك الإسلامي للتنمية، والصناديق العربية.
هذه الخلفية المتنوعة، من الميدان إلى الاستراتيجيات الكبرى، تمنحني القدرة على ربط الرؤية بالتنفيذ، والملف التقني بالمصلحة العامة.
تُظهر التقارير أن الدين الخارجي للقارة الإفريقية بلغ، بحلول سنة 2021، أكثر من 824 مليار دولار؛ أي حوالي 65 في المائة من الناتج الداخلي الخام. هل ترى أن هذا الرقم قابل للتراجع في ظل رؤيتك التي تضع تحويل القارة إلى « منصة تصنيع » في صلب الاستراتيجية؟
نعم، أؤمن بأن التصنيع هو بوابة الخروج من الحلقة المفرغة للمديونية. القارة الإفريقية تمتلك ثروات هائلة، لكنها للأسف تُصدّر غالبا في شكل مواد خام دون قيمة مضافة تُذكر؛ مما يضيع عليها فرص خلق الثروة محليا. رؤيتي تقوم على تشجيع النشاط الإنتاجي محليا، وهو ما سيؤدي إلى زيادة دخل الحكومات من الضرائب، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي، وتعزيز الناتج الداخلي الخام.
البنك الإفريقي للتنمية، تحت قيادتي إذا نلت ثقة الدول الأعضاء، سيركز على دعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص، خاصة في مجال البنى التحتية الإنتاجية، واستقطاب تمويلات من صناديق سيادية، وصناديق تأمين، وحتى سندات المغتربين. الهدف هو تخفيف الاعتماد على القروض التقليدية، وتوفير تمويلات ذكية ومستدامة تعزز قدرة الدول الإفريقية على تمويل مشاريعها بنفسها، ما ينعكس مباشرة على خفض المديونية وتحسين التصنيف الائتماني.
تزايدت، في الآونة الأخيرة، الضغوط على بعض الدول الإفريقية للجوء إلى القروض التجارية قصيرة الأجل، وهي قروض يرى كثيرون أنها تستنزف الموارد، خاصة الطبيعية منها. ما موقفك من هذا التوجه؟
تمويل التنمية لا يمكن أن يُبنى على قروض قصيرة الأجل؛ لأن هذه الآلية غير متوافقة مع طبيعة المشاريع التنموية التي تحتاج وقتا للتنفيذ وتدرجا في تحقيق العائد. اللجوء المفرط إلى هذا النوع من القروض قد يحل مشكلات عاجلة، لكنه يراكم أعباء ثقيلة على المديين المتوسط والبعيد، ويجعل الاقتصادات عرضة للتقلبات المالية.
من هذا المنطلق، ستكون من أولوياتي في رئاسة البنك تعبئة موارد طويلة الأجل، والعمل على تنويع مصادر التمويل، مع إعطاء أولوية واضحة لجذب الاستثمارات المباشرة، وليس فقط التمويلات المديونية. فالقارة الإفريقية تحتاج اليوم إلى رأسمال ذكي، يدخل في شراكات حقيقية، ويخلق قيمة مضافة وفرص عمل، بدل أن يكون مجرد دين يثقل الميزانيات.
في إطار الأهداف المشتركة للبنوك الإنمائية متعددة الأطراف، كيف تُقيّم مكانة السياسات الاجتماعية ضمن أولوياتك، إذا تولّيت قيادة البنك الإفريقي للتنمية؟
لا يمكن تصور تنمية حقيقية دون بعد اجتماعي واضح وعميق. التنمية ليست فقط مؤشرات اقتصادية، بل جودة حياة، وصحة، وتعليم، وفرص عمل، وعدالة اجتماعية. معظم الدول الإفريقية تنتمي إلى الشريحة ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، وبالتالي، فإن التحديات الاجتماعية فيها مضاعفة، وتتطلب استجابات ذكية وشاملة.
في رؤيتي لقيادة البنك، سأضع السياسات الاجتماعية ضمن المحاور الأساسية لعمل المؤسسة، من خلال تمويل البرامج التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء والشباب، ودعم القطاعات الحيوية؛ كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية. البنك يجب أن يكون أداة لخدمة الإنسان، وليس فقط أداة لإدارة الأرقام.
البنك الإفريقي للتنمية يضم 82 دولة عضوا، منها فقط 28 دولة إفريقية، بينما الأغلبية من خارج القارة، خاصة من أوروبا. كيف ترى تأثير ذلك على استقلالية البنك وطابعه الإفريقي؟ وهل تعتقد أنه من الضروري إعادة النظر في هذا التوازن؟
صحيح أن البنك الإفريقي للتنمية أصبح، منذ سنة 1982، يضم في عضويته دولا غير إفريقية، وذلك استجابة لحاجة ملحة آنذاك: تعزيز قاعدته المالية. لكن في الوقت نفسه، حرص المؤسسون على الحفاظ على الهوية الإفريقية للمؤسسة، وهو ما تجلى في ثلاثة مبادئ رئيسية ما زالت قائمة حتى اليوم. أولا، الأغلبية في رأس المال تعود للدول الإفريقية بنسبة 60 في المائة. ثانيا، البنك يُموّل فقط الدول الإفريقية. ثالثا، رئاسة البنك لا تُمنح إلا لمواطن من القارة.
في عالم اليوم، لا غنى عن الشراكة الدولية، لكن يجب أن تكون هذه الشراكات في خدمة المصالح الإفريقية لا العكس. المطلوب ليس الانغلاق، بل الذكاء في التفاوض، والحفاظ على استقلالية القرار، وفي الوقت نفسه، توسيع دائرة الدعم والتمويل من شركاء موثوقين. البنك الإفريقي يجب أن يبقى إفريقيا في قراراته، في أولوياته، وفي بوصلته التنموية، حتى لو كان عالميا في تمويله ومساهميه.
تشهد عدة مناطق إفريقية، خاصة في الساحل والغرب، أوضاعا أمنية هشّة، وسط تصاعد نشاط الجماعات المسلحة. هل تعتقد أن مشاريع التنمية كافية لاحتواء هذه الأزمات، أم أن الأمر يتطلب مقاربة أوسع؟
لا يمكن فصل التنمية عن الأمن، فهما وجهان لعملة واحدة. غياب التنمية يفتح الباب أمام التطرّف والهشاشة، وغياب الأمن يُقوّض أي مجهود تنموي مهما كان طموحه. وللأسف، ما نشهده اليوم في عدد من الدول الإفريقية، وخاصة في منطقة الساحل، هو نتيجة تراكم طويل لغياب الفرص، وانعدام الأمل، وتهميش فئات واسعة من الشباب.
