الخط : A- A+
شهدت مدرجات ملعب “الأمير مولاي عبد الله” بالرباط، أمس الإثنين 29 دجنبر 2025، فصلا جديدا من فصول الملحمة التي يكتبها الجمهور المغربي، حيث تجلى دوره المحوري كقوة دافعة خلال نهائيات كأس أمم إفريقيا المقامة بالمملكة، كما تحول الملعب إلى “تسونامي” أحمر منح الأسود طاقة استثنائية في مواجهتهم ضد منتخب زامبيا، والتي انتهت بفوز عريض استقر عند ثلاثة أهداف نظيفة.
وفي هذا السياق، لم تكن المباراة مجرد انتصار رياضي، بل كانت استعراضا للقوة الجماهيرية التي أثبتت أن المشجع المغربي هو “المهندس الحقيقي” لأجواء الانتصارات، واضعا بصمته الخاصة التي جعلت من ملعب الرباط حصنا منيعا ومنارة تعكس شغفا مغربيا أبهر القارة السمراء من جديد.
وهذا الحضور والشغف الاستثنائي الذي أبان عنه الجمهور المغربي في الملاعب الوطنية والقارية ليس وليد الصدفة أو طفرة عابرة مرتبطة باللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الوفاء وعلاقة عشق تربط المغاربة بقميص منتخبهم الوطني، وما نشهده اليوم هو نتاج تراكم سنوات من “تمغربيت”.

مونديال روسيا
انطلقت شرارة التألق الجماهيري المغربي بشكل لافت في مونديال روسيا 2018، حيث تحولت الملاعب الروسية إلى ساحات حمراء بامتياز، فقد سجلت الإحصائيات دخول حوالي 27 ألف مغربي للأراضي الروسية في الأيام الأولى فقط للحدث العالمي، ليرتفع الرقم ويصل إلى ذروته بـ 57 ألف مشجع في مواجهتي إيران والبرتغال، مما عكس قدرة المشجع المغربي على التنقل خلف “أسود الأطلس” من مختلف بقاع العالم، فارضا وجوده كأحد أكثر الجماهير حيوية وتنظيما في القارة العجوز.
ولم يكتفِ الجمهور المغربي في روسيا بالتشجيع الرياضي فحسب، بل قدم صورة حضارية أضفت رونقا خاصا على المونديال، وقد تجلى ذلك في التناغم الواضح مع المشجعين المحليين والوفود العربية الأخرى، حيث واكب التشجيع الروسي الفرق العربية في لوحة إنسانية فريدة، مما جعل من رحلة روسيا محطة أساسية أثبتت أن الجمهور المغربي هو سفير فوق العادة لثقافته وقيمه.

ملحمة قطر 2022
واستمر التوهج الجماهيري في الملاعب القطرية، حيث لم يعد المشجع المغربي مجرد عابر سبيل، بل صار فاعلا أساسيا في إنجاح التظاهرات الكبرى، فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال 2022، عاد الجمهور المغربي ليؤكد حضوره القوي في بطولة كأس العرب 2025، محولا الدوحة إلى عرس مغربي مفتوح، ومؤكدا أن الشغف الكروي المغربي هو “العنوان الأبرز” للأجواء الاستثنائية في العاصمة القطرية.
وتجاوزت الاحتفالات المغربية حدود الملاعب في قطر لتغزو الفضاءات العامة مثل “سوق واقف” والحي الثقافي “كتارا”، فقد رسمت الجالية المغربية المقيمة بقطر، جنبا إلى جنب مع الجماهير الوافدة من أرض الوطن، لوحة إنسانية نادرة تعج بالأهازيج الوطنية والأعلام الحمراء، مما جعل من كل مباراة للمنتخب الوطني احتفالية ثقافية واجتماعية تتجاوز المستطيل الأخضر.

كاأس إفريقيا المغرب 2025
منذ انطلاق الكان بالمملكة المغربية، بدى واضحا أن الجمهور المغربي يتجه إلى جعل نسخة هذه الدورة استثنائية، فريدة، وتاريخية بكل المقاييس، حيث لم تعد البطولة مجرد منافسة تقنية بين المنتخبات، بل تحولت بفضل “اللاعب رقم 12” إلى كرنفال ثقافي، بالإضافة إلى الحضور الجماهيري المكثف، والأجواء الاحتفالية التي تمتد إلى خارج الملاعب، تمنح هذه النسخة صبغة تاريخية ستظل محفورة في ذاكرة الكرة الإفريقية، مؤكدة أن المغرب لا ينظم مجرد بطولة، بل يقدم للعالم تجربة إنسانية ورياضية غير مسبوقة تليق بمكانة المملكة وطموحاتها الكبرى.
ومع انتقال المشعل إلى الأراضي المغربية لاحتضان نهائيات كأس أمم إفريقيا، رفعت الجماهير المغربية وجمعيات المجتمع المدني من وتيرة الاستعداد، ولم يقتصر الدور هنا على الهتاف في المدرجات، بل امتد ليشمل برامج تطوعية مكثفة تهدف إلى تأطير المشجعين وإبراز الهوية المغربية العريقة، من خلال ارتداء الزي التقليدي والحرص على كرم الضيافة لاستقبال ضيوف القارة السمراء.
وفي خطوة لتعميم أجواء العرس الإفريقي، أطلقت فعاليات مدنية أنشطة موازية تشمل ورشات في الطبخ المغربي، الرسم، وعروض المسرح والرقص الشعبي، حيث تهدف هذه المبادرات إلى نقل شغف البطولة من الملاعب الكبرى إلى الأحياء الشعبية العريقة، مثل حي “يعقوب المنصور” بالرباط، عبر تنظيم دوريات محلية تضمن مشاركة كافة فئات الشعب المغربي في هذه التظاهرة الوطنية.
ويُثبت الجمهور المغربي في كل تظاهرة رياضية أنه “رقم الصعب” وقوة جماهيرية لا تعرف الحدود، حيث يبهر العالم بقدرته الفائقة على الحشد والمساندة أينما حل وارتحل خلف “أسود الأطلس”، محولا مدرجات الملاعب في مختلف القارات إلى لوحات فنية تنبض بالحياة.
