ادريس بن العربي
تبدو الأصوات التي رفعها شباب الحركة الاحتجاجية “جيل زاد 212″، مهما علا سقف مطالبها، تجسيدا صادقا لطموحات واعية ومتحررة من أي وصاية أيديولوجية أو سلطة تراتبية، وهي أصوات نقدية تكشف بوضوح عن عمق المعاناة التي يعاني منها الشباب والمواطنين عموما في مجالات الصحة والتعليم والشغل والسكن وغيرها، نتيجة الاختلالات الجسيمة المتراكمة في قطاعات حيوية، بسبب إخفاق السياسات الحكومية، لا سيما في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
ويعزى هذا الوضع المتأزم إلى غياب الشفافية وضعف الحكامة وتفشي الفساد. ومما يزيد من تفاقم هذا الوضع، تحول معظم التنظيمات النقابية والأحزاب السياسية إلى بيروقراطيات جامدة تعيد إنتاج الفشل بشكل ممنهج من خلال تواطؤ مكشوف مع الفساد، الأمر الذي أسهم في تعميق حالة انعدام الثقة بين المواطن ومؤسساته.
في ظل هذه التحديات، تفقد عملية الإصلاح مشروعيتها الحقيقية، وتتحول إلى مجرد إجراءات ترقيعية عاجزة عن مواجهة المشاكل الجذرية التي تنهش المجتمع، ويبدو تجاوز هذه المحنة ممكنا فقط عبر إرادة سياسية جريئة وشجاعة تعيد بناء الثقة، وتضع الإصلاح في صميم الأولويات الوطنية.
ومثالا لهذه الإخفاقات السياسية الحكومية، ما يشهده قطاع حيوي مثل الصحة من اختلالات نتيجة سوء الحكامة والفساد.
فبالرغم من الإرادة الملكية الطموحة التي تهدف إلى إصلاح قطاع الصحة، عبر توجيهات واضحة تسعى إلى إرساء حكامة جديدة، وتأهيل العرض الصحي وتثمين الموارد البشرية ورقمنة القطاع، والتي تجسدت في مشروع القانون الإطار للمنظومة الصحية الوطنية، إلا أن الإرادة الحكومية سرعان ما استغلت موقعها السياسي في تسخير المشروع الإصلاحي لدعم توجهاتها الاستثمارية الرامية الى القضاء على القطاع العمومي خدمة لمصالحها ومصالح شركائها من اللوبيات الاقتصادية المسيطرة على القطاع الخاص، بدلا من أن تكون دعامة حقيقية للعدالة الاجتماعية والصحية.
بداية، نستهل تحليلنا بتسليط الضوء على الإطار السابق للحماية الاجتماعية و المتمثل في نظام المساعدة الطبية (راميدRAMED )، لنتوقف بعد ذلك عند نظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO)، الذي جاء كخطوة طموحة لتجاوز محدوديات نظام “راميد”، والعمل على تعميم تغطية صحية إلزامية موحدة تحت نظام واحد يتولى إدارته الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، بالتوازي مع تعزيز الدعم الاجتماعي للفئات الهشة اجتماعيا.
فبين عامي 2012 و2022، تم تطبيق نظام المساعدة الطبية “راميد” لتوفير تغطية صحية مجانية للأسر الفقيرة والهشة ذات الإمكانيات المالية المحدودة، إذ اعتمد هذا النظام على مؤشرات متعددة الأبعاد تختلف بين البيئات الحضرية والقروية، لتحديد المعفيين من المساهمات أو الذين يطلب منهم دفع مبالغ رمزية للاستفادة من الخدمات الصحية في القطاع العام .
هذا النظام الصحي أظهر قصوره ومحدوديته كنتيجة للوضع المزري الذي يعاني منه القطاع الصحي العمومي، من حيث النقص في البنية التحتية الملائمة للمستشفيات والمستوصفات من ناحية الكم والنوعية، وقلة الموارد البشرية، وضعف تغطية الخدمات الصحية من قبيل توفر الأدوية والمختبرات، تضاف إلى ذلك كثرة الأعطال التي تصيب الأجهزة الطبية، وبالأخص التصوير الطبي بالأشعة، ناهيك عن فترات الانتظار الطويلة وغير المقبولة لمواعيد إجراء الفحوصات لكثرة عدد المستفيدين، حتى مع توفر الأجهزة.