رؤيتي للبنك الإفريقي للتنمية تُولي أولوية مطلقة لخلق فرص العمل، خاصة لفئة الشباب والنساء، وتمويل مشاريع تنموية محلية تعيد الثقة للمواطنين في الدولة وفي المستقبل. التنمية لا ينبغي أن تُدار من المركز فقط، بل يجب أن تصل إلى الهامش، إلى المناطق التي كانت لعقود خارج دائرة الاهتمام. تلك هي المقاربة التي يمكن أن تُحدث تحولا حقيقيا في علاقة المجتمعات بالدولة، وفي تحصينها من التطرف والعنف.
تعاني القارة الإفريقية من ضعف كبير في الصناعات التحويلية، إلى جانب اختلالات واضحة في البنية التحتية للنقل والربط. هل ستكون هذه الملفات ضمن أولوياتك إذا وصلت إلى رئاسة البنك؟
دون شك، فغياب صناعة تحويلية قوية هو أحد الأسباب الرئيسية وراء ضعف القيمة المضافة في الاقتصاد الإفريقي. معظم صادرات القارة لا تزال في شكل مواد خام، سواء زراعية أو معدنية، بينما تستورد إفريقيا جزءا كبيرا من حاجاتها حتى من المنتجات الغذائية الأساسية. هذا الوضع غير مستدام.
أولويتي ستكون العمل على تحويل القارة إلى منصة إنتاج حقيقية، من خلال تعزيز الصناعات التحويلية محليا. لكن هذا لن يتحقق دون بنية تحتية قوية ومتكاملة. لذلك، ستتضمن رؤيتي للبنك الإفريقي للتنمية التركيز على تطوير شبكات النقل – البرية والسككية والمينائية – وربط المناطق المعزولة بالأسواق الإقليمية والدولية، إلى جانب توفير طاقة كهربائية تنافسية، وتوسيع البنية الرقمية؛ مثل الألياف الضوئية ومراكز البيانات.
التصنيع لا يمكن أن يزدهر في بيئة مفككة جغرافيا، أو بلا طاقة كافية، أو اتصال رقمي محدود. لذلك، هذه الملفات ليست فقط ضمن الأولويات، بل جزء من العمود الفقري لرؤيتي لنهضة تنموية إفريقية حقيقية.
في سياق الاستعداد لتنظيم مشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، سبق للبنك الإفريقي للتنمية أن موّل مشاريع مغربية بقيمة 650 مليون يورو. هل ترى أن هذا الرقم مرشح للارتفاع في حال فوزك بالرئاسة؟
كأس العالم ليس مجرد تظاهرة رياضية، بل محطة استراتيجية لتحفيز الاستثمار في البنى التحتية، وخلق وظائف، وتعزيز صورة القارة. المغرب، بما راكمه من خبرة في مجال البنى التحتية والربط الإقليمي، يُشكل نموذجا يحتذى به في إفريقيا. ونحن في البنك نواكب هذه الدينامية، وسنعمل على مضاعفة التمويلات الموجهة لمثل هذه المشاريع.
في رؤيتي، أطمح إلى رفع حجم تدخلات البنك إلى عشرة أضعاف؛ لأن حاجيات القارة هائلة، والإمكانات التمويلية موجودة إذا ما تم تعبئتها بالشكل الصحيح. المغرب شريك استراتيجي مهم للبنك، وتنظيم كأس العالم فرصة لتعزيز هذا التعاون في مجالات النقل، والطاقة، والسياحة، والرقمنة، بما يتجاوز حدود سنة 2030.
يشهد المغرب وعدد من الدول الإفريقية أزمة مائية حادة وصلت في بعض المناطق إلى حد العطش. كيف تنظر إلى هذا التحدي؟ وهل لديك رؤية استباقية لمعالجته؟
أزمة المياه لم تعد تحديا مستقبليا، بل واقعا ملموسا يمس حياة ملايين الأفارقة. لذلك، ستكون قضية المياه من أولويات عملي على رأس البنك الإفريقي للتنمية. رؤيتي ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية. أولا، ترشيد استخدام الموارد المائية، من خلال تحسين أنظمة الري وتقليل الهدر. ثانيا، تعزيز تعبئة الموارد السطحية، عبر بناء السدود وتوسيع شبكات التخزين. ثالثا، الاستثمار في مصادر المياه غير التقليدية؛ مثل تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتوسيع البنى التحتية المرتبطة بالتوزيع وإعادة التدوير.
ما نحتاج إليه هو الانتقال من منطق الاستجابة للأزمات إلى منطق الاستعداد المسبق، عبر برامج تمويل مستدامة ومشاريع تواكب التحولات المناخية وتؤمّن حق الإنسان الإفريقي في الماء كحق أصيل وغير قابل للتفاوض.
كيف تقيم القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة، خصوصا في ما يتعلق بتقليص التمويل أو إلغاء بعض المساعدات والمنح المخصصة لإفريقيا؟
قد يكون الأثر على المدى القصير مؤلما بالنسبة للدول، خصوصا في مجالي الأمن الغذائي والأنشطة الإنسانية، وكذلك في مجال الصحة. لكن على المدى المتوسط والطويل، قد يكون إيجابيا بالنسبة لإفريقيا.
إذا تعلق الأمر بتغيير في نوع العلاقة التي تربط إفريقيا بشركائها في التنمية، فيجب على القارة أن تنظر إلى الآخر بالندية. وبالتالي، تطوير علاقات مبنية على المصالح المتبادلة يعطيها فرصة لإرساء نوع جديد من العلاقات المبنية على الاحترام المتبادل وعلى المصالح المتبادلة، بدلا من أن تكون تستفيد من منح وهبات. إفريقيا ستستفيد من استثمارات مباشرة، وأعتقد أن هذه الاستثمارات هي التي دفعت بعجلة التنمية في آسيا.
سؤال أخير، بخصوص مهمتك الأخيرة خلال رئاسة البنك العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا؛ حيث أظهرت كل التقارير أنك استطعت تحسين تصنيفه الائتماني أيضا شراكاته الاستراتيجية. ما هي الوصفة؟ وهل يمكن أن تنجح داخل البنك الإفريقي للتنمية؟
أولا، سأحرص على استبقاء العناصر الجيدة من الطاقم الحالي لإدارة البنك، واستقطاب عناصر متميزة أخرى من مختلف الدول الإفريقية. أما ثاني نقطة، فتخص ثقة المساهمين. بينما تتمثل النقطة الثالثة في طبيعة الشراكة مع كل الجهات، سواء الدول المستفيدة، أو القطاع الخاص. فكلما زادت الشراكات، كان الأمر جيدا.
ويجب التنبيه إلى أن الشركات ومساهمات الدول والمؤسسات المالية، ساعدت كثيرا في إنجاح مهمة رئاسة البنك العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا، ونفس الأمر يمكن اعتماده وأكثر، خاصة أن الدول الأعضاء بالثاني يفوق ما هو متوفر في الأول. ويمكن الإشارة هنا إلى أننا بلغنا في البنك الغربي مستوى ربح ما بين أربعة إلى خمسة دولارات عن كل دولار نستثمر.
في لحظة مفصلية تجسّد قوة الإصرار والتمثيل الفعّال للجاليات المهاجرة، فاز المغربي عبد الحق صاري بمقعد في مجلس العموم الفيدرالي الكندي عن دائرة مونتريال الشمالية، خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2025، والتي أفرزت تصدّر الحزب الليبرالي الكندي بقيادة مارك كارني بـ165 مقعداً من أصل 343، بنسبة أولية بلغت 43.5%.
صاري، المنتمي للحزب الليبرالي، تمكن من انتزاع هذا المقعد بعد منافسة شرسة، محققاً 58% من الأصوات، أي ما يعادل حوالي 21 ألف صوت، في انتصار يُعد تتويجاً لمسار شخصي وأكاديمي استثنائي لمهاجر مغربي كتب قصة نجاحه بإصرار على أرض الفرص.
من حي المحيط بمدينة الرباط، حيث نشأ وتعلم في المدرسة العمومية، إلى قبة البرلمان الكندي، يمثل عبد الحق صاري (50 عاماً) نموذجاً للمهاجر الذي جمع بين العلم والعمل المجتمعي.
فبعد حصوله على دبلوم في الهندسة المعلوماتية بفرنسا، هاجر إلى كندا سنة 2002، ليواصل تكوينه العلمي بجامعتي UQAM وÉTS بمونتريال، حيث حصل على درجات عليا.
صقل صاري تجربته الأكاديمية كأستاذ في جامعة كيبيك في مونتريال، متخصصاً في الذكاء الاقتصادي وتسيير المشاريع، مع مشاركات فعالة في تأطير الطلبة وإنجاز مشاريع تكنولوجية استراتيجية، من أبرزها أنظمة رقمية متقدمة في توزيع المحروقات.
وفي تصريح خص به جريدة “مدار21″، قال عبد الحق صاري: “كنت أتوقع الفوز، لكن في السياسة لا شيء محسوم. كل صوت مهم وكل ورقة انتخابية تُكسب بثقة الناس والعمل الميداني”، وأضاف: “رسالتي من هذا الفوز واضحة: ضع هدفك، اشتغل عليه بإصرار، وتذكر أن الصعوبات فرص متنكرة.”
كما عبّر عن شعوره بالمسؤولية حين زار مركزاً مغاربياً وشاهد الأطفال يطلبون التقاط صور معه: “أحسست أنهم يرون أنفسهم فيّ.. وأنهم يحلمون بأن يكونوا وزراء أو برلمانيين مستقبلاً. هذا هو التمثيل الحقيقي.”
وأكد أن دور المهاجرين لا يقتصر على الاندماج فقط، بل يتجاوز إلى التأثير والمشاركة في صنع القرار: “يجب أن نأخذ مكاننا في كل القطاعات، السياسية والاقتصادية والثقافية، لأن هذه البلاد قراراتها تؤثر في حياتنا اليومية.”
وعن موقفه من القضايا الوطنية ودور الجالية المغربية في نقلها لذوي القرار في بلدان المهجر، قال: “قضية الصحراء المغربية ستبقى في وجدان كل مغربي، ونحن لا نمارس الضغط السياسي هنا، بل نسعى لتصحيح المغالطات وتقديم المعلومات الحقيقية للذين يصنعون القرار.”
وفي ختام حديثه للجريدة، وجه صاري رسالة للمغاربة في المهجر: “لا يجب أن يكون هناك عبد الحق صاري واحد، بل كثيرون. كل منا قادر أن يصنع تأثيره إذا آمن بقدراته وسعى لتحقيق هدفه.”
نفت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بشكل قاطع، “وجود اختلافات في الرؤى داخل لجنة القيادة المكلّفة بمشاريع الهيدروجين الأخضر” تُفسّر غيابها عن اجتماع لهذه اللجنة، مفيدة بأنه عندما تكون في مهمة خارج الوطن فإن “المسطرة تكون معروفة”، ومبرزة أن ما يخيف في هذا السياق هو “حدوث هذه الاختلافات بين الأطراف الممولة لهذه المشاريع”.
وقالت بنعلي، ضمن حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، وهي ترد على التقارير الصحافية التي تحدّثت عن وجود الاختلافات المذكورة: “عندما تكون لدينا مهمة خارج الوطن، فإن الأمر يكون مقننا ويسلك مسطرة معروفة”، مُضيفة أن “الاختلاف في وجهات النظر يخيفني إذا كان من لدن الجهات التي تمول هذه المشاريع؛ وليس من أعضاء الحكومة أو لجنة القيادة”.
ووضّحت المسؤولة الحكومية أنه “لم يسبق لأحد، بمن فيهم داخل القطاع الخاص، أن طوّر مشروعا للهيدروجين الأخضر، باستثناء مختبرات التطوير، وهو الذي تظل كلفته التنافسية مقاربة لدولاريْ للكيلوغرام، كما تحدّثت عنها في سنة 2022″، مؤكدة أنه “طبعا سوف تكون ثمة اختلافات في وجهات النظر، مثلما حصلت بشأن مشاريع الطاقة الشمسية سنة 2011 (..). ولكنها بلا تأثير على إنجاز المشروع”.
وشددت ضيفة الجريدة على أنه “سيتم الحديث عن وجود مشكلة، إذا كان من سيقومون بتمويل المشروع هم من لديهم اختلاف في وجهات النظر”، متسائلة: “من لم يمول المشروع لماذا سيكون لديه اختلاف في الرؤى؟”.
“دروس لا تخوفات”
على صعيد آخر، قالت بنعلي، ضمن معرض شرحها لما كان قرأ “تخوفات منها بشأن الكلفة الضخمة لمشاريع الهيدروجين الأخضر”، إن “سنة 2025 يجب أن تشهد المرور نحو مضاعفة الاستثمارات في الطاقات المتجددة والغاز الطبيعي 3 مرات في الميدان”، مبرزة أن “نقطة الانعطاف هذه تأتي بعد استيعاب دروس 15 سنة من التجربة”.