أمام هذا الواقع، يضطر المستفيدون من نظام “راميد” إلى اللجوء للقطاع الخاص، للحصول على الفحوصات ومواصلة العلاج، متحملين في سبيل ذلك تكاليف العلاج الفائقة. وبحسب دراسة استطلاعية (فيريه ورادي، 2015)، أُجريت في المركز الاستشفائي الجامعي بفاس (1)، تبين أن 73.6 % من المستفيدين من نظام “راميد” اضطروا إلى تحمل نفقات الصيدلية (شراء الأدوية)، و19.58 % تحملوا تكاليف التحاليل البيولوجية.
وتعد هذه النسب في تزايد مقارنة بالفترة السابقة، وهي فترة الحصول على المجانية عبر شهادة العوز (الاحتياج)، حيث كان 64.64 % من المرضى يتحملون تكاليف الأدوية، ونسبة من يتحملون تكاليف التحاليل البيولوجية لا تتجاوز 11.27% منهم.
هذا الوضع المالي الصعب يدفع المرضى إلى الاعتماد على مدخراتهم الأسرية، إن وجدت، أو اللجوء لدعم الأقارب، لاسيما في الحالات المزمنة أو الأمراض طويلة الأمد، والتي تتصف بشدتها، وطول مدتها، وتكاليفها الغالية، مع أن هذه المعونة لا تشكل مصدر تمويل موثوق به وآمن عند الحاجة الملحة.
ومع وجود تناقضات بين الأهداف المرسومة لهذه السياسة الصحية الموجهة للأسر الفقيرة والهشة، والإخفاقات التي منيت بها، تم اعتماد نظام تأمين صحي جديد في 2021 بموجب القانون الإطار 09-21، ضمن مشروع اجتماعي أُطلق بشكل خاص بعد الخطاب الملكي في عيد العرش عام 2018.
يهدف هذا النظام إلى ضمان ولوج عادل للرعاية الصحية لكل المغاربة، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي أو المهني، وهو ما بات يعرف بـ”التأمين الاجباري عن المرض” (AMO)، الذي تم تفعيله في دجنبر 2022، ويدار من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) .
وبموجب هذا النظام الجديد، يحتفظ المستفيدون السابقون من نظام “راميد” بنفس الحقوق التي كانوا يتمتعون بها، بالإضافة إلى ذلك أصبح من حقهم التوجه إلى مراكز الصحة الخاصة والاستفادة من تعويض مصاريف العلاج في مجالات جديدة مثل الصيدلة، والأشعة، و التحاليل البيولوجية، وذلك في إطار السعي لتوفير ظروف علاج أفضل ، لا سيما بالنسبة للأمراض المزمنة أو الخطيرة (الاقتصاد 2024) (2)
ووفقا للمعايير الاجتماعية والاقتصادية المحددة في نظام التأمين الاجباري عن المرض، يتم توزيع الأسر ذات القدرة المالية المحدودة إلى فئتين : فئة تستفيد من التأمين الصحي الإجباري التضامني (AMO de solidarité)، حيث تتحمل الدولة واجبات اشتراكها، بالإضافة إلى دعم مالي شهري بقيمة 500 درهم في إطار الدعم الاجتماعي (بشرط أن يكون مؤشر سجلها الاجتماعي الموحد (RSU) أقل من عتبة 9.32. أما الأسر التي تتجاوز هذا العتبة ويقع مؤشر RSU الخاص بها بين 9.33 و9.74، فهي مشمولة بالدعم الاجتماعي المباشر ، ولكن دون حق الانخراط في نظام التأمين الصحي الإجباري المجاني (تضامن) ، ويمكن لهذه الأسر التسجيل في برنامج التأمين الصحي الشامل (AMO Achamil) ، مع دفع اشتراكات شهرية تتراوح بين 144 و176 درهما وفقا لمستوى التقييم. أما الأسر التي يتجاوز مؤشرها في السجل الاجتماعي الموحد RSU عتبة الاستحقاق (9.74) ، فلن تستفيد من الدعم المالي ولا من نظام التأمين الإجباري عن المرض (تضامن) ، نظرا لاعتبارها قادرة على تحمل واجبات الاشتراك ، و مع ذلك يمكنها الانخراط في برنامج التأمين الصحي الشامل مع دفع اشتراك شهري يحدد بناء على المؤشر المحصل عليه من خلال السجل الاجتماعي الموحد.