وفي هذا الصدد، أكدت المسؤولة الحكومية أنه “جرى الاتفاق على توظيف المغرب هذه التجربة من خلال إجراءين؛ محاولة إدارة المخاطر التكنولوجية والمالية والمتصلة بالمشاكل الضريبية، وفي الآن نفسه فسح المجال أمام المرونة في هذا الجانب (..) حيث يجب التوفر على استراتيجية في هذا الميدان، لكي يتم تفادي وقوع خسائر كبيرة حال وجود تغير جيو استراتيجي أو ظهور جائحة جديدة، مثلا”.
وتابعت: “ثمة من يقول إننا تأخرنا في التنفيذ؛ ولكن السؤال هو مقارنة بمن؟”، موضحة أن “الدراسات التي يتم إنجازها اليوم تنكب على التقصي حول ما إذا كان مشروع الهيدروجين الأخضر سوف يستخرج منه الأمونياك أم لا، وبشأن الجهة التي سوف يباع لها هل البواخر أو الصناعة أو الكهرباء”.
ووضّحت بنعلي أنه “بعد ستة أشهر يمدُ المستثمر الدولة بالمعطيات؛ وإذا كان بحاجة إلى ستة أخرى إضافية تمنح له أو تعطى الفرصة لمستثمر آخر، إذا كان المشروع بالنسبة إليه غير مربح ماليا واستثماريا”.
وأكدت ضيفة هسبريس، في هذا الصدد، أن “المستثمر هو من سيتحمل المخاطر المالية، بطبيعة الحال”، مُردفة أنه “لذلك لم يكن لدى الحكومة تخوفات في هذا الجانب؛ بل هي فقط استفادت من دروس 15 سنة من الاستثمارات في الطاقات المتجددة والجديدة”.
“تعثر “نور 3″؟
أما بشأن مشروع محطة نور ورزازات 3، التي جرت إعادة تشغيلها أخيرا، بعد مدة طويلة من خروجها عن الخدمة، فذكرت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أن “العطل الذي كان يشكو منه صهريج (خزان الملح المنصهر) تم إصلاحه”، مستدركة بأن “شركاء مازن شرعوا في الاشتغال على الصهريج الثاني، لتفادي عودة أية مشاكل في هذا الجانب، في القريب العاجل”، بتعبيرها.
وقالت بنعلي متفاعلة مع أسئلة هسبريس إن “جميع مشاريع الطاقات المتجددة لا بد قد تشهد تعثرات أو مشاكل تقنية، يتم تجاوزها رفقة الشركاء”. ولذلك، كما أردفت، “ليس ثمة إشكال مطروح فيما يخص نور ورزازات، الذي أعطى ريادة للمغرب”.
كما تفاعلت المسؤولة الحكومية مع “الجدل” الذي يرافق استيراد المغرب للمواد الخام القابلة لإعادة التدوير، قائلة إن “ثمّة مسطرة مضبوطة وصارمة في هذا الميدان”، مُوضحة أن “وزارة البيئة، في نهاية المطاف، ليست هي التي تصدر أو تستورد أو ترخّص؛ إنما بإمكانها فقط إرسال الشرطة البيئية، عند استشعار وجود تجاوزات تهدد بمشكلة بيئية”. وأكملت: “التحرك رهين بوضع شكاية من قبل المجتمع المدني أو المواطنين عامة”.
وفي هذا الجانب، ترى مُحاورة الجريدة أن القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص بمنها “يجب أن تتم إعادة النظر فيه”، مشددة على أن الحكومة “تريد إعطاء دفعة قوية للتشغيل في هذا الميدان بغرض استغلال الثروة الجد مهمة الكامنة في التثمين الطاقي؛ فإذا ظللنا في منطق الجدل لن نحرز تقدما في هذا القطاع”.
تخلد مؤسسة التعاون الوطني، يوم 27 أبريل الجاري، الذكرى الثامنة والستين لتأسيسها خلال فترة الاستقلال على يد جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه. ويأتي هذا الاحتفاء في سياق وطني يستدعي إبراز الدور الريادي الذي تضطلع به المؤسسة، باعتبارها أول فاعل مؤسساتي في المجال الاجتماعي بالمملكة. في هذا الحوار، يستعرض مدير التعاون الوطني، خطار المجاهدي، أبرز المحطات التاريخية لهذه المؤسسة، وحصيلتها في مجال المساعدة والحماية الاجتماعية، وكذلك رؤيته وطموحاته المستقبلية لتطوير عملها.
حاوره: محمد اليوبي
بمناسبة تخليد ذكرى تأسيس التعاون الوطني، هل لكم أن تحدثونا عن أدوار المؤسسة، وأبرز المحطات التاريخية التي ميزت مسارها وتطور مهامها في مجال المساعدة الاجتماعية؟
تم تأسيس مؤسسة التعاون الوطني في أعقاب استقلال المملكة، وتحديدًا في 27 أبريل 1957، بحيث كانت مبادرة ملكية ذات دلالة كبيرة بالنظر إلى فلسفتها وهدفها.
وجاء تأسيس التعاون الوطني في إطار دينامية بناء وتنمية البلاد وكانت المؤسسة تهدف أساسًا إلى المساهمة في محاربة الفقر. حينها لم يكن المغرب يتوفر على أي جهاز عمومي للعمل الاجتماعي وكانت الجمعيات الخيرية الإسلامية الوحيدة التي تؤطر وتُهيكل مجال العمل الاجتماعي بالمملكة. وتوفرت كل المدن الكبرى على هذه الهياكل التي تهتم برعاية الأشخاص في وضعية صعبة، وخاصة الأطفال.
كانت الجمعيات الخيرية الإسلامية، بعد الاستقلال، تمثل الإطار المؤسساتي الوحيد للعمل الاجتماعي، ومن أجل هيكلة هذا القطاع أحدثت الدولة مؤسسة التعاون الوطني لتتكفل بتنفيذ بعض البرامج الاجتماعية، ولتوحيد ودعم الجمعيات الخيرية، التي أصبحت لاحقًا تحت وصايتها. وشكّل ذلك بداية الممارسة الفعلية للديمقراطية التشاركية بالمغرب، حيث تعاونت الدولة والمبادرات الخاصة لخلق فعل عمومي في المجال الاجتماعي. ونظرًا لأهميتها وُضعت مؤسسة التعاون الوطني آنذاك تحت رئاسة المشمولة برحمة الله صاحبة السمو الملكي الأميرة للا عائشة.
في سنة 1968 تم تحويل مؤسسة التعاون الوطني إلى مندوبية سامية. وإذا كانت فترة جلالة المغفور له محمد الخامس مرحلة التأسيس، فإن فترة جلالة المغفور له الحسن الثاني كانت مرحلة إضفاء الطابع المؤسساتي، وكان الهدف من ذلك تقريب التعاون الوطني من البنية المؤسساتية للبلاد وإدماجها ضمن آليات العمل الاجتماعي للدولة.
وبعد مضي أربع سنوات من تحويله إلى مندوبية سامية، صدر ظهير شريف تم بموجبه تحويل التعاون الوطني إلى مؤسسة عمومية، وتم تصنيفها مؤسسة عمومية تابعة لكتابة الدولة.
أما اليوم فإن مؤسسة التعاون الوطني تواصل مسارها ضمن الورش الملكي للحماية الاجتماعية الذي أطلقه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي جعل الإشكالية الاجتماعية ومحاربة الفقر أولوية وطنية.
فمنذ صدور ظهير سنة 1957 إلى غاية مرسوم سنة 1972، كانت صياغة اختصاصات مؤسسة التعاون الوطني عامة، ويُعزى ذلك إلى كونها المؤسسة العمومية الوحيدة آنذاك المكلفة بالشأن الاجتماعي. لذلك كان من الضروري إسناد مهمة شمولية إليها تُمكنها من التدخل في عدة مجالات.
هكذا كانت مؤسسة التعاون الوطني مدعوة لتقديم الدعم بمختلف أشكاله، والمساهمة في النهوض بالأسرة. وفي هذا الإطار احتضنت المؤسسة أولى البرامج الخاصة بتمكين المرأة، فضلا عن أن أعمال الدعم والمساعدة المباشرة كانت من بين المهام الأساسية التي اضطلعت بها المؤسسة.
شهد المغرب سنة 2005 الإعلان عن ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهو مشروع تنموي ملكي يهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الفقيرة، كيف انخرطتم كمؤسسة في هذا الورش الوطني الهام، الرامي إلى محاربة الفقر والإقصاء الاجتماعي؟
منذ إعلان ورش «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية» من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطاب 18 ماي 2005، وجد التعاون الوطني نفسه مرة أخرى أول المنخرطين والمساهمين في هذا الورش الملكي الضخم، الرامي إلى محاربة آفة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، مؤكدا حرصه على تقريب الخدمات من المناطق النائية والفئات الأكثر احتياجا، معتمدا في ذلك على نهج أسلوب الشراكة مع كافة الفاعلين المحليين والمتدخلين الاجتماعيين، من مجتمع مدني وقطاعات حكومية وجماعات محلية، وكذا اعتماد مقاربة جودة خدمات المراكز والمؤسسات ونجاعة البرامج ونهج أسلوب الحكامة الرشيدة. وتم في هذا الإطار تكييف برامج المؤسسة مع متطلبات المحيط الاجتماعي والاقتصادي، واعتماد أساليب جديدة لإعادة تأهيل الموارد البشرية والرفع من القدرات التدبيرية للمؤسسة، وتوسيع خريطة المرافق التابعة لها لتشمل المناطق والفئات الأكثر احتياجا.
من هذا المنطلق، وفي إطار مبدأ الالتقائية مع برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وقع التعاون الوطني اتفاقية شراكة مع التنسيقية الوطنية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمدينة بني ملال بتاريخ 22 شتنبر 2006، بغية المساهمة في بلورة وإعداد وتنزيل مشاريع هذه المبادرة عبر برامجها الأساسية. وهي المشاريع التي عرفت مشاركة وحضورا فاعلا للتعاون الوطني عبر مصالحه الخارجية، الجهوية والإقليمية، في أشغال اللجن الترابية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وذلك من خلال تقديم مشاريع دامجة للفئات الهشة انطلاقا من رصد هذه المصالح لموطن الخصاص في المجال الاجتماعي بالجماعات المحلية التابعة لنفوذها الترابي، وأيضا من خلال القيادة والمساهمة في تنزيل العديد من المشاريع الاجتماعية، المرتبطة بمجالات تدخل المؤسسة ووحداتها التربوية والاجتماعية، أو لها علاقه ببرامجها الاجتماعية المشتركة مع مختلف القطاعات المعنية.
تماشيًا مع المستجدات الاجتماعية والمتطلبات المتغيرة للفئات المستفيدة من برامج وخدمات المؤسسة، اعتمد التعاون الوطني سنة 2014 مخططًا تنمويًا جديدًا. ما أبرز معالم هذه الرؤية الجديدة؟ وكيف واصلت المؤسسة تنزيل هذا المخطط التنموي على أرض الواقع؟
شهدت مؤسسة التعاون الوطني، مع بداية الألفية الحالية، ضغطًا متزايدًا ناجمًا عن ارتفاع الطلب على خدماتها في ظل محدودية الموارد المالية، وهو ما انعكس على أداء المؤسسة وأثر على نجاعة تدخلاتها. وفي سبيل استرجاع ديناميتها وتعزيز فعاليتها، عملت الجهة الحكومية الوصية سنة 2012 على إخضاعها لدراسة تشخيصية شاملة.
وأفضت نتائج الدراسة إلى التأكيد على الدور المحوري للمؤسسة في المجال الاجتماعي، باعتبارها الفاعل الوطني الرئيسي في تنفيذ سياسات الدعم الاجتماعي، وفقًا للرؤية الاستراتيجية للمملكة الهادفة إلى محاربة الهشاشة والإقصاء.
نتيجة لذلك تم إعداد مخطط تنموي أبرز الموقع الريادي الذي تحتله المؤسسة كواجهة أساسية للاستماع والتوجيه لفائدة الفئات المستهدفة، وجرى تكليفها بمهام جديدة تتعلق بالرصد الاجتماعي، وهو ما يقتضي تعبئة موارد بشرية ومهنية قادرة على رصد وتحديد وتوطين وقياس مظاهر الإقصاء الاجتماعي على المستوى الترابي.
وتماشيا مع التحولات الاجتماعية وتزايد متطلبات الفئات المعنية، اعتمدت مؤسسة التعاون الوطني سنة 2014 مخططًا تنمويًا جديدًا، يروم تحديث آليات العمل، وتطوير المساطر وتعزيز المؤهلات من أجل الرفع من نجاعة تدخلاتها في مجال المساعدة الاجتماعية.
وفي هذا الإطار تم فتح مجموعة من الأوراش المهيكلة باعتماد مقاربة تشاركية مندمجة، عبر تنسيق مسبق مع مختلف الفاعلين في الحقل الاجتماعي، إلى جانب الانخراط الفعّال في إعادة تموقع المؤسسة كفاعل وطني مرجعي في مجال المساعدة الاجتماعية، وواجهة متميزة للاستماع والدعم والمواكبة للفئات الهشة، وداعم ميداني بخبرته في مجالي الهندسة واليقظة الاجتماعية.