يواجه تطبيق نظام التأمين الصحي الإجباري التضامني صعوبات جوهرية تضعه في تناقض مع هدفه المتمثل في تعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الهشة غير القادرة على تحمل اشتراكات التأمين الصحي. فمن جهة، المعايير الاجتماعية المجحفة المعتمدة في السجل الاجتماعي والتي يستند عليها لتحديد الأسر المستحقة، والتي تسببت في إقصاء فئة واسعة من المحتاجين من هذا النظام التأميني، حتى أن الأمر طال عددا كبيرا من المستفيدين من نظام “راميد” الذين تم اقصاؤهم عند انتقالهم إلى نظام “آمو تضامن”، بحجة ارتفاع مؤشرهم الاجتماعي.
كما أن العديد من الأسر التي استفادت من الدعم الاجتماعي المباشر (500 درهم)، استُبعدت لاحقا لنفس السبب، وبالتالي حرمت من نظام “آمو تضامن”، وقد يعزى ارتفاع المؤشر إلى سبب بسيط (كتعبئة بطاقة هاتف أو اقتناء جهاز راديو أو غير ذلك)، حيث إن أي مسعى يقوم به المستفيد لتحسين نمط حياته يقابل بحرمانه من الدعم، وهو وضع يُعد مهينا وغير واقعي ومدعاة لخلق حالة من الخوف لدى المستفيدين من تحسين وضعهم المالي، خوفا من فقدان الدعم، ما يشبه عقوبة على محاولة الخروج من الفقر الدائم.
ونسوق مثالا لبعض العاملات الزراعيات اللواتي قابلناهن في إطار دراسة (3) “حول تدابير الفعل العمومي لتحسين ظروف العمل والحماية الاجتماعية للعاملات والعمال الزراعيين في منطقة سايس بالمغرب “، إذ أبدين تحفظات، خاصة الأكبر سنا منهن اللائي يتحملن مسؤوليات عائلية، بشأن إبرام عقود عمل رسمية أو مؤقتة مع مشغليهن، خوفا من أن تؤدي رسمية العقود (بغض النظر عن عدد أيام العمل الفعلية أو قيمة الأجر) إلى ارتفاع مؤشر السجل الاجتماعي الموحد لأسرهن، مما يحرمهن من الاستفادة من الدعم الاجتماعي والتامين الاجباري التضامني على المرض.
هذه المعايير التي تعاقب الأسر على أدنى مظاهر التحسن أو التواصل تثير السخرية وتنقص من كرامة المستفيدين، مما يوقعهم في دائرة من المهانة والفقر المستمر، لضمان استمرار حصولهم على دعم لا يلبي الاحتياجات المتزايدة للحياة الكريمة. وتُبرز هذه المعوقات الحاجة الماسة إلى مراجعة شاملة للنظامين الاجتماعي والصحي لضمان عدالتهما وفعاليتهما في تحقيق الهدف المرجو منهما بوصفهما شبكة حماية اجتماعية حقيقية للفئات الأكثر ضعفا.
أما ما يعود لنفقات العلاج، فالتأمين الاجباري عن المرض AMO لا يعوض المصاريف الطبية بالكامل، حيث رغم قرار مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) سنة 2019، برفع نسبة التعويض من 70% إلى 80% في 2020، يظل المؤمن عليهم مطالبين بدفع 20% من تكاليف العلاج على المبلغ الإجمالي للرعاية التي يغطيها، على أساس التعريفة الوطنية المرجعية.
فعلى سبيل المثال، في حالة استشارة طبيب متخصص، إذا دفع المريض 250 درهما، يعوض صندوق الضمان الاجتماعي (CNSS) مبلغ 200 درهم (80% من 250 درهم)، ويبقى على المريض دفع 50 درهما.
وفي ظل غياب الرقابة على الأسعار المعتمدة في الفحوصات داخل القطاع الصحي الخاص، غالبا ما يتفاجأ المرضى بمبالغ غير قانونية يتحملونها دون أن تحتسب ضمن التعويضات.