وبناءً على هذه الرؤية الاستراتيجية الجديدة، واصلت المؤسسة تنزيل مضامين مخططها التنموي، انطلاقًا من مرتكزات تقوم على تعزيز أنشطتها دعماً لسياسة اجتماعية فعالة، وتطوير الخبرة في مجال المساعدة الاجتماعية، ومواكبة السلطات العمومية والترابية وكذا القطاعات الوزارية في مواجهة التحديات الاجتماعية، مع السعي إلى ترسيخ نموذج احترافي للشراكة المسؤولة مع النسيج الجمعوي.
مرّ المغرب بظرف استثنائي سنة 2020، تميز بفرض المملكة، على غرار باقي الدول، لحالة الطوارئ الصحية جراء تفشي فيروس «كورونا»، كيف أثبتّم حضوركم مرة أخرى كما عهدناكم كجهاز متفاعل مع مختلف الأزمات الاجتماعية التي تعرفها بلادنا؟
في ظل ظرف استثنائي اتسم بفرض المملكة، على غرار باقي دول العالم، لحالة الطوارئ الصحية واعتماد التباعد الاجتماعي جراء تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، وانخراطا منها في المجهود الوطني والتعبئة الشاملة للتصدي لجائحة كورونا، قامت مؤسسة التعاون الوطني بالتكفل بأكثر من 6500 من الأشخاص في وضعية الشارع، وكذا المساهمة في الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا المستجد، الذي تم إحداثه بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وفي هذا السياق قامت المؤسسة، بمواكبة من الوزارة الوصية وبإشراف ميداني للسلطات المحلية والأمن الوطني، وبمشاركة الجماعات الترابية والمصالح الخارجية المعنية، خاصة لوزارة الصحة وجمعيات المجتمع المدني، وكذا المحسنين الذاتيين والمعنويين، بالانخراط في مجموعة من المبادرات المحلية الرامية إلى تقديم المساعدة والتكفل سواء بالأشخاص في وضعية الشارع أو الأشخاص المتكفل بهم داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
واضطلاعا بمسؤولية مؤسسة التعاون الوطني تجاه الأشخاص في وضعية صعبة، والمعرضين أكثر من غيرهم لخطر الإصابة بالوباء، جرى إحداث لجنة مركزية ولجان إقليمية لليقظة اضطلعت بمهمة متابعة وضعية هذه الفئات من المجتمع وتحسين ظروف التكفل بها.
فبالنسبة للإجراءات التي جرى اتخاذها، بخصوص الأشخاص في وضعية الشارع، تمت تهيئة فضاءات للإيواء فاق تعدادها 160 فضاء، وتم، بإشراف من السلطات المحلية، تنظيم دوريات لرصد الأشخاص في وضعية الشارع وإخضاعهم لفحص طبي، وتقديم الإسعافات والعلاجات الأولية وتمكينهم من الاستفادة من بعض الخدمات من قبيل الاستحمام والنظافة وحلاقة الشعر وتوفير الملابس.
سجلت المؤسسة حضورا متميزا، خلال فاجعة زلزال الحوز، ظهر ذلك من خلال الصور والأحداث التي تناقلتها وسائل الإعلام الوطنية، حيث كان أطر التعاون الوطني ضمن الصفوف الأمامية للتخفيف من شدة الأزمة على المتضررين من الفاجعة، كيف عشتم وواكبتم هاته الظرفية الصعبة؟
منذ الساعات الأولى لزلزال الحوز، الذي ضرب مجموعة من أقاليم المملكة يوم الجمعة 8 شتنبر 2023، أحدثت مؤسسة التعاون الوطني خلية أزمة داخلية أوكلت لها مهام التنسيق والتتبع والمواكبة لعمليات التدخل من أجل مساعدة الضحايا والمتضررين.
وفي هذا الإطار شكلت المؤسسة لجنة القيادة والتنسيق الميداني بإقليم الحوز «تحناوت»، مع توزيع نقط الارتكاز بالعمالات والأقاليم المتضررة الأخرى، «مراكش – تارودانت – شيشاوة – ورزازات – أزيلال»، تجلت مهمتها الأساسية في تقديم الدعم والمساعدة ومواكبة الضحايا والمتضررين، وكذا تسخير فرق ووحدات مختصة في مجال المساعدة الاجتماعية، والدعم النفسي والمواكبة الاجتماعية بالمناطق المنكوبة. أما على المستوى المركزي، فبالإضافة إلى التتبع والتقييم الأفقي والتوجيه الميداني، قامت المؤسسة بتعبئة جميع منسقياتها الجهوية ومندوبياتها الإقليمية بهدف تنظيم العمليات التضامنية، وتجميع المساعدات والهبات وتتبع إرسالها للمناطق المتضررة عبر الشاحنات، بتنسيق تام مع الشركة الوطنية للنقل واللوجستيك.
يمكن إيجاز، وبالأرقام، أبرز تدخلات المؤسسة وأهم الموارد التي تمت تعبئتها خلال زلزال الحوز 2023، حيث جرى تجنيد 400 مساعد اجتماعي وأخصائي نفسي للتدخل الاستعجالي لفائدة ضحايا الزلزال، وتجهيز 17 وحدة للمساعدة الاجتماعية بالمناطق المتضررة، و14 وحدة للأسرة بالمناطق المتضررة و17 فضاء للأطفال بالمناطق المتضررة.
جرى، كذلك، توفير وتقديم المساعدة الاجتماعية لأكثر من 46.000 أسرة، وتوفير مواد غذائية ومساعدات عينية (الأفرشة والأغطية…) لفائدة ضحايا الزلزال، بالإضافة إلى توفير 33 سيارة وعربة، وأزيد من 3100 خيمة، وتوفير معينات تقنية من الكراسي المتحركة والمعمدات للأشخاص في وضعية إعاقة، فضلا عن تنشيط فقرات ترفيهية للتخفيف عن الأطفال من هول الكارثة، وجرد 242 مؤسسة اجتماعية متضررة من جراء الزلزال، بالإضافة إلى رصد ميزانية تقدر بـ32.700.000,00 درهم.
تزامن تعيينكم على رأس مؤسسة التعاون الوطني مع انطلاق ورش وطني إصلاحي كبير يتمثل في تعميم الحماية الاجتماعية لفائدة شرائح واسعة من المواطنين. بعد ثلاث سنوات من توليكم هذه المسؤولية، كيف تمكنتم من ملاءمة برامج ومخططات المؤسسة مع أهداف هذا الورش الملكي؟ وكيف تقيّمون تجربتكم خلال هذه الفترة، سواء على مستوى الإنجازات المحققة أو التحديات التي واجهتموها؟
تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده التي تضمنها خطاب العرش المجيد لسنة 2020، وكذا خطاب افتتاح الدورة التشريعية أكتوبر 2020، بشأن إطلاق ورش إصلاحي كبير يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية لفئات واسعة من المواطنين، الرامية إلى تنزيل سياسات وبرامج تهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية مستدامة تشمل جميع فئات المجتمع، أولى التعاون الوطني أهمية كبرى لهذا الورش الملكي السامي، من خلال التزامه بوضع مخططات عمل تهدف إلى تنزيل مضامين وتوجهات هذا الورش الاجتماعي والمساهمة إلى جانب باقي المتدخلين في تحسين ظروف عيش المواطنين وصيانة كرامتهم.
واستند التعاون الوطني في إعداد مخططاته على التوجيهات الملكية السامية، الرامية إلى تعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، مع الالتزام بتكريس المضامين الدستورية، الداعية إلى إرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، مع السعي لضمان مقومات العيش الكريم. وكذا تيسير أسباب استفادة المواطنين على قدم المساواة من الحق في الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية والتضامن التعاضدي.
وحرصت المؤسسة، من جهة أخرى، على الانخراط في البرنامج الحكومي، الداعي إلى تعميم الحماية الاجتماعية التي تعد الركيزة الأولى لتدعيم ركائز الدولة الاجتماعية، من خلال إحداث نظام حقيقي للمساعدة الاجتماعية، يستهدف الأسر الأكثر هشاشة، عبر اعتماد مبادرات وبرامج تتبنى مقاربة جديدة للحد من الفقر والهشاشة وتهدف إلى توسيع رقعة المستفيدين من الحماية الاجتماعية، والاعتماد على تجويد وتسهيل الولوج للخدمات الاجتماعية للقرب، وتطوير برامج التكوين والتمكين الاقتصادي للنساء، مع ضرورة تنمية المشاريع المدرة للدخل للأشخاص في وضعية إعاقة، وتأهيل الرأسمال البشري وتقوية القدرات وتعزيز فرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
ويولي التعاون الوطني، كذلك، عناية خاصة للفئات المعنية ببرامج وخدمات المساعدة الاجتماعية، وذلك من خلال تقوية ودعم البرامج والخدمات الاجتماعية الموجهة لفائدة الفئات في وضعية صعبة سيما: الأسرة، المرأة، الأطفال في وضعية صعبة، إلى جانب الأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين.
ويرتكز مخطط عمل المؤسسة على ثلاثة محاور استراتيجية: تقوية قدرات المؤسسة، تنمية وتعزيز الخبرة في مجال المساعدة الاجتماعية وتطوير الشراكة مع الجمعيات. وتشمل سلة الخدمات المقدمة، من خلال المؤسسات والمراكز التابعة للتعاون الوطني، الاستقبال والاستماع والتوجيه لفائدة المستفيدين، وذلك من أجل التعرف على الحاجيات والاستجابة السريعة للمتطلبات، المرتبطة أساسا بخدمات المساعدة الاجتماعية المقدمة للأشخاص في وضعية صعبة. ويضمن التعاون الوطني، أيضا، خدمة التكفل عبر إيواء الأشخاص في وضعية صعبة أو غير مستقرة أو وضعية احتياج بمؤسسات الرعاية الاجتماعية أو بمؤسسات وفضاءات القرب، مع تقديم مجموعة من خدمات المساعدة الاجتماعية تتمثل في: الاستقبال، الإيواء، الإطعام، التوجيه، الإسعاف الاجتماعي، المساعدة الاجتماعية والقانونية، الوساطة الاجتماعية، التتبع التربوي، التكوين والتأهيل وتقوية القدرات، التتبع والمواكبة الاجتماعية، تأمين العلاجات الصحية الأولية، الدعم والمواكبة الطبية والنفسية، تأمين الترويض والتأهيل وإعادة التأهيل الوظيفي، منح المعينات التقنية والأجهزة التعويضية والبديلة، التنشيط الثقافي والرياضي والترفيهي. وفي السياق ذاته يقوم التعاون الوطني بتنفيذ مجموعة برامج وتقديم خدمات مرتبطة بالمساعدة الاجتماعية، من قبيل الدعم والتوجيه والتتبع ومواكبة الأسر المحتاجة، وذلك من أجل تمكينها وتعزيز مكانتها داخل المجتمع.
وانطلاقا من اعتباره الفاعل الرئيسي في مجال المساعدة الاجتماعية، يتوفر التعاون الوطني على شبكة هامة من المراكز تشكل شبكة الأمان للفئات في وضعية هشاشة، موزعة على مختلف عمالات وأقاليم المملكة. وتقدم هاته البنيات والفضاءات سلة من الخدمات الاجتماعية، حسب حاجيات وخصوصيات الفئات المستهدفة من خدمات وبرامج المؤسسة، حيث يتوفر التعاون الوطني على 4066 مركزا يستفيد من خدماته أكثر من 1.3 مليون مستفيدة ومستفيد، وتهدف هذه الفضاءات، التي تعد بنيات للقرب، إلى النهوض بأوضاع المستفيدين وتحسين مستوى اندماجهم داخل المجتمع، وذلك بتنسيق مع مختلف الفاعلين.
وماذا عن المشاريع المستقبلية المبرمجة؟
انسجاما مع البرنامج الحكومي، الذي يستمد أسسه من التوجيهات الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وفي إطار تنزيل استراتيجية وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة الرامية إلى المساهمة في تعزيز أسس الدولة الاجتماعية وتكريس قيم الحكامة الجيدة في الحقل الاجتماعي، يواصل التعاون الوطني جهوده لبلوغ التغيير المنشود وتحسين الاستهداف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، سيما تلك المتعلقة بمكافحة الفقر وعدم المساواة.
وبناء عليه، وبغاية تحسين فعالية تدخلاته وتجويد خدماته، يعمل التعاون الوطني على تعبئة مجموعة من الشراكات المهيكلة مع أطراف متعددة: المجالس المنتخبة، قطاعات عمومية، التنسيقية الوطنية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مؤسسة محمد الخامس للتضامن،… إلخ.
وفي إطار عقود البرامج بين الدولة والمؤسسات العمومية، تعمل المؤسسة على إعداد مشروع عقد برنامج يتضمن مخططا خماسيا حدد هدفه العام في تعزيز دور التعاون الوطني كفاعل أساسي في مجال الحماية والمساعدة والإدماج الاجتماعي والمساهمة في تحسين مؤشرات التنمية المستدامة.