أما في ما يخص الأدوية، فيتم تعويضها ضمن هذا النظام بناء على سعر البيع العام أو سعر الدواء الجنيس الأقرب عند توفره (لو ديسك، 2022) (4)
من ناحية أخرى، يتسم نظام التأمين الصحي نفسه بالتعقيد، حيث يوفر حماية محدودة حتى للمؤمن عليهم أنفسهم، كما أنه غير واضح بدرجة كافية فيما يخص الخدمات المغطاة، وتكاليفها، وشروط الوصول إليها، وآليات التعويض كما بين لذلك (المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 2024) (5)
إزاء هذا الواقع، فإن الصعوبات التي يواجهها المستفيدون في الحصول على الرعاية التخصصية في المستشفيات العمومية، الناتجة عن نقص الخدمات وجودة العلاج، دفعتهم إلى التوجه إلى القطاع الخاص. وتشير البيانات إلى أن أكثر من 95% من المنتسبين إلى نظام ” آمو” AMO يستفيدون من خدمات القطاع الخاص، كما أن حوالي 57% من المنتسبين إلى برنامج “آمو تضامن” يفضلون الاستشفاء في القطاع الخاص (رول، 2024) (6)
وهكذا تجد الفئات الهشة نفسها أمام واقع صحي يفتقد إلى الشفافية الكافية بشأن التغطية وشروطها، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج، ومستويات التعويضات غير الكافية، ووجوب الدفع المسبق لتكاليف العلاج، الذي لا يتوفر لدى العديد من المؤمنين .
خلاصة القول، إن نظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO) في المغرب ، وإن عد خطوة متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية، يهدف إلى ضمان تغطية صحية أساسية لفئات واسعة من السكان، لا سيما المحتاجين وغير القادرين على تحمل تكاليف التأمين الصحي بمفردهم، إلا أن التصورات السياسية التي رافقت تنفيذ هذا الورش الملكي الاستراتيجي ، كانت مصممة لجعل القطاع الخاص خيارا مغريا للمُؤمنين الباحثين عن جودة أفضل ، الأمر الذي حول هذا الأخير فعليا من شريك يفترض أن يسهم في بناء نظام صحي قوي وشامل يلبي تطلعات المواطنين ويضمن خدمات ذات جودة عالية، إلى منافس أساسي هدفه تحقيق الربح وتكريس الاستثمار على حساب تحسين الرعاية الصحية للجميع . هذا التحول، الذي يعكس توظيفا حكوميا لخدمة مصالح ضيقة، يفضي إلى استنزاف جيوب المرضى، خاصة محدودي الدخل، ويفرض ضغطا كبيرا على صناديق الضمان الاجتماعي مهددا استمراريتها. ونتيجة لذلك، فإن هذا التوجه سيزيد من تعميق الفوارق ويقلص فرص تحقيق تغطية صحية شاملة وعادلة، وهو ما يستدعي إعادة نظر جذرية وعميقة للنظام، بدلا من اللجوء إلى الحلول الجزئية.
الفهرس
1- Ferrié J.-N., Radi S. (2016), « Vulnérabilité, adaptation et misère : relation d’un cas », Horizons sociologiques, n° 2 : 135 .in : Ferrié JN, Omary Z, Serhan 0, 2018. Le Régime d’assistance médicale (RAMed) au Maroc : les mécomptes du volontarisme et de l’opportunisme. Revue française des affaires sociales 1(1) : 125.
2-Economie, 2024. Le point sur les nouveaux régimes AMO. Entretien avec Hassan Boubrik, DG de La CNSS ½. Site consulté en juin 2025.
3- Driss Benlarbi, Zhour Bouzidi, Nicolas Faysse,Dispositifs d’action publique pour améliorer les conditions de travail et la protection sociale des ouvrières et ouvriers agricoles dans le Saiss au Maroc,Alternatives Rurales Hors série ouvrières agricoles,aout 2025.
4-Le Desk, 2022. Généralisation de la couverture médicale : sept projets de décret adoptés par l’exécutif. Site consulté en juin 2025.
5-Economie, 2024. Le point sur les nouveaux régimes AMO. Entretien avec Hassan Boubrik, DG de La CNSS ½. Site consulté en juin 2025.
6-Rhoul F, 2024. Généralisation de l’AMO : un quart des Marocains toujours exclus. Les Inspirations ÉCO, 21/11/24, site consulté en juin 2025.
بقلم : ادريس بن العربي : أستاذ باحث في علم الاجتماع
جامعة المولى إسماعيل بمكناس