ويشتمل مشروع عقد البرنامج، الذي يستلزم تعبئة موارد مهمة بهدف تنزيله، على أربعة محاور استراتيجية، وهي تقوية قدرات التعاون الوطني، وتنمية برامج الرعاية والإدماج الاجتماعي والتضامن، وتعزيز الخبرة في مجال اليقظة والمساعدة الاجتماعية ثم أخيرا تقوية وتعزيز الشراكة.
وفي مجال تدبير الموارد البشرية التابعة للمؤسسة، وبهدف تحفيز رأسمالها البشري، عمل التعاون الوطني على إشراك مستخدميه في دورات تكوينية همت كافة مجالات تدخله.
وفي إطار إعمالها للمقاربة التشاركية أسلوبا تدبيريا ناجعا، تقوم المؤسسة بإشراك تمثيلياتها الترابية وكافة فرقائها الاجتماعيين في بلورة البرامج الاجتماعية ذات البعد المجالي والوطني والتوافق حول طرق التدخل الميداني ضمانا لتحقيق النتائج المرجوة.
ودائما في سياق تجويد العرض الخدماتي، باشرت المؤسسة تعديلات بنيوية في أنماط تدخلها وتعمل على تعميم جيل جديد من المؤسسات على المستوى الوطني بهدف تعزيز الروابط الاجتماعية والأسرية، وذلك بشكل يتماشى مع متطلبات المرحلة ويقنن مسار كل خدمة في إطار دامج ومستدام.
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وتوالي سنوات الجفاف التي باتت تُثقل كاهل المنظومة البيئية والاقتصادية في المغرب، تبرز أزمة الماء كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في النقاش العمومي والسياسات العمومية، فالماء، بوصفه موردًا حيويًا واستراتيجيًا، أصبح محورًا رئيسيًا في معادلة التنمية المستدامة، ورافعة أساسية لضمان الأمن الغذائي والاجتماعي.
غير أن الخصاص المتزايد والتوزيع غير المتوازن للموارد المائية، يعمّقان من حجم التحديات التي تواجهها البلاد في هذا المجال، ويستدعيان رؤية شاملة تتجاوز الحلول الظرفية نحو سياسات بنيوية طويلة الأمد.
في هذا الحوار، يسلّط الخبير في الماء عبد الحكيم الفيلالي الضوء على أبرز الإشكالات التي تعتري تدبير الموارد المائية في المغرب، من تدهور الفرشات المائية إلى تفشي الاستغلال غير القانوني، مرورًا بعدم عدالة التوزيع الجغرافي للثروات المائية. كما نناقش المقترحات الممكنة لتجاوز هذه الأزمة، سواء من خلال إعادة هيكلة السياسات المائية والفلاحية، أو عبر مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل الطرق السيار المائي ومحطات التحلية.
ما هي أبرز المشاكل التي يعاني منها المغرب في ما يتعلق بالموارد المائية، وكيف يمكن معالجة هذه المشكلة؟
من بين المشاكل التي يعاني منها المغرب وبلدان المغرب العربي هو التوزيع المتفاوت للموارد المائية على مستوى المجال. ففي المغرب، حوالي 60 بالمائة من الموارد المائية السطحية تتركز في حوضي سبو واللوكوس في مساحة جغرافية لا تتجاوز 6 بالمائة من مساحة المغرب. الحل الملائم لهذه الوضعية هو إعادة توزيع الموارد المائية بشكل متوازن، من المناطق التي تعرف فائضًا نسبيًا إلى المناطق التي تشهد خصاصًا، مثل بناء طريق سيار يربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق في اتجاه منطقة أم الربيع، ومشروع ربط مائي بين سد خروفة وسد وادي المخازن لتأمين حاجيات الساكنة الطنجوية والمناطق المجاورة.
ما هي الأسباب التي أدت إلى تدهور الوضع المائي في المغرب، وكيف يمكن استعادة توازنات الفرشة المائية؟
السبب الرئيسي لتدهور الوضعية المائية في المغرب هو توالي سنوات الجفاف، بالإضافة إلى أن 86 بالمائة من الأراضي المغربية هي أراضٍ بورية، مما يعني أنه في غياب التساقطات يتم استنزاف الفرشة الباطنية بشكل كبير. استعادة توازنات الفرشة الباطنية مرتبطة بعدة عوامل، منها وقف الاستهلاك غير القانوني للموارد المائية الجوفية. وفقًا للاعتراف الرسمي، 91 بالمائة من الموارد المائية الجوفية تستغل بطرق غير قانونية، وبالتالي يجب أن تستعيد السلطات المختصة السيطرة على هذه الموارد عبر محاربة الاستغلال غير القانوني.
ماذا يمكن أن تفعله الدولة لاستعادة السيطرة على الموارد المائية الجوفية، وهل هناك تدابير أخرى لتحسين الوضع المائي في المغرب؟
يجب على الدولة، من خلال وكالات الأحواض المائية وشرطة المياه، أن تحارب الاستغلال غير القانوني لهذه الموارد باعتبارها ملكًا عامًا لا يجوز التصرف فيه إلا بتراخيص قانونية. يجب أن يشمل المنع الجميع على قدم المساواة، حتى لا يكون هذا الإجراء مقتصرًا على الفلاحين الصغار. أيضًا، استعادة توازنات الفرشة الباطنية مرهونة بتثمين الموارد المائية، وإعادة النظر في السياسات المائية والفلاحية، وترتيب الأولويات في ما يخص أنواع المزروعات وطبيعة البيئات المحلية، مع تفعيل قانون الماء 36.15.
كيف يمكن تسريع تحسين الوضع المائي في المغرب، وما هي المشاريع المستقبلية؟
يمكن تسريع تحسين الوضع المائي من خلال تسريع وتيرة إنجاز الطرق السيار المائي لتشمل مختلف مناطق المغرب. هذه الشبكة ستساهم في تزويد المناطق بحاجياتها المائية وتقليص الضغط على الفرشات المائية. كما يمكن التفكير في إنشاء سدود أو خزانات جوفية للمساهمة في تأمين حاجياتنا من المياه وتقليص تبخرها. بالإضافة إلى ذلك، تبنى سياسات ترشيد استهلاك المياه في إطار موازنة الاستهلاك والإنتاج.
هل هناك مشاريع ناجحة في المغرب يمكن أن تكون نموذجًا؟
نعم، محطة التحلية في منطقة اشتوكة ساهمت بشكل كبير في توفير المياه للري والشرب، على الرغم من بعض المشاكل التي قد تواجهها. هذه المحطة تُعد نموذجا ناجحا يجب توسيع نطاقه، مع تحسين إدارة الموارد المائية وتطوير محطات تحلية جديدة في مختلف المناطق.